مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في كتاب (الحكيم): العمل الطبي وتاريخ الطب في السودان .. بقلم: بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير
نشر في سودانيل يوم 15 - 11 - 2013

أهداني البروفيسور أحمد الصافي الأستاذ بكلية الخرطوم للعلوم الطبية نسخة (soft-copy) من كتابه الموسوم ب : "الحكيم – من أجل أطباء أعمق فهماً لمهنتهم ولثقافات مجتمعاتهم وأكثر وعياً ببيئاتهم وأحوال أهلهم". صدر الكتاب هذا العام (2013م) من المؤسسة السودانية للتراث الطبي، ويبلغ عدد صفحاته (569) . يشتمل هذا المؤلف الضخم على تسعة أبواب ، فضلاً عن خلاصة والعديد من الملاحق . وساقدم أدناه قراءة مقتضبة لهذا السفر النادر على أن أعود لتفاصيله في أوقات أُخر لأهمية الموضوعات التي تم التطرق إليها. ويستبان من "التصدير" أن الدكتور الصافي استغرق في إعداد هذا الكتاب أكثر من أربعة عقود من الزمان . وإستقى معلوماته الأساسية من كتابين له بالإنجليزية صدرا في أعوام 1967م و 1999م.
كتب مقدمة الكتاب الأستاذ الدكتور عبد الله علي إبراهيم. وأشار إلى أن دعوة دكتور الصافي من وراء كتابه المنهجي هي التأهيل الإجتماعي والثقافي للطبيب الحداثي المدرب في التقليد العلاجي السائد ( أي الطب البيولوجي) ليعلم أن للمرض عواملاً غير عوامل الطبيعة والجراثيم، لذا صار من الضرورة أن يدرس العلوم الإنسانية والإجتماعية ليحسن الوعي بالمريض ككائن إجتماعي.
ويلحظ أن المؤلف تحدث في "التصدير" عن مولده ونشأته بمدينة الدويم. وأبان أنها نشأة عادية لا تختلف عن نشأة أترابه من أبناء السودان. وأوضح أنه تعرض للأمراض التي كانت سائدة في البيئة السودانية الشعبية خلال منتصف الأربعينات من القرن الماضي. وتم علاجه بالأدوية البلدية (الزيت) ، عسل النحل ، لبن الحمار، المستكة... الخ . وأفاض في الحديث عن المعالجين الشعبيين في أحياء "الدويم" ، فمنهم البصير الذي يجبر الكسر ويعالج (الفَكَكْ) ويرجع المفاصل لأصلها. وشاهد في طفولته (الطهار) يختن الأولاد كل يوم و(المعراقية) مشتتين في شوارع المدينة يفترشون الأرض يبيعون عروق (الدبيب) والمحبة والفوز. وكانت هناك حلقات (الزار) في الدويم كتلك التي عرفتها أغلب مدن السودان وأريافه. وتحتفل النساء في هذه الحلقات، فيرقصن على الإيقاعات السريعة ، يروحن عن أنفسن، ويتخلصن إن صح التعبير ، من بعض توترات بيوتهن ورهق الحياة الرتيبة .
وتجدر الإشارة إلى دراسة الدكتور الصافي للطب بجامعة الخرطوم والتي تخرج فيها عام 1969م ، وتخصص في التخدير ببريطانيا (1973-1978م) . وواصل نشاطه الطبي بالسودان (1978-1988م) وفي المملكة العربية السعودية (1989-2004م) . وتعرف على الطب الشعبي الصيني في مظانه، فدرس الوخز بالإبر الصينية بكلية نانجنق للطب الشعبي في الصين (1982م) . وخلال العقود الماضية زار أغلب مراكز العلاج الشعبي في السودان. وشاهد جلسات علاج لا حصر لها، واستجوب أشخاصاً عديدين معالجين ومرضى ، رجالاً ونساءً متعلمين وأميين . واستفاد كثيراً من دراسات رائد الطب النفسي والشعبي في السودان البروفيسور التيجاني الماحي (1911-1970م).
وأكد دكتور الصافي أن دراسته الموسوعية تهدف لوضع الشروط اللازمة للطبيب ذي المقدرات العلمية المتميزة والمهارات الفنية العالية ، الطبيب البصير المتمكن من علمه والطبيب الحكيم الواعي المدرك لخفايا المجتمعات التي يعيش فيها ويعمل معها. ولكيما يصل الطبيب إلى هذا المستوى فهو يحتاج إلى قدر كبير من المعارف المتنوعة بطريقة مدروسة ومنظمة وإلى أفق أكثر رحابة في تحصيل المعرفة.
وتحدث في المقدمة عن أنواع ونماذج في الطب كما إستخدم في كتابه (الحكيم) عدة مصطلحات تشير إلى مفاهيم محددة مثل الطب الرسمي والشعبي والشمولي ...الخ . وهذه المصطلحات جادت بها عقول وإجتهادات العلماء وهم يبحثون في العلاقة بين المفاهيم العلمية والألفاظ اللغوية التي تعبر عنها. فالطب الرسمي Official Medicine) )هو النظام الذي تحميه الدولة بتشريعاتها وقوانينها وتنظمه لوائحها ونظمها السيارة فهو مبني على دراسات دقيقة وأبحاث وبراهين علمية أكدت فاعلية ومأمونية أغلب ممارساته والأدوية المستعملة فيه وأقرت طرق استعمالها. أما الطب الشعبي (TraditionalMedicine) فيقع خارج نطاق الطب الرسمي . وما زالت معظم الدول ومنها السودان مترددة في إعطائه أي سند قانوني ليمارس نشاطه تحت مظلة نظمها وأجهزتها الرقابية.
تناول الكاتب في الفصل الأول (صحة السودان عبر القرون) تاريخ الطب في السودان منذ آجال موغلة في القدم إستناداً إلى الأدلة الأثرية والتاريخية. وأشار إلى حضارات السودان العريقة منذ عهود ممالك كوش (كرمة ومروي) التي ترجع إلى ما يزيد عن الأربعة آلاف عام. ولعل أقدم المصادر التي أشار إليها المؤرخون والباحثون هي البقايا والمخلفات مثل الأدوات والمعدات الطبية والجراحية وأواني الطهي والنظافة ووسائل التخلص من النفايات ووسائل حفظ الماء والطعام وكل ما يستعمله الإنسان من أجل المحافظة على صحته وترقيتها وفي الوقاية من المرضى . وتشير بعض الأدلة الأثرية إلى أن إنسان السودان القديم كما يتضح من مومياوات وهياكل وبذور وفضلات بشرية وعظام حيوانات مبعثرة حول المواقد كانت له معرفة بالعديد من الأمراض مثل الروماتيزم وسل العظام وبعض الأورام السرطانية وأمراض الدم الوراثية وأمراض الفك وتسوس الأسنان ، كما وأنه مارس بعض أنواع التربنة أو الثقب الفحصي وتجبير الكسور في العصور العتيقة.
وأوضحت مشاهدات وتقارير الرحالة الأروبيين أمثال جيمس بروس ، صمويل بيكر ، وليام بوركهارت، وثيودور كرمب وغيرهم أن السودان في القرون الوسطى وحتى القرن الثامن عشر قد إجتاحته العديد من الأوبئة (الكوليرا، الجدري ...الخ) بصورة راتبة أهلكت أعداد كبيرة من الأهالي. ولوحظ أن أغلب هذه الأوبئة قد وفدت من الدول المجاورة وإرتبطت في كثير من الأحيان بالمجاعات والجفاف والقحط والفقر السائد آنذاك.
وأفرد الفصل الثاني للحديث عن "العقد بين الطبيب والمريض والمجتمع". وأوضح أن العقد الأخلاقي المبرم بين الطبيب والمجتمع يضع مصلحة المريض فوق مصلحة الطبيب. وألمح إلى أن تحرص جميع الأطراف (المجتمع، الهيئة الطبية) على تحقيق معايير لجدارة الطبيب وكفاءته ومقدراته وأن تعمل على توفير الخدمات الطبية بكل أنواعها للناس وأن توزعها توزيعاً عادلاً ، علاوة على السعي الحثيث لتثقيف المواطنين بغية تغيير سلوكهم من أجل تحسين الصحة العامة للمجتمع.
ولعل مهنة الطب هي المهنة الوحيدة – كما نوه المؤلف – التي لها منذ فجر التاريخ وبداية الحضارة الإنسانية – آداب للممارسة تبلورت في إطار قسم يلتزم المعالجون (الأطباء) بأدائه قبل أن يسمح لهم بمعالجة المريض ورعايته وهو قسم أبو قراط (460-357 ق.م) . وتم تعديل هذا القسم بإعلان جنيف في عام 1947م ثم عدله المؤتمر العالمي للطب الإسلامي الذي عقد في الكويت في يناير 1981م في إطار الدستور الإسلامي للمهن الطبية ، وأقره مجلس وزراء الصحة العرب، فتبنته أغلب الدول العربية ومن ضمنها السودان في عام 1992م.
وخصص الفصل الثالث للحديث عن "مفاهيم الصحة والمرض". ومن المعلوم أن الطب في ذهن عامة الناس جزء من الدين والغيبيات والسحر. وأسباب المرض والموت وفقدان الزرع والضرع والحرمان من المال والولد كلها حظوظ وأرزاق خاضعة للناموس الكوني وما تواضع عليه الناس من معتقدات وقيم. أما مفهوم المرض في الذهن الشعبي فهو خرق في النسيج الإجتماعي، ويهدف العلاج لأبعد من علاج المريض وإزاحة البلاء، فيسعى إلى علاج كل المجموعة وإزالة هفوات الناس ونقاط ضعفهم حتى لا تتكرر المصيبة. فمرض الفرد ليس حالة منعزلة بل دالة إجتماعية إذا كانت لتلك الحالة علاقة بالسحر أو (العين الحاسدة) مثلاً ، فيعيد العلاج الفرد والمجتمع لبر الأمان ويعيد علاقات المجتمع التي تأثرت لسابق عهدها. لذلك تمارس أغلب طقوس العلاج الشعبي في العلن مقارنة بطقوس العلاج في المستشفى (الطب الرسمي) والتي تحاط بشكل كبير بالسرية خاصة ما يتعلق منها بمقابلة الطبيب لمريضه وعلاقته به.
وحيز الفصل الرابع ل "أسباب المرض والإصابة" وأسباب المرض والإصابة في فهم عامة الناس عديدة تكمن في الشخص نفسه أو في البيئة التي يعيش فيها أو في مجتمعه أو في عالم الغيب. وقد تكون أكثر من عامل من هذه العوامل . ولم يحتاج الإنسان لكثير عناء ليعرف أن عظماً من عظام الجسم قد إنكسر أثناء عراك مثلاً، أو أن مفصلاً قد إنخلع ، كما لم يكن غريباً عليهم أن يستنتجوا أن إلتهاباً قد نجم عن جسم غريب أو أنه استقر داخل الجسم. ويعتقد السودانيون أن لقوى ما وراء الطبيعة أثراً في المرض والإصابة نتيجة السحر الأسود (العين الحارة) أو (العين الحاسدة) أو قوى الغيب التي تؤثر على الإنسان، أو كانت أثراً من آثار الشياطين التي تلبسته أو أرواح الموتى التي حوله أو جراء غضب الإله عليه.
ناقش الكاتب في الفصل الخامس (وسائل تشخيص المرض والإصابة) ويتنبأ بتطوره معتمداً على أعراض وعلامات وعلى تجربة مبنية على معلومات تواترت ودعمت إحصائياً في كثير من المرات ، وإستناداً إلى البراهين العلمية. غير أن أسباب المرض والإصابة لا علاقة لها في الذهن الشعبي بأي كائن مجهري مثل البكتريا أو الفيروسات أو الطفيليات أو خلافها. و في الطب الشعبي السوداني يستخدم المعالجون تقنيات عديدة تشمل التنبؤ بالغيب، خت الودع، النظر في الرمال ، الرؤى الصادقة، المكاشفة، الاستخارة ، تفسير الأحلام ، التنجيم ، علم الحروف ، أوفاق الأسماء ، الزيراجة، حركة الحيوان والطير...... الخ.
استعرض الفصل السادس "المعالجون وطرق العلاج والوقاية" الأساليب المختلفة للمعالجين الشعبيين. وأبان كيف أن غالبيتهم تدعي قدرات غير حقيقية في معالجة كافة الأمراض مما تسبب في كثير من الأحايين في تأخير غير مبرر في وصول المرضى للمستشفيات لتلقي العلاج اللازم. وإتسمت وصفات هؤلاء المعالجين الشعبيين ( الُفقرا، البُصراء والشيوخ) بالسرية المفرطة ، فقد إعتقدوا أن احتكار أسرار تلك الوصفات هو أحسن طريق للحفاظ عليها. واستخدام هؤلاء المعالجون ، الرقية ، الأحجبة، الحروز المعدنية، البخرات، المحاية، الحواطة، الكرامة) وعلامة الصليب المسيحي للوقاية من الأمراض و (العين الحاسدة).
تناول الفصل السابع "العلاجات والممارسات الشعبية" الأنواع المختلفة للجراحة لأغراض طبية وجمالية وإجتماعية. وكانت أغلبها ممارسات بسيطة ، فخاط السودانيون القدامى البطن المبقورة في الحروب بشعر (سبيب) الخيل بعد تغطية الإمعاء بنبات القرع دون قشرته فيلتئم الجرح دون أن يلتهب أو يتقيح ، ووسموا وشلخوا النساء والرجال. وفصدوا المرض ومارسوا (الحجامة) والكي، وختنوا الأولاد وخفضوا البنات، وجبروا الكسور وطيبوا الجروح النازفة. ومما يجدر ذكره أن جميع العمليات الجراحية قد حملت بذرة النذف لجهل الممارسين الشعبيين بأبجديات التشريح ومواضع الشرايين والأوردة ولعدم إلمامهم بأبسط قواعد النظافة والتعقيم.
وفي الفصل الثامن المعنّون ب "حصاد السنين" قدم المؤلف بانوراما شاملة للوضع الصحي في السودان منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وشهد القرن الماضي وما بعده طفرة في الوضع الصحي بالسودان الحديث. فأنشئت مجالس تنظيم المهنة وأخرى للدراسات الطبية، وقامت أخرى لوضع السياسات وأسست كليات جامعية ومؤسسات أخرى للتعليم في كل مجالات الطب. والصحة. وكانت مدرسة كتشنر الطبية التي أسست عام 1924م هي النواة الأولى للتعليم الطبي في السودان وتطورت لتصبح كلية الطب بجامعة الخرطوم في منتصف الخمسينات. وأنشئت لاحقاً مراكز تدريب أهلية لتساعد القطاع العام في سد ثغرات عديدة. وأنشأ مجلس التخصصات الطبية السودانية في عام 1995م لتأهيل الأطباء ليصبحوا اختصاصيين في مجالات الطب المختلف ويؤهل أكثر من ثلاثين طبيباً سنوياً . وبلغ عدد كليات وبرامج الطب بالسودان في عام 2013م (31) تخرج أربعة آلاف طبيب كل سنة. غير أن الوضع الصحي حسب ما يذكر المؤلف – لم يتقدم بخطى ثابتة في فواتيح القرن الواحد والعشرين كما خطط له رغم الازدياد المضطرد في عدد الأطباء والكوادر الطبية المساعدة لأن معدلات هجرتهم خارج البلاد تتزايد يوماً بعد يوم بسبب العديد من المصاعب التي تواجههم والمتمثلة في التوظيف وغياب التدريب الكافي وشح المرتبات وتردي أحوالهم المعيشية والاجتماعية.
وبما أن تطوير الخدمات الصحية في السودان يحتاج إلى تخطيط إداري فعال وسياسات واقعية تنفيذاً ومراقبة وتنظيماً وتقييماً ، وجب إشراك جميع الكفاءات الوطنية في التخطيط والتنفيذ كما تتطلب العملية الإدارية صياغة سياسات صحية ذات أولويات محددة وبرامج وميزانيات لوضع هذه السياسات موضع التنفيذ. وعلى وزارة الصحة أن تستعين برأي المختصين وأن تتبنى وتشجع الدراسات العلمية الشاملة لكل خططها ومشروعاتها الخاصة سيما وأنها السلطة العليا المختصة أمام الجهاز التشريعي والتنفيذي عن توفير الخدمات الصحية وتطويرها إتساقاً مع مسيرة التقدم العلمي وإحتياجات البلاد وإمكاناتها.
وفيما يخص الأفعال الطبية الضارة والطبابة الرشيدة (الفصل الأخير للكتاب) فيشير المجلس الطبي السوداني إلى أن الممارسة الطبية الجيدة تتطلب توفر أطباء جيدين يضعون رعاية مرضاهم في أولويات إهتماماتهم ويعملون باستمرار على تنمية معلوماتهم وترقية مهاراتهم ومتابعة آخر المستجدات العلمية في مجال الطب والصحة مع العمل على خلق علائق جيدة مع مرضاهم وزملائهم وهم دوماً صادقين ومحل ثقة ويتصرفون بنزاهة.
أما الطبابة الرشيدة فهي مفهوم تندرج تحته كل النشاطات التي تعمل على تحقيق الجودة الشاملة في المؤسسات الطبية. ولتحقيق هذا البرنامج على الإدارة الطبية في كل مؤسسة وكل منشأة أن تضعه موضع التنفيذ ضمن النظم الإدارية السارية وذلك بنص قانوني يجعل ترقية الأداء مهمة أساسية من مهام المسئولين والإداريين.
وكانت ولا تزال مسألة تخطئة المعالج طبيباً أو بصيراً أو داية إحدى الممنوعات الحضارية الممتدة عبر تاريخ المهنة لأسباب بعضها يتعلق بالمفهوم الشعبي لأسباب المرض ومنها ما يتعلق بخصوصية العلاقة بين المعالج والمريض وما يحتم البعد عما يزعزع الثقة فيها. ولكن عندما امتدت مساحة المهنة خارج نطاق الخصوصية أصبح هدف المجتمع حماية هذه الخصوصية وتأكيدها ودعمها. لذا وجب على المجتمع والمعالجين من الأطباء الوقوف بصورة صلدة لمراجعة الأداء والممارسة مع تقييم دور المؤسسة بموضوعية ونزاهة.
خلاصة القول ، أن هذا الكتاب يعد إضافة جديدة للمكتبة الطبية والإجتماعية السودانية سيما وأنه أمدنا بمنهج غير مسبوق في دراسة وممارسة الطب مما يعطي دفعة جديدة للبحث العلمي في هذا التخصص الهام والإنساني بوجه عام وفي السودان على وجه التخصيص وذلك بالعمل على ربط الأمراض والمعالجات بالبيئة الطبيعية والواقع الاجتماعي. لذا لابد أن أثبت هنا أن هذه الإصدارة ستكون مرجعاً للمشتغلين بالطب والصحة العامة وتاريخ الطبابة في هذا الوطن لسنوات عديدة آتية. ويلزم التنويه أن هذا الكتاب قد سطر بلغة عربية قشيبة وبأسلوب أكاديمي جاذب ، ما يجعله في متناول المتلقي سواء أكان متخصصاً أو قارئاً عادياً . والله المستعان.
Abdelrahim Khabir [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.