أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تاريخ ما أهمله التاريخ عن جنوب السودان (2) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 08 - 02 - 2014

حركة وطنية سودانية أم حركات وطنية: تاريخ ما أهمله التاريخ عن جنوب السودان (2)
(أنشر على حلقات هذا المقال الذي سبق لمركز الدوحة للأبحاث ودراسة السياسات تضمينه في كتابه "جنوب السودان الفرص والمخاطر" (2012). وأعيد نشره قريباً في سلسلة كاتب الشونة. وجردت المقال هنا من هوامشه المرجعية لطبيعة هذا المنبر. ولكني سأنشر في نهاية الحلقات المراجع التي اعتمدت عليها. ومن طلب دقائق الهوامش رجع إلى المقال في بيئته الأصل.
في الجزء الأول جئنا بخبر الأستاذ عبد الخالق محجوب الذي رد على ذائعة الجنوبيين أن سائر الشماليين تركة الزبير باشا فلا تنتظر منهم خيراً. قال عبد الخالق إنه ربما نسي القائل هنا أنه نشأ بين الشماليين حزب شيوعي أخذ الأخاء الوطني أخذاً جميلا. وتساءلنا إن لم يكن قول عبد الخالق ذاك مجرد تجمل وتفاؤل لا يسنده واقع. وأجبنا بأن تفاؤل الرجل كان في محله. وبدأنا في عرض نضال الحزب والطبقة العاملة بعد الاستقلال لتطبيق مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي لرفع أجور الجنوبيين التي بخسهم الاستعمار. وعرضنا للنظرية العرقية الاستعمارية والتبشيرية البيضاء التي اعتقدت أن الجنوبيين قبيل من سائر الزنج ممن يفسدهم النقد ويحجبهم عن الأكل خشاش الأرض. ويكفيهم من المال النذر. فلو كان من أساء للجنوبيين حقاً فهم الإنجليز الذين قامت سياستهم للأجور على تمييز للشماليين. وهذا ما احتشد الحزب الشيوعي كما سنرى لتغييره لتجديد الزمالة في الوطن. وسنرى كيف لقى الأمرين من حكومة الوقت الوطنية التي لم تخرج عن سقف حركة الخريجين وأمانيها حتى قلنا أن الحركة الوطنية حركات في واقع الممارسة لا حركة واحدة.
تاريخ للحركة الوطنية في جنوب السودان لا يرغب أحد في تبليغه:
أخذ تباين الأجور يؤرق المستخدمين الجنوبيين منذ الثلاثينات. وسنتجاوز الإضرابات العديدة التي قام بها العمال الجنوبيون لرد المظلمة لنركز على جانبين من جوانب نشأة الحركة النقابية المطلبية في الجنوب. سنصف أولاً نشأة جمعية رفاه الموظفين الجنوبيين التي تكونت في 1947 وجهادها في تحقيق مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي. وسنتطرق أيضاً لأسباب التوتر الصناعي في أنزارا، حاضرة المنشأة الصناعية لمشروع الزاندي، في 1954- 1955.
بدأ الإنجليز في الأربعينات يعيدون النظر في سياستهم حيال الجنوب التي تقررت في 1930 وقضت بعزله عن الشمال. فعقدوا مؤتمراً بجوبا، حاضرة الجنوب، في 21 يوليو 1947 للتفاكر مع الجنوبيين، في ما إن كانوا على استعداد للقبول بالتطورات الدستورية التي رتبوها لإعداد السودان بأسره للحكم الذاتي ولكن من غير أن يحددوا ميقاتاً معلوماً. وكان الإنجليز يعلمون أن الجنوبيين غير ميالين ليكونوا طرفاً في مثلها. والتقى في المؤتمر مندوبون عن الشمال والجنوب اختارهم الإنجليز وبحضور موظفين منهم. واستغرب جيمس روبرتسون، السكرتير الإداري لحاكم السودان العام، كيف أن حفنة الأفندية الجنوبيين تخلوا بالكلية عن موقفهم في اليوم الأول باعتزال تلك التطورات الدستورية وغايتها في توحيد السودان. ثم جاء اليوم الثاني وقبلوا بها. وعبر في كتابه ( 1974) عن اقتناعه أن من كان السبب هو القاضي محمد صالح الشنقيطي، المندوب الشمالي النشط في ردهات المؤتمر، الذي تفاهم مع الموظفين الجنوبيين، دون مناديب زعماء القبائل، بتبني الشمال لمطلبهم بمبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي.
لم يقبل القوميون الجنوبيون اللاحقون أبداً بمقررات مؤتمر جوبا الذي تواضع على توحيد السودان، للصالح أو الطالح، بعد أن كادت سياسة الجنوب الإنجليزية أن تفصم عراه. ومن حججهم القوية على ذلك أن الشماليين خدعوا الجنوبيين وزجوا بهم في حظيرة الوحدة زجاً. وصار الشنقيطي في نظر هؤلاء القوميين شيطاناً رجيماً لدوره في إغراء أعضاء المؤتمر الجنوبيين بقبول وحدة القطر متجاوزين تحفظاتهم حول الوحدة التي صدعوا بها في أول يوم لإنعقاد المؤتمر. فقوميو يومنا في الجنوب لا يرون في مبدأ الأجر المتساوى قضية مستحقة يبني عليها سلفهم قراراً سياسياً مصيرياً. وبدا لهم تحول السلف من التحفظ على الوحدة إلى تبنيها صغاراً غير لائق وتهافتاً على خدعة شمالية باكرة. وبلغ هذا التأنيب للسلف حداً أضطر ستانسلاوس عبد الله بايساما، السياسي الجنوبي وعضو مؤتمر جوبا في 1947، للرد عليه في مذكراته التي نشرت من قريب (بلا تاريخ). قال بايساما إنه لا صحة للقول بأنهم خٌدعوا في لمؤتمر كما زعم روبرتسون. فالجنوبيون اذكى من أن يضلهم حتى فتى ماهر كالشنقيطي عن سبيلهم.
ومع ذلك لا بد من الاعتراف بأن تحول الجنوبيين من التحفظ على الوحدة إلى تبنيها كان درامياً. فشتان بين قولهم في أول يوم للمؤتمر إنهم أخوة قاصرين للشماليين لا دربة لهم على خوض بحر السياسة على قدم المساواة إلى استعدادهم في اليوم التالي للمؤتمر للقبول بالوحدة والخوض الصعب في ذلك البحر اللجج. وأخذ هذا التحول رئيس المؤتمر الإنجليزي على حين غرة ورغب أن يعرف من الجنوبيين سر الانقلاب. وبالطبع قام الإنجليز ب "تقسيس" (مصطلح في أخذ المرء عن عقيدته إلى أخرى) المناديب الجنوبيين قبل المؤتمر. وكان من رأي مفتش بريطاني بالجنوب أن ذلك التقسيس في محله خشية أن يتحول المؤتمر إلى مهزلة. ولا غلاط أن الشنقيطي كان نشطاً في داخل المؤتمر وفي أروقته. كان صوت الشنقيطي في الجلسات ربما صوت الحركة الوطنية الشمالية الجهير الوحيد حيال الجنوب الذي تجسد في هتافها المزمن: "لا تفريق لأمة واحدة يسقط يسقط الاستعمار" بإنجليزية مقفاة. وكان من وراء حجاب يناقش الأفندية الجنوبيين عن صفقة الوحدة ومستحقها.
وبدا أن الشنقيطي قد خاطب مظلمة غائرة ومٌعَذِبة لأولئك الأفندية ربما بدت قليلة الشأن لأجيالهم اللاحقة. ومهما يكن فقد كان البون بين الأجور في الشمال والجنوب شاسعاً. وكان حقاً. وكان مسيئاً. ونجد هذه المعاني دقيقة في خطاب كتبه القس المتقاعد أ أم قليسروب إلى روبرتسون، السكرتير الإداري، والدكتورة مارقريت بيرهام، أستاذة علوم الإدارة الإمبراطورية بأكسفورد، بعد زيارة للجنوب في 1948. قال فيه إن دافع الجنوبيين للقبول بوحدة السودان هو الحصول على الأجر المتساوي مع الشماليين. وبتحقيق هذا المطلب المهني سيتخلصون من الاستصغار وذهنية "العبد" التي انغرست فيهم من الشماليين الذين استعبدوهم في القرن التاسع عشر. وقال ولكن لهذا المسار، حسب قوله، مفآجاته. فمتى تساوى الجنوبيون مع الشماليين في الأجر افترقت دروبهم والتمس الجنوبيون من العالم أن أن يقف بجانبهم في مطلبهم بهوية وطنية مستقلة. ولن يبلغوا الغاية من هذه الهوية ومطلبها ما لم تطلق الحكومة يد التبشير والكنيسة في الجنوب لخمس سنوات قادمة.
تبنت جمعية رفاه الموظفين الجنوبيين مطلب مساواة الأجور في السودان المستعمر ونشطت لتحقيقه. وسنتناول هنا بصورة عريضة مساعيها لرد مظلمة أعضائها من تباين الأجور. وهذه الجمعية كأن لم تكن في نص تاريخ الجنوب الذي يذيعه القوميون الجنوبيون المعاصرون. فلا تجد لها ذكراً في الرواية التاريخية العريضة للجنوب باستثناء السياسي الكاتب لام أكول ربما. فقد تغاضي هؤلاء القوميون ومؤرخوهم عن جذور الحركة الوطنية الجنوبية المناهضة للاستعمار من فرط تركيزهم الدقيق على ضروب الظلم التي عانوا منها تحت ظل الحكومات الوطنية الشمالية في الخرطوم. وليس أدل على ذلك من أن كتابيّ محمد عمر بشير الرائجين عن مسألة الجنوب. (1968 و1975) ذكرا الجمعية مرة عرضاً في مقام تعديدهما للمنظمات الني نشأت في الأربعينات لتعبر عن الوعي الجنوبي السياسي. قال بشير عن الجمعية إنها نشأت في 1947 وانشغلت بأجور الجنوبيين ومواهيهم. ونسب لإضراب ناجح للجمعية الفضل في رفع الحكومة لمرتبات أعضائها. وجدير بالتنويه أن محمد عمر بشير لا يذكر تباين الأجور بين الشمال والجنوب إلا حين يقع حادث سياسي سعيد تتحسن بموجبه شروط خدمة الجنوبيين. وغير باد أنه اعتني يالديناميكية السياسية لذلك التباين الذي هو موضوعنا في هذه الكلمة.
ولعله من بؤس العلم حذف جمعية رفاه موظفي جنوب السودان من السجل التاريخي بالنظر إلى ما كتبه عنها جوزيف قرنق، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي وأول وزير للجنوب في دولة نميري (1969-1985) قبل شنقه في 1971 في أعقاب انقلاب عسكري أتهم الشيوعيين بالضلوع فيه. وعنوان كتابه هو "مأزق الإنتلجنسيا الجنوبية" جرى توزيعه سراً في أروقة الحزب الشيوعي وأعيد نشره في 1971 بواسطة وزارة شوؤن الجنوب. وهو كتاب مناسب ونافذ وذائع كان هو طرفاً في وقائعه.
تطرق الكتاب الصغير لطبيعة جمعية رفاه موظفي جنوب السودان المعادية للاستعمار على أنه لم يكتب لذلك الغرض أصلاً. كما وردت معارضتها لخرق الاستعمار لمبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي في كتاب سفرينو جألي (2000) وآخر لمحمد خير البدوي (2008). يَرجع جألي بالدافع لتكوين الجمعية إلى آخر الثلاثينات. ففي هذا الطور الباكر للجمعية اقتصر أفندية الجنوب على كتابة العرائض لمدير مديرية بحر الجيل (وحاضرتها جوبا) تلتمس رد مظلمتهم المهنية. وكان المدير وقحاً في رده عليهم. فقد فخر عليهم بطول وعرض مملكته (مديريته) التي يرقد فيها سلف أولئك الأفندية رقدتهم الأخيرة. ثم قال لهم ليحدث الحاضر الغائب أن المدير قد عَنٌف في توبيخهم على اجترائهم. وهذا كل ما ورد عن المذكرة.
تكونت لجنة الجمعية التمهيدية في 1947. ومما رواه جألي عنها بدا أن أفندية الجنوب ضاقوا بذلك الضيم المهني في الإجور. فحدثنا عن قدومه لجوبا من محطته وزيارته لحي "نمرة تلاتة" الذي يسكنه الموظفون الجنوبيون. ووضح له أن سكن عتالة ميناء جوبا الشماليين كان أميز من "نمرة تلاتة" ناهيك عن سكن نظرائه الموظفين الشماليين بالمدينة. وقادت هذه التفرقة الأفندية الجنوبيين لتكوين الجمعية في 1947 بمركز في جوبا وفروع في بلدات كبويتا وتوريت وياي وأمادي ومريدي ويامبيو (بمديرية بحر الجبل، الإستوائية لاحقاً وحاضراً) وملكال (مديرية اعالي النيل)، وواو (بحر الغزال). فتقدموا بعريضة في مارس 1947 إلى مديرية بحر الجبل لينظر في تظلمهم من شروط خدمتهم البائسة ومطلبهم بمساواة أجورهم مع الشماليين. وانعقد مؤتمر جوبا كما مر في يونيو من نفس العام. ويبدو أن نجاح الشنقيطي المزعوم في تحويل الأفندية الجنوبيين (وليس الأعيان الجنوبيين) من السلبية تجاه وحدة القطر إلى الإيجابية مردود إلى ملامسته حسنة التوقيت لتلك الظلامات والتزامه، كشمالي مميز، إلى التضامن مع الجنوبيين لتحقيق مبدا الأجر المتساوي للعمل المتساوي. ولكن الجنوبيين انتظروا وعد الشنقيطي طويلاً وما جاءتهم منه نأمة. وأضطر الموظفون الجنوبيون إلى الدخول في إضراب لثلاثة أيام في أكتوبر 1947 احتجاجاً على بؤس شروط خدمتهم. وأرسل الإنجليز كتائب من الفرقة الجنوبية لإرهاب المضربين وسكان المدينة. وألقوا القبض على بعض قادة الإضراب. ولكن أفراد الفرقة الجنوبية سرعان ما تغير رأيهم في مهمتهم بعد أن علموا ظلامة المضربين. فتلطفوا جداً في معالجة الموقف. ومعرفتنا بهذا الإضراب معين لنا لنفهم ما جاء عند روبرتسون من أنهم حسنوا من شروط خدمة موظفيّ الجنوب بعد مؤتمر جوبا. ومن الواضح أن ذلك التحسين احتاج لإضراب قبل أن يصبح واقعاً كما سنرى.
أما محمد خير البدوي، الموظف الشمالي بفندق الحكومة بجوبا في تلك الأيام، فقد حدثنا عن جمعية أكثر شمولاً مما سمعنا لوقتنا. فقال إنه كان عضواً بها وكذلك جماعة من الشماليين بالمدينة. علاوة على قوله بأن الجمعية قامت بأدوار إصلاحية لمجتمعها وفي التعليم. فهي عند البدوي بمثابة "مؤتمر خريجين" جنوبي على غرار مؤتمر الخريجين في الشمال الذي هو وعاء وطني ضم خريجي المدارس الإستعمارية الحديثة (الأفندية) التي جاء استقلال السودان ثمرة لنشاطاتها. ولكن كتاب البدوي انفرد بنشر نص الرسالة التي تقدمت بها الجمعية للحاكم العام. فقال إنه عربها والوقائع ساخنة في 1947 وهَرَّبها من جوبا لتنشرها جريدة "صوت السودان" في الخرطوم. واستغرب البدوي في كتابه لأنه لم يجد ذكراً لهذا الخطاب في الكتب عن تاريخ جنوب السودان سوى عند محمد عمر بشير. ولم يٌعين البدوي كتاب البشير الذي ورد ذكر العريضة فيه. وقد بحثت في كتبه التي عالجت مسألة الحركة الوطنية وتاريخ التعليم ومسألة الجنوب ولم اقع على إشارة للعريضة بها. ولم أجدها في كتابه عن التعليم في السودان (1969).
وتجسدت بوضوح بذور مناهضة القوميين الجنوبيين للاستعمار في عريضتهم للحاكم العام التي جاءت عند البدوي. وبرز منها ثلاث:
أ‌) لا يصح أن يصرف الإنجليز مطلبهم بالأجر المتساوي للعمل المتساوي بذريعة أن الجنوب متخلف. فالسودانيون الجنوبيون مواطنون سودانيون ووجبت السوية بينهم والآخرين بغير أعذار. من جهة أخرى قالت المذكرة إن الزعم بأن الجنوبيين سينفقون زيادات أجورهم على الخمر باطل. فقد تبعزقها القلة سكراً وسينأى عن ذلك المنزلق كثيرون. فالسكر مشكلة تعاني منها ألأمم صغير وكبيرها وأوحى مقدمو المذكرة بذلك أنه لمن الوصاية المفرطة أن ينصب كائناً من كان نفسه حكماً أخلاقيا على هذه المعضلة الكبرى الفاشية.
ب‌) احتج أهل العريضة على قسمة البلد إلى شمال وجنوب في المقام الأول. وحمَّلوا الإدارة الإنجليزية وزر ذلك التقسيم الذي لم يسمعوا به في بلدان أخرى. وقالوا إن الجنوبيين سود البشرة حقاً ولكن سحنة كثير من الشماليين ليست أقل سواداً. ولا تثريب فدماء الجنوبيين تتخللهم. واحتجوا على الإنجليز بخفض أجورهم قياساً بالشمال بذريعة أن العيش في الجنوب سهل ميسور. ونبهوا إلى أن العيش في أرياف الجنوب والشمال معاً ميسور سهل. ولكنهم، كموظفين، يعيشون في الحضر الجنوبي المكلف ويريدون أجوراً مساوية للشماليين.
ت‌) وطالبت العريضة بتساوي فرص الجنوبيين في التعليم مع الشماليين. واحتجت على خطيئتين أساسيتين في تعليم الجنوب. أولهما ترك التعليم كله بأيدي الإرساليات المسيحية وثانيهما إبتعاث الجنوبيين ليوغندا لتلقي تعليمهم العالي. وأتخذ الإجراءان في سياق "سياسة الجنوب" (1930) التي تبناها الإنجليز لإدارة جنوب السودان بمعزل عن شماله حتى يأتي الوقت لتحديد هويته كما تقدم. وكان حدس الإنجليز لدى وضع السياسة أن يضموه إما لكينيا او يوغندا. وعليه لم يٌدَرس الإنجليز العربية في مدارس الجنوب استعداداً لليوم الذي يفترق شقا البلد كل إلى مأوى ثقافي يأويه. وهاجمت مذكرة الجمعية هذه السياسة من كل جانب فيها. فطالبت بفتح مدارس حكومية لأنه ليس بوسع الإرساليات الصرف على تعليم واسع حسن للجنوبيين. فحتى حين وفرت ذلك التعليم فرضت رسوماً فوق طاقة الأسر. أما يوغندا فلم تأخذ من طلاب الجنوب إلا النذر لمعيارها البخيل في قبولهم بمدراسها. فقد عاد منها طلاب جنوبيون كثيرون سعوا إلى مدارسها صفر اليدين. وطالبت العريضة بتدريس اللغة العربية في مدارس جنوب السودان لتمكين خريجيها من مواصلة تعليمهم العالي بوطنهم بدلاً من تكففه في الخارج.
والتمست العريضة من الحاكم العام أن يٌرقي مستوى معيشة المستخدمين الجنوبيين ليشجع الأسر على إلحاق أبنائها وبناتها بمدارس الجنوب. فهذه الأسر، متى شاهدت عيش اولئك الموظفين على الكفاف، ستمتنع من دفع بناتها وأولادها في طريق عاقبته غير سارة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.