الصين تتعهد دعم إفريقيا بدون "فرض إرادتها" على دول القارة    تراجع طفيف في بعض أصناف السلع بالخرطوم    حكومة القضارف تكثف جهودها لتشغيل محطة مياه الشواك    اقتصاديون: حكومة حمدوك أخفقت في الملفات الاقتصادية الداخلية    مطالب بزيادة مساحة القمح في للعروة الشتوية    وزارة الزراعة والفاو تعتزمان توطين التقاوي بجنوب دارفور    مميزات جديدة تهمك في Truecaller.. تعرف عليها    لجنة الاخلاقيات تكشف النقاب عن ملابسات حلها في مؤتمر صحفي    معلومات خطيرة في قضية تزوير بطاقات عسكرية    إدانة شاب احتال على نظامي في أموال أجنبية    كسلا: تسجيل (210) حالات بالحمى النزفية    حيدر المكاشفي يكتب: رجعونا محل لقيتونا    لماذا تسلمت زوجة محمد صلاح جائزة القدم الذهبية نيابة عنه رغم تواجده ؟    الحزن يخيم على أهل الوسط الفني وفاة بودي قارد مشاهير الفنانين في حادث سير أليم    حكم أرجنتيني يبلغ الشرطة ضد لاعب هدده بالقتل    باستخدام الخلايا الجذعية.. علاج جديد لمرض السكري من النوع الأول أثبت نجاعته    مستشار البرهان: صعب عليهم الفطام السلطة ويريدون العودة ولكن هيهات    محمد هاشم الحكيم يكتب: اعيدو التدريب العسكري الإلزامي    بوادر أزمة بين اتحاد كوستي واندية الدرجة الثالثة    ختام كورس المعديين البدنيين وحراس المرمي بالنيل الازرق    الميناء و النجوم وجهاً لوجه فى افتتاح الفقيد بكريمة بالجمعة    هاجر سليمان تكتب: هؤلاء المسؤولون استغلوا سلطاتهم    حمدوك في مُواجهة حاضنته السَّابقة.. مَن سيكسب المباراة؟!    المرض يمنع متهمين من المثول أمام المحكمة في قضية حاوية المخدرات الشهيرة    السجن (20) عاماً لشاب أُدين بالإتجار في حبوب (الترامادول)    سر لا يصدق في الفشار.. مادة عازلة قوية تحمي من الحرائق!    ظاهرة حمل الآخرين على اختيارنا السياسي !!    لجنة الأطباء تعلن إصابة (98) شخص خلال تظاهرات الأمس    الشيوعي: مواكب الثلاثاء تعرضت لقمع وحشي برغم وعود حمدوك    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأربعاء" 1 ديسمبر 2021    السودان في اختبار صعب أمام الجزائر    رئيس حزب الأمة: الخرطوم مليئة بالسلاح والصراعات والموقف خطير ومحزن    الناشطة سالي زكي: الأحزاب بلا برامج ولا رؤية ولا مشروع وطني    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الأربعاء 1 ديسمبر 2021    بالصور.. رسالة مؤثرة "لحارس المشاهير" قبل وفاته في حادث سير فاجع بالخرطوم    إيقاف شبكة إجرامية متخصصة في ترويج وتوزيع مخدر الكريستال    ماذا يحدث لصحتك عند الإفراط في تناول البيض؟    مصرع واصابة (8) أشخاص اثر حادث مروري بطريق شريان الشمال    هواتف Galaxy S22 القادمة من سامسونج تحصل على كاميرا بقدرات أسطورية    احترس.. 5 مضاعفات خطيرة لاختلال مستوى السكر وحلول عملية للنجاة منها    ياسمين عبدالعزيز بعد أزمة مرضها: 3 أشياء لا نشتريها.. الصحة والاحترام وحب الناس    طلاق شيرين.. نوال الزغبي تدخل خط الأزمة    وكان وجدي صالح يخرج كل أسبوع متباهيا بأنه جعل كمية من الآباء "يصرخون"    قوات الآلية المشتركة بولاية الجزيرة ضبط ادوية مهربة    شاهد بالفيديو: المطربة مكارم بشير تثير الجدل بملابسها الطفولية وساخرون يعلقون ( تشبهي باربي)    صحة الخرطوم تحدد مراكز تطعيم لقاح كورونا    إرتفاع أسعار الذهب في ظل تحذيرات من المتحور أوميكرون    مصر.. المطالبة بوضع رمز (+18) بسبب برنامج شهير يعرض محتوى فوق السن القانوني    فضل قراءة آية الكرسي كل يوم    (زغرودة) تجمع بين أزهري محمد علي وانصاف فتحي    يحيى عبد الله بن الجف يكتب : العدالة من منظور القرآن الكريم    إرتفاع الذهب مع تعزيز المخاوف من تأثير سلالة أوميكرون    مجلس الثقافة ينظم ورشة دور الثقافة في إنجاح الفترة الانتقالية    "قتلوا الأطفال والنساء".. إثيوبيا تتهم تيغراي بارتكاب مجزرة    السعودية.. تمديد صلاحية الإقامات والتأشيرات حتى نهاية يناير المقبل    ثروته تُقدر ب64 مليار دولار.. من هو مبتكر البتكوين الغامض؟    فرح أمبدة يكتب : موتٌ بلا ثمن    فاطمه جعفر تكتب: حول فلسفة القانون    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة المؤتمر الشعبي للحوار الوطني
نشر في سودانيل يوم 15 - 03 - 2014


بسم الله الرحمن الرحيم
المؤتمر الشعبي
توطئة :
إن القدرة على تشكيل الرأي والموقف السديد ، مع إمكان الموازنة بين المصلحة والمفسدة ، باستحضار المكان وحركة الزمان ، لهي إحدى السمات البارزة التي ميزت الحركة الإسلامية عبر تاريخها الطويل عن غيرها من القوى الفاعلة في المجتمع ، فتوخي الإمكان مع الإخلاص لتعاليم الدين وهديه ، كان المجاهدة الكبرى التي تصدت لها الحركة ، والمؤتمر الشعبي بإعتباره أحدث تمثلات الحركة الإسلامية فكراً وسعياً ، ظل منذ تأسيسه مروراً بأطواره المختلفة ينهج ذات النهج ، تجديداً في الطرح وتقويماً للأداء ، ففي لحظة تأسيسه الأولى ، كان على تمام الوعي بمتطلبات الواقع ، وكيفية النهوض به نحو المعافاة في نظمه وحكومته ومجتمعه ، داعياً لإقامة أسس توافقية للحكم الراشد ، إشاعةً للحريات ودرءً الفساد ، وترسيخاً للسلام عهداً وثقافةً ، وانصرف يصوغ الرؤى والتصورات لقضايا البلاد وأزماتها العاجلة ، كقضية الجنوب التي تراكم فيها إرث من القول ، ثم أزمة دارفور ، فأزمة جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي ، وقضية الشرق ، يفصل في ذلك القول أوراقاً منشورة وأقوالاً مبثوثة .
وقد بدأ المؤتمر الشعبي تجربة للعمل المشترك مع الشركاء السياسيين عبر مراحل متعددة ، كالتفاهم مع الحركة الشعبية أول عهده ، ثم السعي نحو توافق وطني جامع لخوض غمار العمل العام بموقف موحد ضد الإستبداد ، الأمر الذي تجلى في إعلان جوبا ، ثم تجربة الانتخابات العامة ، وصولاً لقوى الإجماع الوطني والعلاقة مع الحركات المسلحة .
والمؤتمر الشعبي في ثنايا هذه القراءة يستعرض إضافة لما سبق ، قراءة للواقع الداخلي والمحيط العالمي تفاعلاً مع فكره وإمكان الواقع الذي يعيش فيه ، حصراً للمحتمالات والخيارات المتاحة ، وتلمساً للموقف الصحيح والحل الناجع لأزمات البلاد المتفاقمة ، ذلك مع فحصً لمواقف القوى السياسية مختلفة التصورات ، إبتداءً من القابضين على السلطة ، مروراً على الأحزاب التقليدية والقوى العلمانية والحركات المسلحة ، ثم الصف الإسلامي والمجتمع الدولي إنتهاءً بالمجتمع السوداني بفئاته المختلفة ، وهذا تصويب نحو تعريف المرحلة الراهنة وطبيعة الإنتقال المأمول ، ومتطلبات ذلك الإنتقال ، لاسيما دور المؤتمر الشعبي تجاه القوى المختلفة ، ودور عضويته نحو التنظيم ورؤاه ومستقبله القريب .
مقدمة :
المؤتمر الشعبي حركة إسلام يسعى منتسبوها لاستيعاب هدي الدين وثمثيله في الواقع تدينا يعنى بالجماعة والفرد ، وإصلاحاً شاملاً طلباً للفلاح في الحياة الدنيا وأملاً في رضاء الله في الحياة الآخرة متوسلين لبلوغ تلك المرامي هذا الكيان التنظيمي ، فالمؤتمر الشعبي ما هو إلا وسيلة للتعبير عن تدين جماعة مؤمنة كسلفه من صور وأشكال العمل التنظيمي الذي سلكته الجماعة المتدينة عبر مسيرها الطويل سعيا نحو الدين ، والدين مثال مأمول ، والتدين هو مقدار ما يتمثل منه عند الفرد أو الجماعة ، فيصعد التدين تدرجاً في القيم والرؤى نحو المثال أو يهبط متداركاً عنه ، ولكن النبراس أن يظل ذلك الكيان يدور مع الدين حيث دار لا يعدو عنه ولا يعارضه ، والحذر ألا تخبو عنده جذوة الدين وألا ينسى أو يسهو عن إدراكه مع تطاول الزمان أو تقلب الصروف والإبتلاءات ، فمن طبع الإنسان أن يسهو وأن ينسى ، " وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىَ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ .." ولكن من شأنه كذلك أن "يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" ، وعبر المراحل التي عبرها المؤتمر الشعبي والخطوات التي خطاها كان يتحرى دائماً أين موطء القدم ، أبعيدٌ عن مأمولِ الدين أم تراه قريبٌ منه ؟ وشأنه أن يتحرى ذلك دائماً ، غير مفتون أو متردد ، وذلك إدراكاً أن الغقلة عن مقصد المسير تأتي بتوابع جمة مذمومة لا محمودة ، مضلة لا هادية لحركة التدين ، والله عز وجل يبتلي عباده تمحيصاً لهم وتزكية في هذه الدنيا إبتلاء متكرراً ، طوراً بعد طور "وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ " ، ولقد كانت في سيرة هذه الحركة تمثلات مختلفة لإبتلاءات الله تفاعلت معها الحركة بلوغاً لأغراضها المأمولة.
فقد أبتليت الحركة بخيبة أمل في مشروع إسلامي كان أهله بادىء الأمر مستضعفون يخافون أن تتخطفهم الأمم ، فأعزهم الله بتوفيقه وآواهم من بعد يتم ، إلا أن الفتنة أصابتهم في كنف السلطة فأصاب المشروع الإنتكاس وضاع مقصده وتشوش سبيله واختطف عقله ، فزهد في الدين وأقبل على الدنيا تخبطاً وطغياناً ، فأمر الإنسان كذلك أحيانا .. " كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى" ، فما كان من شأن المؤمنين اليأس والقنوط وانحطاط الأمل ، وليس من شأنهم العزوف عن السعي لبلوغ المرامي ، إنما هو الضرب في الفكر تدبراً وسعياً نحو إصلاح العقل وتقويم الرؤية ، والضرب في الأرض سعياً نحو تجديد الطاقات وبعث الروح ، والإقدام على شهادة الحق في المشهد دون مواربة أو وجل " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ" ، وعلى الرغم من تشابهات الشعار المرفوع مع جماعة ضلت ، وإلتباس الأمر على عامة الناس ، ووقعه الثقيل على نفوس بعض منتسبي الحركة نفسها ، إلا أن الحركة اجتازته وخرجت منه منتصرة لمبادئها شاهرة إنحيازها لقيم الدين وضوابطه.
وقد تبتلى الجماعة من بعد بثقل وطأة الاستبداد عليها وإعماله لضروب القهر والتسلط والإذلال ، غير آبه ولا عابئ بقيم معلومة ولا نظم مقامة ولا رقابة من مجتمع أو ضمير ، مع ما قد يعتريها من وحشة عن المجتمع واتهام في أصل تدينها ونفور شركاء مأمولين عنها في العمل العام ، فشأن المؤمنين هنا التعلق بمثالات الدين صبراً ورباطة للجأش تذكرا لآيات الله " وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر " ، واستئناساً بعهد النبي وصحبه الصابرين على البلاء المتمسكين بالوعد الرباني بالنصر .. " أمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ" ، وليس من شأن المؤمنين الهلع أو الجزع أو التولي عند الابتلاء ، فذلك مذموم عند الله " إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ، إِلَّا الْمُصَلِّينَ .." ، وليس من شأن المؤمنين حقاً الانصراف فتنة عن الدين وهديه ، سعياً إلى نقيضه من الرؤى والمناهج ، إنهزاماً وتخبطاً من واقعٍ مستعصٍ طلباً لمأوى في غير كنفه أو تتبعاً لهوى " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" ، وليس من شأنهم الحج إلى الطغيان وتقوية الباطش المنتصر وهماً أو التحيز نحو رغد العيش والتمرغ في جاه السلطان ، بل الأمر الحق أن يرفع المؤمن نفسه بآيات الله وابتلاءاته فتزيده حكمةً وانضباطاً وإيماناً .
وقد وفق المؤتمر الشعبي من بعد في ولوج مرحلة من التقارب والتعاطي مع شركاء العمل العام ، مستجيباً للتفاكر مع آراء طال عهد اتصاله بها ، وبعدت سبل اجتماعه مع الناطقين بها ، كان ذلك أوبة نحو جميع كيانات المجتمع العاملة ، مستمداً ذلك من رؤيته في أن هدي الدين لا يترسخ إلا بالتدافع وبناء قاعدة الثقة مع الآخرين " وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ " ، فلا تأتي هدايته من علٍ ولا تأتي هدايته أمراً ولا نهياً من ذي سلطان ولا أماني ، وما فارق مؤسسوه موضع السلطان إلا بعد أن اختبروا تعثر تنزل الهداية من ذلك السبيل وحسب ، ولم يقبل المؤتمر الشعبي في خطته على النخب العاملة فحسب بل سعى حثيثاً نحو مجتمعه العريض تفاهماً وتناصحاً والتحاماً ، آملاً في بناء سودان عريض متماسك متعاضد ، ولكن ما كان إلا أن ضيق عليه أهل السلطان السبل وحاصروا سعيه وكبلوا طاقته وكذلك فعلوا شيئا مع شركاءه بل امتدت يد البطش لعامة الناس ، فارتكازاً على هدي الدين توجه إلى التوافق مع القوى السياسية سعياً نحو كلمة سواء يزيل فعلها الطغيان وآثاره ويستهل بها عهداً تُرَسَّخ فيه مشيئات الناس كافة وتحترم فيه تعاهداتهم .
فخلص تفاكره مع شركائه إلى ضرورة اتخاذ الهبة الشعبية الشاملة سبيلاً لاقتلاع الطغيان الذي سد كل السبل نحو الحوار الجاد والقول اللين ، مع الوعي الكامل بما يمكن أن يتبع هذا العمل من مخاطر حادة تصيب المجتمع في أصول إجتماعه ، ولكن كان العزاء في قوله تعالى " وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ". ولم يكن ذلك الإتفاق على هذه الهبة سعياً وراء شهوةِ سلطةٍ أو سفاهةٍ في الرأي ، إنما كان لضرورات قدرت بعد هلاك للحرث والنسل عم البلاد في أرجاءها ، وما كان ذلك الإتفاق إلا بعد مجاهدة مع النظام استنفد فيها كل الفرص المقدمة واستعلى علوا لم يكن هناك من رادع له سوى فعل مساوٍ له في القوة والدفع .
إلا أن الله قد هيأ سبيلاً كان يرجوه المتحذرون من المخاطر الكبرى الماحقة ، إذ بدرت بادرة لين في القول نادرة من أصحاب السلطة ، وخرجت ألفاظ تعقل ما ألفها الناس من قبل ، بل وقدمت كلمات دعوة للجنوح إلى السلم ، واستعداد لطرح أزمات البلاد كلها على مائدة متكافئة مرعية ومشهودة من العالم ، فذهب الرأي مشورة نحو اختبار الواقعة ، وفحص مقدار جديتها وقياس إمكان تحقيقها لذات المأمولات التي سعت لها الحركة في مصابراتها ومسيرها وإتفاقاتها ، فإن كانوا قد جنحوا فعلا للسلم ".. فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ " ، فإن تحققت توبة وأوبة لقيم الدين وهديه ، فإن الحركة من شأنها أن تدفع بتلك التوبة والأوبة إلى أقصاها ، معينة أهلها لا مخذلة لهم، "فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" .
مراحل المسير :
المؤتمر الشعبي بادئ الأمر :
إنه ومنذ تأسيس المؤتمر الشعبي سعى لتمكين مبادئه التي أعلنها جهاراً وتحقيق خططه الرامية إلى إجلاء الأزمة السياسية والاجتماعية التي عصفت بالبلاد ، جراء السياسات المتخبطة والمستكبرة من فئة كبتت الحريات وضيقت المنافذ على المعارضين ، فدعى المؤتمر الشعبي لحل عاجل في رد أمر السلطة الى عامة الشعب لتفويض من ينوب عنه فى شأنه العام ، ولينشئ عبر إرادته المستقلة ميثاقاً للتعاقد يكون ضامناً لسير الحياة العامة مستقرة لا مضطربة ، ومعياراً يتحاكم إليه الناس حين افتراق المواقف ، وقد كان من أولوياته وذروة سنام أهدافه تحقيق السلام الشامل للوطن وتأمين وحدته ومعاش أهله وعافيتهم ، وإرساء دعائم الحكم الراشد ، وإشاعة الحريات العامة لسائر العاملين في الحقل العام وسائر المواطنين في حياتهم كلها ، وحتى يكون ذلك المشروع ناجزاً فقد حدد خيارات ، أولها الرجاء في أن يعود من حادوا عن الطريق القويم إلى رشدهم من عند أنفسهم ، وذلك برد الأمانة للشعب مصدر السلطة وصاحبها حتى يقول كلمته الحرة ، فإن هم تأبوا عن ذلك وتمسكوا بالسلطة المغتصبة ، وكبر عليهم إخراجهم منها فان الرجاء ألا يقعدوا بكل سراط يصدون الناس عن ممارسة حياتهم الطلقة فى العمل السياسى وألا يتعدوا على حقوق الآخرين حبساً لحركتهم أو إعاقة لانتظامهم فى أي شكل أرادوه ، فسعى المؤتمر الشعبي مجتمعاً مع القوى السياسية و منفرداً إلى مضاغطة أهل السلطة حتى يرد الأمر الى المأمول من رشد الحكم ، وما كان المؤتمر الشعبي ليتخير بين هذا وذاك من السبل إلا بتحري الشرعية من مبادئ ورؤى الدين والتي عليها أيضا أسس أهدافه .
المؤتمر الشعبي وأزمات البلاد العاجلة :
لم يحصر المؤتمر الشعبي طاقاته في مجرد شعارات مرفوعة أو مجرد إبداء لآراء عامة ، بل توجه حثيثاً نحو أن يفصل القول ويبذل الطاقة في العمل ، مشتبكاً مع الواقع متحملاً تبعات مواقفه مصادماً بالحق لصلف السلطة ، فبسط أراءه وقدم فعله في أزمات البلاد العاجلة بما يتوفر لديه من طاقة ومقدرة ، وفي ما يلي إيجازاً لمواقفه في عدة قضاياً :
أولاً : الجنوب :
إن المعلوم أن للحركة الإسلامية إرتباطاً خاصاً بقضية الجنوب منذ أمد بعيد ، وقد حظيت القضية بمكانة واسعة في فكرها وسعيها وذلك استشعاراً لمدى المظلومية التي وقع فيها الإقليم ، ومدى الأهمية التي يمثلها كمدخل لنشر الدين وإشاعة الثقافة الهادية إليه ، وقد قدمت الحركة رؤىً محكمة لمعالجة القضية ، وسعت لتجمع حولها طاقات القوى السياسية كلها بإعتبار القضية شأناً قومياً عاجلاً ، والمؤتمر الشعبي استند منذ تأسيسه على ذلك الميراث مستفيداً من الصلات التي أقامها من قبل مع الجنوب إنساناً وثقافةً ، فبدأ عهده السياسي بمد حبال التواصل مع الحركة الشعبية من خلال مذكرة للتفاهم موضحاً لجملة حقائق ، أولها أن الحرب فى سابق العهد لم تكن قتالاً فحسب ، بل جهاداً مؤسساً على رؤى الدين المحقق لمُثلٍ عليا جامعةٍ لكلمة للإنسان ، ومرسخة لسبل هدايته واستقراره ، فالجهاد في الأصل دعوة لسان قبل أن يكون مقارعة سنان ، وثانيها وأن الوطن ليس حكراً لمجموعة أو فئة ، وأن الحوار وسيلة يمكن بها حسم كل القضايا وصولاً لإتفاق يصل إلى القدر الكافى من المساواة والوحدة والتعايش ، وقد وجدت الحركة الشعبية في طرح المؤتمر الشعبي الجد الكافي للمضي قدماً معه ، وهي التي عرف قادتها قادة المؤتمر الشعبي وشباب الحركة الإسلامية في ثباتهم وتضحياتهم ، إلا أن الحزب الحاكم وجد في التفاهم خطراً على احتكاره للرأي في قضية الجنوب ، وتمدداً للتنظيم الناشيء ، فلاقى المؤتمر الشعبي من تبعات ذلك ما لاقى ، ولكنه صبر ملتزماً بعهده متمسكاً بمبادئه حتى يكون المشروع متحققاً .
وقد كان من الخطاب الداخلي المبثوث حينها في المؤتمر الشعبي كف اليد والصبر والاستعانة بالشعائر على تجاوز المحنة والفتنة ، على الرغم من وجود طاقات قادرة على إعداد القوة للمصادمة و المدافعة فى وجه الظلم البيِّن ، ولكن القيادة ظلت تذكر بمعانى الدين رجاء ألا تصل تجربة لإسلاميين في الحكم موضع الإضطراب البالغ وزهق الأرواح ، وقد تمادت السلطة في القمع والترهيب وحاولت وأد مخرجات الحوارات مع الحركة الشعبية ، وكان لها أن تستفيد مما قدمه الشعبي من فرص ، إلا أنها إنتظرت بعد ذلك أعواما حتى أُرغمت على إتفاق آخر شابه التشاكس وكان له ما بعده ، وكان رجاء المؤتمر الشعبي في إتفاق نيفاشا أن يحقن دماء السودانيين ويحقق القدر الكافي من أمن المواطن في نفسه ومعاشه ، على رغم من ثنائية الإتفاق وافتقاده للسند الشعبي والتوافق السياسي الجامع ، كما غض المؤتمر الشعبي الطرف عن مشاركة بعض القوى السياسية في النظام على ضوء إتفاق نيفاشا على الرغم من غياب البادرات الواقعية لإمكانية التحول في سياسات النظام من الشمولية نحو إشاعة الحريات العامة على الأقل ، وما ذلك إلا أملاً منه في إمكانية أن تدفع تلك المشاركة في إتجاه خلخلة صلف النظام ، والخروج ببعض مكتسبات ينعكس أثرها على الحياة العامة خاصة وأن الجميع قد قبل بالدستور الإنتقالي كضرورة ملحة ، إلا أن طبيعة الإتفاق الثنائي سيطرت على كل مجريات الأحداث ، وأدخلت البلاد في حالة من التشاكس الثنائي أفضت لترسيخ إنعدام الثقة القائم أصلاً ،الأمر الذي كانت نتيجته المتوقعة دعم خيار الإنفصال ، ولكن القوى السياسية المشاركة قبلت بحظوظها في السلطة على الرغم من هذه العيوب ، وحتى بعد أن وقعت الواقعة بإنفضال الجنوب ، بث المؤتمر الشعبي الأمل في إمكان إعادة توحيد شطري البلاد على ذات المبادئ والأهداف ، وما كان سعي المؤتمر الشعبي في قضية الجنوب ضرباً من الهوى أو بحثاً عن مصلحةٍ ضيقةٍ عاجة أو خداعاً لفئة مستضعفة ، إنما كان سعيه إستجابة لما أملاه عليه النظر في الدين والتمسك بهديه .
ثانياً : دارفور :
أزمة أخرى متجددة لها جذورها التاريخية ألقت بظلالها على مسير المؤتمر الشعبي ، واجتهد فيها بثاً للأفكار وعرضاً للرؤى على الكيانات المتصارعة ، وما كان للأزمة أن تتصاعد وتيرتها بهذا الشكل المؤسف لولا عسف السلطة واستكبارها على مطالب الناس واستخفافها بهم وبمقدراتهم ، فقد عانى إقليم دارفور من أزمات قديمة العهد تمثلت في الصراع حول الموارد المولدة لاحتكاكات متوقعة بين القبائل المختلفة ، إلا أن الأمر قد تفاقم بفعل سوء السياسات حتى بلغ ذروته في المأساة الإنسانية التي شهد عليها العالم كله ، وقد كان للمؤتمر الشعبي موقف مجاهر في القضية واجتهاد مثابر في حلها ، وتحذير متواصل لأهل السلطة من مغبة إعمال آلة الحرب لحسم متوهم للقضية ، وقد دفع المؤتمر الشعبي قيادةً وشباباً الثمن جراء هذه المواقف أرواح صاعدة ، وسجون متواصلة ، وكبتٍ لحرية التعبير وحظرٍ للنشاط السياسي . وما زالت الأزمة تستعر من بعد ذلك و تتفاقم يوما بعد يوم ، فى الوقت الذى تهيأت قرارات المؤتمر الشعبي لإبداء الرأى باكراً متى ما طلبت المشورة ، وقد كان له قرار سابق بعدم الدخول في حوار مع النظام ، استثني فيما استثني منه الحوار حول أزمة دارفور ، مع اسقاط الشروط التي سبق ووضعها الشعبي في ضرورة فك الحصار عن الدور وإطلاق الصحيفة والحرية للمعتقلين ، وبدأت المحاورات منذ مؤتمر الفاشر مرورا بلقاء الرئيس فى القصر والمناصحة الأشهر الداعية للنظر في لب المشكلة ووقف حملات التشهير والتخوين والتعاطى مع المشكلة فى أصلها ، استدراكاً لما قد يحدث من جراء الفعل المقابل والخوف على واقع المجتمع ونسيجه الاجتماعي ، حينما يتحول الإقليم إلى مسرح دائم للعمليات العسكرية .
كانت المشاركة في مثل هذه اللقاءات واجب ديني ، في أن يُسمع المؤتمر الشعبي صوته وأن يقول كلمته بأنه مع مطالب أهل دارفور العادلة فى حقهم فى السلطة والثورة والأمن والعيش الكريم ، ولكنه يختلف مع بعضهم فى وسيلة التعبير ، ولكنه يجد المعذرة لهم فى واقع مرير فرضته آلة الحرب الباطشة التي لا تبقي ولا تذر ، وما كانت الرؤية المطروحة لأزمة دارفور جانحة نحو التحييز لفئة من مكونات الصراع الإجتماعي ، ولا كانت متحيزة لثقل عددي أو متطلعة لقواعد شعبية يتصارع عليها ، بل أن الرؤية نبعت من ذات منبع الهدي الديني الذي استقى منه المؤتمر الشعبي رؤاه ومبادئه واستشعر منه مسؤوليته .
ثالثاً : جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي :
كانت هذه أزمة إضيفت لأزمات السودان المتمثلة في تنازع اطرافه مع مركزه ، فقد تفجرت الأزمة في جنوب كردفان نتيجة لعدة أسباب ، منها ضبابية بنود نيفاشا الخاصة بتسوية المشكل في الولاية مع الجنوب ، وعدم توفر الحكمة الكافية في الأطراف المتنازعة لنزع فتيل الأزمة ، إضافة لسوء إدارة التنوع الثقافي والإثني في الولاية ، الأمر الذي تكرر في ولاية النيل الأزرق ، إذ تحولت الأوضاع بعد الإنتخابات من استقرار نسبي إلى إقتتال داخلي وإنهيار للنظام السياسي ، وقد ظل المؤتمر الشعبي يقدم الرؤى لحل هذه الأزمات ، إلا أن النظام قد ظل ينفرد بسياساته الأمنية الأمر الذي أدى لانفجار الأوضاع بشكل كبير في الولايتين ، أما قضية أبيي السابقة لتأزم الأوضاع العامة فقد دفع فيها المؤتمر الشعبي برؤى تفصيلية ، حيث صرح بأن قضية الحدود داخل القطر الواحد يجب ألا تكون حاجزاً يمنع التواصل بين السكان ، ولا أن يؤثر على ما تعارفت عليه الجماعات فيما بينها من أحلاف وأعراف ونظم إدارية أهلية في إطار إدارة الموارد الطبيعية والاستفادة منها ، وأنه من الأنسب أن تراجع أطراف إتفاقية نيفاشا ما ورد بشأن حسم نزاع منطقة أبيي ، وإعطاء التفويض الكامل لمواطني المنطقة المعنيين (مسيرية ونوك) في إطار نظمهم الأهلية وأحلافهم التاريخية ، للتحاور والخروج برؤية موحّدة يلتزمون بها وتكون ملزمة لطرفي الاتفاقية ، وأن يفسح المجال لكل القوى السياسية السودانية ومنظمات المجتمع الأهلي للتعاطي الإيجابي مع هذه القضية ، وذلك بتشجيع التصالحات وإحياء الأحلاف بين سكان المنطقة بما يخدم الاستقرار والتعايش السلمي، وأن تُعطى هذه المنطقة تمييزاً إيجابياً في مجالات تشجيع الاستثمار والتجارة والتنمية الشاملة من خلال صندوق تُرصد له موارد إضافية ، إلا أن هذه الرؤية لم تجد أذناً صاغية في خضم النزاع الذي أصبح دامياً ، حتى صار المجتمع مقسماً لفئات متقاتلة ومتخاصمة ، وكان يرى المؤتمر الشعبي أنه لو تنزلت في الإقليم مبادئ التسامح والوحدة على الرؤية الدينية الموحدة للمجموع البشري والحافظة لخصوصياته ، ما كان للأحداث أن تبلغ ما بلغت ، وقد قدم المؤتمر الشعبي هذه الرؤى بتجرد بالغ رغم تعقيدات القضية وحساسيتها .
رابعاً : شرق السودان :
لقد ظل شرق السودان يعاني لسنوات طويلة من التهميش السياسي والتنموي ، مما أدى لظهور العمل المسلح المناوئ للنظام ، وقد قدم المؤتمر الشعبي رؤيته لحل هذه الأزمة في ورقة مفصلة كان فيها ضرورة السعي الجاد لإنزال إتفاقية الشرق بكافة بنودها دون مناورة أو بطء ، و رفع الضرر ورد المظالم وإزالة مظاهر تفشي الفساد والتطفيف والغرر في المعاملات ، مما يحقق التسوية العادلة الدائمة ، وعلى الرغم من توقف العمل المسلح ودخول الإقليم في سلام عام إلا أن الحالة الإقتصادية والإجتماعية ما زالت متردية ، بل أن هناك بوادر لتفجر الأزمة من جديد نسأل الله تعالى أن تخبت .
المؤتمر الشعبي و شركاء العمل العام :
ومنذ إعلان المواقف الفاصلة وتجلي معالم الخطاب العام للمؤتمر الشعبي ، تدافع الناس طوعاً وتوالوا متراصين على المنهج الجديد طمعاً في المشاركة والتراص لدعم وإنفاذ ذلك التوجه ، الذي يستمد رؤاه حين النظر وإعادة النظر فى قضايا الحياة الدافقة من هدي الدين وسننه ، فأصبح كياناً يسع الجميع فكراً وتنظيماً ، وتأهلت قدرته على التصدي للتحديات المتتالية ، الأمر الذي أثار حفيظة أهل السلطة المتقبضة فوجهوا نحوه كل قدرات التكبيل والتنكيل والصد عن سبيله ، إلا أن المؤتمر الشعبي مشروعاً وعضويةً قد ضرب الأمثلة البيِّنة في الصمود والمجاهدة والصبر على المبادئ وكريم الرؤى ، الأمر الذي أكسبه احترام المحيط الإجتماعي السوداني وكياناته السياسية المختلفة التي رأت فيه داعماً أصيلاً قوياً لمجابهة النظام الشمولي ، وانطلاقا من فكره وتأصيله الديني في التعاون والاجتماع على كلمة سواء مع فرقاء الرأي والفكرة من القوى السياسية المختلفة ، مد المؤتمر الشعبي يد التواصل والتعاضد مع تلك الكيانات بلا استثناء ، دافعاً بالرأي تلو الرأي في قضايا الوطن المختلفة .
وعلى هذا النهج كان اللقاء مع القوى السياسية المعارضة فى أطوارها المتقلبة ، حيث لم يكن التلاقي انتهازاً أو ابتغاءً لفرصة يتوارى بها في كنف الآخرين ، بل هدياً دينياً وضرورةً وطنيةً أملتها ظروف الواقع وحالة التشظي والفردانية غير المثمرة ، وقد مثل عمله المشترك مع القوى السياسية مرحلة جديدة للمصابرة والمجاهدة على الحد الأدنى من الشراكة السياسية ، وقد عمل المؤتمر الشعبي معها في أطوار مختلفة :
أولها : الانتخابات العامة :
كان إعلان الانتخابات العامة مساراً جديداً يحتكم فيه إلى رأي الشارع العام ، وظنها المؤتمر الشعبي فرصةً سانحةً ودورةً من دورات التجربة ، وقد دعى لذلك كافة القوى السياسية لاستغلال هذه الفرصة التي تُفسح فيها حريات مشروطة موقوتة ، تلوح معها بشرى إزاحة كابوس النظام أو فرصة للخصم من جملة سيطرته على كافة الحياة العامة ، وقد سعى المؤتمر الشعبي من قبل لجمع الصف مع القوى السياسية باكراً للاتفاق على رؤية موحدة إزاء الأزمة السودانية ، مُثِّل ذلك في إعلان حوبا وما سبقه من لقاءات وتفاهامات منفردة مع القوى السياسية ، استعداداً لخوض تقلبات العمل السياسي المتوقعة ، ومع أزوف بوادر الانتخابات دعا الشعبي القوى السياسية لأن تبدأ باكراً مع حركة تسجيل الناخبين الذين أبعدهم الإحباط ، وأن تباشر الإشراف على الكشوفات وأن تحشد طاقاتها في الدورة الأولى لتشتيت الأصوات ، مما يسقط مرشح المؤتمر الوطني ويرفع من عزيمة المجتمع حين يرى إمكانية سقوطهم ويدخل الاضطراب إلى قادة النظام ، حتى إذا ما جاءت الدورة الثانية يرمى بقوس واحد فيصاب به إحدى الحسنين ، إما سقوط مرشحهم كلياً أو ضعضعت قواهم مما يجعلهم يعيدون حساباتهم ، ويفحصون ادعاءاتهم في أنهم يمثلون إجماع السودانيين الغالب ، لكن بعض القوى السياسية تخاذلت عن هذه الخطوة وإدراك مكاسبها ، وبالغت في التماطل والتسويف إلى قبيل سويعات من تقديم المرشحين ، فاضطُر الشعبي لتكملة الشوط إلى منتهاه بعد أن انفتح الصف ووجد النظام الفرصة سانحة وفعل فعلته المفضوحة ، فانتهت تجربة الانتخابات بفعل النظام إلى لا شيء سوى استمرار النظام في حكمه بشرعية مدعاة .
ثانيها : قوى الإجماع الوطني :
مع إنفضاض الانتخابات العامة ودخول البلاد في حالة من الركود السياسي والإستيئاس ، بدأ المؤتمر الشعبي في البحث عن حلول تعيد الروح للعمل المعارض وتجدد الأمل في إمكانية إزاحة السلطة المتجبرة الهاتكة لكل العهود المواثيق ، وكان لابد من التوجه نحو إعادة اللحمة مع القوى السياسية الأخرى في شراكة جديدة على أسس أكثر ثباتاً ورؤى أكثر توحيداً ومثابرة ، الأمر الذي كُلل بمجهود مختلف القوى السياسية في إعلان قيام تحالف قوى الإجماع الوطني ، المظلة الجامعة التي ستحدد الخيارات المتاحة للتعامل مع النظام ، وقد كان المؤتمر الشعبي حريصاً في طرحه على وجوب إشراك كل القوى السياسية تحت مظلة التحالف لجمع القدر الأكبر من الطاقات في منافحة النظام وقواته ، رغم معرفته بمدى التباين في الأسس والمنطلقات ومدى التشاكسات التي يكنها كل تنظيم أو حزب للآخر الشريك معه ، وقد ظل يُعمل الحكمة مع الذين يتفلتون من المظلة أو يعارضونها ، وسعى خطوة بخطوة نحو إقرار مشروع يعلن على عامة الشعب بديلاً لواقع النظام المفروض .
وفي هذا اجتهد المؤتمر الشعبي للتوافق حول مشروع الدستور انتقالي الذي سيكون عهداً جامعاً يخرج البلاد من أزمتها الراهنة العاجلة ، يتم فيه تجاوز القضايا الخلافية من قبيل علاقة الدين بالدولة أو تعريفها إن كانت إسلامية أم مدنية أو غير ذلك ، على أن تطرح هذه القضايا لاحقا بعد تسوية الأزمة في إطار المنافسة السياسية والفكرية في الوضع ما بعد الإنتقالي ، فالأولوية في هذه المرحلة ليست سوى إقامة السلام الشامل وترسيخ الحريات ، والتبشير بالعدالة الانتقالية والسلام الاجتماعي ، إلا أن هذا السعي قد قوبل بعثرات متوالية مع إصرار بعض القوى على إقحام القضايا الخلافية التي لا يمكن حسمها في مثل هذه الأوضاع ، إضافة لسعي بعض القوى السياسية إلى إطالة أمد الفترة الانتقالية ، الأمر الذي وجد المؤتمر الشعبي مساوئه الواضحة ، إذا أن الأوضاع الانتقالية يجب أن تكون قصيرة المدى ، فهي ليست موضعاً للمغالبة السياسية وممارسة السلطة إنما هي لحل القضايا العاجلة ذات التأثير المباشر ، إنتهى ذلك كله بالنجاح في حشد بعض القوى السياسية تحت قول واحد وهو ضرورة إسقاط النظام بالوسائل السلمية المجربة من قبل في تاريخ السودان الحديث ، مع الانتباه للمحاذير والعواقب المتوقع تواليها على قيام مشروع الإسقاط هذا ، إلا أنه لم يتوافق على مشروع الدستور الانتقالي على الرغم من جوهريته مما أحبط آمال عامة الشعب في حيوية وفاعلية قوى الإجماع الوطني ، وما كان المؤتمر الشعبي يدخل إلى هذه المرحلة بالرغم من صعوباتها وتشابكاتها إلا مستذكراً الأسس الدينية في التعامل مع الآخر المغاير في الرأي والوجهة.
ثالثها : الجبهة الثورية :
منذ اندلاع أزمة دارفور كان المؤتمر الشعبي سبَّاقاً في محاولة احتواء الأزمة وطرح الحلول والرؤى الناجعة للحيلولة دون تفاقهما ، إلا أن احتكار النظام لحق القول وإعماله الحظر والاعتقال في صفوف الشعبي والناشطين أدى لانفجار الأوضاع وإنفراط عقد السلم الاجتماعي ، وعلى الرغم من ذلك واصل المؤتمر الشعبي سعيه وإعلان مواقفه المتمثلة في ضرورة الجلوس مع الحركات المسلحة في مفاوضات جادة لوقف الاحتراب ، وأنه بالرغم من أن المؤتمر الشعبي يقف موقفاً صارماً ضد انتهاج العمل العسكري وسيلة لحل الأزمة ، إلا أنه يتفهم إقدام البعض على حمل السلاح لمجابهة النظام ، وأنه يسعى لصياغة مواقف مشتركة مع الحركات المسلحة لإدخالها في الحل السياسي السلمي ، وإقامة جسور ثقة بينها وبين القوى المدنية المعارضة ، إلا أن عمق الأزمة قد سيطر على المناخ العام ، وعندما تجمعت الحركات المسلحة تحت مظلة الجبهة الثورية رأى المؤتمر الشعبي في ذلك خيراً ، إذ أنه أصبح من الممكن التعامل مع مطلب وموقف موحد لجميع الحركات المسلحة في ولايات السودان ، لاسيما أن الجبهة الثورية قد ضمت إضافة لحركات دارفور الحركة الشعبية قطاع الشمال العاملة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ، فكانت هذه سانحة ليجدد المؤتمر الشعبي دعوته التي أطلقها سابقاً للحركة الشعبية بالتحول للعمل السياسي السلمي ، فقد أطلقها مرة أخرى للجبهة الثورية في ضرورة التوجه للعمل السياسي السلمي والتنسيق مع القوى السياسية المدنية ، وقد دعا المؤتمر الشعبي لضرورة عرض مشروع البديل الديموقراطي المرتقب على الجبهة الثورية والأخذ برؤاها حوله لتوحيد المواقف المعارضة ، وعندما طرحت الجبهة الثورية وثيقة الفجر الجديد قام المؤتمر الشعبي بإبداء رأيه فيها في محاولة للتقويم وتقريب المواقف ، وأول تلك الآراء أن على الجبهة الثورية تجنب الخوض في القضايا الخلافية التي حذر منها المؤتمر الشعبي تحالف قوى الإجماع الوطني ، والمتمثلة في علاقة الدين بالدولة وما يتصل بها ومدى الفترة الانتقالية إضافة لقضايا تفصيلية كالهيكل الإداري للدولة ومصير المؤسسات القائمة كالجيش والنظام الاقتصادي والتعليمي ، والقضايا التي يعتبرها المؤتمر الشعبي ليست بعاجلة ومثيرة للخلاف في صف المعارضة التي يجب أن تتوحد ، وما زال المؤتمر الشعبي يدعو لحل الأزمة في إطار الحل القومي الشامل لأزمة البلاد السياسية والاجتماعية دون الجنوح للتجزئة والثنائية التي أفضت سابقاً لإنفصال الجنوب.
القراءة للواقع الداخلي والمحيط العالمي :
إن التدبر في الشأن الداخلي أبرز أوضاعاً لا يختلف على قتامتها وحرجها ، فالسودان قد إنبتر ثلثه ونقص عدد سكانه وقلت موارده وساد فيه الفقر المدقع وتردت خدماته الصحية والتعليمية ، وتفشى فيه القمع والكبت للحريات العامة واضطرب مجتمعه ووهنت العرى بين أجياله ، وانصرف كثير من شبابه عن الهم العام واحجم كهوله وشيوخه عن الرأي السديد ، وتفرقت كلمة نخبه وقواه السياسية وتنازعت أطرافه مع المركز واشتعلت فيها الحروب حتى أصابت عاصمته ، وقلت الثقة بين مكوناته وغاب عنه القانون الحافظ للحقوق والكرامة وعم فيه الفساد والتعدي على المال العام ، وتخبطت حكومته في سياساتها وزاد عليها الحصار والإستحقار الدولي ، حتى استيئس أهله من منفذ ، وألقى الكثير منهم اللوم على حركة اسلامية أرادت إصلاحا ولكنها تعثرت واضطربت فزادت ضعفه ضعفاً ، وأصبح على كاهلها من ثقل الإصلاح ما يزيد عن كاهل غيرها ، وقد قَصُر عمقها الدولي وتفرقت مواقفها .
أما محيط السودان العالمي ، فقد إضطربت مجتمعات ملاصقة له ودخلت في صدام دموي ، فوجد السودان نفسه مضطرباً في محيط مضطرب ، والمد الإسلامي الذي كان ضافياً متواصلاً وجهت له الضربات ، بل وانقسم أهله مذاهباً واصطرعوا ، وتدخلت الدول المستكبرة صانعة وداعمة لفراعين جدد لا يجمع بينهم سوى المعاداة لكل ما هو إسلامي ، فقد شهد محيطنا حراكاً واسعاً وحديثاً تجاوز حالة الهمس إلى الجهد والفعل المباشر إزاء حالة الكبت والإفقار التي إنتهجتها الأنظمة المستبدة ، الفعل الذي تلاه محاولة الغرب السيطرة على المشهد الجديد وإرجاع الشعوب إلى ثكناتها ، مع تغييب كل المنادين بحقوق هذه الشعوب في العزة والكرامة واستقلال القرار والسيادة على الأرض ، فلقد كان سابقاً لقيام ثورات الربيع العربي الاهتمام الغربي المتعاظم بدراسة حالة هذه المجتمعات ، والتي وصفت من قبل مراكز الدراسات الاستراتيجية بالغليان المشحون بالتوتر والتهجس ازاء الغرب وأنظمته ، الشيء الذي صُنف في إطار ردة الفعل تجاه المشروع الغربي القائم على حماية الأنظمة التي تهيمن على الشعوب ، بما يمكن الغرب وأتباعه من نهب الثروات ومقدرات الأمم ، وأكبر من ذلك محاولاته الجارية لطمس هوية الأمة الاسلامية ومسخ عقيدتها وسلخها قسراً من محيطها الثقافي والديني ، في إطارعملية التغريب التي طالت حتى المناهج التعليمية ، وتعدت حتى على خصوص أحوال المجتمعات .
وقد وضعت القوى المتسلطة عبر مراكز دراساتها الإستراتيجية والتي تنبأت بأن التغيير قادم لا محالة تصورات للقوى المتنافسة على صدارة المشهد الثوري ، أبتداءً بالمشروع الوطني الذي تمثله الأحزاب العلمانية غير المعادية أو المصادمة للرؤية الغربية ، ثم المشروع السلفي المعروف الأهداف المحدود الطموح والمسيطر عليه والذي يجد حاضنته في قلب الخليج ، أما المشروع الثالث هو مشروع الحركات الإسلامية ، والذي تتسع مظلته الداعية لاستعادة الدين في واقع الحياة العامة إلى جانب التعامل مع معطيات العصر ، ولقد ثًبُت لهم من بعد الفحص أنه أكثر المشاريع قبولاً وصدارة للمشهد وأكثرها طموحاً ، خاصة وأن له نظير في تجربة السودان ، ذلك البلد الفقير الذي استطاع في سالف عهد التبشير بمشروع إسلامي فجر عبره الطاقات واستنهض الهمم ، داعياً لاستقلال القرار ومؤصلاً للهوية التاريخية ، واستطاع ذلك المشروع إيجاد عمق عربي وإفريقي له والعمل على استنهاض حركات التحرر الوطني في المحيط ، بل فعل أكثر من ذلك حين دعا لإنشاء مؤسسات موازية لمؤسسات التسلط الدولي المحتكرة للقرار والقاهرة للشعوب ، هذا المشروع وإن بدأ وعي المحيط الاجتماعي والسياسي به ضعيفاً آنذاك إلا أنه لم يغب عن ذاكرة العالم الغربي ، ومع تفجر الوضع الشعبي في المنطقة العربية واستتباب بعض الأمر للحركات الاسلامية ، لم تمكث تلك القوى طويلاً حتى أسفرت عن وجه منافق ظل يوارى خلف قناع التبشير بالديموقراطية ، فقد جاءت ثورات الربيع العربي بنتائج غير مرحب بها ، لاسيما في جار السودان الشمالي ، حيث غضت تلك القوى الطرف عن القتل والسحل والجرائم ضد الانسانية إن كانت ستمهد لإزاحة الحركات الإسلامية من المشهد أو على الأقل إضعافها .
ففي ضوء ذلك كان هذا الأمر زيادة في استشعار المؤتمر الشعبي لحجم الاخطار والمسؤولية ، فدفع ذلك به نحو التوجه لجمع كلمة الوطن الأصغر حفاظاً على كيانه ومجتمعه وهويته الحضارية ، فالرؤية لا تجب أن تحصر في إطار خصومة سياسية مع نظام مستبد أو مغاضبة إزاء مظالم إقترفتها فئة ، فلابد أن تتوسع لفهم خطر محدق بالبلاد وكارثة وشيكة الوقوع ، فإن هذه الهجمة التي أحاطت بالسودان وجواره لابد أن تحسب وتراجع وتوضع موضع الاستبصار والإنتباه.
حصر المحتملات و الخيارات المتاحة :
لقد بلغت البلاد حافة الهاوية وقمة الصراع باشتعال الحروب والنعرات القبلية والعنصرية التي بدأت تتعالى أصواتها ، وبتفشي الفقر المدقع وإضطراب المجتمع وتسرب الإستيئاس الأمر الذي أنذر باجتثاث شأفة الوطن كله ، وأمام هذا الوضع سارع المؤتمر الشعبي في خطابه المضاغط سعياً لتغيير الواقع المأزوم ، حاصراً لكل المحتملات وتحديداً للخيارات الممكنة ، فطرحت ورقة المحتملات السياسية التي حددت محتملات ثلاث في قادم الأحداث وهي :
أولاً : أن يستجيب النظام للضغط السياسي ويعدل من سيره فيسعى من جراء وعيه إلى حل الأزمة ، والجلوس مع القوى السياسية من أجل الدخول في حوارات مفتوحة تضمن للسودان حفظ كيانه وعافية مجتمعه .
ثانياً : أن يقع النظام في أتون الإنقلاب العسكري والصراع الداخلي .
ثالثاً : أن تقوم عليه القائمة بالثورة الشعبية .
وقد رأى المؤتمر الشعبي استبعاد وليس نفي إمكانية أن يعدل النظام من مساره ، وأنه إذا حدث إنقلاب من داخله فمن المستبعد كذلك أن يقوم ذلك الإنقلاب بإصلاح الحالة السياسية ويسعى عملاً نحو وضع إنتقالي متوافق عليه ، فلا يوجد سبيل أقوم في هذا الوضع من دعم إحتمال قيام ثورة شعبية ، لاسيما وأنها مجربة في اقتلاع الأنظمة الشمولية في تاريخ السودان الحديث ، وعلى ذلك رتب المؤتمر الشعبي خياراته في التعامل مع النظام القائم ، مع الأخذ بالمخاوف المشروعة وهو يعيش تحت حكومة سادرة في غيها ، ووطن تتفاقم أزماته وحركات تتوالى على مسرح الحرب في متوالية منظمة كلما خرجت حركة خلفتها أختها .
وكان الخيار باتخاذ الثورة الشعبية قراراً شابه الحذر ولاحقته الضوابط ، ولكن لم يكن هناك مفر من اتخاذه ، وقد ظل المؤتمر الشعبي من قبل يتحرى السبل الأقل تكلفة والأحفظ لمقدرات الوطن والأحوط من أن ينفرط عقده ، إلا أن التحالف الذي دخل فيه المؤتمر الشعبي قد تعثرت خطاه في تعبئة الجماهير ، وقد شق صفه بمواقف وآراء مختلفة في التعامل مع الوضع القائم ، وزاد من الأمر إرتفاع المحاذير من إمكان انفراط عقد البلاد مع قيام الثورة ، إضافة للقمع الفاضح الذي مارسه النظام تجاه من خرجوا احتجاجاً على سياساته ، الأمر الذي أظهر أن النظام مستميت في الدفاع ليس على كراسي السلطة فحسب بل على شخوص السلطة أنفسهم جراء ملاحقات دولية وثارات مكبوتة تجاههم ، ومع التأكد من أن القوى المعارضة قد وهنت عرى التلاقي بينها حيث لم تتفق على مشترك يمثل مدخلاً آمناً للمستقبل واستمرار التردي المخيف في الحالة العامة للبلاد واصل المؤتمر الشعبي طرح خياراته وتعهدها بالحذف والإضافة والتقديم والتأخير والمراجعة .
إلى أن جاءت بادرة لين في القول من النظام وإلقاء لبادرات إعتراف بالأزمات كلها في مسلك نادر الحدوث من ذوي السلطان ، نم عن أزمة بالغة أستُشعِرت وطوفان وشيك العموم ، فغلب رأياً إحتمال الدخول في حوار مع النظام لصالح البلاد إذا مد يده جاداً ، على أن يمضي هذا الخيار مع الخيار السابق في الإسقاط جنباً إلى جنب ، وفي هذا المناخ بدأت الدعوات تتوارد على المؤتمر الشعبي رسمية وغير رسمية حتى تبلور شكل من أشكال الملتقى الجامع وصل المؤتمر الشعبي بالمتمكنين من السلطة وبالآخرين ، فقبلت البادرة على أن ترد بمثلها ، وعلى أن نلتقي سواء بسواء دون ثنائية إنتهازية على طاولة حوار جامع لكل أطياف المعارضة المدنية منها والعسكرية ، للبحث المسؤول في أزمات الوطن تفصيلاً لا قولاً عاماً ، حتى بلوغ الإتفاق قواعد ومراحل محددة منضبطة لأَجَل النظام والفترة الإنتقالية وبسط الحريات ورد المظالم ومعالجة عاجل الأزمات الراهنة ، حتى يقوم الوطن ويتعافى ويتهيأ الشعب لمرحلة الإختيار الحر لممثليه تأسيساً لحكم راشد ، وعلى هذا الطريق يختبر المؤتمر الشعبي النظام وجديته في التعاطي مع الراهن ويتقدم معه خطوة بخطوة مع مشاركة كاملة لكل القوى السياسية جمعا للصف .
والمؤتمر الشعبي إذ يقدم على هذه الخطوة لا يمنح بها صك غفران لأحد ما ، ولا يتنازل فيها عن مبدأ من مبادئه ولا عن مجاهدة من مجاهداته ، بل يسعى حثيثاً لإقامة أسس العدالة في المرحلة القادمة ، ترسيخاً للموازين القسط بين جميع السودانيين ، وضبطاً وتقويماً للمؤسسات العدلية حتى لا يضيع حق مسلوب أو منتهك ، ضماناً للوصول لمرحلة من التوافق السياسي والاجتماعي يتعافى فيها المجتمع بجميع مكوناته ، وضمن بها السودان إستقراره ، ويقدم المؤتمر الشعبي على هذه الخطوة على هدى الدين وضوابطه حفظاً للبلاد والعباد وإخراجاً لها من وهنها وضيقها إلى قوة وسعة ، راجياً من الله القوي الواسع أن يمد أهل هذه الوطن بما يعينهم ، والمؤتمر الشعبي إذ يتجه هذا الإتجاه لا تتمكنه شهوة في سلطة أو تعتريه سفاهة في رأي ، إنما يحفه تمنعه المعروف عن الولوغ في أوحال السلطة قهراً أو حكراً ، وحكمته التي أعانته في مواقف عديدة .
وفي إطار الاجتهاد لإنجاح هذا الخيار الذي سلكه المؤتمر الشعبي ، لابد من استعراض مواقف القوى السياسية المدنية والعسكرية بالإضافة للدولية من عملية الحوار ، وذلك باعتبار أن هذا الإنتقال في الموقف السياسي هو عملية شاملة لابد فيها من فحص مواقف شركاء العمل العام الفاعلين في الحقل السياسي بغرض معرفة محفزات ومنفرات انخراطهم في هذه العملية السياسية ، وتحديد ما يمكن أن يقوم به المؤتمر الشعبي من دور سياسي للدفع بعجلة الحوار ، وذلك أن هذا الحوار يجب أن يتجاوز سلبيات ما قد مضى من محاولات لعقد إتفاقات مع النظام القائم ، وأولها ثنائية الإتفاق أو الحوار وتجاهل دور القوى السياسية ومكونات المجتمع الأخرى ، وعلى ذلك نرى أن نصنف شركاء العمل العام بحسب طبيعة توجهاتهم وخصائصهم السياسية .
أولاً : المؤتمر الوطني :
هذا الحزب تقمص السلطة حتى ابتلعته وكان يظن بادئ الأمر أنه بسيطرته عليها سيتمكن من تأمين مشروعه السياسي ، إلا أن السلطة فرضت منطقها عليه فأصبح تابعاً لها طائعاً عِوض أن يطوعها لمشروعه ، ومن هنا بدأ الإشكال في صفوفه بتسرب الإستبداد والتسلط الذي طال المحكومين وأهل الحكم أنفسهم ، وانجر نحو المركزية القابضة ومصادرة الحريات العامة والتصرف في المال العام بغير نزاهة وتوزيع الموارد بغير عدالة . فبدأت تعلو فيه الدعوات الإصلاحية لإعادة ترتيب العلاقة بين الحزب والدولة ، وبين المشروع والسلطة ، وقد كانت من أوائل دعوات الإصلاح مبادرات داخلية وخارجية لثني المؤتمر الوطني عن الضيق بالشورى وحاكمية المؤسسات ومحاربة الفساد ، وتزايدت هذه الدعوات بعد تردي الأوضاع وتمزق البلاد ونفور الشعب عن مساندة أهل السلطة الذين كان قد ساندهم من قبل في مواطن شتى .
بدأت موجة جديدة من المطالبة بالإصلاح بعدما أريقت الدماء في الشوارع بعد ضيق الشعب من سياسات السلطة وخروجه عليها ومطالبته بذهاب النظام بالكلية ، لتبدأ وتتفعل موجة أخرى من دعوات الإصلاح من المركز والولايات ، سيلاً من المذكرات التصحيحة داخل الحزب الحاكم من القيادات الوسيطة ، ومذكرة الألف أخ ومبادرة ولاية الخرطوم وأخيراً مبادرة السائحون والحراك الاصلاحي ، هذه المذكرات والمبادرات فرضت نفسها كواقع لا يمكن تجاوزه داخل المؤتمر الوطني وخارجه ، وانضمت في أهدافها لصف المعارضة في الحد الأدنى المطالب بالحريات ووقف الحرب ومحاربة الفساد ، الأمر الذي أحدث أزمة داخل عضوية الحزب الحاكم وأدى لتفاقم الصراع بين أجنحته المختلفة وأظهر هشاشاة بالغة في بنية التنظيم وسياساته .
فهذه الأمور مجتمعة هي محفز قوي للمؤتمر الوطني بالدخول في حوار لترتيب بيته الداخلي ولإنهاء أزماته مع المجتمع والقوى السياسية ووقف حالات التململ والصراع في داخله ، ولفك إرتباط مصيره بالسلطة ولإعادة طرح نفسه في المشهد السياسي كحزب منافس للأحزاب والتنظيمات الأخرى بصورة شرعية ، والأهم من ذلك بالنسبة لقياداته هو الأمل في إمكانية التوصل لتسوية مع المجتمع الدولي في ملاحقات المحكمة الجنائية .
إلا أن هذه القضية الأخيرة شائكة بحيث أنها قد تنضم لمنفرات المؤتمر الوطني من الحوار ، وذلك أن المؤتمر الوطني يشوبه التوتر من احتمال عدم التوصل لحالة من التصالح العام مع القوى السياسية تفضي لعدم تسليم المطلوبين للمحكمة بعد قيام أي نظام سياسي جديد .
ثانياً : الأحزاب التقليدية :
ونقصد بها القوى السياسية الطائفية (حزب الأمة القومي – الحزب الإتحادي الديموقراطي الأصل) ، هذه القوى ظلت فترة من الزمان في حوار مع النظام حول قضايا متعددة ، إذ أنها لم تحصر نفسها في موقف رافض مبدأياً للحوار ، بل أنها عمدت لعقد إتفاقات ثنائية مع النظام في جو سياسي كان مفعم بالتوتر وفي ظل رفض قاطع من القوى السياسية الأخرى ، هذه القوى هناك ما يدفعها للإنخراط في الحوار ، أولها الخطوط الممتدة أصلاً بينها وبين النظام ، وثانيها رفضها الواضح لمشروع إسقاط النظام وإعلانها أن الحل يأتي عبر عملية سياسية سلمية ، وثالثها وجود توترات داخلية في عضويتها لا سيما الشابة منها والتي كانت متحمسة لدعوة الإسقاط ، حتى أن هذه العضوية قد خالفت قرارات ومشاريع هذه الأحزاب المعلنة ، وظلت تنادي بضرورة الإصلاح داخل الأحزاب نفسها ، ورابعها ما قد ينجم عن الحوار من حالة استقرار تعيد ترتيب هذه الأحزاب لبيتها الداخلي ومراجعة مواضع الخلل في بنائها ، فإقدام هذه الأحزاب على الحوار هو إقرار لمشروعها ولخطابها السياسي ، وتبيان أن مواقفها السابقة من النظام كانت واقعية وصحيحة ، وحل للمشكلات الداخلية الناجمة في كثير منها من مواقف قيادات هذه الأحزاب من النظام ، إضافة إلى أن هذه الأحزاب قد تعرضت لانشقاقات تنظيمية سابقة فترجو إن تعيد توحيد قواها المتناثرة ، خلاف ما قد تحصل عليه هذه الأحزاب من نصيب في السلطة في حال نجاح الحوار إبتداءً من القترة الإنتقالية وما بعدها .
أما المنفرات فتتمركز أولاً حول إمكانية أن يفضي هذا الحوار إلى تكتل للقوى الإسلامية لا سيما في وحدة تنظيمي المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني ، مما قد يسقر عن قوة سياسية كبيرة للتيار الإسلامي الغير طائفي ، الأمر الذي يخصم من نصيب هذه القوى ورصيدها السلطوي والجماهيري ، إذ أنها تعاني من فقدانها لرصيدها الجماهيري بفعل انقطاعها الطويل عن قواعدها ومواقفها غير المرضية ، لاسيما في أطراف البلاد التي تعاني من توترات أفضت للنزاع المسلح ، أما ثانياً فإمكانية أن تكون الدعوة للحوار مجرد مناورة سياسية من النظام لا يسعى من ورائها سوى إطالة فترة بقائه في السلطة والبحث عن مخرج لمآزقه الخاصة .
ثالثاً : القوى العلمانية :
ونقصد بها أحزاب (الحزب الشيوعي السوداني – الأحزاب القومية – حزب المؤتمر السوداني – حركة القوى الحديثة الديموقراطية) ، هذه القوى في أغلبها قد دخلت مع النظام في شراكة سياسية تحت مظلة إتفاق السلام الشامل وإتفاق القاهرة ، إضافة لدخول بعضها في حوارات ثنائية مع النظام وإن كان ذلك لفترات قصيرة ، وبالتالي لا يوجد لدى هذه الأحزاب مواقف قاطعة تمنعها من محاورة النظام ، إلا بعض القوى السياسية ضعيفة التأثير رأياً ووزناً ، فهذه القوى في مجموعها من محفزات دخولها في الحوار هو الخشية من إنعزالها السياسي وعدم مقدرتها فيما بعد من اللحاق بركب العملية السياسية ، إضافة للتأثير الخارجي الدافع لها نحو محاورة النظام .
إلا أن منفرات هذه القوى أكبر من محفزاتها ، وأولها مشاريعها السياسية العلمانية المناقضة بطبيعة الحال للتوجهات الإسلامية ، كون أن هذه المشاريع كانت تراهن كثيراً على نهاية كارثية لحكم الإسلاميين في السودان مما يستأصل شأفتهم ويخلي الساحة لصراع سياسي يخرج منه الإسلاميون ، أو يكونون فيه بلا روح أو تأثير كبير ولو بعد حين ، ثانيها أن هذه القوى ستعتبر نجاح الحوار هو هزيمة لمشروعها الطموح في إسقاط النظام ، وثالثها خشية هذه القوى من تضاعف تأثير الإسلاميين في المجتمع والسلطة لاسيما في وحدتهم المروج لها ، ونجاحهم في حل الأزمة السياسية بخسائر أقل ، مما قد ينعكس في عظم تأثيرهم القادم في السلطة ومزيداً من الضعف للقوى العلمانية الضعيفة أصلاً . أما رابع المنفرات هو الخشية من أن يكون الحوار مجرد مناورة سياسية وليس رغبة حقيقة في حل الأزمة السودانية .
رابعاً : الحركات المسلحة :
ونقصد بها كل الحركات المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية (حركة العدل والمساواة – حركة عبد الواحد محمد نور – حركة مني أركو مناوي – الحركة الشعبية قطاع الشمال وغيرها) ، هذه الحركات تواجه مأزق في العمق الجغرافي والحاضنة السياسية لدول الجوار ، وضغط محلي في ضرورة إنجاز أمر ما نتيجة للمعاناة الإنسانية الهائلة التي يرزخ تحتها مواطني الولايات المتضررة مباشرة بالحرب ، الأمر الذي قد يفقدها الدعم الشعبي وينشر اليأس من مقدرتها على تسوية القضية الإقليمية على الأقل ناهيك عن القومية ، لذا ستجد الحافز الكافي للدخول في حوار تفاوضي مع النظام ويعزز من ذلك الضغط الدولي الدافع نحو ضرورة إيجاد تسوية سياسية للأزمة السودانية . وإذا أخذنا في الإعتبار أن المشروع العسكري لإسقاط النظام لم يؤتي نتائجه المرجوة سوى في استزاف النظام إقتصادياً وإحراجه دولياً ، وأن المشروع المدني لإسقاط النظام قد باء بتعثر كبير إن لم نقل فشل بائن ، فإن الخيارات السياسية أصبحت محصورة في الحوار .
خامساً : الصف الإسلامي :
ونقصد به الجماعات والكيانات الإسلامية بتشكلاتها المختلفة من إخوان مسلمين وجماعات سلفية إضافة لجبهة الدستور الإسلامي ، بعض هذا الصف من آماله تصحيح مسار الإسلاميين السياسي بالرجوع لجادة الصواب وحل الأزمة السودانية أملاً في جمع الصف الإسلامي في مقبل الأيام بعد زوال أسباب الشتات ، والبعض الآخر يركز أساساً على الحفاظ على مكتسبات التوجه الإسلامي في شعاراته المرفوعة ، ولا يوجد من المنفرات التي تدعو للبعد عن الحوار سوى أن لهذا البعض الأخير ارتباطاته الدولية التي من الممكن أن تؤثر في قراراته ، إلا أن الأمر في الأخير لن يكون ذو تأثير معرقل لسير العملية السياسية .
سادساً : المجتمع الدولي :
كانت القوى العظمى المؤثرة في الشأن السوداني تكن العداء للنظام منذ بواكيره الأولى عندما أعلن توجهه الإسلامي ، فرأت تلك القوى فيه خطراً حضارياً بدأ بالتأثير على مجريات الأحداث الإقليمية والعالمية ، وقد حاولت هذه القوى إضعاف النظام بل و إسقاطه بوسائل مختلفة إبتداءً من الحصار الإقتصادي والسياسي إلى الإمداد العسكري للقوى المتمردة على السلطة ، والدعم السياسي والمادي للقوى السياسية المعارضة ، إلا أن هذه القوى قد توصلت إلى أنه من العسير تغيير النظام بالقوة العسكرية لاعتبارات تاريخية وثقافية ، وأن الأحزاب السياسية ليست بالقوة والشعبية والإعداد الكافي لتكون بديلاً للنظام ، إضافة لصرف النظام نفسه عن التوجه الإسلامي على الأقل في تغييبه للشعارات السافرة ، فبدأت بتبديل سياساتها مع النظام وفي إيجاد صيغة سياسية للتعامل معه تعتمد على مبدأ الترغيب والترهيب ، خاصة وأن مصالحها تتطلب المحافظة على وجود الكيان السوداني على الأقل الشمالي المهدد بالتمزق ، وبدأت تلك القوى الدفع بإتجاه تسويات سياسية في قضايا مختلفة سواء كان في الصراع المسلح داخل السودان أو في عامة الأوضاع أو في علاقته بالجنوب ، لذا تجد هذه القوى المحفز الكافي للدفع بعجلة الحوار ، إلا أن منفراتها تكمن فيما سيتشكل من وضع سياسي ما بعد الإنتقال في وضعية التوجه الإسلامي وحدود مشروعه المستقبلي وإلتزاماتها تجاه بعض القوى الحليفة لها داخل السودان .
سابعاً : المجتمع السوداني :
لا ينبغي النظر للمجتمع السوداني دون مراعاة خصوصياته كجماعات وفئات لها تمايزاتها ، فهناك مواطني المناطق المتأزمة التي أثقلت كاهلهم الحرب قتلاً وتشريداً وجوعاً ومرضاً ، ويبحثون عن أيما مخرج لمأساتهم المعاشة ، هؤلاء يئسوا من الحلول العسكرية التي أحرقت أول ما أحرقت أبنائهم و قراهم ، فيجد هؤلاء الأمل الواسع في بوادر الحوار الشامل الجاد الذي هو الأقرب لإنهاء أزمتهم المباشرة ، ولا منفرات لهم من العملية السياسية المرتقبة ، وهناك من تضرروا من سوء سياسات النظام التي انعكست على تردي الأوضاع الاقتصادية ، وتمظهرت في الشعور بالقلق البالغ من المستقبل واليأس من إمكانية أن تستطيع القوى السياسية المدنية أو العسكرية إسقاط النظام ، هؤلاء يجدون في الحوار بادرة خير ومبعث أمل ولا منفرات لهم منه ، وهناك الفئة الشابة من عامة الشعب ممن ليسوا من أصحاب الولاءات لأي من القوى السياسية المعارضة ، هؤلاء يعيشون حالة من الإحباط العام نتيجة لشمولية خانقة ومعارضة يصفونها بالهزيلة ، ويعانون من تردي الأوضاع الإقتصادية و كبت الحريات العامة والقلق من المستقبل ، قد يجد هؤلاء حافزاً لتأييد عملية التحاور بين القوى السياسية لإنهاء الأزمة وإقامة الأمل ، إلا أن هناك ما ينفرهم من تأييد المسلك التحاوري ، وهو عدم ثقتهم بالقوى السياسية على العموم وتحميلهم إياها مسؤولية تردي الأوضاع تاريخياً في السودان ، وشعورهم بتهميشهم كفئة شابة من الحراك السياسي العام ، إضافة إلى أن كثير منهم قد عُبِئوا تحت شعار إسقاط النظام إن كان من جراء الحراك الداخلي أو من المحيط الإقليمي الثوري ، هنا قد يجد هؤلاء أن في مسلك التحاور تراجع عن خط يرونه ناجع في إسقاط الأنظمة الاستبدادية .
ماهية المرحلة :
إن قراءة المؤتمر الشعبي للواقع السياسي والاجتماعي في البلاد تتمحور حول ضرورة الإقدام على عمل سياسي كبير فارق يحدث نقلة كبرى على كافة صعد الحياة السودانية ، وذلك لأن ما ألفته الحياة السياسية الراتبة من رؤى ومناورات أصبح عديم الجدوى وذو طاقة متقاصرة ، الأمر الذي يتطلب تحولاً في طريقة التعامل مع المعطيات المتاحة ، وقد كانت الحركة الإسلامية السودانية هي الأجدر دائماً على القيام بهذه التحولات عبر واقعية تفكيرها ومرونتها في تحديد خياراتها وقدرتها على تحليل الراهن وحركة المجتمع ، وهذا التحول الفارق كانت تقدم عليه الحركة عندما يستلزم الحال في حقب تاريخية سابقة ، حيث كانت تقرأ الواقع المحيط حولها وموضعها منه ثم تحدد مطلوبات الإنتقال عنه وتستقرئ ما يمكن أن يكون عليه المستقبل القريب والبعيد .
حدث ذلك منذ بواكير تأسيس الحركة عندما حسمت وجهتها بالانتقال من حالة انحصار في فكرها ومشروعها السياسي إلى صياغة رؤية جامعة بميثاق إسلامي كان الهدف منه بعث روح العمل الإسلامي وجمع الكلمة ، وكان من مكتسبات هذا الانتقال ترسيخ التوجه الإسلامي وتثبيت رؤيته لدى عامة الناس الذين ما ألفوه عاملاً مؤثراً في حياتهم ، وتعريف المجتمع بقيادات الحركة ورموزها والذين كان لهم دوراً بارزاً في إنهاء الشمولية الأولى .
ثم ما لبثت الحركة الإسلامية أن ابتليت بشمولية ثانية قابضة وسافرة في عدائها للتوجه الإسلامي ، ذلك بدخول العهد المايوي حيث أُلزِمت الحركة السجون لسنوات متطاولة وصُوِّبت نحوها تحديداً ممارسات القمع وكبت الحرية ، حتى ضاقت عليها سبل العمل العام المدني الحر ، فاتخذت قراراً بالانتقال نحو مجابهة النظام بالعمل العسكري تعاوناً مع القوى السياسية الأخرى جهاداً دافعاً للظلم والطغيان ، إلا أن أقدار الله لم تشأ أن توفِق المسعى إلى غايته المرجوة ، فبدأت الحركة بمراجعة تعاطيها مع الواقع لاسيما وقد ظهرت بادرات لين من النظام ، فأقدمت على الانتقال من المدافعة العسكرية إلى المدافعة المدنية ، وقد كسبت الحركة من ذلك أنها استطاعت أن ترسخ توجهها وأن تنقل النظام من طبيعته العلمانية السافرة إلى الروح الإسلامية ، وإن كان ذلك على صعيد قوانين مجردة أو شعارات ، كما استطاعت أن توسع الصف الإسلامي الداعم لها وأن تضاعف عدده وهيبته على هدى خطة وضعتها مسبقاً .
و من بعد انتفاضة إبريل كانت متطلبات المرحلة الإنفتاح على كافة مكونات المجتمع لتمكين الرؤية الإسلامية وتدعيم مقدرتها على مواجهة التكتلات المناوئة ، فاتخذ القرار بتكوين الجبهة الإسلامية القومية ، وقد كسبت الحركة من هذا الانتقال القدرة الكبيرة على المنافسة السياسية والتمدد في قطاعات المجتمعة كافة ، وتقوية الأذرع الإعلامية والاقتصادية الأمر الذي توج بإعلان الجبهة الإسلامية القومية القوة الثالثة في المجلس المنتخب والأولى طرحاً ونشاطاً ، وقد حرصت الحركة على الدخول في تعاون مع القوى السياسية المنافسة من أجل إخراج السودان من حالة التوهان السياسي والتردي الإقتصادي وغياب الإرادة التي كان يعيشها ، لا سيما مع تردي الأوضاع في الجنوب وتقدم التمرد وتقهقر القوات المسلحة المهملة والمتروكة بلا دعم مادي أو معنوي ، إلا أن الحكومة والقوى السياسية كانت دون الوعي بالمرحلة ، وقوبلت الجبهة الإسلامية بهجمة شرسة داخلية ودولية ، تآمراً عليها والتفافاً على عهود مبرمة ، حتى بلغ الأمر بالدفع الدولي أن يقدم بعض قادة الجيش مذكرتهم الشهيرة لإخراج الجبهة الإسلامية من البرلمان ونسف إستحقاقها الإنتخابي الشرعي ، فاستقر رأي الحركة أنه لابد من إنتقال في التعامل مع الوضع القائم المملوك للقوى الغربية ، التي لم تقبل أن يقول الشعب كلمة إسلامية وإن كان ذلك بالنهج الديموقراطي المبشر به عند الغرب .
وكان الإنتقال أن أقدمت الحركة على الإنقلاب العسكري ضرورة لكسر حاجز الحصار ، وقد أرسلت الحركة بذلك رسالة واضحة للقوى الغربية بأن هناك إصراراً مقداماً على طرح الرؤية الإسلامية للناس ، وأنها أصبحت واقعاً لا يمكن تجاوزه أو كبته ، وقد كان الكسب أن أقبل عامة الشعب السوداني يتدافعون لدعم مشروع الحركة ذي التوجه الأصيل و القرار المستقل والرؤية الطموحة ، لا سيما وأن الحركة قد أرست مشاريعا تنموية طموحة وأعادة بناء القوات المسلحة مما أعاد لها المنعة ، الأمر الذي إنعكس في إنتصاراتها المتوالية ضد القوات المتمردة على الرغم من الدعم الدولي الكبير ، وبات جلياً أن السودان قد بدأ بجمع شتاته والنهوض نحو عزة ومنعة .
كانت الحركة الإسلامية تعي أن لجوئها للخيار الإنقلابي لم يكن إلا إضطراراً بعد أن سُدت عليها السبل ، وأنه لابد من إنهاء الحالة الإنقلابية وفتح الباب واسعاً أمام حرية العمل السياسي ، والتوافق على دستور جامع يرسي أركان الحكم الفيدرالي والتداول السلمي للسلطة ، فكانت أن عملت الحركة على إنتقال آخر من الحالة الإنقلابية نحو الوضع الدستوري الدائم ، فبدأت بالاتصال بالقوى السياسية ومكونات المجتمع للجلوس في حوار جامع ينهي حالة التشظي ويمهد للسودان الكبير ، وما فتئت الحركة الإسلامية منذ وصولها السلطة تدعو الحركة الشعبية للجلوس في طاولة مفاوضات جادة وحاسمة وقد جددت لها الدعوة في الإنتقال الجديد ، إلا أن هذا السعي قد عرقل ووئد ، إذ غلب منطق الدولة والسلطة على مشروع الحركة الطموح ، وبدأت الشقة بالاتساع ، وقد بدأت الحركة ترفع من صوتها المنتقد لحالات من الفساد بدأت تعتري أهل السلطة ، وقد جاهدت هذا الوضع جهاداً متواصلاً حتى استيأست من إمكانية إصلاحه ، الأمر الذي وضعها بين أمرين ، إما المواصلة في صف السلطان ، أو الإنضمام لمشروعها في الحرية والسلام ومناكفة السلطان المتقبض .
وما كان لحركة إسلامية حقة الميل لصف السلطان والتجبر ، فكان انتقال آخر عسير هذه المرة ، إذ أن الحركة هذه المرة تجاهد نفسها ونزوتها وتجدد مشرروعها الفكري والسياسي ، وكان أن كسبت الحركة بهذا الانتقال نفسها أولاً ، إذ خرجت من دوامة الفساد والتسلط إلى براح المجتمع جهاداً بالدين وتجديداً للعهد ، ثم كسبت الحركة أن توقفت برهة تراجع مسيرها ومصيرها وتجدد فكرها وتخط عبراً من ممارستها للسلطة ، وما أن أُعلن المؤتمر الشعبي كياناً جامعاً مؤصلاً على الدين حتى بدأ بمجاهدة الشمولية والصدع بالحق ، فلاقى ما لاقى في مسيره من كبت وحبس وتشريد حتى بلغ الأمر صعود أرواح مجاهدة في المعتقلات وخارجها ، على الرغم من ذلك لم تنثني عزيمته ، بل أصبح المنافح الأكبر في وجه السلطان والمتقدم دائماً في قول الحق والثبات عليه . فكان كسب آخر بأن أقبلت عليه جموع جديدة صابرة على الطرح متعاهدة على الثبات ، ثم عمد المؤتمر الشعبي كما سلف إلى بناء جسم وطني توافقي من القوى السياسية استقر على ضرورة اسقاط هذا النظام بالحراك الشعبي سعياً نحو سودان قوي معافى تسود فيه قيم الحرية والعدالة ، ويكون الدين فيه هادياً ضابطاً .
إلا أن المؤتمر الشعبي بقراءته للمعطيات المحيطة والتي سردناها سابقاً في القراءة للواقع الداخلي والمحيط العالمي وفي حصر المحتملات والخيارات المتاحة ، رأى أنه لا بد من إنتقال في التعامل مع الواقع كسابق الانتقالات التي أنجزتها الحركة الإسلامية في تاريخها الطويل ، هذا الانتقال الجديد بالنسبة للحركة الإسلامية هو محاولة لإنهاء تجربة وصفت بالإسلامية إلا أنها قد ضربت أمثلة على الإستبداد والفساد ، وتخبط السياسات بما لا يليق بالوصف الممنوح ، فإنهاء هذه التجربة مع الحفاظ على وحدة ما تبقى من السودان والترابط بين نسيجه الإجتماعي ، لأمر بالغ الأهمية في مسيرة الحركة الإسلامية ، ويمثل هذا الانتقال بداية جديدة للحركة تراجع فيه تاريخها الطويل ، فتحدد فيه مواطن القوة والخلل لتبدأ بإعادة صياغة أطروحاتها الفكرية والسياسية ، وتسعى فيه الحركة لانفتاح جديد على كل أصحاب المشاريع الإسلامية وعلى مكونات المجتمع وفئاته لاسيما الأجيال الحديثة ، وإذ يعاني المؤتمر الشعبي اليوم بفعل شمولية السلطة من إنحسار في النشاط وقلة في الموارد وانحسار في فئات ومكونات المجتمع التي يمكنه الوصول إليها وحبس عن الإعلام ، فإن زوال هذه الشمولية سيؤدي إلى تعاف كبير في هذه المجالات زيادة للصف وتجديدا للفكر والمشروع والخطاب .
ختاماً : متطلبات المرحلة :
إنه إذا وفق الله تعالى المسعى في التوصل لتوافق وطني للخروج من الأزمة السياسية والاجتماعية العامة ، سيُلقى على عاتق المؤتمر الشعبي مسؤليات جمة هي أكبر مما على عاتق نظرائه السياسيين ، أولها متطلبات نحو شركاء العمل العام الذين فُصِّلت توجهاتهم ومحفزات ثم منفرات إقبالهم على هذه المرحلة ، إذ أن على المؤتمر الشعبي أن يؤكد للقوى السياسية على النضج السياسي الذي اكتسبه من خبراته المتراكمة ، والذي لابد وأن تكون تلك القوى قد اكتسبته بالتوازي كذلك ، فلا عودة للتآمرات الإقصائية أو التهميش والاستخفاف بالتعددية في الرأي ، فليس هذا الانتقال إتفاق ثنائي بين المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني بغية الاستئثار بالسلطة أو هزيمة المنافسين السياسيين ، وليس الغرض منه تسوية صراع ثنائي بعيد عن قضايا الوطن الجامع ومتطلبات نهضته ، وليس عودة لتاريخ الانقسام الحاد بين الأطروحات الفكرية على غير سبيل التعاون والتداول ، إنما يسعى المؤتمر الشعبي لبناء سودان توافقي يتساوى فيه الجميع وتتحقق فيه قيم العدالة السياسية والاجتماعية لكافة السودانيين وتُعَبد في ساحات المنافسة السياسية الشريفة الصحيحة على أسس متوافق عليها ، وعلى المؤتمر الشعبي التأكيد أنه يحمل فكراً متجدداً فليس هو من دعاة الإنغلاق أو العداء لما هو غير إسلامي ، إنما هو داع لمنهجه بالحسنى ومقبل على الحوار إن تيسر بعقل وقلب واسع ، وساع لبناء علاقات خارجية مع المجتمع الدولي على أسس من الندية والتعاون والحوار المتعقل من أجل عالم مستقر متكاتف لا مضطرب متنافر ، مع الإستعداد للتعاون الكامل معه على أساس المصالح المشتركة بما يكفل إستقلال القرار السوداني وتمتين الهوية التاريخية ، وأن ما يقدم عليه المؤتمر الشعبي إنما هو قرار مستقل لا يخضع لأي نوع من الإملاءات ، فهو توجه نحو مشروع وطني جامع ذاتي الدفع بقراءة صحيحة للواقع بكل إستقلال وحكمة ، والمؤتمر الشعبي إذ يسعى إلى هذا الإنتقال إنما ينفتح على المجتمع قاطبة يسمع منه آماله ورؤاه ، ويتفاعل معه رأياً وعملاً وينفتح على أجيال جديدة ما وجدت حظها من الشراكة والإهتمام ، ويؤكد على ضرورة إقامة العدالة الإنتقالية ثم ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية ، للوصول للتعافي المطلوب ، وأن المجتمع يجب أن يكون شريكاً أصيلاً في الحوار بتمثيلات مختلفة ، لأنه الضامن لهذه العملية السياسية المستهدف بها تقوية نسيجه ورفعته ومنعته ، وأخيراً إذ يؤسس المؤتمر الشعبي مبادئ هذا الحوار لا يتخلى عن قيمه التي أرست ركائزها عقوداً بالدعوة لدين الله والعزة للوطن .
ثاني هذه المتطلبات تتمثل في ضرورة استثارة الأفكار والطاقات المتاحة جميعها من أجل التعجيل بعملية الإصلاح السياسي ، وبث روح الأمل واستنهاض الهمم للإيجابي من القول والعمل ، والتحلي بنكران الذات والإقدام على التضحيات والمجاهدات التي خبرها وعرف بها منسوبو المؤتمر الشعبي في أطوار متعددة ، وعرفت بها الحركة الإسلامية في أطوارها المتتابعة عندما تجردت لمواجهة النظم الشمولية حتى لاقت ما لاقت من ضنك بلغ الأرواح ، وعندما تقدمت للتضحية من أجل تمكين القول بإقامة الشريعة في السودان عندما كان ذلك القول غريباً شاذاً عند النخبة والعامة ، وعندما أصبحت قريبة المنال تصدت لمحاولات الوأد والتشويه ، وعندما أصبحت واقعاً بذلت في سبيل الدفاع عنها أرواحاً وجهوداً مضنية في أمثلة شهد عليها العالم ، وقد أقبلت الحركة على منافحة النظام القائم ولاقت قياداتها سجوناً متتالية وفاضت أرواح من شبابها غير عابئة ولا متهيبة ، وهذا شأن أيما حركة تسعى لتمكين الإسلام وتمثيله واقعاً في حياة الناس ، فالصبر على الضيق والإقبال على الحق وإن كثرت اللائمة سبيل المؤمنين ، والتجرد في الرأي والعمل وتجاوز المكبوت الضيق الثنائي العالق من سيرة ماضية في تاريخ السودان والإنفتاح على النقيض الفكري أو المنافس السياسي والتحلي بروح العمل الجماعي لأمر بالغ الضرورة في هذه المرحلة ، وذلك ليس إلا استجابة للدين القويم الذي يسعى المؤتمر الشعبي لتنزيل قيمه على أرض الواقع مثالاً يحتذى ، وتغليباً لمصلحة البلاد وتعافيها وخروجها من هذا المأزق غير المسبوق ، فكما كان المؤتمر الشعبي بحمد الله سبَّاقاً في المجاهدات سبَّاقاً في الرأي ، فليكن سبَّاقاً في التجرد وإخلاص النيات ، عندها وبدفع القوى السياسية الأخرى للتحلي بذات الخصال سيلج السودان لمرحلة من التوافق الوطني تمهد لمرحلة إنتقالية منضبطة يكون على إثرها السودان على بوابة الحكم الراشد والعافية العامة.
والله ولي التوفيق
المؤتمر الشعبي
13 / جمادى الأولى / 1435 ه
14 / 3 / 2014 م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.