"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبي في عيد الآباء .. متعه الله بالصحة والعافية .. بقلم: الصادق عبدالله عبدالله
نشر في سودانيل يوم 15 - 05 - 2014


الحاج عبد الله ود أبوعياشة:
قد يظن البعض أنه لا تكتب إلا سيرة الرجال الذين نالوا الدرجات العلمية أو المواقع السياسية أو الاجتماعية أو الأوسمة والأنواط أو غيرهم. لكن لله درهم، فكم من الرجال لم يكن حظهم كبيراً من العلم أو الجاه أو السلطان، لكنهم أدّوا دروهم في الحياة ولا يشأ أحد يذكرهم. ونقول في كتاباتنا رجل من غمار الناس أي من الأكثرية المزدحمة، أو يقولون البسطاء. ولعمري هذه الاخيرة من مفرداتنا نحن ومن صناعتنا نحن سمنا ما شئت. ورد مقال في كتاب مختارات من الأدب السوداني للبروفسور علي المك، لكاتب سوداني من المعلمين اسمه أحمد الطيب، يقول في مقاله: في قريتنا رجال، وفيها نساء، وإلا لا تكون قرية إذا لم يكن فيها من كلٍ زوجين اثنين. فيها النساء الخيرات، وفيها الرجال الأخيار. لو استطعت لخلدتهم جميعاً بالكلمات، ولحدثتكم عنهم جميعاً. في قريتنا صامت ضحوك بسام. يحبه الناس أجمعون، فهو يطعمهم جميعاً ففي كل جمعة ينتشر أبناؤه السبعة يوسوسون للرجال وللشباب، أبوي قال ليك تتغدى معانا بعد الصلاة. تاتي الإجابة: كدي! كتر خيره. ألا ليت عمري لو كل من يستطيع أن يكتب سجل تاريخ مثل أولئك الرجال. ولقد كتبت عن أبي وعمي وأخوالي (ناس الفريق) وعرضت كيف عاش أولئك الرجال الحياة العامرة المليئة بالاقدام والشجاعة والجسارة في تطويع حياة البادية، في حر الهجير وفي زمن الوحل وفي وقت نقص الماء وفي كل شأن الموت والحياة.
الآن وقد جاء عيد الأب كما لم يجيء من قبل، ونودي به على الأشهاد. وفي عيد الأب أكتب عن أبي، اسأل الله أن يثبت أجره ويغفر ذنبه ويحسن خاتمته، ويكتبه في زمرة الصالحين.
أبي عبدالله ود عبدالله ود حسب الله (ابوعياشة). عبدالله الأولى بفتح الدال وتفيخيم اسم الجلالة مثل أن يأتي الإسم في جملة منادى مضاف (يا عبدَاللهْ) ومثل أسم سنجة عبدالله، المسماة على اسم مؤسسها (عبدالله ود الحسن). أو مثل إسم بلدة الحاج عبدالله. أما عبدالله الثانية فهي: عبدُالله (اسم والده) بالرفع، مثل جملة (أنا عبدالله آتاني الكتاب....). وكذلك يقول أهلنا عبدالله (بكسر الدال وترقيق اسم الجلالة)، مثل ما جاء في أغنية الكابلي الشهيرة (كان شافوه ناس عبدالله كانوا يعذروا) والتي تنطق أحياناً (عِبْدِلّة). و والدته الحاجة عائشة بت مقداري. كان اسمه الذي اشتهر بهفي عمره الباكر في البادية(عبدالله ود أب عياشة)، بين أصدقائه اللحويين، أولاد أحمد والنيل وعلي ود النيل وعموم اللحويين، وعلى رأسهم صديق عمره حاج محمد أحمد النيل (حاج اليابس) وأخوانه محمد الزين ويوسف والصادق، رحم الله من مضى منهم وأكرم من بقي منهم ، والدويحية ناس يعقوب ود الفكي علي ويعقوب ود الضيف وبابكر ودعجبنا، والجعليين أولاد أحمد من أهل أم شوكة، والدغيم ناس على أبو مكة ومحمد ود أدم. وأهل دريبو ود رباع وشمبول وعنيكليبة.. ولا بد أن كان لحاج محمد الذي حج باكراً، دوراً في تشويق حاج عبدالله لرحلة الحج. وكذلك حاج حسين ضحيه. وهو في البادية في شمال سنجة، حتى انحنت تلك البادية وأناخت للقرى والحلّال، ولا أدري متى تذهب الحلاّل التي تتآكل الآن وبخطىً سريعة!!.
وقد سُمي على اسمه، وهي عادة متبعة ، عدد من أبناء اقربائه، سمى عليه عبدالله ود حسين ود أحمد هدية، وسمي عليه عبدالله ود خيرالله ودعيسى (المهندس الكيميائ بقطاع البترول)، وعبدالله ود حاج محمد اليابس، وعبدالله ود أدم ود محمدصالح وسمي عليه عبدالله ود خالي التوم ود مقداري.
كان أبوه عبدُالله ود أبوعيّاشة، إذ يكنى حسب الله جدنا الأكبر والد عبدُالله باسم ابنته الكبرى (عيّاشة). ومعروف في السودان أن يكنى الرجل باسم ابنته البكر، فيقال ابوفاطمة، أبوحوا، أبوعشة، ابوالحرم.. إلخ. وينادى الحاج عبدالله على نطاق محدود، خاصة من قبل أخواته، قبل إدائه شعيرة الحج ب(أبو جدية) على لقب ابنته، اختنا الكبرى وهي الرضية (جدية أم بدرية) وابنه الكبير استاذ أحمد ثم الصادق(المؤلف) ثم عائشة، ثم المهندس الزراعي محمد (ودالحاج) ثم مكي (معلم في أعمال خراطة وتشكيل الخشب بود مدني رحمه الله، فقد توفي اثر حادث حركة، بعد بدء هذا السرد) وتوأمه مكة ثم مُنى وكلاهما ربة منزل. وقد سمى مكي ومكة ومنى بعد حجته.
ولد الحاج عبدالله سنة الخزان (خزان سنار). ومعلوم أن خزان سنار أنشئ في منتصف العشرينات ، إذ يقول أن مولده كان عام 1927 م. يقول لنا عمنا (الخزان ود حميدة)، الذي ظل يوادد أبي ويحرص على زيارته: أنا نديد أبوك الحاج، أي ندهفي مثل عمره. و قد غلبت كنية الخزان على اسمه، بسبب ميلاده عام افتتاح خزان سنار. والخزان هناك الماء الذي سال أودية إثر ارتفاع الماء خلف سد الخزان. يقولون الخزان جا والخزان رجع.
رغم أن الحاج عبدالله لم يتلق تعليماً نظامياً ولم ينتظم في سلك الخلوة ، إذ كان خاله عبدالله ود مقداري فقيهاً درس العلم بام درمان في فترة المهدية، إلا أنّ ودمقداري لم يتفرغ لتدريس العلم فقد عمل بالتجارة والأسفار بين ميناء مصوع (ميناء أرتيريا المعروف على البحر الأحمر ومدينة الأبيض المعروفة، حيث توفى في إحدى اسفاره في فترة الأربعينيات ودفن بكوستي في مقابر ود أم جبّو. وكانت إبل ود مقداري في رعاية خاله سعد ود حسب الله، والتي تولاها أبناءه التوم وعبدالرحمن من بعد أن صاروا رجالاً.
إلاّ إن حاج عبدالله بمثابرته استطاع أن يفك الخط، وقد استعان في تعلم الكتابة والقراءة بأحد المشايخ يدعى الفكي جلال الدين، لم يشهده المؤلف. وأن جهوده التعليمية مكنته من القدرة على كتابة حساباته المختلفة، حساب الحواشة، حساب البقر، حساب الغنم. كان يكتب، يجمع ويطرح، ويتحقق من الكتابة بالسبحة، حتى دخلنا المدرسة فصار يطلبنا للكتابة ومراجعتها بنفسه. ويحتفظ ببعض الكتب بدءاً بكتاب العربية المحبوبة (يعني اللغة العربية المحبوبة)، كان ضمن كتب تعليم الكبار ، مثل كتب باب المعرفة ومفتاح المعرفة.
لمزاولة الكتابة، كان الحاج يحتفظ دائماً بنوتة خاصة بحساباته ومعها قلم الكوبيا ((Copier وهو قلم مثل قلم الرصاص لكن مادته من برمنجنات البوتاسيوم ذات اللون البنفسجي، التي لا يمكن محوها مثل الرصاص. كان الحاج يقيد فيها بياناته، ويحفظ معها إيصالات ضرائب القطعان والأطيان وقبانة المحاصيل. للكتابة كان الحاج عبدالله يفتح صفحة ويقيد فيها مثلاً: حساب الراعي فلان، أو حساب الجرف، ويؤيد ذلك بكتابة التاريخ أمام الرقم الذي يكتبه، ثم يكتب مثلاً سلفية، أو أجرة . ويحفظ أوراقه في شنطة من الزنك المطلي باللون الأخضر، يبدوا أنها من بقايا جيش الانجليز، لونها مثل العربة الجيب.
كذلك يحتفظ فيها ببعض الكتب والمطبوعات، منها مطبوعة لارشادات الحج، وكتاب العربية المحبوبة وكتاب جامع زبد العقائد التوحيدية للعلامة ود عدلان (الكتاب موجود في الانترنت وفي الدار السودانية للكتب بالخرطوم شارع البلدية) . ويبدأ كتاب جامع زبد العقائد بالآتي، بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: (اعلم أن الأحكام الشرعية خمسة: واجب ومندوب ومحرم ومكروه ومباح. وقواعد الاسلام خمسة التوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج. وأركان الإيمان ستة: الإيمان بالله والإيمان بالرسل، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب السماوية، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر. ويسترسل الكتاب في شرح الواجب والمستحيل في حق الله جل جلاله. والكتاب منهجي في علم التوحيد، لا بد أنه كان يدرس يوماً في المعاهد الدينية في الأزهر الشريف، ينسب لعالم من الأقطار السودانية يسمى ودعدلان. وبمراجعة كتاب الطبقات لود ضيف الله يرد اسم العالم (شمو بن محمد بن عدلان الشايقي) الذي ولد بأربجي والذى برع في الفقه والعقائد وله بعض المؤلفات. وقد صار مدرساً . ومشهور أسم (شمو) في المنطقة وقرية شمو في منطقة المسلمية وينحدر منها البروفسور علي شمو.
كما يحتفظ الحاج عبدالله بنسخة من راتب الإمام المهدي المعلوم، في غلاف من الجلد. والراتب عبارة عن مجموعة من الآيات المختارة والأدعية المأثورة، تم جمعها وترتيبها لتقرأ صباح ومساء.. والراتب مصنف إلى صغير وكبير. فالصغير، أدعية مختصرة وفيه ما يعرف بالمسبعات ومجموعة من الذكر والتسبيح باعداد محددة. والراتب الكبير يشتمل على الصغير مع زيادة في الأعداد والدعاء. ومعلوم أن الراتب يبدأ بسورة الأنعام السورة في القرآن الأكثر ذكراً لله جل جلالة واسمائه الحسنى. ومعلوم كما ورد في نزول سورة الأنعام، أنها السورة من الطوال في القرآن والتي نزلت جملة واحدة ونزل معها يزفها سبعون الف ملك يجأرون حولها بالتسبيح. الله الله. والسورة الوحيدة التي ورد فيها اسم الله مقرون هكذا (الله الله). وقد كان الحاج عبدالله يحرص على قراءة الراتب صباحاً ومساءاً.
كما يحرص الحاج عبدالله على التعرف على أمور الدين. ففي الفريق والحِلّة كان يستضيف العلماء. يستضيف الفكي العالم الفكي مصطفى من قرية المرفع الذي يزوره كثيراً ويمكث معه أياماً، كما يستضيف الفكي محمد أحمد بابكر، عندما يكون الفريق قريباً من قرية العمارة، حيث يسكن المذكور. ووقد استضاف الفكي عبدالله ود رضوان وبنى له خلوة في الفريق وأدرجنا نحن الصغار في الخلوة قبل دخولنا المدرسة. كما كانت صحبة الحاج عبدالله وصداقته في سوق أم شوكة ومرجعيته الحاج بشير عمر، التاجر وإمام مسجد سوق ام شوكة، والذي كان له مع أخيه دكان بام شوكة. وبشير عمر كان من خريجي المعاهد الدينية معروف بتدينه وامامته لمسجد سوق أم شوكة.وعندما استقر الحاج عبدالله في القرية أصبح مؤذناً راتباً في المسجد حتى اقعده المرض.
ولم يكتف الحاج عبدالله بذلك، فأوّل ما ظهر الراديو الترانستور، الذي لا يحتاج لتثبيت اريال، وخفيف الوزن باع بقرة واقتني راديو من ماركة فيليبس. فاصبح الراديو سمة من سمات تلك البادية، قبل القرى. فلمّا كانت فرقان الرحل يتم التعرف عليها بنباح الكلاب أو ثغاء الأنعام وخوارها، كان ذلك الفريق يتعرف عليه ليلاً في الظلام أو نهاراً وسط الأشجار ونباتات السافنا الطويلة، بصوت الراديو. راديو الحاج عبدالله الفيليبس وراديو الحاج يوسف عبدالرحمن من ماركة الناشونال. وقد كانت يعمل الجهازان الترانستور، وكلاهما في موجة أم درمان، كل واحد في طرف من الفريق مثل السماعة المزدوجة (الاستريو) منذ الستينيات. وقد كان الراديو يعمل ليل نهار ، كيفما اتفق، نشرة كانت أو فاصلاً من الأغاني. لم يكن ذلك الراديو يغلق إلا وقت الرحيل (عز العرب)،أو يغلق الراديو حداداً لموت أحد أو إذا تجاوز الزمان نشرة التاسعة والنصف ليلاً، ليعود للحديث في السادسة صباحاً.وبذلك كانت حركة المواشي من وإلى المرعي وحركة الذاهبين والرائحين تعرف في ذلك الفريق بالساعة في تلك البادية، ليس بالظل أو الزوال. فقد كانت اذاعة أم درمان تعلن عن الزمن في كل راس ساعة. وقد نشر الراديو ثقافة البلد في البادية عن بعد.
وقد كان ذلك الفريق يتابع أخبار العالم والشرق الأوسط والسودان. أذكر متابعة نتائج الانتخابات ، وايام الانقلابات والموسيقة العسكرية تبعث من الفريق في وسط الغابة. واذكر تكبيرات صلاة العيد التي تنبعث، والراديو يوضع في أعلى درجات الصوت إن كان في البيت او في الضرا، ويسمع كل من في الفريق وضيوفهم. وقد تعود ذلك الفريق برفع الراية في يوم العيد. كما كان ذلك الفريق يستقبل عربة البيطري، وبموجب معرفة البيطري لتلك البادية افتتح أول مصنع جبنة في المنطقة.
وقد شاهدنا الحاج عبدالله ينقل شاة، ولما يسأل عن ما إذا كان يريد بيعها، يجيب بأنه ذاهب للبطري لكي يعرض المعزة أو النعجة عليه ليتعرف على نوع المرض الذي ظهر فيها. كما شهدناه يقوم بتطعيم شياهه بنفسه، بعد أن يصنع اللقاح بنفسه. وشهدناه يغسلالشياه أو يمسحها بالمبيدات الحشرية. وقد أكسبته رعاية تلك الأنعام قوة وكمالاً للجسم.
كان الحاج عبدالله لا يتهاون في أداء الشعائر، الصلاة، الزكاة ثم الحج. فقد تيسر له الحج في عمر الأربعين، ولم يكن متعارفاً أن يحج الناس في ذلك العمر. كما بادر بتقسيم ميراث أبيه بينه وأخوه وأختيه، حيث كانت أبقار أبيه مع أبقاره في الفريق، وقد كان كثيراً ما تترك الورثة في القطيع الواحد ويضيع الحق بين الوُرّاث، خاصة النساء منهم.
استخرج يوماً أبقار تصل إلى ثلاثة عشرة بقرة، تولدت من عجلة اشتراها وتركها صديق لوالده من أهل بربر، يدعى عبدالنبي كلا شا. ذلك أن عبدالنبي يقول (الدنيا كلا شيء) فصارت له إسماً.. ويذكر أن عبدالنبي كان رجلاَ شهماً وهب مخزونه من الذرة من مطاميره (مخازن تحت الأرض)في جبل موية في عام الجوع، وهب العيش إغاثة للناس. بوفاة أبيه وفي وقت تقسيم التركة أعلن الحاج عبدالله عن تلك الأبقار، وأنها لن تكون في قسمة الورثة. فذهبت كل بقرة اسمها (خضرا) في تلك المجموعة، وبقيت الأبقار التليدة من أسماء (صغيرة، بلوم، أم سيقان، النية،). اتصل الحاج بالتاجر عثمان حميدة، بسوق سنار، الذي يعرف أن له صلة بعبد النبي ، مفيداً له أن والده توفي وترك أمانة بطرفه تخص عبدالنبي كلاشا. تواصل عثمان حميدة مع اسرة كلاشاوتم تكليفه وكيلاً عنهم باستلام الأبقار وقد كان ذلك.
في عام 1966 أدّى الحاج عبدالله فريضة الحج مع صديقه وجاره الحاج يوسف عبدالرحمن، مع مجموعة من حجاج بلدة أم شوكة ومنهم الحاج الصادق ود أحمد، عمدة أم شوكة وزوجته أم كنين، والحاج موسى مضوي، وقد نشأت بينهم صداقة ممتدة، حتى فارق الحياة من فارقها منهم وظل من بقي منهم وفياً لأخوانه. ولا يزال الحاج عبدالله، يتابع الحج كل عام، يذكره ويذاكره يوماً بيوم. يقول الليلة يوم التروية، الليلة يوم عرفة، الناس نازلين من عرفات. الليلة بايتين بمنى، حتى يكتمل الحج. ومن تجربة الحج يقول: أن الناس دي كلها كان في مذهب واحد يموتوا في رمي الجمرات قبّال ما يرجعوا. قد ذكر أن الحاج عبدالله كأصغر حاج في مجموعته (عمر اربعين) قد أوكل برمي الجمرات لبعض الحاجات معهم. وقد كان خادمهم طيلة رحلة الحج.
وقد اكتسب الحاج عبدالله من تجربته ومراجعته للفقهاء ثقافةً دينية تأصيلية انعكست على سلوكه ومعتقداته. زار الحاج عبدالله ابنه (كاتب هذه السطور) مرةً في داخلية مدرسة سنجة الثانوية العامة في العام 1973 وقت الإعداد لإمتحان الشهادة الصغرى وكان التوتر من أجواء الامتحانات يلجيء بعض التلاميذ وأهليهم لزيارة الشيوخ ورجال الدين للكتابة وأخذ البركة. عندما طرح عليه ابنه الأمر، ما كان منه إلا أن يقول : يا ولدي اتوكل على الله وما تخلي صلاتك!!. تكرر هذا مرة أخرى بشكل لافت في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة عندما ظهر الاستشفاء بالكي عند الشيخ المشهور، وقد استأجر الناس حافلة لنقلهم. أتوه ليقولوا له: ياحاج نحن ماشين الكريمت، إن كانت لديك الرغبة؟. ليجيبهم بسؤال: يا ناس كان مشيت الكريمت ، الشيخ دا يرجعني صبي تاني زي زمان؟. كانت الإجابة بالطبع لا، لكن يمكن أن تشفى من آلام ركبتيك . ليجيب مرة أخرى: الشافي الله، الله يعدل عليكم.
إمتلك الحاج عبدالله حواشة قطن في مشروع ام شوكة، المعروف بمشروع الفلاحين الذي يسقى من بيارة أم شوكة ويمتد بين أم شوكة وحِلّة شكا، ويتجاوز شكا إلى الغرب إلى مكان طريق الأسفلت المؤدي لسنجة. المشروع عبارة عن شركة. أختير لها أسم مشروع الفلاحين لزراعة القطن وهو مشروع أم شوكة الزراعي. وقد كانت أبرز مظاهر مزارع القطن أن يكون له ختم شخصي من البرونز ينحت عليه اسمه ونوتة (دفتر) ترصد فيه حساباته وجدول عمل راتب يقوم به. وقد كانت ايصالات الاستلام هي أبرز الوثائق في البيت. ومن الأدوات النادرة التي اختفت هي كماشة قلع القطن كما تسمى القلاعة (يقلع بها سيقان القطن).
كذلك أمتلك الحاج عبدالله جرفاً قرب النيل الازرق ، مثل أهل الحِلّة في المنطقة المقابلة لقرية البساطة، وتعرف وقتها بالجوغانة، وقد قيل أنه قبل نشؤ البحيرة كانت أشجار الجوغان تنبت في تلك الأنحاء. وكان بقاؤه في الفريق رعاية لأنعامه من البقر والضأن والمعز التي لا تسعها حياة الإقامة.
وقد عدتُ في أحد العطلات الباكرة في الجامعة. تناولت معه شاي الصباح، ليقول لي: أنا اليوم مسافر للصعيد لحاقاً بالأبقار التي ارتحلت إلى منطقة ابي نعامة، حيث الخريف المبكر. قال لي اني احتجزت العجلة الفلانية (باسمها). العجلة دي مرقت في الزكاة، تسوقها يوم السوق مع الناس السائقين للسوق. توزع تمنها لفلان، وفلانة، وأولاد فلان.. . أوعك تخلي حاجة منها معاك (أي كن واعياً بأن لا تترك من ذلك شيء لنفسك).
كما أذكر أنه ودعني يوماً مع نهاية العطلة، بعد أن وجدت مجلسي في أحد لواري قصب السكر بسوق أم شوكة، وذهب. ثم رأيته بعد لحظات قادمًا نحوي، ليصل ويقول لي: يالصادق الصلاة ما تخليها، ولم يزدها وذهب في شأنه.
الآن وقد تقدم به العمر، اختصر مشواره على أربعة أمتار بين سريره داخل الغرفة وسرير خارجه في الكشاشة (المظلة). وكلا السريرين متجه طولياً نحو القبلة، ويحتفظ بعدد من أباريق الوضوء يتحسسها تحت أرجل الأسرة، وكل ما أحس بنقص الماء في أحدها يرتفع صوته بالنداء لملء الإبريق. كذلك يحتفظ بعدد من المسبحات للذكر. أسأل الله أن يتقبل ذكره وتسبيحه.
وقد أبان الحاج عبدالله لنا مؤخراً أن امتلك كل أنواع المال من زروع وأنعام، إلا أنه تأكد أنه لم يتلق نصيباً من العلم. وقد عزم في نفسه أنه إذا رزق ذرية فلابد أن يلحقهم بالتعليم. وقد أوفى بعزمه (جزاه الله عنّا خير ما يجزي عباده الصالحين). وقد كانت النتيجة أن تخرج تلك البادية، وذلك الفريق ببيوته التي لم تتجاوز السبعة أسر من المدرسين والمهندسين ومن الاختصاصيين، بل قد تفوق ذلك الفريق في مجال التعليم على بلدات بكاملها. فمن يا ترى ينظر ويعلم؟؟
الآن كلّما زاره زائر، تجد حديثه ينحو إلى الدين والعبادة. أذكر في إحدى آخر زياراتنا جلسنا إلى جنبه في أيام عيد الأضحى، وكان ذكر الحج حاضراً. وقد قال أحدٌ أن الحج يحتاج لاستطاعة. قال له يا فلان، تعال أكلمك. العبادة للدايرها ما صعبة. أنا سمعت كلام في الرادي دا، قال الزول لو صلى الصبح في جماعة، وقعد يسبح لحدى ما تطلع الشم. يقوم يصلي ركعتين. تتكتب ليه حجة وعمرة تامتين تامتين.. شنو ليك. قايلين الكلام دا بعيد !.
اللهم نشهد أن والدنا الحاج عبدالله أوصانا بالصلاة والزكاة وببرالأهل. اللهم تعرف ذنوبه فاغفرها، وتعلم حاجته إليك فاقضها يالله، وأدخله برحمتك في الصالحين يا أرحم الراحمين.
[email protected]
15مايو 2014
//////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.