كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة نقديّة في رؤى "كمال الجزوليّ" الإسلاميّة! (3) .. بقلم: صلاح عبّاس فقير
نشر في سودانيل يوم 29 - 10 - 2009

عزيزي القارئ، مرحباً بك في الحلقة الثالثة من قراءتنا للمقالات التي سطّرها يراع الأستاذ كمال الجزولي، ونشرها ب: "سودانايل" الغرّاء، تحت عنوانٍ رئيس: "عتود الدولة"، وعنوانٍ رديف: "ثوابت الدين أم متحركات التديُّن"، والّتي ينطلق فيها من واقع الصّراع الدّائر في إطار جماعة المسلمين في السودان، ثمّ في إطار السودان ككل، من جرّاء ما تُثيرُه مشكلة العلاقة بين الدين والدولة من إشكالات وأزمات، ومن هنا تنبع الأهميّة الاستثنائيّة لهذه المقالات، الأمر الَّذي يدفعنا لهذه القراءة النّقديّة عسى أن نُسهم في التَّعريف بها ونقدها وإثارة الحوار حولها([1]).
لنتساءل بدءاً:
لماذا مقالاتُ كمال الجزوليّ الإسلامية؟
تستهدف هذه المقالاتُ من ناحيةٍ تقديم ما يراه كمال الجزوليّ "الرؤية الإسلامية الصحيحة"، سواءٌ فيما يتعلق بإشكالية العلاقة بين الدين والدولة، أو فيما يتعلّق بالإسلام عموماً.
ومن ناحيةٍ أخرى، وباعتباره من كوادر الحزب الشيوعيّ السودانيّ البارزة، أشار الكاتب إلى أنّ هذا الحزب قد مرَّ في سياق تطوّره الفكريِّ نحو استكمال بنيانه النّظريِّ بمرحلتين، مرحلةٍ استندت فيها مواقفُه النّظريّة إلى ردود الفعل السّلبيّة، إزاء فتاوى التّكفير والإلحاد، ابتداءً بمنشور طنون عام1954 م، ثمّ حادثة معهد المعلمين عام 1965م، حيثُ ظلَّ الحزبُ، من خلال ما يصدر عنه رسميّاً أو عن قادته ورموزه "يُراكم، ... إشاراتٍ، كما إشارات الفنار المتقطِّعة"، تُشير إلى ما يُمكن اعتباره شعارَ تلك المرحلة: (ماركسيون نعم، ولكننا لسنا ملحدين، وليس في فكرنا أو سياستنا إلحاد) [الفقرة:85]، أمّا المرحلة الثّانية فقد بدأت ب: "تقرير السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني المقدَّم إلى المؤتمر الرابع، الّذي انعقد عام 1967 م، تحت عنوان: (الماركسيَّة وقضايا الثورة السودانيَّة)، والّذي سعى إلى تجاوز مرحلة الفنارات المتقطعة القائمة على ردود الفعل، نحو بناء رؤيةٍ فلسفيّة إيجابيّة حول المسألة الدّينيّة، حيث ورد في ذلك التقرير: "أنّه أصبح لزاماً على حزبنا أن ينمِّي خطَّه الدِّعائيَّ حول قضية الدين الإسلامي وعلاقته بحركة التقدُّم الاجتماعي.... لجعل الدّين الإسلامي عاملاً يخدم المصالح الأساسيَّة لجماهير الشَّعب، لا أداةً في يد المستغلين والقوى الرَّجعيَّة" [الفقرة:86].
ويقرّر كمال الجزولي أنّ تلك اللحظة الفكريّة الاستثنائيّة في تاريخ الحزب، الّتي مثّلها ذلك التّقرير، لم يتبعها ما يُعضِّدها ويُجسّدها، إلى يومنا هذا، حيث جاء مؤتمر الحزب الخامس الذي انعقد في يناير 2009م، بخلاف "ما كان متوقعاً منه، ... من بلورة للمنظور الموعود حول إشكالية (الدّين الثورة)" [الفقرة:89].
إذن، فكمال الجزولي، وإن لم يقل: إنّه يستهدف سدّ تلك الفجوة الكبيرة، ما بين المؤتمرين الرابع والخامس للحزب الشيوعيّ السودانيّ، وبالتالي إيقافُ تمدُّد المرحلةِ الأولى ذات الطابع السلبيّ من ماضي الحزب إلى حاضره، مستجيباً للدَّعوة التي وجّهها سكرتير الحزب الشيوعيّ السودانيّ عام 1967م، لتكوين "رؤية فلسفيّة إيجابيّة حول المسألة الدّينيّة"، وإن لم يقل كمال الجزوليّ ذلك، لكنّه يُمارسه بوضوح عبر مقالات هذه السِّلسلة المتينة.
فالحضور الحزبيّ في مقالات الجزوليّ حضورٌ بارزٌ، لكنّه خالٍ من النَّزعةً التَّعصُّبيّة المقيتة، إذ إنّه يستهدف عبر هذه المقالات استثارة حوارٍ مستنير، ليس بين "العقلانيين الشيوعيين واليساريين السودانيين، المنتمين إلى الجَّماعة المستعربة المسلمة، والثقافة العربيَّة الإسلاميَّة" فقط "ولكن بين سائر عقلانيِّي الجماعة السودانيَّة المسلمة"، وذلك من أجل تحقيق ما أسماه ب: "المجابهة المستقيمة" مع ما أسماه "التيَّار السُّلطوي المنكفئ في حركة الإسلام السياسي" [الفقرة: 89/90].
إذن، فيُمكننا القول: إنّ كمال الجزولي ينطلق من ثلاث منطلقات: من واقع فرديَّته، ومن واقع انتمائه إلى الحزب الشيوعيّ السودانيّ، ومن واقع انتمائه إلى "الجماعة السّودانيَّة المسلمة"!
ودعونا نسجّل هنا دلالةً كبيرةً فيما نحن بصدده، إذ للمرّة الأولى نرى أحد أقطاب اليسار السّودانيّ، يتوجَّه بقدرٍ كبيرٍ من المصداقيَّة نحو فهم أحد المكوِّنات الكبيرة لتركيبتنا الاجتماعيّة، إن لم يكن هو مكوّنها الأساس، ألا وهو الإسلام، يتوجَّه إليه من واقع شعوره بالانتماء إليه وإلى الجماعة الّتي تمثّله! ومن هنا تنبع أهمية هذه القراءة، وتتحدَّد أهدافها الكبيرة.
ما هو هدفُنا من هذه القراءة النّقديّة؟
إنّنا نستهدف بهذه القراءة النّقديّة:
أولاً: النّظرَ في مدى صواب "الرؤية الإسلاميّة" التي عبّر عنها الأستاذ كمال الجزوليّ، استناداً إلى النّصوص الشرعية، وهي المرجعيّة الّتي قرّرها بوضوحٍ كافٍ، وذلك كلُّه في إطار الحوار المتبادل، وليس إطلاقاً لأحكامٍ نهائيةٍ غير قابلةٍ للمراجعة والاستئناف.
ثانياً: النّظر في مدى إسهام هذه الرؤية، في دفع "مسيرة العدالة الانتقاليّة" في بلادنا، خاصّةًً وأنّ كمال الجزوليّ، يُعتبر من القلائل الذين عبَّروا عن إيمانهم بهذا المبدأ الّذي أنضجته التجاربُ الدولية المعاصرة في كثيرٍ من الدول، باعتباره المخرجَ الآمن من نفق الحروب الأهلية والأزمات الوطنية الكبيرة، وذلك من خلال بناء معادلة واقعية، تستهدف تحقيق هدفين في آنٍ واحد: المصالحة والعدالة، ويعتقد كاتبُ هذه السطور بأنّ هذا المبدأ يُمثّلُ (مقتضى رسالة الإسلام في هذا العصر، في هذا الوطن)!
ولعلّ مدخل "العدالة الانتقاليّة"، يدفعنا إلى إبراز أولى الملحوظات على هذه المساهمة المُهمّة، فنقول: يُحمد للأستاذ كمال الجزوليّ هذا الموقفُ المهموم بقضية الجماعة المسلمة في إطار السودان الواحد، والسّاعي إلى لمّ شملها واصطفافها بمختلف انتماءاتها الفكريّة، ولكن ما يلفت النّظر أنه يجعل لهذ الاصطفاف والتّوحّد هدفاً أساسيّاً، هو مواجهة ما أسماه ب "التيار السلطويّ المنكفئ"، ويعني به تحديداً تيّار الجبهة الإسلامية الحاكم، باستثناء من تبيّن لهم الحقُّ، فاتّخذوا موقفاً إيجابيّاً وعبّروا عن انتمائهم لذلك التيار العقلانيّ المنفتح، الّذي يؤمن بالتّعدّديّة الحزبيّة، ويُراهن على وحدة الوطن، ويرفع شعار" العقلانيّة الإسلاميّة" [89].
فهذه المواجهة المُعلنة ضدَّ هذا الفصيل الوطنيّ، قد يقال إنها تُشكّل عقبةً في طريق إرساء مفهوم العدالة الانتقاليّة، وإنّها تتجاوبُ مع مشاعر كثيرٍ ممّن زرعت سياساتُ "حكومة الإنقاذ الوطنيِّ"، في أنفسهم حقداً وعدوانيّةً متأصّلة تجاه كلِّ ما يمُتُّ إليها بصلةٍ، بيد أنّ كمال الجزوليّ كما رأينا يصفُ هذه المواجهة بوصف الاستقامة، فهي بريئةٌ من معاني الحقد، خاصّةً وأنها تتمُّ في سياقٍ موضوعيٍّ، وعبر "الحوار الفكريّ" مع الدكتور الترابيّ خاصَّةً من خلال كثيرٍ من رؤاه وتصريحاته ووجهات نظره التي عبّر عنها فيما يتعلّق بإشكاليّة الدين والدولة.
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ كمال الجزولي لم يستنكف في بناء رؤيته الإسلاميّة، من أن يستأنس برؤى وأفكار كثيرٍ من الكُتَّاب والمفكرين المحسوبين على نفس التيار، ولكنّهم في نظره ذوو عقلانيّة منفتحة، ويؤمنون بالتعدد واحترام الرّأي الآخر، كالقرضاوي ومحمد الغزالي والغنّوشي والعوّا وأحمد كمال أبو المجد، وغيرهم.
حسناً،
إلى ماذا يستند الجزوليّ في بناء رؤيته الإسلاميّة؟
لقد اهتمّ كمال الجزوليّ، في الحلقة الأولى من حلقات مقالاته، ببيان أسس "المشروعيّة الإسلاميّة العليا"، التي ينبغي الاستناد إليها، والمتمثّلة في نصوص القرآن الكريم والسّنة المطهرة، منوِّها على الخصوص بفقه الصّحابة -رضي الله عنهم- وجاعلاً من "دولة الخلافة الراشدة" مثالاً مطلقاً يستهدي به كلُّ الباحثين والدّاعين إلى إقامة "الدولة الإسلاميّة" [الفقرة:40].
وكما لحظنا في الحلقة الأولى من هذه القراءة، فإنّ كمال الجزوليُّ قد نأى بنفسه "عن سبيل المراوغة التي اضطرّ إليها الكثيرون ممّن أخذوا يتعاملون مع الإسلام بحكم ما له من ثقلٍ شعبيّ، دونما قناعةٍ بدورٍ حضاريٍّ يمكن أن يلعبه، كذلك لا يبدو أنّ الجزولي يسلك في هذا السبيل منهجاً غريباً لفهم النصوص الشرعية، أو يدخل إليها من مدخل الادِّعاء بوجود رسالةٍ ثانية للإسلام، أو غير ذلك من المداخل التي لا تحترم "الإطار التداولي" الذي وردت فيه النصوص الشَّرعية، بلسانٍ عربيٍّ مبين([2])! لكنّه كذلك يدلف إليها بوعيٍ معاصر، حاملاً معه معاناته ومعاناة قومه، فمدخله كذلك ليس مدخلَ سلفيٍّ يعيش بوعيه في عصرٍ ماضٍ من عصور التاريخ!.
إنّ الجزوليّ -بانطلاقه من شعوره بالانتماء إلى "الجماعة السودانيّة المسلمة" ثمّ تقريره لقضيّة "المشروعيَّة الإسلاميّة العليا"، بحسب ما تقرّرُها معظم التّيارات الإسلاميّة والسَّلفيّة، بل وبحسب ما هو مقرَّر لدى عامّة جماهير الشعب السُّودانيّ- يُرسي قاعدةً وطيدةً لهذا التّجمُّع، تعتمد على قدرٍ كبيرٍ من الوضوح والمصداقيّة، وتتجاوبُ كذلك مع قواعد المنهج العلميّ، إذ تتعامل مع النّصوص الشرعيّة بحسب ما تعطيه معانيها اللُّغويّة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر! فإن وجدنا بعدَ النّظر المنهجيّ الصّحيح في النّصوص الشّرعيّة، أنّ الإسلام -على سبيل الافتراض- متخلّفٌ عن ركب الحضارة، ولا يستجيبُ لهمومنا وقضايانا المصيريّة، فلا حاجة لنا به!
والآن، دعونا نواجه أبرز مفهومٍ يعتمد عليه الأستاذ كمال الجزولي في بناء رؤيته الإسلاميّة! ألا وهو:
مفهوم التّمييز في الإسلام بين ما هو دينيّ وما هو دنيويّ:
يستند كمال الجزوليّ في قوله بهذا التّمييز، إلى الحديث الشريف: ((مَا أَمَرتُكُم بِشَئ مِن دِينِكُم فَخُذوه، أمَّا مَا كانَ مِن أَمْرِ دُنياكُم فأَنْتُم أَدْرَى بِهِ)) [رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل]، فهاهنا نلمح تمييزاً واضحاً بين "شأن الدّين" و"أمر الدّنيا"، يُعوّل عليه كمال الجزوليّ كثيراً في بناء رؤيته، فما هي حقيقة هذا التّمييز؟
هذا المفهوم عند إرادة تحقيقه وتحديده، يُثير كثيراً من الغموض واللّبس، بسبب ما تتميّزُ به الرسالة الإسلامية من شمولٍ لأمر الدّنيا والآخرة، بحيث يصعبُ على المرء أن يُميّز حدود ما هو دينيّ عمَّا هو دنيويّ.
فإذا نظرنا إلى قضايا العقيدة والإيمان التي تُعتبر "لُبَّ الدّين"، سنلحظ عند قراءة النصوص الشرعيّة أنّ الله عزّ وجلّ يُريدنا أن نحقّق معاني الإيمان ونجسّدها في واقع حياتنا، وذلك من خلال عنصر النّيّة الذي لا يقبل الله عملاً صالحاً للمرء إلا بوجوده، كما هو نصّ الحديث المشهور: ((إنّما الأعمال بالنّيّاتِ، وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى))، فمهما يكن المرء مجتهداً في العمل الصّالح، مناضلاً في سبيل المستضعفين والفقراء والمقهورين، باذلاً عمره كلّه من أجل نصرتهم ومواساتهم، فلن يكون عمله هذا مقبولاً عند الله عزّ وجلّ، إلا في حال تحقُّق عنصر النّيّة، الّتي تعني في المقام الأول: أنّك ما قمتَ بهذا العمل إلا لتكون كلمةُ الله هي العليا!
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ ما يُمكن أن نعتبره شأناً دنيويّاً كالخلاف السّياسيّ والصّراع الطّبقيّ، يُبيّن لنا الله عزّ وجلّ أنّنا سنُحاسب عليه يوم الدّين، وأنّنا بموجبه يُمكن أن نوصف بالكفر أو الفسوق أو الظلم! فكلُّ موقفٍ اتّخذه أيُّ فردٍ في حلبة هذا الصّراع الدنيويّ؛ فهو مجزيٌّ عنه! مصداقاً لقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّةٍ شراً يره}.
إذن، فالصّلة بين الدّينيّ والدّنيويّ، غيرُ قابلةٍ للفصل من وجهة النّظر الإسلاميّة، ولكن ذلك لا يمنع من محاولة التّمييز بينهما بمعيارٍ دقيقٍ، فنقول:
الدّيني يتعلق بواقع الإيمان في قلب المسلم أو المؤمن، وما ينبني على هذا الإيمان من رؤيةٍ كلّيّة للوجود، وما يتعلّق بذلك من مطلوباتٍ وأوامر إلهيّةٍ تصبح غاياتٍ وأهدافاً للسلوك الإنسانيّ، يسعى المسلم إلى تحقيقها في حياته، أمّا الدنيويّ فإنما يتمثّل في معرفة الإنسان بالشروط الواقعيّة الّتي جُعلت قاعدةً لإقامة "الدّين"!
وبعبارةٍ موجزة: الدّنيا هي البيئة الواقعيّة الّتي جعلها الله مسرحاً للنّشاط الإنسانيّ، والدّين هو المثال المطلق الّذي ينبغي أن يسعى الإنسان إلى تحقيقه، في هذه الدّنيا بقدر الوُسع والطاقة.
ولنذكر مثالاً تطبيقيّاً على ذلك: الرِّبا، وهو ظاهرة اقتصاديّة دنيويّة، ورد النّصُّ القاطع بتحريمه، فصار عندئذٍ قضيّةً دينيّة! إذن، فالبعد الدنيويّ يتمثّل في تحديد الشروط الواقعيّة لتطبيق ذلك الحكم الدّينيّ.([3])
وكما هو معلومٌ، فإنّ العقل الإنسانيّ هو المكلّف بتنزيل مطلق الدّين على واقع التّديُّن في عصرٍ معيّن!
وفي الواقع، نجد جملة نصوص كمال الجزوليّ، حول مفهوم التمييز بين الدينيّ والدّنيوي، تدور في فلك هذا المعنى، حيث يقول:
"فالإسلام يشتمل على (أصول) وعلى (فروع): الأولى ملزمة بما هي (نصٌّ) قطعيُّ الورود والدلالة، ينتج (معرفة) بالدّين بالضرورة، ويستوجب الاصطفاف توحُّداً في (الإيمان) و(التسليم): "ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" (55 ؛ النور)، "ومن كفر فإن ربّي غنيٌّ كريم" (40 ؛ النمل). أما الأخرى فمتروكة ل (أفهام) البشر، استناداً، من جهة، كما قد رأينا، إلى مكانة (العقل) في الإسلام نفسه، وجرياً، من الجّهة الأخرى، على قاعدة الحديث الشريف: "ما أمرتكم بشئ من دينكم .." الخ." [11]
ويقول: "الإسلام يقوم، في أصله، على (التمييز) الواضح، كما سبق وأوردنا، بين ما هو (دين) قطعىُّ الورود والدلالة، فمرجعيته الله ورسوله، وبين ما هو (دنيا)، فمرجعيته البشر أنفسهم، بما ينبغي أن يعتمل في عقولهم وأفئدتهم وألبابهم من (تديُّن) قائم على تشرُّب القيم الشاملة والمقاصد الكلية، لا (تديُّناً) ينغلق على جزيئات مفكَّكة يجرى انتقاؤها انتقاءً، وتلفيقها تلفيقاً، بمنهج يحتال على (الدّين) ب (الدُّنيا)، وعلى (الدُّنيا) ب (الدّين)، فلا جلالاً ل (الدّين) يصون، ولا صلاحاً ل (الدُّنيا) يحقق، مع كون الإسلام يَعنى، بالنسبة للمسلم، صلاح (الدّين) و(الدُّنيا) معاً. لكنه ، وقد فصَّل الأحكام في الحالة الأولى، ترك الثانية لأفهام المسلمين، يُعملون فيها عقولهم البشريَّة" [33].
نعم، يُعملون في هذه الثّانية عقولهم البشريّة، ولكن مستظلِّين "بقواعد كليَّة، ووصايا إلهيَّة عامَّة" [11].
ولربّما يستهوي هذا التمييزُ بين الدّينيِّ والدُّنيويِّ الكثيرين، فيُطالعون فيه مفهوم العلمانيّة الفاصل بين الدّين والدنيا، فعندئذٍ يُسارع كمال الجزوليّ إلى النّفي قائلاً: "فليس هذا (التمييز) من (العلمانيَّة) في شئ، وإنما هو (أصل) مؤسَّس جيّداً، كما قد رأينا، على مداميك شديدة الرسوخ تحت أعمدة الإسلام الأساسيَّة" [33]. بيد أنّه يُنبّه إلى "الالتباس غير المرغوب فيه، والذي يورثه، من جهة، مصطلحُ (وصل الدّين بالدَّولة) الذي يؤسّسُ، باستخدامه من جانب الإسلام السّياسي المعاصر، لمشروع (الدَّولة الدّينيَّة) المنبتّ عن (عقلانيَّة الثقافة الإسلاميَّة)، في ما يتصل بوجوب (التمييز)". [81].
نستخلص من كلّ ما سبق، أنّ "مبدأ التمييز بين الديني والدنيويّ" هو منهجيّة إسلاميّة تقوم على افتراض أنّ للحقيقة وجهينِ: الوجه الدّينيّ الشرعيّ، والوجه الواقعيّ العلميّ، وبالتّالي يثور التّساؤل عن ضابط العلاقة بين هذين الوجهين، وعندئذٍ سنجد أنفسنا ندور في إطار تلك الإشكاليّة القديمة، التي شهدها الفكر الإسلاميُّ منذ وقتٍ مبكر، ألا وهي إشكاليّة العلاقة بين العقل والنّقل، والّتي ظهرت فيها المواجهة بين تيارين، تيّارٍ يعتقد بأنّ العقل والنّقل يمكن أن يتعارضا، وهو التّيار الذي يمثله الفخر الرازيّ، وصاغه فيما أسماه بالقانون الكلّي([4])، وهو القانون الذي تصدّى للرّد عليه ابن تيمية، أبرزُ ممثّلي التيار الثاني، والّذي يرى بأنّ العقل (=الحكم العقلي) والنّقل (=الحكم الشرعي) لا يمكن أبداً أن يتعارضا، هذه جملة الأمر، وتفصيله: أنَّ الحكم العقلي والحكم الشرعي، إما أن يكونا قطعيِّين كلاهما، فيقول ابن تيمية: "لا نُسلّم إمكان التعارض حينئذٍ"، وإمّا أن يكونا ظنِّيّين كلاهما، يقول ابن تيمية: "فالمُقدّم هو الرَّاجح مطلقاً"، أو أن يكون أحدهما قطعيّاً والآخر ظنيّاً: "فالقطعيُّ هو المقدم مطلقاً" [ابن تيمية، درء التعارض، ج1، ص 86]، ومن الواضح أنه من خلال مقولة الحكم العقلي تدخل إلى دائرة المعارف الشرعية، كلُّ المعارف والعلوم العصرية.
وممّا هو واضحٌ بالنّسبة لي: أنّ رؤية كمال الجزوليّ أقربُ إلى رؤية ابن تيمية منه إلى رؤية الرازيّ!
إذن، وقد تبيّنت لنا حقيقةُ مفهوم التمييز بين الديني والدنيويّ، ننظر الآن في توظيفه من قبل الأستاذ كمال الجزولي في تكوين رؤيته عن الحاكميّة والدولة الدينية!
وهو ما سيكونُ فاتحةَ الحلقة الرابعة من هذه القراءة، بإذن الله تعالى.
صلاح عبّاس فقير
المدينة المنورة
29 أكتوبر 2009م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.