السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة نقديّة في رؤى "كمال الجزوليّ" الإسلاميّة! (3) .. بقلم: صلاح عبّاس فقير
نشر في سودانيل يوم 29 - 10 - 2009

عزيزي القارئ، مرحباً بك في الحلقة الثالثة من قراءتنا للمقالات التي سطّرها يراع الأستاذ كمال الجزولي، ونشرها ب: "سودانايل" الغرّاء، تحت عنوانٍ رئيس: "عتود الدولة"، وعنوانٍ رديف: "ثوابت الدين أم متحركات التديُّن"، والّتي ينطلق فيها من واقع الصّراع الدّائر في إطار جماعة المسلمين في السودان، ثمّ في إطار السودان ككل، من جرّاء ما تُثيرُه مشكلة العلاقة بين الدين والدولة من إشكالات وأزمات، ومن هنا تنبع الأهميّة الاستثنائيّة لهذه المقالات، الأمر الَّذي يدفعنا لهذه القراءة النّقديّة عسى أن نُسهم في التَّعريف بها ونقدها وإثارة الحوار حولها([1]).
لنتساءل بدءاً:
لماذا مقالاتُ كمال الجزوليّ الإسلامية؟
تستهدف هذه المقالاتُ من ناحيةٍ تقديم ما يراه كمال الجزوليّ "الرؤية الإسلامية الصحيحة"، سواءٌ فيما يتعلق بإشكالية العلاقة بين الدين والدولة، أو فيما يتعلّق بالإسلام عموماً.
ومن ناحيةٍ أخرى، وباعتباره من كوادر الحزب الشيوعيّ السودانيّ البارزة، أشار الكاتب إلى أنّ هذا الحزب قد مرَّ في سياق تطوّره الفكريِّ نحو استكمال بنيانه النّظريِّ بمرحلتين، مرحلةٍ استندت فيها مواقفُه النّظريّة إلى ردود الفعل السّلبيّة، إزاء فتاوى التّكفير والإلحاد، ابتداءً بمنشور طنون عام1954 م، ثمّ حادثة معهد المعلمين عام 1965م، حيثُ ظلَّ الحزبُ، من خلال ما يصدر عنه رسميّاً أو عن قادته ورموزه "يُراكم، ... إشاراتٍ، كما إشارات الفنار المتقطِّعة"، تُشير إلى ما يُمكن اعتباره شعارَ تلك المرحلة: (ماركسيون نعم، ولكننا لسنا ملحدين، وليس في فكرنا أو سياستنا إلحاد) [الفقرة:85]، أمّا المرحلة الثّانية فقد بدأت ب: "تقرير السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني المقدَّم إلى المؤتمر الرابع، الّذي انعقد عام 1967 م، تحت عنوان: (الماركسيَّة وقضايا الثورة السودانيَّة)، والّذي سعى إلى تجاوز مرحلة الفنارات المتقطعة القائمة على ردود الفعل، نحو بناء رؤيةٍ فلسفيّة إيجابيّة حول المسألة الدّينيّة، حيث ورد في ذلك التقرير: "أنّه أصبح لزاماً على حزبنا أن ينمِّي خطَّه الدِّعائيَّ حول قضية الدين الإسلامي وعلاقته بحركة التقدُّم الاجتماعي.... لجعل الدّين الإسلامي عاملاً يخدم المصالح الأساسيَّة لجماهير الشَّعب، لا أداةً في يد المستغلين والقوى الرَّجعيَّة" [الفقرة:86].
ويقرّر كمال الجزولي أنّ تلك اللحظة الفكريّة الاستثنائيّة في تاريخ الحزب، الّتي مثّلها ذلك التّقرير، لم يتبعها ما يُعضِّدها ويُجسّدها، إلى يومنا هذا، حيث جاء مؤتمر الحزب الخامس الذي انعقد في يناير 2009م، بخلاف "ما كان متوقعاً منه، ... من بلورة للمنظور الموعود حول إشكالية (الدّين الثورة)" [الفقرة:89].
إذن، فكمال الجزولي، وإن لم يقل: إنّه يستهدف سدّ تلك الفجوة الكبيرة، ما بين المؤتمرين الرابع والخامس للحزب الشيوعيّ السودانيّ، وبالتالي إيقافُ تمدُّد المرحلةِ الأولى ذات الطابع السلبيّ من ماضي الحزب إلى حاضره، مستجيباً للدَّعوة التي وجّهها سكرتير الحزب الشيوعيّ السودانيّ عام 1967م، لتكوين "رؤية فلسفيّة إيجابيّة حول المسألة الدّينيّة"، وإن لم يقل كمال الجزوليّ ذلك، لكنّه يُمارسه بوضوح عبر مقالات هذه السِّلسلة المتينة.
فالحضور الحزبيّ في مقالات الجزوليّ حضورٌ بارزٌ، لكنّه خالٍ من النَّزعةً التَّعصُّبيّة المقيتة، إذ إنّه يستهدف عبر هذه المقالات استثارة حوارٍ مستنير، ليس بين "العقلانيين الشيوعيين واليساريين السودانيين، المنتمين إلى الجَّماعة المستعربة المسلمة، والثقافة العربيَّة الإسلاميَّة" فقط "ولكن بين سائر عقلانيِّي الجماعة السودانيَّة المسلمة"، وذلك من أجل تحقيق ما أسماه ب: "المجابهة المستقيمة" مع ما أسماه "التيَّار السُّلطوي المنكفئ في حركة الإسلام السياسي" [الفقرة: 89/90].
إذن، فيُمكننا القول: إنّ كمال الجزولي ينطلق من ثلاث منطلقات: من واقع فرديَّته، ومن واقع انتمائه إلى الحزب الشيوعيّ السودانيّ، ومن واقع انتمائه إلى "الجماعة السّودانيَّة المسلمة"!
ودعونا نسجّل هنا دلالةً كبيرةً فيما نحن بصدده، إذ للمرّة الأولى نرى أحد أقطاب اليسار السّودانيّ، يتوجَّه بقدرٍ كبيرٍ من المصداقيَّة نحو فهم أحد المكوِّنات الكبيرة لتركيبتنا الاجتماعيّة، إن لم يكن هو مكوّنها الأساس، ألا وهو الإسلام، يتوجَّه إليه من واقع شعوره بالانتماء إليه وإلى الجماعة الّتي تمثّله! ومن هنا تنبع أهمية هذه القراءة، وتتحدَّد أهدافها الكبيرة.
ما هو هدفُنا من هذه القراءة النّقديّة؟
إنّنا نستهدف بهذه القراءة النّقديّة:
أولاً: النّظرَ في مدى صواب "الرؤية الإسلاميّة" التي عبّر عنها الأستاذ كمال الجزوليّ، استناداً إلى النّصوص الشرعية، وهي المرجعيّة الّتي قرّرها بوضوحٍ كافٍ، وذلك كلُّه في إطار الحوار المتبادل، وليس إطلاقاً لأحكامٍ نهائيةٍ غير قابلةٍ للمراجعة والاستئناف.
ثانياً: النّظر في مدى إسهام هذه الرؤية، في دفع "مسيرة العدالة الانتقاليّة" في بلادنا، خاصّةًً وأنّ كمال الجزوليّ، يُعتبر من القلائل الذين عبَّروا عن إيمانهم بهذا المبدأ الّذي أنضجته التجاربُ الدولية المعاصرة في كثيرٍ من الدول، باعتباره المخرجَ الآمن من نفق الحروب الأهلية والأزمات الوطنية الكبيرة، وذلك من خلال بناء معادلة واقعية، تستهدف تحقيق هدفين في آنٍ واحد: المصالحة والعدالة، ويعتقد كاتبُ هذه السطور بأنّ هذا المبدأ يُمثّلُ (مقتضى رسالة الإسلام في هذا العصر، في هذا الوطن)!
ولعلّ مدخل "العدالة الانتقاليّة"، يدفعنا إلى إبراز أولى الملحوظات على هذه المساهمة المُهمّة، فنقول: يُحمد للأستاذ كمال الجزوليّ هذا الموقفُ المهموم بقضية الجماعة المسلمة في إطار السودان الواحد، والسّاعي إلى لمّ شملها واصطفافها بمختلف انتماءاتها الفكريّة، ولكن ما يلفت النّظر أنه يجعل لهذ الاصطفاف والتّوحّد هدفاً أساسيّاً، هو مواجهة ما أسماه ب "التيار السلطويّ المنكفئ"، ويعني به تحديداً تيّار الجبهة الإسلامية الحاكم، باستثناء من تبيّن لهم الحقُّ، فاتّخذوا موقفاً إيجابيّاً وعبّروا عن انتمائهم لذلك التيار العقلانيّ المنفتح، الّذي يؤمن بالتّعدّديّة الحزبيّة، ويُراهن على وحدة الوطن، ويرفع شعار" العقلانيّة الإسلاميّة" [89].
فهذه المواجهة المُعلنة ضدَّ هذا الفصيل الوطنيّ، قد يقال إنها تُشكّل عقبةً في طريق إرساء مفهوم العدالة الانتقاليّة، وإنّها تتجاوبُ مع مشاعر كثيرٍ ممّن زرعت سياساتُ "حكومة الإنقاذ الوطنيِّ"، في أنفسهم حقداً وعدوانيّةً متأصّلة تجاه كلِّ ما يمُتُّ إليها بصلةٍ، بيد أنّ كمال الجزوليّ كما رأينا يصفُ هذه المواجهة بوصف الاستقامة، فهي بريئةٌ من معاني الحقد، خاصّةً وأنها تتمُّ في سياقٍ موضوعيٍّ، وعبر "الحوار الفكريّ" مع الدكتور الترابيّ خاصَّةً من خلال كثيرٍ من رؤاه وتصريحاته ووجهات نظره التي عبّر عنها فيما يتعلّق بإشكاليّة الدين والدولة.
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ كمال الجزولي لم يستنكف في بناء رؤيته الإسلاميّة، من أن يستأنس برؤى وأفكار كثيرٍ من الكُتَّاب والمفكرين المحسوبين على نفس التيار، ولكنّهم في نظره ذوو عقلانيّة منفتحة، ويؤمنون بالتعدد واحترام الرّأي الآخر، كالقرضاوي ومحمد الغزالي والغنّوشي والعوّا وأحمد كمال أبو المجد، وغيرهم.
حسناً،
إلى ماذا يستند الجزوليّ في بناء رؤيته الإسلاميّة؟
لقد اهتمّ كمال الجزوليّ، في الحلقة الأولى من حلقات مقالاته، ببيان أسس "المشروعيّة الإسلاميّة العليا"، التي ينبغي الاستناد إليها، والمتمثّلة في نصوص القرآن الكريم والسّنة المطهرة، منوِّها على الخصوص بفقه الصّحابة -رضي الله عنهم- وجاعلاً من "دولة الخلافة الراشدة" مثالاً مطلقاً يستهدي به كلُّ الباحثين والدّاعين إلى إقامة "الدولة الإسلاميّة" [الفقرة:40].
وكما لحظنا في الحلقة الأولى من هذه القراءة، فإنّ كمال الجزوليُّ قد نأى بنفسه "عن سبيل المراوغة التي اضطرّ إليها الكثيرون ممّن أخذوا يتعاملون مع الإسلام بحكم ما له من ثقلٍ شعبيّ، دونما قناعةٍ بدورٍ حضاريٍّ يمكن أن يلعبه، كذلك لا يبدو أنّ الجزولي يسلك في هذا السبيل منهجاً غريباً لفهم النصوص الشرعية، أو يدخل إليها من مدخل الادِّعاء بوجود رسالةٍ ثانية للإسلام، أو غير ذلك من المداخل التي لا تحترم "الإطار التداولي" الذي وردت فيه النصوص الشَّرعية، بلسانٍ عربيٍّ مبين([2])! لكنّه كذلك يدلف إليها بوعيٍ معاصر، حاملاً معه معاناته ومعاناة قومه، فمدخله كذلك ليس مدخلَ سلفيٍّ يعيش بوعيه في عصرٍ ماضٍ من عصور التاريخ!.
إنّ الجزوليّ -بانطلاقه من شعوره بالانتماء إلى "الجماعة السودانيّة المسلمة" ثمّ تقريره لقضيّة "المشروعيَّة الإسلاميّة العليا"، بحسب ما تقرّرُها معظم التّيارات الإسلاميّة والسَّلفيّة، بل وبحسب ما هو مقرَّر لدى عامّة جماهير الشعب السُّودانيّ- يُرسي قاعدةً وطيدةً لهذا التّجمُّع، تعتمد على قدرٍ كبيرٍ من الوضوح والمصداقيّة، وتتجاوبُ كذلك مع قواعد المنهج العلميّ، إذ تتعامل مع النّصوص الشرعيّة بحسب ما تعطيه معانيها اللُّغويّة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر! فإن وجدنا بعدَ النّظر المنهجيّ الصّحيح في النّصوص الشّرعيّة، أنّ الإسلام -على سبيل الافتراض- متخلّفٌ عن ركب الحضارة، ولا يستجيبُ لهمومنا وقضايانا المصيريّة، فلا حاجة لنا به!
والآن، دعونا نواجه أبرز مفهومٍ يعتمد عليه الأستاذ كمال الجزولي في بناء رؤيته الإسلاميّة! ألا وهو:
مفهوم التّمييز في الإسلام بين ما هو دينيّ وما هو دنيويّ:
يستند كمال الجزوليّ في قوله بهذا التّمييز، إلى الحديث الشريف: ((مَا أَمَرتُكُم بِشَئ مِن دِينِكُم فَخُذوه، أمَّا مَا كانَ مِن أَمْرِ دُنياكُم فأَنْتُم أَدْرَى بِهِ)) [رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل]، فهاهنا نلمح تمييزاً واضحاً بين "شأن الدّين" و"أمر الدّنيا"، يُعوّل عليه كمال الجزوليّ كثيراً في بناء رؤيته، فما هي حقيقة هذا التّمييز؟
هذا المفهوم عند إرادة تحقيقه وتحديده، يُثير كثيراً من الغموض واللّبس، بسبب ما تتميّزُ به الرسالة الإسلامية من شمولٍ لأمر الدّنيا والآخرة، بحيث يصعبُ على المرء أن يُميّز حدود ما هو دينيّ عمَّا هو دنيويّ.
فإذا نظرنا إلى قضايا العقيدة والإيمان التي تُعتبر "لُبَّ الدّين"، سنلحظ عند قراءة النصوص الشرعيّة أنّ الله عزّ وجلّ يُريدنا أن نحقّق معاني الإيمان ونجسّدها في واقع حياتنا، وذلك من خلال عنصر النّيّة الذي لا يقبل الله عملاً صالحاً للمرء إلا بوجوده، كما هو نصّ الحديث المشهور: ((إنّما الأعمال بالنّيّاتِ، وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى))، فمهما يكن المرء مجتهداً في العمل الصّالح، مناضلاً في سبيل المستضعفين والفقراء والمقهورين، باذلاً عمره كلّه من أجل نصرتهم ومواساتهم، فلن يكون عمله هذا مقبولاً عند الله عزّ وجلّ، إلا في حال تحقُّق عنصر النّيّة، الّتي تعني في المقام الأول: أنّك ما قمتَ بهذا العمل إلا لتكون كلمةُ الله هي العليا!
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ ما يُمكن أن نعتبره شأناً دنيويّاً كالخلاف السّياسيّ والصّراع الطّبقيّ، يُبيّن لنا الله عزّ وجلّ أنّنا سنُحاسب عليه يوم الدّين، وأنّنا بموجبه يُمكن أن نوصف بالكفر أو الفسوق أو الظلم! فكلُّ موقفٍ اتّخذه أيُّ فردٍ في حلبة هذا الصّراع الدنيويّ؛ فهو مجزيٌّ عنه! مصداقاً لقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّةٍ شراً يره}.
إذن، فالصّلة بين الدّينيّ والدّنيويّ، غيرُ قابلةٍ للفصل من وجهة النّظر الإسلاميّة، ولكن ذلك لا يمنع من محاولة التّمييز بينهما بمعيارٍ دقيقٍ، فنقول:
الدّيني يتعلق بواقع الإيمان في قلب المسلم أو المؤمن، وما ينبني على هذا الإيمان من رؤيةٍ كلّيّة للوجود، وما يتعلّق بذلك من مطلوباتٍ وأوامر إلهيّةٍ تصبح غاياتٍ وأهدافاً للسلوك الإنسانيّ، يسعى المسلم إلى تحقيقها في حياته، أمّا الدنيويّ فإنما يتمثّل في معرفة الإنسان بالشروط الواقعيّة الّتي جُعلت قاعدةً لإقامة "الدّين"!
وبعبارةٍ موجزة: الدّنيا هي البيئة الواقعيّة الّتي جعلها الله مسرحاً للنّشاط الإنسانيّ، والدّين هو المثال المطلق الّذي ينبغي أن يسعى الإنسان إلى تحقيقه، في هذه الدّنيا بقدر الوُسع والطاقة.
ولنذكر مثالاً تطبيقيّاً على ذلك: الرِّبا، وهو ظاهرة اقتصاديّة دنيويّة، ورد النّصُّ القاطع بتحريمه، فصار عندئذٍ قضيّةً دينيّة! إذن، فالبعد الدنيويّ يتمثّل في تحديد الشروط الواقعيّة لتطبيق ذلك الحكم الدّينيّ.([3])
وكما هو معلومٌ، فإنّ العقل الإنسانيّ هو المكلّف بتنزيل مطلق الدّين على واقع التّديُّن في عصرٍ معيّن!
وفي الواقع، نجد جملة نصوص كمال الجزوليّ، حول مفهوم التمييز بين الدينيّ والدّنيوي، تدور في فلك هذا المعنى، حيث يقول:
"فالإسلام يشتمل على (أصول) وعلى (فروع): الأولى ملزمة بما هي (نصٌّ) قطعيُّ الورود والدلالة، ينتج (معرفة) بالدّين بالضرورة، ويستوجب الاصطفاف توحُّداً في (الإيمان) و(التسليم): "ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" (55 ؛ النور)، "ومن كفر فإن ربّي غنيٌّ كريم" (40 ؛ النمل). أما الأخرى فمتروكة ل (أفهام) البشر، استناداً، من جهة، كما قد رأينا، إلى مكانة (العقل) في الإسلام نفسه، وجرياً، من الجّهة الأخرى، على قاعدة الحديث الشريف: "ما أمرتكم بشئ من دينكم .." الخ." [11]
ويقول: "الإسلام يقوم، في أصله، على (التمييز) الواضح، كما سبق وأوردنا، بين ما هو (دين) قطعىُّ الورود والدلالة، فمرجعيته الله ورسوله، وبين ما هو (دنيا)، فمرجعيته البشر أنفسهم، بما ينبغي أن يعتمل في عقولهم وأفئدتهم وألبابهم من (تديُّن) قائم على تشرُّب القيم الشاملة والمقاصد الكلية، لا (تديُّناً) ينغلق على جزيئات مفكَّكة يجرى انتقاؤها انتقاءً، وتلفيقها تلفيقاً، بمنهج يحتال على (الدّين) ب (الدُّنيا)، وعلى (الدُّنيا) ب (الدّين)، فلا جلالاً ل (الدّين) يصون، ولا صلاحاً ل (الدُّنيا) يحقق، مع كون الإسلام يَعنى، بالنسبة للمسلم، صلاح (الدّين) و(الدُّنيا) معاً. لكنه ، وقد فصَّل الأحكام في الحالة الأولى، ترك الثانية لأفهام المسلمين، يُعملون فيها عقولهم البشريَّة" [33].
نعم، يُعملون في هذه الثّانية عقولهم البشريّة، ولكن مستظلِّين "بقواعد كليَّة، ووصايا إلهيَّة عامَّة" [11].
ولربّما يستهوي هذا التمييزُ بين الدّينيِّ والدُّنيويِّ الكثيرين، فيُطالعون فيه مفهوم العلمانيّة الفاصل بين الدّين والدنيا، فعندئذٍ يُسارع كمال الجزوليّ إلى النّفي قائلاً: "فليس هذا (التمييز) من (العلمانيَّة) في شئ، وإنما هو (أصل) مؤسَّس جيّداً، كما قد رأينا، على مداميك شديدة الرسوخ تحت أعمدة الإسلام الأساسيَّة" [33]. بيد أنّه يُنبّه إلى "الالتباس غير المرغوب فيه، والذي يورثه، من جهة، مصطلحُ (وصل الدّين بالدَّولة) الذي يؤسّسُ، باستخدامه من جانب الإسلام السّياسي المعاصر، لمشروع (الدَّولة الدّينيَّة) المنبتّ عن (عقلانيَّة الثقافة الإسلاميَّة)، في ما يتصل بوجوب (التمييز)". [81].
نستخلص من كلّ ما سبق، أنّ "مبدأ التمييز بين الديني والدنيويّ" هو منهجيّة إسلاميّة تقوم على افتراض أنّ للحقيقة وجهينِ: الوجه الدّينيّ الشرعيّ، والوجه الواقعيّ العلميّ، وبالتّالي يثور التّساؤل عن ضابط العلاقة بين هذين الوجهين، وعندئذٍ سنجد أنفسنا ندور في إطار تلك الإشكاليّة القديمة، التي شهدها الفكر الإسلاميُّ منذ وقتٍ مبكر، ألا وهي إشكاليّة العلاقة بين العقل والنّقل، والّتي ظهرت فيها المواجهة بين تيارين، تيّارٍ يعتقد بأنّ العقل والنّقل يمكن أن يتعارضا، وهو التّيار الذي يمثله الفخر الرازيّ، وصاغه فيما أسماه بالقانون الكلّي([4])، وهو القانون الذي تصدّى للرّد عليه ابن تيمية، أبرزُ ممثّلي التيار الثاني، والّذي يرى بأنّ العقل (=الحكم العقلي) والنّقل (=الحكم الشرعي) لا يمكن أبداً أن يتعارضا، هذه جملة الأمر، وتفصيله: أنَّ الحكم العقلي والحكم الشرعي، إما أن يكونا قطعيِّين كلاهما، فيقول ابن تيمية: "لا نُسلّم إمكان التعارض حينئذٍ"، وإمّا أن يكونا ظنِّيّين كلاهما، يقول ابن تيمية: "فالمُقدّم هو الرَّاجح مطلقاً"، أو أن يكون أحدهما قطعيّاً والآخر ظنيّاً: "فالقطعيُّ هو المقدم مطلقاً" [ابن تيمية، درء التعارض، ج1، ص 86]، ومن الواضح أنه من خلال مقولة الحكم العقلي تدخل إلى دائرة المعارف الشرعية، كلُّ المعارف والعلوم العصرية.
وممّا هو واضحٌ بالنّسبة لي: أنّ رؤية كمال الجزوليّ أقربُ إلى رؤية ابن تيمية منه إلى رؤية الرازيّ!
إذن، وقد تبيّنت لنا حقيقةُ مفهوم التمييز بين الديني والدنيويّ، ننظر الآن في توظيفه من قبل الأستاذ كمال الجزولي في تكوين رؤيته عن الحاكميّة والدولة الدينية!
وهو ما سيكونُ فاتحةَ الحلقة الرابعة من هذه القراءة، بإذن الله تعالى.
صلاح عبّاس فقير
المدينة المنورة
29 أكتوبر 2009م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.