تويتر نوتس.. ميزة انتظرها ملايين المستخدمين    الهلال يواصل نزيف النقاط ويتعادل أمام حي العرب    تخفيض رسوم تسجيل الشركات    الطاقة و النفط تعلن خروج محطة أم دباكر من الشبكة القومية للكهرباء    المريخ يتفوق على الخيالة بهدف نمر    في اجتماعه الثالث الاتحاد السوداني للبراعم والناشئين والشباب يجيز تكوين الأمانات واللجان    القوات المسلحة : الأنباء عن تحركات للقوات و أسر جنود إثيوبيين بالفشقة "غير صحيحة"    وسط دارفور تؤكد وقوفها خلف القوات المساحة    السودان .. الخارجية تقدم تنوير للبعثات الأفريقية حول إعدام الجيش الإثيوبي لسبعة جنود و مواطن    المنسق العالمي للقاحات كورونايطلع علي سيرحملات التطعيم بشمال دارفور    حميدتي يوجه بالتصدي لكل من يحمل سلاحاً اما بالتسليم او الحسم الفوري    سعر صرف الدولار في السودان ليوم الثلاثاء مقابل الجنيه في السوق الموازي    الهلال يسعى لامتصاص صدمة الديربي.. والمريخ في مهمة ثأرية    وداعاً قلعة الكؤوس ..!!    خطاب للسلطات يؤجّل انتخابات الهلال    ارتفاع ملحوظ في الأضاحي بالأسواق الرئيسية    غرفة الاعمال السودانية الليبية تبحث زيادة التعاون الاقتصادي والتجاري    جبريل يطالب بإيقاف صادر الحي    عمر الدقير يكتب: أبو هاجة ومشكاة الثورة    القنصل المصري في الخرطوم: ننفي بشكل قاطع وجود أي توجيهات بعدم دخول الأشقاء السودانيين لبلدهم مصر    السلع الغذائية تستحوذ على معظم واردات البلاد    انطلاقة الملتقي التفاكري بين المجلس الاعلي للسياحة واصحاب المنشآت السياحية    الجزيرة ترصد 13 مليون جنيه لبناء مركز لعلاج الإدمان    حكومة الجزيرة تكشف عن شبهة فساد وتزوير في 63 قطعة أرض استثمارية بالمناقل    بدء محاكمة ثلاثة ثوار متهمين باتلاف عربة شرطة    محامو الطوارئ يحذرون من تكدس الجثث بمشرحة أمدرمان    مصر.. مقتل مذيعة بالرصاص على يد زوجها القاضي    الكونغولي القادم للهلال يُواجه غضب الأنصار    خضراوات تصبح مغذية أكثر إذا تم طهيها.. تعرف عليها    مكافحة المخدرات توقف متهمين وبحوزتهم (260) حبة ترامادول    القبض على متهم قتل اخر بجبرة    الخرطوم.. ربط تقديم الخدمات بتطعيم (كورونا)    توقيف شبكة تصطاد المواطنين عبر صفحات الفيسبوك    شاهد بالفيديو.. نجمة الترند الأولى في السودان "منوية" تظهر وهي تستعرض بسيارتها (لاند كروزر) الجديدة التي قامت بشرائها بمليارات الجنيهات وصديقتها تهتف لها (والله شيخة براك)    شاب سوداني يبعث باستشارة مثيرة ويطلب الحل السريع (شقيقة صديقي تراودني..تقابلني بقميص النوم وتطلب مني النوم معها علماً بأنها تسكن لوحدها وزوجها مغترب فماذا أفعل؟)    بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يوثق اللحظات الأخيرة من حياته قبل أن يلقى حتفه عطشاً في صحراء العبيدية وهذه وصيته لأسرته    شاهد بالفيديو.. صراخ وشجار بين طالبات سودانيات بإحدى الجامعات ظهرن وهن يتسابقن ويتنافسن على التصوير مع الفنان "الشبح" ومتابعون: (لو حضرتن وردي كان عملتن شنو؟)    اسمها (X) : بعد كورونا وجدري القرود.. مخاوف من جائحة جديدة    المحكمة توجه تهمة خيانة الأمانة لوزير في العهد البائد    أبل تعد ل"طوفان" من الأجهزة الجديدة    نمر يتفقد الحالة الصحية للأم التي أنجبت أربعة توائم بالفاشر    "آبل" تستعدّ لإطلاق أكبر عدد من الأجهزة الجديدة    ضبط حشيش بقيمة 5 مليارات جنيه بالنيل الأبيض    احتفال بلندن تكريما لدعم السُّلطان قابوس الخدمات الطبية بالعالم    ماكرون يُكلف إليزابيت بورن تشكيل حكومة بداية يوليو    بعد اكتمال المبلغ…(كوكتيل) تنشر كشف باسماء الفنانين المساهمين في المبادرة    بالفيديو: تويوتا تعدل واحدة من أشهر سياراتها وتجعلها أكثر تطورا    جانعة العلوم الطبية تنظم حملة توعوية لمكافحة المخدرات    التشكيلية رؤى كمال تقيم معرضا بالمركز الثقافي التركي بالخرطوم    تقارير تطلق تحذيرًا عاجلاً..تسونامي يهدّد مدن كبرى بينها الإسكندرية    زلزال قويّ يهزّ جنوب إيران ويشعر به سكان الإمارات    وصف بالفيديو الأجمل هذا العام.. ميادة قمر الدين تطلب حمل شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة تفاعل مع أغنياتها والشاب يقبلها في رأسها    إيلا يعلن تأجيل عودته للسودان    تأبين الراحل إبراهيم دقش بمنتدى اولاد امدرمان    صلاح الدين عووضة يكتب: الحق!!    احمد يوسف التاي يكتب: حفارات المتعافي واستثمار حميدتي    عثمان ميرغني يكتب: الرأي الأبيض.. والرأي الأسود    جدل امتحان التربية الإسلامية للشهادة السودانية.. معلّم يوضّح ل"باج نيوز"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أمريكا تفاجئ السودان بخبر سعيد بشأن الاتجار بالبشر .. بقلم: عشاري أحمد محمود خليل
نشر في سودانيل يوم 21 - 06 - 2014


(1)
الخبر السعيد لحكومة الإنقاذ
فلقد صدر اليوم الجمعة20 يونيو التقرير الأمريكي السنوي بشأن الإتجار بالبشر والاسترقاق، للعام 2014. وتم وضع السودان في "المرتبة الثانية تحت المراقبة". وهي أفضل من درجته الأسوأ الثالثة في العام الماضي والتي كنت توقعتها له في هذا العام أيضا. وقد كنت مخطئا في توقعاتي. فأنا أمقت حكومة الإنقاذ، لأسباب موضوعية سائغة. وربما كان ذلك المقت أحد أسباب تمنياتي لها بالدرجة الأسوأ.
والتقرير الأمريكي عن السودان لهذا العام هو الأطول، والأكثر تفصيلا، والأقل تحاملا ضد حكومة السودان. مقارنة بالتقارير في الأعوام الماضية. مما يعكس التغييرات الجديدة في مكتب الرصد ومكافحة الإتجار الأمريكي وتعيين الخبراء الإقليميين المختصين.
وكذا يستبين من التقرير أن حكومة الإنقاذ قد اجتهدت في مكافحة الإتجار بالبشر بدرجة أدهشت أمريكا ذاتها. ووفق حيثيات التقرير المفصلة في ست صفحات أرى أن الحكومة السودانية كانت تستحق مرتبة أفضل، هي الدرجة الثانية، وليس هذه "الدرجة الثانية تحت المراقبة". فجهود الحكومة في مكافحة الإتجار بالبشر أجدها أفضل بكثير من بعض الدول في الدرجة الثانية التي طالعت تقاريرها اليوم.
وبالرغم من المرتبة المتدنية ذاتها، إلا أن نص التقرير ذاته ينبغي أن يسعد الحكومة السودانية. وربما كان من أسعد الأخبار التي تأتيها من جهة أمريكا خلال الأعوام القليلة الماضية.
لأن التقرير يقول إن الحكومة السودانية أحرزت تقدما "غير مسبوق" في مجال مكافحة الإتجار بالبشر. ويقول إنها حكومة السودان تخلت عن سياساتها السابقة في إنكار وجود مشكلة في السودان تتعلق بالإتجار بالبشر. وهو تقرير جيد وموضوعي، في تقديري.لا ينال منه إلا ذلك الترتيب غير العادل في المرتبة الثانية تحت المراقبة.
فما هي المرتبة الثانية تحت المراقبة؟
إن المرتبة الثانية تحت المراقبة، هي الثالثة بين أربع درجات (الأولى، والثانية، والثانية تحت المراقبة، والثالثة). وهي هذه المرتبة تشير إلى الدول التي "لا تمتثل حكومتها بالكامل للمعايير الدنيا في قانون حماية ضحايا الإتجار، ولكن تلك حكوماتها تبذل جهودا مقدرة لتكون ممتثلة لتلك المعايير الدنيا".
وبالإضافة إلى ذلك، تشير "المرتبة الثانية تحت المراقبة" إلى أن العدد الكلي لضحايا الأشكال الفظيعة للإتجار كبير جدا في هذه الدول أو هو في حالة ازدياد بصورة مضطردة(وهذا واضح في حالة السودان، لكنه لا يعيب الحكومة ذاتها ولا جهودها).
أيضا تشير المرتبة الثانية تحت المراقبة إلى أنه إما هنالك فشل في تقديم البيانات بشأن الجهود المتزايدة للحكومة، مقارنة بالسنة الماضية، لمكافحة الأشكال الفظيعة للإتجار(وهذا كان عيبا في السابق لدى الحكومة وظل قائما لكن بصورة أقل هذا العام).أوأن تحديد كون البلد يبذل جهودا مقدرة للامتثال للمعايير الدنيا كان مرتكزا على "التزام البلد بأنه سيتخذ خطوات مستقبلية إضافية خلال العام التالي (وهذا غير منطبق على السودان).[اقرأ مقالي السابق عن الإتجار بالبشر للتعرف على تكييف الدرجات الأخرى]
فهذه المرتبة الثانية تحت المراقبة ينبغي أن تكون حافزا للمؤسسات الحكومية السودانية المختصة أن تبدأ مباشرة في فعل ما ينبغي لها أن تفعله لتقفز بالسودان مباشرة إلى المرتبة الأولى خلال التسعة أشهرا القادمة. ولابد عن استحقاق. وهذا ممكن تماما، إذا بدأت هذه المؤسسات في العمل مباشرة. بتعزيز الجهود القائمة، وبتنفيذ المقترحات الأمريكية الأربعة عشرة. جميعها. الواحدة تلو الأخرى. بتعديلات تتجاوزها وتكون أكثر إفضاء إلى تعامل أقوى مع هذه المشكلة في محالات سأبينها في نهاية المقال.
فأقدم أولا عرضا مختصرا لما جاء في التقرير الأمريكي تحت عناوينه الجانبية (مقدمة لأوضاع الإتجار بالبشر، المقترحات الأمريكية لحكومة السودان، الملاحقة القضائية، تدابير حماية الضحايا، والتدابير الوقائية ضد الإتجار بالبشر، وما لم تفعله الحكومة). والتقرير مكتوب بطريقة تختلط فيها الموضوعات أحيانا.
وسأنتهي إلى تقديم مقترحات للحكومة السودانية، بشأن كيفية المضي قدمافي التعامل مع وضعيات الإتجار بالبشر، في سياق التقرير الأمريكي، أو خارج سياقه لا يهم. والأفضل والأرقى هو أن يتم التقدم بما يتجاوز مقترحات الحكومة الأمريكية.
وأخصص حيزا في نهاية المقال لمسألتين أثارهما التقرير. هما مسألة الرق في السودان، ومسألة تجنيد الأطفال. وكلاهما جريمتان عالميتان. ثم أعرض لمسألة الفساد في برامج مكافحة الإتجار بالبشر.
(2)
مقدمة التقرير الأمريكي
يبتدر التقرير القول إن السودان بلد "مصدر" و"معبر" و"مقصد" للرجال والنساء وللأطفال الخاضعينللعمالة القسرية وللدعارةالإتجارية. وإن السودان يدور فيه إتجار داخلي (بالإضافة إلى العبر حدودي)، بما في ذلك الإتجار في المناطق خارج سيطرة الحكومة.
ويشير التقرير إلى الوضعيات التالية التي يعتمدها وضعيات إتجارية وفق التعريف الأمريكي للإتجار بالبشر: الأطفال في وضعية التسول المنظم في الشوارع؛ وضعية الفتيات في الدعارة في داخل الدولة، بما في ذلك في المطاعم والمواخير؛ وضعية عدد (غير محدد) من النساء والأطفال الذين كان سبق استرقاقهم من قبل ميليشيات الرزيقات والمسيرية خلال الحرب 1983-2005 ويظلون مسترقين في تلك الوضعية؛ وضعية الأطفال من شمال بحر الغزال المختطفين من قبل ميليشيا الرزيقات في العام 2013 ولكن تمت إعادتهم لاحقا خلال ذات العام 2013؛ وضعية النساء السودانيات في الخدمة المنزلية في دول الشرق الأوسط؛ وضعية الرجال السودانيين في العمالة القسرية في الشرق الأوسط؛ وضعية العصابات السودانية الإجرامية التي تعمل في تسهيل تنقيل العمال إلى ليبيا لبيعهم للمواطنين الليبيين للخدمة في الزراعة؛ وضعية السودانيين المحتجزين في ليبيا ويتم استغلالهم في العمالة القسرية؛ وضعية النساء الإثيوبيات والإريتريات والفيليبينيات في الخدمة المنزلية القسرية، حيث الضرب وسوء المعاملة والاستغلال الفظيع في السودان؛ وضعية شركات الاستقدام العالمية والسودانية المتعاونة في الإتجار بالخادمات؛ وضعية العمال البنغال في السودان؛ وضعية الإثيوبيات والإيريتريات والتايلانديات والصوماليات في الدعارة القسرية في السودان؛ وضعية الإريتريين الذين يتم الإتجار بهم من قبل عصابات من قبيلة الرشايدة السودانية. وهنالك وضعية تجنيد الأطفال من قبل القوات المسلحة السودانية والقوات النظامية السودانية والميليشيات التي تعمل بالوكالة عن الحكومة، ومن قبل الحركات المسلحة المعارضة..
(3)
في تفسير المرتبة الثانية تحت المراقبة
يذهب التقرير الأمريكي في تفسير المرتبة الثانية تحت المراقبة إلى أن حكومة السودان وإن لم تكن تمتثل إلى المعايير الدنيا لمكافحة الإتجار بالبشر، إلا أنها اضطلعت بجهود مقدرة، وأن المسؤولين الحكوميين اندرجوا في موضوع مكافحة الإتجار بالبشر، وأن الحكومة اتخذت التدابير التشريعية بشأن قانون مكافحة الإتجار بالبشر، وأنها عدلت سن الانضمام إلى الدفاع الشعبي، وقدمت الدعم لعدد متزايد من ضحايا الإتجار بالبشر، وأجرت الملاحقة القضائية بالمتجرين وأنتجت فيلما للتوعية.
ووصف التقرير الأمريكي هذه التطورات من قبل الحكومة السودانية بأنها "تقدم ملحوظ وغير مسبوق".
لكنه التقرير، وفي ذات النفَس، قال إن جهود الحكومة في إنفاذ القانون، والحماية والوقاية بشأن الإتجار بالبشر تظل وقتية ولحظية ومحلية. وإنها تعوزها النظرة الاستراتيجية على المستوى القومي. مما ترك بعض أشكال الإتجار خارج إطار التدخلات الحكومية. وإن الحكومة لا تنشر البينات عن جهودها لمكافحة الإتجار بالبشر. وأرى أن الموظفين الأمريكان استعانوا بهذه الذريعة لعدم وضع السودان في المرتبة الثانية. لأن ما قالوه عن عدم وجود استراتيجية إلخ ليس كافيا لوضع الحكومة في المرتبة الثالثة تحت المراقبة.
وختم التقرير الجزء عن أوضاع الإتجار بالبشر بأن أضاف لما سبق أن القوات المسلحة السودانية وميليشياتها التي تعمل بالوكالة عنها جندت أطفالا خلال العام 2013. وأن الحكومة لم توافق بعد على الانضمام إلى خطة العمل المشتركة مع الأمم المتحدة لمعالجة هذا الأمر المتعلق بتجنيد الأطفال.
فإلى التوصيات الأمريكية لحكومة السودان، دون تعليق عليها إلا للتوضيح والشرح،
(4)
التوصيات الأمريكية لحكومة السودان
(1) إنشاء لجنة وزارية لتنفيذ القانون الجديد لمكافحة الإتجار بالبشر. والإشراف على الجهود القطرية والولائية للتعامل مع هذه جريمة الإتجار بالبشر.
(2) تعزيز الملاحقة القضائية للمتاجرين بالبشر
(3) تدابير حماية الضحايا
(4) حملة التوعية
(5) تدريب الدبلوماسيين السودانيين والموظفين ذوي العلاقة
(6) إنشاء إجراءات رسمية للتعرف على الضحايا
(7) السماح لمراقبة الوحدات العسكرية في ثكناتها لرصد وجود أطفال مجندين
(8) تسريح الأطفال المجندين
(9) تجريم "دعارة الأطفال" حتى في غياب القسر. والذي يعنيه التقرير بهذه العبارة الغامضة هو أن الأطفال دون الثامنة عشرة (وهو يقول الأطفال دون تحديد سن) لا يعتد بالرضا من جانبهم في وضعية الدعارة. فلا يقول الشاري للجنس مع الأطفال في ولد أو بنت في السابعة عشرة أن ذلك لم يكن قسرا. ويمكن الرجوع إلى القانون الذي لم أعثر عليه بعد.
(10) تعديل القانون لمكافحة الإتجار بشأن تعريف "الاستغلال"، وبشأن عدم اشتراط ما يمكن أن أترجمه على أنه "الكسب" من قبل المتاجر لتجريمه. أي، إن مجرد وضعية الإتجار بالبشر حتى في غياب أية فائدة للمتاجر تعتبر كافية للتجريم.
(11) تعديل قانون خدم المنازل للعام 1955 لإدراج حقوق جديدة فيه للحماية ولكتابة العقود للعمل
(12) إنفاذ برنامج لتسجيل العاملين في المنازل
(13) بذل مجهود أقوى في سياق مدخل سياسي شامل يشارك فيه جميع الأطراف للتعرف على المختطفين في وضعيات الاسترقاق واستعادتهم وإعادة دمجهم.
(14) الانضمام إلى بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص خاصة النساء والأطفال للعام 2000.
ثم يقدم التقرير تفاصيل جهود الحكومة في المجالات الثلاث التي يهتم بها التقرير الأمريكي: الملاحقة القضائية، وحماية الضحايا، وتدابير الوقاية. ولا يوجد في هذه الأجزاء الثلاثة ما يمكن أن يكون مختلفا بشأنه بطريقة مؤثرة. خاصة وأنه في مجمله تقريظ لجهود الحكومة السودانية ورصد لنجاحاتها.
(5)
أهمية قبول الحكومة للتقرير الأمريكي
وأرى أن على الحكومة أن تقبل التقرير الأمريكي بصورة مبدئية، ثم أن تخضعه للانتقاد والتصحيح على أساس البينات والعلم.وعلى الحكومة أن يكون لها تقريرها الخاص بها. وأن لا تقدمه كرد على التقرير الأمريكي، بل كخريطة طريق وطنية وعبر حدودية للتعامل مع وضعيات الإتجار بالبشر.
وكذا يمكن للحكومة السودانية عبر سفيرها القائم بالأعمال في واشنطون الاتصال المباشر مع مكتب وزارة الخارجية الأمريكية المختص بالتقرير عن الإتجار بالبشر، وطلب إرسال الخبير المسؤول عن السودان بشأن مكافحة الإتجار بالبشر. إرسالها إلى الخرطوم وإلى بعض الولايات. لبدأ مشاورات مباشرة مع المسؤولين في كيفية تنفيذ التوصيات في سياق خطة عمل قومية عبر حدودية النزعة. أي، قبول التقرير الأمريكي. وقبول التوصيات. فهذا الأمر المتعلق بالاتجار بالبشر له قابلية التعاون الدولي بصرف النظر عن الاختلافات العميقة بين الحكومتين. وفي نهاية الأمر، وكما قلت في مقالي السابق عن الاتجار بالبشر، ربما هذا هو الموضوع الوحيد الذي يمكن أن يكون فيه اتفاق بين السودان وأمريكا.
(6)
مقترحاتي للتصدي لمشكلة الإتجار بالأشخاص
فالتقرير الأمريكي ينبغي اعتماده كواحد من المدخلات في برنامج الحكومة لمكافحة الإتجار بالأشخاص. ومن ثم، أقدم مقترحاتي التي لا تناقض التقرير الأمريكي، إلا في مسألة مقترحه بشأن الرق.وتتضمن مقترحاتي جميع معطياته وتتجاوزها بصورة أكثر إفضاء إلى معالجة جيدة لهذا وباء الإتجار والرق في السودان.
أولا،
دراسة وضعيات الإتجار بالأشخاص في مجالات: العمالة القسرية، والإتجار بالجنس، والرق، والإتجار في الأعضاء البشرية (يجب إدراجه). في كل واحدة من ولايات السودان على حدة. وهذه الدراسات يترك أمرها للجامعات الولائية. دون غيرها، ودون تحشر الموظفين المحاسيب فيما لا معرفة لهم به ولا اختصاص.وهي دراسات تدور وفق إطار علمي مشترك يتم الاتفاق بشأنه. وتستمر على مدى أعوام. وتقدم نتائجها بصورة دورية مستمرة لإرشاد تنفيذ البرامج الولائية لمكافحة الإتجار بالبشر. وهذه الدراسات، وبعضها يمكن أن يكون سريعا، هي التي تهدي كيفية تنفيذ التوصيات الأمريكية للحكومة.
ثانيا،
إعلان الحكومة لسياستها المكتوبة لمكافحة الإتجار بالبشر. في صفحتين. وتشمل سياسة الحكومة: (1)التعبير باللغة الواضحة عن العزيمة السياسية للتعامل العقلاني الموضوعي مع الإتجار بالبشر؛ (2) تحديد التعريف الوطني للإتجار بالبشر (بعد المشاورات العلمية) القائم على بروتوكول الإتجار؛ (3) تشكيل هيئة عليا مستقلة لضمان تنفيذ سياسة الحكومة وللتنسيق بين الجهات ذات الاختصاص بالتنفيذ؛ (4) صياغة خطة العمل الوطنية المرتكزة على فهم الطبيعة العبر حدودية للمشكلة؛ (5)التبيين الواضح بالأرقام للدعم المالي الحكومي الكافي لتنفيذ سياسة الحكومة؛ و(6) تحديد كيفية متابعة تنفيذ هذه السياسة الحكومية.
ثالثا،
تدابير إنفاذ برنامج الحكومة لمكافحة الإتجار بالبشر. بتشكيل تلك الهيئة المستقلة التي تتبع لمجلس الوزراء، وتكون لها فروع ولائية مستقلة نسبيا. ليس دورها تنفيذ أي عمل في مجال مكافحة الإتجار. بل ينحصر اختصاصها في قيادة التخطيط، والتنسيق الداخلي والعبر حدودي في معية وزارة الخارجية، وبناء القدرات والتدريب المستمر، والمتابعة، والتقييم، وجمع المعلومات الدورية وتنسيقها وإتاحتها للجميع، وكتابة التقارير، وتقديم المشورة العلمية للولايات، وتسهيل ضمان المخصصات الماليةالضرورية.
ويجب على هذه الهيئة أن لا تنفذ أي عمل في مجالات الحماية أو الوقاية. بل أن تحدد معايير ذلك كله، وأن تسهله، وأن تضمن تنسيق إسهامات الجهات التنفيذية ذات العلاقة، في الحكومة وفي المنظمات المحلية والأجنبية.أي، ان لا تنزع للتكويش. وأن لا ترتكب الخطأ الفظيع في برنامج الشرطة لحماية الأطفال. ذلك البرنامج المدفوع بالتكويش يريد أن يفعل كل شيء في سياق تلك وحداته دون اختصاص. فقط حتى لا يذهب دعم اليونيسف المالي لغير تلك وحدات الشرطة، والتي واجبها لا يتجاوز القبض على المعتدين على الأطفال والتحقيق وكشف الجرائم. لكنهم نقلوا برنامج الأردن البائس الذي أصلا كان تم ابتداعه بأمر من الملكة وليس وفق أي تفكير بالمشاركة. وقالوا في الشرطة السودانية إنهم يقدمون الرعاية النفسية والصحية والتوعية غير ذلك مما هو ليس من اختصاصهم.
وأيضا ينبغي أن لا يكون برنامج مكافحة الإتجار ضحية أخرى لتكويش جهاز الشرطة. فلهم دور محوري لكنه دور محدد وفق اختصاصهم. وهو البرنامج ليس برنامجا أمنيا بل هو برنامج اجتماعي جوهره حقوق الإنسان.
رابعا،
إنفاذ الجهات ذات الاختصاص لتدابير حماية ضحايا الإتجار بالبشر. بتحديد أماكن وجودهم، والتعرف عليهم وتكييف وضعياتهم، وإنقاذهم، وإحالتهم إلى الجهات مقدمة الحماية بأشكالها في مجالات الصحة العامة والنفسية والجوازات والهجرة والدعم المالي والدعم القانوني. دون الحاجة لأية مراكز أو بيوت لضحايا الإتجار بالبشر. فيتم إيواؤهم في المجتمعات السودانية ريثما تتم إعادتهم الآمنة إلى بلادهم إذا كان ذلك هو الخيار الأفضل بالنسبة لهم.
خامسا،
تدابير العدالة. وهذه تشمل تقوية التشريعات بإركازها في مبادئ ومواد بروتوكول مكافحة الإتجار (الذي على الحكومة الانضمام إليه). وتشمل الملاحقة القضائية للشبكات الإجرامية العاملة في مجال الإتجار بالبشر، وخاصة ملاحقة الموظفين الحكوميين الفاسدين الذين يعملون في مجال الإتجار بالبشر. وتقديم التعويض المالي للضحايا. وضمان أن القضاة ووكلاء النيابة والشرطة والمحامين وكل الجهات ذات العلاقة بإنفاذ القانون تفي بالتزاماتها، كل في مجال تخصصه.
سادسا،
إنفاذ الجهات ذات الاختصاص لتدابير الوقاية. ببرامج التوعية المجتمعية المستمرة، وتقديم الحماية الاجتماعية لذوي القابلية للوقوع ضحايا للإتجار بالبشر، وضبط الطلب على الخدمات الإتجارية ورصده وتجريمه، والمراقبة والرصد للمساحات المشتبه فيها كأماكن للإتجار بالبشر، والاضطلاع بالتدابير الإدارية الضرورية الأخرى.
فبتعديل البرامج القائمة وتعزيزها لتندرج مفاهيميا في برنامج استراتيجي تلك الستة هي خطوطه العريضة يمكن أن تواصلحكومة السودان، هذه الحكومة اللئيمة، في سلوك طريق عقلاني للتعامل الكافي مع مسألة الإتجار بالبشر. ومن ثم تصبح المشكلة ذاتها قيد التنفيذ التقني الفني بعيدا عن المماحكات السياسية.
فألتفت الآن إلى القضايا الثلاث التي كنت أشرت إليها سابقا: تجنيد الأطفال، والرق، والفساد
(7)
المسألة الأولى
تجنيد الأطفال
يفرد التقرير الأمريكي حيزا مقدرا للأطفال في وضعيات التجنيد من قبل جميع الأطراف المشاركة في الحرب في السودان. بما في ذلك القوات المسلحة السودانية والقوات النظامية للحكومة السودانية وميليشيات الحكومة السودانية والدفاع الشعبي. بالإضافة إلى جميع قوات الحركات المسلحة في السودان.
ويقدم التقرير بعض التفاصيل الدقيقة المستقاة من فريق العمل في الأمم المتحدة للرصد والإبلاغ. مما يبين أن الأمم المتحدة تعد العدة لتقديم هذه التقارير الدقيقة المفصلة إلى مجلس الأمن ثم إلى المحكمة الجنائية الدولية. مما هو التزام قائم بالنسبة للأمم المتحدة في السودان، ويجب أن لا يكون مستغربا. فهذه جريمة حرب. ويجب على موظفي الأمم المتحدة في كل مكان الإبلاغ عنها.
ولا يلومن القادة السياسيون والعسكريون والضباط الكبار المسؤولون في الحكومة السودانية وأجهزتها وكذا في قوات الحركات المسلحة إلا أنفسهم.
ونصيحتي للحكومة السودانية، هذه اللئيمة، أن تدحض بقوة البينة، لا بالصراخ، هذه التقارير من الأمم المتحدة عن تجنيد الأطفال. هذا إذا كانت هذه الحكومة تعتقد صادقة أو تعلم صادقة أنها تقارير الأمم المتحدة غير صحيحة.
أما في حالة معرفتها أن التقارير صحيحة، فعلى الحكومة أن تتخذ التدابير السريعة بتقديم المتورطين إلى المحاكمات العلنية. وأن توقف الانتهاكات مباشرة، بالأوامر وبالتنفيذ. وأن تقدم التعويضات لجبر الضرر الواقع على الأطفال الضحايا وعلى أسرهم.
وينطبق الأمر ذاته على جميع الحركات المسلحة المعارضة. قبل أن تفاجئهم هم أيضاتلك فطومة بنسوداخليفة أوكامبو المحقق في المحكمة الجنائية الدولية.
لأن المحكمة الجنائية الدولية أصبحت لديها خبرة كافية في كيفية ملاحقة المتورطين في هذه جريمة الحرب المتعلقة بتجنيد الأطفال. وهي تعرف كيف تتجنب الفشل. وهي تعمل يدا بيد مع الأمم المتحدةفي السودان لجمع البينات. ولا تجمع الأمم المتحدة في السودان هذه التقارير عن تجنيد الأطفال لأجل التسلية.
وحيث إن التقرير الأمريكي عن السودان قد صدر وفيه هذه البيانات التفصيلية من الأمم المتحدة فلا يمكن لأحد في الحكومة أن يتعلل بأنه لم يكن يعلم. ولا توجد أية أعذار للمتورطين ولا لقيادات الحكومة أو لقيادات الحركات المسلحة التي ينبغي لها أن تكون تعلم.
وأنصح الحكومة أن تنضم على وجه السرعة إلى فريق العمل لخطة العمل المشتركة مع الأمم المتحدة، إن لم تكن فعلت بعد. وأن تلحق بفريقها في الآلية المشتركة قانونيين وقضاة مدنيين وعسكريين، لا ضباطا من الأمن أو محاسيب من منظماتها الطوعية العاملة كأذرع أمنية. حتى لا تحدث أية مغالطات في تكييف حالات تجنيد الأطفال. ويمكن للقانونيين والقضاة، بعد تدريبهم، أن يعلموا موظفي الأمم المتحدة وأن يكونوا أندادا لهم.
علما أن الأمم المتحدة ذاتها، مثلها مثل حكومة السودان، يكون فيها أفراد يتسمون بالجهل المريع وبالتحامل وبالفساد ملحقين بهذه فرق العمل لمراقبة انتهاكات حقوق الإنسان في وضعيات النزاع. تماما كما فيها ذات فرق الأمم المتحدة من لديهم القدرة الكافية والأمانة والنزاهة.
فعلى الحكومة أن تكون حاضرة بفريق متمكن قوي ونزيه غير متعصب وغير غبي. والتكييف القانوني للطفل المجند أمر معقد في بعض الأحيان. ويمكن لهؤلاء ممثلي الحكومة أن يتخذوا التدابير اللازمة لتسريح الأطفال بصورة مباشرة مما سيخفف من جرم الذين جندوهم أصلا ومن مسؤولية القادة. ولربما اكتفت الأمم المتحدة بأن المشكلة تمت إزالتها ولن يكون للمحقق الخاص في المحكمة الجنائية سبب سائغ لملاحقة الضباط وقادة الميليشيات الجناة.
(8)
المسألة الثانية
الرق في السودان
فلقد مر ما يقارب الثلاثين عاما منذ 1987 حين كان صدر كتابي، مع دكتور سليمان علي بلدو، عن مذبحة الضعين –الرق في السودان. وفيه البيانات عن قيام جماعات من قبيلة الرزيقات ومن قبيلة المسيرية المدعومة من القوات المسلحة ومن الحزب الحاكم حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، قيامها بمهاجمة قرى قبيلة الدينكا في شمال بحر الغزال لاختطاف الأطفال والنساء وترحيلهم شمالا إلى قرى الخاطفين وتحويلهم إلى أرقاء للعمل في الرعي والزراعة وحفر الآبار والخدمة المنزلية ولتقديم الخدمات الجنسية وللبيع بالتبادل بالأغنام.
ولاحقا نجحت لجنة أبناء سلاطين الدينكا في تحرير عدد غير محدد من هؤلاء الأطفال والنساء في تسعينات القرن الماضي، في ظل حكومة الإنقاذ وبمساعدة والي دارفور. لكن عددا غير معروف لابد يبلغ بضعة آلاف تمسك به المسترقون من الرزيقات ومن المسيرية، وأخفوه. خاصة من الفتيات. واللاتي لابد أصبحن اليوم أمهات. وربما جدات. وغير معروفة لنا وضعياتهن القانونية والعرفية أو الاجتماعية. وما إذا كن لا يزلن من الرقيق أم أمهات الأولاد أم محررات. وكذا غير معروفة الوضعيات القانونية لأطفالهن بشأن النسب والميراث وبقية الاستحقاقات.
فهذا الأمر لا يتم التعامل معه ب "الإنقاذ" للضحايا و"إعادة دمجهم" كما يقترح التقرير الأمريكي. بل لابد أولا من دراسته دراسة متأنية للتعرف على وقائعه وتعقيداته. ومن بعد تحديد كيفية التعامل معه، كل حالة على حدة. فهب أن بنتا تم اختطافها رقيقا ثم تزوجت رجلا أحبها ورعاها وولد منها ويعاملها معاملة كريمة، مما هو يحدث. هل هذه يتم إنقاذها وإعادتها إلى شمال بحر الغزال؟ وما الذي يحل بالأطفال؟ هل هم أطفالها أم أطفال الزوج الذي كان استرقها أصلا؟
وعلينا أن نتذكر حالات انتحار الشباب الذين تم إنقاذهم من الاسترقاق وأعيدوا، قسرا، إلى أبيي بحجة إعادة دمجهم، من قبل المنظمات.
فهذا أمر بقايا الرق، ينبغي أن يضطلع به حركيون من قبيلتي الرزيقات والمسيرية، في شراكة مع رصفائهم من قبيلة الدينكا في جمهورية جنوب السودان. بالتعاون مع مؤسسات الحكومة السودانية المحلية. وبالاستنارة بالعلماء في السودان وهم كثر.لطي هذا ملف الرق في السودان.
ولا يتم طي ملف الرق كذلك إلا بعد دفع هذه حكومة الإسلاميين بقيادة عمر البشيرلتعويضات مالية لضحايا الرق وأسرهم ومجتمعاتهم المحلية في شمال بحر الغزال.
ذلك وفق القاعدة الشرعية في الحديث لا ضرر ولا ضرار. بسبب تورطرئيس الوزراء الصادق المهدي وقيادات حكومته وقيادات المؤسسات ذات العلاقة، كالقوات المسلحة والدفاع الشعبي والقضائية والحكومات المحلية. تورطها في دعم آليات الرق والدفاع عنه بإنكار وجوده وقرارها عدم تقديم الحماية للمواطنين السودانيين ضحاياه خلال تلك الفترة. وهو ذلك السلوك الإجرامي كان مدفوعا بمشاعر العنصرية التي صبغت سلوكيات حكومة الصادق المهدي.
ويمكن للحكومة أن تستخدم بعض ممتلكات السيد الصادق المهدي وممتلكات حزبه لتغذية صندوق التعويضات لضحايا الرق. فبالإضافة إلى مسؤوليته كرئيس للوزراء ، فهو مسؤول كذلك شخصيا وكذا حزبه.
وتتحمل حكومة الإنقاذ ذاتها المسؤولية لدفع التعويضات للضحايا ولأسرهم. لأنها كذلك كانت منذ جاءت إلى السلطة بانقلاب في العام 1989 متقاعسة، وهي ظلت متقاعسة إلى هذا اليوم،عن تقديم الحماية لضحايا بقايا الرق الذين يتحدث عنهم التقرير الأمريكي.
أيضا عليها حكومة الإنقاذ أن تتقدم باعتذار،نيابة عن نفسها، لا نيابة عن الشعب السوداني لأنها لا تمثله. فقد آن أوان الاعتذار على هذه الجريمة ضد الإنسانية، من قبل جميع المتورطين.
وهذا بالرغم من أن حكومة الإنقاذ كانت أفضل من حكومة الصادق المهدي في مكافحتها لعمليات الاسترقاق ولتسهيلهاقدرا من الحماية لضحاياه. ولابد من أن أثمن موقف والي دارفور اللواء أبو القاسم الذي كان ابتدر برنامجا نبيلالتحرير الأرقاء بمساعدته للجنة أبناء سلاطين الدينكا بقيادة جيمس أغوير..
وكذا لابد أن نتذكر دائما مواقف بعض مثقفي الإسلاميين في الإنقاذ من المتنفذين الذين كانوا مثلهم مثل الصادق المهدي ينكرون وجود الرق، رغم معرفتهم الوثيقة بوجوده. وكانوا في مواقع رسمية تلزمهم باتخاذ مواقف وتنفيذ تدابير لحماية الضحايا. وعليهم اليوم أن يتقدموا وأن يعتذروا علنا، نيابة عن أنفسهم، للضحايا. وبعض الضحايا يظلون ضحايا إلى هذا اليوم في إسر الرق. أيضا بسبب مواقف هؤلاء مثقفي الإسلاميين.
وهذه الوقائع جميعها متعلقة بموضوع التقرير الأمريكي للعام 2004. ولابد من استصحابها في سياق مراقبة الحكومة بشأن رد فعلها على التقرير الأمريكي، في شقه المتعلق بالرق.وفي سياق مقترحاتي أن تدفع الحكومة تعويضات لضحايا الرق. مما سيبين مدى جديتها. والتعويض للضحايا جزء أساس في محور "العدالة" الذي أقترحه. والاعتذار يعيد للضحايا ولأسرهم قدرا من كرامة أوضاعهم الأساس التي داست عليها حكومة الصادق المهدي بمليشياتها القبلية. وكذا داس عليها كرامة هؤلاء الضحايا مثقفو النظام الذي يسمي نفسه إسلاميا. ولا أريد في هذا السياق إلا أن أشير إلى تلك عبارة حسن الترابي للصحفي الفرنسي أن هؤلاء الضحايا كانوا "أسرى حرب تمت معاملتهم كأرقاء"! وهو كان يشير إلى الأطفال الصغار أغلبهم أولاد وبنات في العاشرة وإلى النساء.
وفي نهاية التسعينات كنت اقترحت على اللواء برمة ناصر، من حزب الأمة، أن يضلعوا هم في منطقة المسيرية بتحرير جميع الأرقاء في مناطقهم. وأن لا يستعينوا بأية منظمة دولية أو بغيرها. فقط أن يرسلوا شباب ومثقفي المسيرية إلى حيث يوجد الأطفال والفتيات والعمل على تحريرهم من الرق وإعادتهم إلى ذويهم.
وكنت أصلا التقيت باللواء برمة ناصر بعد أن أطاح انقلاب عمر البشير بتلك حكومة الصادق المهدي الديكتاتورية العنصرية، في منزل السفير البريطاني حيث تعرض برمة ناصر لسخرية لاذعة من الوزير البريطاني الزائر. في معرض رد الوزير البريطاني أنهم لا يمكنهم في بريطانيا تقديم أي دعم لحزب الأمة في سياق ذلك دور الحزب وحكومته بشأن الرق في السودان. ومن ثم كان ذلك اقتراحي لبرمة ناصر بعد أنزارني في بيتي وكان صادقا في همه بإنهاء هذه مشكلة الرق المحرجة، "الحاجة دي، في. ولازم نلقى ليها حل". عاد إلي برمة ناصر لاحقا وقال لي إنه تشاور مع المسؤولين في الحزب ولم يجد ترحيبا بالفكرة التي طرحتها عليهم.
فها هي مسألة الرق من قبل المسيرية والرزيقات تعود اليوم مجددا تؤرق المسيرية والرزيقات في هذا التقرير الأمريكي. التقرير غير المتحامل والمقرظ لجهود حكومة السودان في مكافحة الإتجار بالبشر.
ولنركز اليوم علىالواقعة المشار إليها في التقرير عن اختطاف جماعات مسلحة من الرزيقات لأطفال الدينكا في يناير 2013. فهذه الواقعة تبين أن الاستعداد للاسترقاق بوسائل العنف يظل قائما في جسد هذه قبيلة الرزيقات. ولا يغير منه أن الأطفال والفتيات المسترقين تمت إعادتهم إلى ذويهم بعد شهور من استرقاقهم. فحتى بعد ربع قرن من الزمان ويزيد تظل قبيلة الرزيقات تنتج جماعات تختطف الأطفال والفتيات وتسترقهم.
وهو ذاته الاستعداد لدى قبيلة الرزيقات للاسترقاق لأطفال الدينكا وفتياتهمخلال الثمانينات كلما سنحت للجماعات الرزيقية المسلحة الفرصة، دائما في سياق النزاع المسلح وبدعم من الحكومة القائمة.
وهذا الأمر يتطلب نظرة متعمقة من قبل مثقفي الرزيقات. وأذكر هؤلاء مثقفي قبيلة الرزيقات وهم كثر. ومنهم من أراه ينادي بالتحقيق في مذبحة الضعين. وهم منفعلون بالتغييرات الدولية وبالانفتاح على ثقافات أخرى. ويعترفون بالجرائم العالمية التي ارتكبت من قبل ذويهم قبل ميلادهم أو قبل إدراكهم لمعاني ما كان يدور حولهم. أذكرهم هؤلاء مثقفي الرزيقات بأن عددا مقدرا منهم ما كان سينال أي تعليم، ولا حتى ابتدائي، إلا بسبب استرقاق آبائهم لأطفال وفتيات الدينكا في الثمانينات. حيث كانت بعض الأسر الرزيقية تسترق أطفال الدينكا عندئذلتتمكن من إعفاء أطفالها من العمل في الرعي والزراعة والخدمة المنزلية ولإرسالهم إلى المدارس.
(9)
المسألة الثالثة
خطر الفساد على برنامج مكافحة الإتجار بالبشر
فأعود إلى مقترحاتي بشأن مكافحة الإتجار بالبشر، وإلى مقترحات الحكومة الأمريكية في التقرير. فإن ذلك كله من المقترحات إن قررت الحكومة السودانية تنفيذه، سيدمره الفساد. الفساد الضارب أطنابه في جميع مفاصل مؤسسات الحكومة الراهنة. فلا ننس أننا في ظلها هي ذاتها حكومة الإنقاذ. الراعية للفساد الذي تنتجه يوميا مؤسساتها المتعددة.
وهذه الوضعية تقتضي تنفيذ برنامج مصاحب هدفه منع الفساد وملاحقة الموظفين الفاسدين. في سياق تنفيذ برنامج الحكومة لمكافحة الإتجار بالبشر. ولا يوجد تناقض في خطابي. لأن الحكومة الفاسدة يمكنها أحيانا، لمصلحتها الذاتية، أن تقرر عدم الإفساد في مجال محدد. مما كذلك يفعله القاضي الفاسد مثلا. كأن يحكم وفق القانون دون فساد في قضية محددة يختارها ليوازن قراراته القضائية الفاسدة وليترك انطباعا زائفا أنه نزيه في جميع الأحوال، أو لسبب غرضي آخر.
فبدون برنامج كهذا لمكافحة الفساد في البرنامج الحكومي لمكافحة الإتجار بالبشر، لا جدوى من فعل أي شيء من قبل هذه الحكومة. لأن البرنامج الفاسد لمكافحة الإتجار بالأشخاص سيفاقم المشكلة ذاتها، وسيدمر قدرا من ما تم تحقيقه من تدابير. وسيلغي الفساد أية إمكانية لوضع السودان في المرتبة الأولي.
فإن كنا لا نجد تقييما لجهود الحكومة يتناول الفساد في برامج مكافحة الإتجار، والحكومة ليست هي الوحيدة الطرف العامل في هذا المجال. ورغم أن التقرير الأمريكي لا يتحدث مباشرة عن الفساد، بل يشير إلى أن الحكومة لم تقدم إلى المحاكمة أيا من موظفيها بتهمة الإتجار بالبشر والإسهام فيها. فإن ذلك لا يعني عدم وجود الفساد في البرنامج، من قبل الحكومة ومن قبل المنظمات الطوعية الوطنية والأجنبية. واليوم أصبح لزاما وجود مشروع واضح لمكافحة الفساد في كل برنامج لمكافحة الإتجار بالبشر. فالفساد يعتبر فرضية قاتلة في الإطار المنطقي لتنفيذ مشروعات مكافحة الإتجار بالأشخاص. وسأعود لهذا الموضوع في مقال منفصل.
علما أن برنامج مكافحة الإتجار بالأشخاص لا تتحمس له حكومة كهذه في السودان إلا كوسيلة لاستدرار الدعم المالي الخارجي لفائدة المحاسيب من الحزب ولفائدة مؤسساتها. وهنالك أمثلة في مجالات حماية الأطفال، وتسريح المجندين، وبرنامج سيواك لتحرير الأرقاء إلى ذويهم، وهي سيواك كانت تسميه برنامجا لإعادة المختطفين. وهذا الأخير برنامج سيواك لم تتحمس له حكومة الإنقاذ إلا بعد أن ضمنت أن الاتحاد الأوروبي كان سيدعمه ماليا عبر اليونيسيف بمئات آلاف الدولارات. وكان لي الدور الأساس في المبادرة بطلب ذلك الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي لصالح ذلك برنامج سيواك، دون أن يكون ذلك كان من التزاماتي.
وهذه علة الفساد في برامج مكافحة الإتجار بالبشر أصبحت معروفة في كثير من الدول غير السودان. وهي العلة ما تتم تسميته ب "صناعة" مكافحة الإتجار بالبشر. وهي "صناعة" هرعت إليها حكومات ومنظمات وطنية وأجنبية، بما فيها منظمات في الأمم المتحدة ذاتها. فقط بغرض الاستحواذ على الأموال المخصصة لهذا الغرض النبيل وتحويلها للمصالح الشخصية ولمصلحة المؤسسات ذاتها وليس لمصلحة الضحايا لا يتلقون غير الفتات من الأموال المرصودة.
وأرى أن على الحكومة السودانية أن لا تطلب أي دعم مالي من أية جهة خارجية، إن كانت تريد لنا أن نعتمد جديتها في مكافحة الإتجار بالبشر. ولا يوجد أي من المقترحات الأمريكية يتطلب مبالغ هائلة أو حتى صغيرة لتنفيذها. وجميع التدابير يمكن أن تنفذها المؤسسات الحكومية من مواردها الراهنة. وكل مرور سريع على المقترحات الأربعة عشرة سيبين أنها لا تكلف مبلغ إضافية ذات بال.
وعلى الحكومة أن تقتصر على الأمم المتحدة لطلب المشورة العلمية والدعم الفني لتدريب المختصين بالتعامل مع وضعيات الإتجار. وهؤلاء المختصون المخولون يبلغ عددهم الآلاف من الشرطة وحرس الحدود والقيادات المجتمعية المحلية والقضاة ووكلاء النيابة وضباط العمل وغيرهم. وهو تدريب مستمر على مدى أعوام. وينبغي إدراج الجامعات فيه لتطوير مناهجه وضبط معاييره.
فجدية الحكومة رهن بتخصيصها للمال اللازم من مواردها الوطنية، وبتشكيلها لتلك آليات مكافحة الإفساد في هذا البرنامج. ولا يمكن لها أن تتعلل بالفقر بسبب انفصال الجنوب أو بذهاب البترول.
فتلك بعض أفكار أثارها هذا التقرير الذي ينبغي أن يسعد الحكومة السودانية، ومؤسساتها. أذكر منها هذه المؤسسات وزارات العدل والقضائية والداخلية والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والشؤون الاجتماعية ووزارة الخارجية والحكومات المحلية في القضارف وكسلا، والقوات المسلحة، وغيرها.
وبالرغم من أن حيثيات التقرير الأمريكي تبين أن حكومة السودان أنجزت الكثير في مجال مكافحة الإتجار بالبشر، وأن ما فعلته "غير مسبوق"، إلا أنه لا يوجد ما يستحق تهنئة هذه المؤسسات عليه. خاصة وأن أطفالا لا يزالون هذا اليوم في وضعيات التجنيد في النزاع المسلح. وخاصة أن هنالك ضحايا منسيين من بقايا مؤسسة الرق في السودان.
وهذه المؤسسات المخولة للتعامل مع وضعيات الإتجار بالبشر لها أن تدرك أن ذلك العمل الجيد هو واجبها.وعليها أن تضطلع به دون توقع أي شكر من أي أحد. وعليها أن تدرك وأن تتوقع وأن تقبل أنه سيتم دائما إخضاع أفعالها للرصد والمتابعة والانتقاد. وأيضا للمقاومةفي حال كانت أفعالها في مجال مكافحة الإتجار بالبشر تتمثل أي انحراف أو أية مآلات إفسادية أو قهرية.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.