الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دماء على بلاط صاحبة الجلالة: الاعتداء من قبل ملثمين مسلحين على عثمان ميرغني بمكتبه يمثل تحولاً جديداً في معركة الصحافة .. تيار التضامن يغمر شارع السيد عبد الرحمن
نشر في سودانيل يوم 20 - 07 - 2014

حادثة الاعتداء على عثمان ميرغني أعادت إلى الأذهان حادثة مكي الناس في النصف الثاني من القرن الماضي، وحادثة اغتيال رئيس تحرير صحيفة (الوفاق)، محمد طه محمد أحمد، الأخير كان يُعد في حياته أكثر الصحافيين إثارة للجدل في السودان، حيث اختلف مع الكثير من الجهات وهاجم العديد من الأفراد وتعرض للاعتداء عدة مرات حتى اغتياله في عام 2006م. وكان محمد طه قد نشرت صحيفته مقالاً لكاتب مجهول فيه مساس بشخص الرسول محمد عليه السلام، وتعرض حينها لضغوط واحتجاجات شديدة من الجماعات السلفية، وخضع لجلسات محاكمة تابعها الرأي العام باهتمام، غير أن المحكمة برأته في نهاية الأمر، وحكمت بالغرامة على الصحيفة قبل أن تعاود صدورها بعد إيقاف دام ثلاثة أشهر.
كما تعرض طه لاعتداء في مكتبه، وجرت محاولة لإحراق مكاتب الصحيفة على خلفية نشر صحيفته لمقال مسيء لإحدى القبائل. وأصدر طه صحيفة الوفاق في العام 1996م بعد السماح بصدور الصحف المملوكة لشركات، وكانت لفترة إحدى أكثر الصحف انتشاراً وخاض رئيس تحريرها العديد من المعارك مع الحكومة والمعارضة على حد سواء.
في خاتمة المطاف اختطفت الرجل سيارة مجهولة من منزله يوم الثلاثاء 5 سبتمبر 2006م، واصطحبوه في سيارة مظللة بدون لوحات، وعثر على جثمانه بحي القادسية بمنطقة الكلاكلات.
ما بعد الحادثة: في قلب الخرطوم لا موصل داعش: لم يكن الاعتداء الأول على صحفي.. لكن الأسلوب المسلح غير مسبوق داخل مقر صحيفة سودانيّة
اليوم التالي: الخرطوم – محمد الخاتم
على مهل وإهمال، يقتحم ملثمون مقرا ما في ناحية من نواحي الأرض، يعتدون على أهله بالهراوات و"دبشك" بنادقهم ويجردونهم من مقتنياتهم الخاصة مع توزيع الشتائم، يسألون بأصوات زاجرة عن رجل بعينه ليخصونه بالضرب ثم يتركونه طريحا على دمائه مغشيا عليه ويلوذون بالفرار. ربما يصعب على أي أحد تصور أن هذا الأمر شهدته قلب العاصمة الخرطوم وليس موصل داعش، وتحديدا مقر صحيفة (التيار) الذي كان رئيسها عثمان ميرغني هو ذلك الرجل المغمى عليه، ليس بسبب ضربه بقدر الهول الذي اعتراه مما رأت عيناه وهو في خلاصته "انفلات أمني"، كما يقول أحد الصحفيين.
لم تكن المرة الأولى التي يتم الاعتداء فيها على صحفي، لكنها كانت الأولى التي يتم فيها مثل هذا الاعتداء على صحفيين داخل مقر صحيفتهم بمثل هذا الأسلوب المسلح. فحتى الشهيد محمد طه محمد أحمد اغتيل غدرا وغيلة بعد خطفه ليلا من منزله، لكن مع (التيار) لم يتورع الجناة من اقتحامها جهارا نهارا وهم يستقلون سيارتي دفع رباعي "تاتشر" مجردة من أية لوحات تدل على هوية أصحابها، تماما كما كانت وجوههم الملثمة.
وما يزيد من الريبة أن الدوافع حتى هذه اللحظة تخضع لعدة احتمالات أي منها لا يسنده المنطق. فالاستيلاء على أجهزة الحاسوب والهواتف النقالة الخاصة بالصحفيين يشي بأن دافع الاعتداء هو السرقة، لكن هذا الاحتمال يسقط عندما تعرف أن قيمة المسروقات مجتمعة أقل بكثير من إطار واحد من الإطارات الثمانية للسيارتين اللتين تقارب قيمتهما 2 مليار دع عنك قيمة الأسلحة!
حسنا، لم يكن الدافع السرقة، بل ربما كان معاقبة عثمان ميرغني على ما كتبه في زاويته اليومية قبل أيام منتقدا استراتيجية الدول العربية في التعامل مع القضية الفلسطينية وتنبيهه، لأن قوة إسرائيل تأتي من كونها دولة مؤسسات وعدالة، بينما بلداننا يحتلها الفساد. وما يعزز هذا الاحتمال أن المعتدين حذروا صحفيي (التيار) من الكتابة بشكل سلبي عن حركة حماس والهجوم الذي يتعرض له قطاع غزة، كما تناثرت روايات بعضهم.
وبالطبع لا يمكن إغفال أن ما قاله ميرغني سبقه إليه كتاب في مختلف البلدان العربية بمن فيهم الفلسطينيون، ولا يحمل أي قدر من الاستفزاز لجماعات إسلامية متشددة يدفعها لارتكاب فعلتها هذه. لكن الأهم أن التلويح بالقضية الفلسطينية ربما يكون مجرد تغطية للدافع الحقيقي، تماما كما كانت سرقة الهواتف النقالة مجرد تغطية.
وبغض النظر عن الاحتمالين، سواء السرقة أو نصرة غزة بالطريقة التي يفهمها المعتدون، فإن الخلاصة واحدة هي أن الأمن لم يكن مستتبا، ليس للصحف وصحفييها فحسب، فمثل هذا الهجوم ربما كان يمكن أن يكون من نصيب أحد البنوك أو الشركات أو السفارات التي يعج بها شارع البلدية المحاذي لمقر الصحيفة، دعك من بقية شوارع العاصمة.
وبالتأكيد سيكون الضغط كبيرا على الأجهزة الأمنية لإثبات أن العاصمة مؤمنة، ليس بإلقاء القبض على الجناة وتقديمهم للعدالة وتنفيذ حد الحرابة الذي تتطابق شروطه مع فعلهم، بل بوضع خطط أمنية جديدة تراعي مثل هذه السابقة طالما أنه لم يعد مأمونا ممارسة أي شخص لعمله بشكل طبيعي في المكان الطبيعي.
ضد مجهول: عند الساعة الثامنة والربع مساء تقريبا بدا المشهد أكثر حزنا أمام بوابة مستشفى الزيتونة المطل على شارع السيد عبدالرحمن بوسط الخرطوم .. ما لم يكن في البال
اليوم التالي: الخرطوم – عبدالرحمن العاجب
في الوقت الذي كان ينهمك فيه محررو الصحيفة في العمل ومتابعة التكاليف الموكلة لهم هاجم مجهولون مقر صحيفتهم، وتحت وطأة التهديد ضربوا عددا من المحررين.. ليس سيناريو من الخيال، بل في قلب الخرطوم. من بين المعتدى عليهم أمس الصحفي بالتيار عبدالله إسحق والمهندس عثمان ميرغني رئيس تحرير الصحيفة وقام المعتدون بنهب عدد من أجهزة (اللابتوب) والتلفونات التي تخص المحررين، في مشهد وصفه الزملاء بصحيفة التيار بأنه أكثر ما يشبه أفلام الحركة الأمريكية.
بعد أن أنجز المهاجمون المهمة وقبل دقائق من الإفطار عم الخبر مواقع التواصل الاجتماعي وعم القرى والبوادي والحضر بفضل وسائل الاتصال والتلفونات الحديثة وأصبح الزملاء الصحفيون في قلق متواصل بعد أن كتب الزميل بصحيفة السوداني (حافظ انقابو) خبرا في صفحته الشخصية على الفيسبوك مفاده (مجهولون مسلحون يقتحمون مبنى صحيفة التيار وينهبون أجهزة الصحفيين ويضربون عثمان ميرغني رئيس التحرير).
عقب الإفطار تدافع عدد من الزملاء الى مبنى صحيفة (التيار) وعلامات الغضب والاستياء تبدو واضحة على وجوههم بعد أن تجمهروا أمام مبنى الصحيفة وأصبحوا يتناقشون ويوجهون أصابع الاتهام لبعض الجهات وانهمكوا في التحليلات، ولكن أكثر ما أثار دهشة الزملاء أن مسرح الجريمة ليس في منطقة نائية، وإنما كان مسرحها لا يبعد من القصر الجمهوري إلا بضعة أمتار.
عند الساعة الثامنة والربع مساء تقريبا بدا المشهد أكثر حزنا أمام بوابة مستشفى الزيتونة المطل على شارع السيد عبدالرحمن بوسط الخرطوم.. بعد أن وصلت عربة الإسعاف التي تقل المهندس عثمان ميرغني إلى المستشفى.. وقتها تدافع الزملاء في مظهر حزين نحو سيارة الإسعاف ليلقوا نظرة الاطمئنان على صاحب عمود (حديث المدينة). اختلط لحظتها إحساس الغضب بالحزن العميق بعد أن نظروا لزمليهم وهو يحمل عبر النقالة إلى داخل المستشفى في منظر حزين للغاية.. لكنها مهنة المتاعب والبحث عن الحقيقة الضائعة كادت تودي بحياة صاحب القلم الحر.
وبعد أقل من ساعة تقريبا من وقوع الحادث تجمهر عشرات الصحفيين ورؤساء التحرير أمام مبنى مستشفى الزيتونة.. وبدأ المسؤولون الرسميون في الدولة في التوافد الى المستشفى وكان أول الذين حضروا الى المستشفى الفريق محمد أحمد علي مدير شرطة ولاية الخرطوم ليشهد ويطمئن على (عثمان ميرغني)، ولكن الاجابة التي ينتظرها المواطنون هي لسؤال: هل سيفلح مدير شرطة ولاية الخرطوم في فك طلاسم الجريمة وكشف الحقائق للرأي العام في أسرع وقت ممكن..؟
وبخلاف الزملاء الصحفيين توافد عدد من المسؤولين للاطمئنان على صحة صاحب عمود (حديث المدينة) ومن بين الذين حضروا في وقت مبكر ياسر يوسف أمين الإعلام بحزب المؤتمر الوطني ووزير الدولة بالإعلام.. إلى جانب البروفيسور إبراهيم غندور مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس حزب المؤتمر الوطني للشؤون الحزبية والذي أدان واستنكر الحادث واعتبر أنه لا يشبه أخلاق السودانيين.
الدكتور عبدالرحمن الخضر والي ولاية الخرطوم هو الآخر حضر إلى المستشفى، وبعد أن اطمأن على صحته خرج ورفض الحديث للصحفيين الذين طلبوا منه أن يصرح لهم، ولكن في واقع الأمر يظل الجميع بانتظار حديثه باعتباره حاكما لولاية الخرطوم..
الحضور الرسمي للمسؤولين يفتح الباب أمام التساؤلات والتحليلات التي ستلاحقهم حتما في مقبل الأيام عن مسألة أمن العاصمة ومواطنيها الذين باتوا عرضة لمجموعة نهب مسلح مجهولة.
ثمن الكلمة: في مبنى القيادة العامة كان وزير الدفاع يحدق في وجوه ضيوفه ويسأل عن عثمان.. المخاطر تحيط ببلاط صاحبة الجلالة منذ مكي الناس حتى اليوم
اليوم التالي: الخرطوم - عزمي عبد الرازق
على مرمى عدسة من شارع القصر الجمهوري يقبع مبنى صحيفة (التيار)، الساعة تقترب من السابعة ليلاً إلا قليلا، الشمس توارت خلف أجساد العمارات الشاهقة، الخرطوم هادئة تماماً في مثل هذه الأوقات، المارة ينهبون الطرق نهباً ويلوذون ببيوتهم للحاق بموعد الإفطار، في مبنى القيادة العامة هنالك كان الفريق ركن عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع يحدق في وجوه ضيوف إفطاره السنوي، فجأة يتفقد الرجل عثمان ميرغني ويسأل: مالي لا أراه؟ أم كان من الغائبين؟ يسحب وزير الدفاع هاتفه ويجري مكالمه برئيس التحرير، يرن الجرس مرة إثر مرة، الهاتف لا يرد! حالة من القلق تطوق المكان، يتدارك الوزير تفاصيل ما جرى، فيدين الحادثة في الحال ويثمن مواقف عثمان ميرغني الوطنية.
في مبنى صحيفة (التيار) كان الحارس المنزوع السلاح يتحرك ببطء ما بين (الريسبشن) وصالة التحرير، عربتا تاتشر بدون لوحات تحط رحالهما قبالة البوابة المطلة على الشارع، ثلة من الملثمين يقتحمون مبنى الصحيفة الضيق ويعيثون فيه دماراً ونهبا للموبايلات وأجهزة الحواسيب، مكتب رئيس التحرير لم يسلم هو الآخر، (بعكاز) أصيب الزميل عبد الله إسحق، وتم الاعتداء على عثمان في رأسه وجنبه الأيمن حتى أغمى عليه، كل من شاء حظه العاثر أن يكون موجوداً لحظة اقتحام المبنى نابه من الملثمين تهديد وضرب، في بضع دقائق أضحت صحيفة (التيار) تحت قبضتهم، أشهروا فيها هتافات مناصرة لغزة، وهي الدافع الرئيس فيما يبدو يبدو للاعتداء على الرجل الذي كتب مقالاً ولم يفهموا مقصده، لو صحت المقاربة فإن حالهم يشابه حال الشاب الذي حاول اغتيال نجيب محفوظ بسبب رواياته دون أن يقرأ لصاحب نوبل ولا حرفا واحدا!
بعيد ذلك فر الجناة إلى المجهول، تم تدوين بلاغ في قسم الخرطوم شمال، الصحفيون وأسرة عثمان ميرغني هرعوا إلى مستشفى الزيتونة التي نقل إليها الرجل عبر الإسعاف، كانت الدماء تغطي وجهه وأسماله تماماً، وهو طريح على النقالة، بعض الدموع تحدرت من عيون الزملاء جراء هذا الاعتداء المؤسف، في دقائق انتشر الخبر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وأصبح حديث الساعة.
ثمة حادثة مشابهة فيما يبدو وهي محاولة اقتحام مبنى صحيفة (الحرة) والاعتداء على رئيس تحريرها، فقبل أشهر اقتحمت مجموعة من الشباب صحيفة (الحرة) وهم في حالة غضب، كان عددهم أكبر من المجموعة التي هاجمت (التيار) بيد أنهم لم يكونوا ملثمين، سبب الهجوم خبر نشرته (الحرة) على صفحتها الأولى وأثار حنق تلك المجموعة المتشددة، الحادثة كانت أخف ومرت دون إصابات تذكر، وقد نجح رئيس تحرير الحرة ساعتها بكري المدني في امتصاص غضب المجموعة وتمكن من تهدئة خواطرهم.
قبل ذلك بسنوات اقتحمت مجموعة من المتشددين أيضاً صحيفة (الوفاق) إبان حياة الراحل محمد طه محمد أحمد، وقد خلف الاقتحام حرائق ودمارا حاق بالمبنى. حوادث الإعتداء على الصحف لم تتوقف، في بعضها تم الاعتداء على المقار، وفي كثير منها دفع الصحفيون أثمانا باهظة نتيجة مواقفهم، (ثمن الكلمة) ظل فادحاً طوال الحقب السابقة، لقد مضى محمد طه شهيداً للكلمة. واقعة أخرى دموية شهدها بلاط صاحبة الجلالة إبان فترة مايو، إنها حكاية محمد مكي محمد التي أعادت نشرها صحيفة (التيار) نفسها في حلقات مشوقة بقلم الأستاذة هويدا سر الختم، جريمة اغتيال مكي الشهير بمكي الناس ظلت لغزا غامضاً ومحيراً رغم تراكم السنوات عليها، مكي كان صيداً سهلاً لوجوده في بيروت، وتم اختطافه من قبل قوة مسلحة في شارع الحمراء وأجبرته على ركوب سيارة عبرت به الحدود إلى سوريا، الطائرة التي حملته قطعت به أجواء عدن إلى الخرطوم، بعيد ذلك تضاربت الروايات حول مصيره، ولكن أكثرها تداولاً يقول إن جنود استلموا الرجل صاحب القلم المناهض لنظام نميري ساعتها – وخفوا به إلى مزرعة في الباقير حيث تعرض لأبشع أنواع "التعذيب" لانتزاع معلومات منه عن المعارضة وتحركاتها ثم أُجهز عليه، وهناك رواية تقول إن جثمانه أُذيب في حامض كيميائي، حادثة مكي صاحب القبر المجهول وبعدها حادثة محمد طه هي الحوادث الأكثر بشاعة في بلاط صاحبة الجلالة، وأخيراً حجز صاحب التيار مقعده مكرها ضمن المعتدى عليهم، لكن الأخبار الجيدة تبقى: عثمان بخير.
فرق شرطية ذات مستوى رفيع تحقق في حادثة عثمان ميرغني
وأصدرت الشرطة بيانا أوضحت فيه أن الاعتداء على عثمان ميرغني وقع من ملثمين مجهولين قبيل الإفطار، وأن الشرطة تحركت إلى موقع الحادث فور تلقيها البلاغ، ولم تعثر على الجناة، ونقل شهود عيان بحسب بيان الشرطة: "أن الاعتداء وقع بعصي من شخصين ملثمين كانا يستقلان عربة لاندكروزر".
وكشف البيان عن تكوين فرق من الشرطة للبحث وجمع المعلومات والتحري بمستوى رفيع، وأنها شرعت في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لكشف ملابسات الحادث.
وحسب شهود عيان، فإن المسلحين أبلغوا رئيس التحرير عثمان ميرغني قبل أن يعتدوا عليه بأن موقفه من غزة "مخزٍ".
وكان يتحدث أفراد من المعتدين، أثناء، الإعتداء عن (... المعارك المسلحة في فلسطين.. والمُخذِّلين عن الجهاد)..
وكان عثمان ميرغني قد دخل في مساجلات بشأن التطبيع مع إسرائيل عبر برنامج تلفزيوني، وعلى زاويته المشهورة "حديث المدينة" في صحيفة "التيار".
ورد ميرغني على منتقديه بأن الحلقة التلفزيونية جرى تسجيلها قبل نحو ثلاثة أسابيع، لكنها بثت في توقيت وصفه بالغريب بالتزامن مع الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، مبدياً قناعته الشديدة بما طرحه.
ونبه الأمين العام لهيئة علماء السودان أ. د محمد عثمان صالح إلى خطورة الدعوة للتطبيع مع الكيان الصهيوني في هذا التوقيت
حتى لا يطير الدخان: عوامل عدَّة قادت إلى أن يعتدي مجهولون يحملون السلاح على فريق من الصحافيين داخل صحيفتهم.. لصالح من يستهدف رأس عثمان ميرغني؟
اليم التالي: الخرطوم يوسف حمد
بالنسبة لمساعد رئيس الجمهورية، الدكتور إبراهيم غندور، فإن ما حدث من هجوم على صحيفة التيار في مبانيها، وإصابة رئيس تحريرها عثمان ميرغني في رأسه، أمر "لا يشبه أخلاق السودانيين". ربما كان غندور محقاً في عبارته وهو يدين الحادثة أمام زملاء ميرغني من الصحافيين ورؤساء التحرير الذين رابطوا مساء أمس (السبت) في واجهة مستشفى الزيتونة للاطمئنان على صحته وهو في الغيبوبة. لكن ما أثبته شهود العيان من الصحافيين أن الفاعلين كانوا سودانيين في ملامحهم، ولا تبدو عليهم غربة أو آثار من السفر الطويل.
في يوم (الأربعاء) الماضي شارك أكثر من (10) صحافيين في ورشة انعقدت للحديث عن الكيفية الذاتية التي تمكن الصحفي من أداء رسالته الصحفية وهو آمن. بالطبع، كانت المجموعة تستدعي أحداثا مشابهة من العقبات التي تكتنف الصحافة، لكن لم يكن من بين أجندة ورشتهم ما يشير إلى أنهم غير آمنين حتى داخل مكاتبهم. يقول الصحافي المعتدى عليه بصحيفة التيار، سامي عبد الرحمن: "لم أكن أتوقع أن توجه لي فوهة بندقية داخل مكتبي، لقد كان الأمر فوق توقعاتي وتوقعات زملائي".
وسواء كان المعتدون يشبهون أخلاق السودانيين أم لا، فإن الحادثة تشير إلى أن العاصمة الخرطوم تتحرك بخطى حثيثة وسريعة نحو الفوضى، وربما اكتنفتها عدوى ما يحدث في المدن الليبية من تفجيرات لمباني الصحف والمحطات التلفزيونية.
والأمر كهذا، لا يرى كثير من الصحافيين حكمة في الركون إلى أن الفعل قام به شذاذ شذوا عن الخلق السوداني، ومضوا ليحملوا السلطات مسؤولية اعتداء مسلحين مجهولين على صحيفة التيار، ويطالبوها بالإسراع في الوصول إلى الجناة وتقديمهم لمحاكمات علنية.
وفي كل الأحوال، لقد تجنَّدت عوامل سياسية عدَّة هي التي قادت إلى أن يعتدي مجهولون يحملون السلاح على فريق من الصحافيين داخل صحيفتهم، من بين هذه العوامل تطل نظرة الدونية التي يجدها الصحافيون من شخصيات سياسية ذات وزن، وظلت لعدة سنوات تقمع بغير القانون. والآن بالنسبة للصحافيين بات من الملح معرفة الجهة المستفيدة من الاعتداء على صحيفة التيار ورئيس تحريرها وصحفييها، ولمن ترسل رسائلها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.