بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    حتى لا نخسر ما كسبناه    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النموذج التركي وتوهان بوصلة الإسلاميين .. بقلم: مصدق الصاوي
نشر في سودانيل يوم 11 - 08 - 2014

هل يمكن اعتبار تجربة حزب العدالة التركي نموذجا "اسلاميا" للحكم ؟
تفتخر و تعتد كثيرا من الحركات والأحزاب الاسلامية بتجربة حزب العدالة التركي باعتبارها مثالاناجحا للنهج الاسلامي في الحكم . فما هي حقيقة وفحوى هذا الافتخار الشائع في وسائط الاسلاميين عامة ( والسودانيون منهم خاصة ) . ما هي اسبابه ومراميه؟
ارجو ان اوضح اولا بأن لا اعتراض لدي بأن يفتخر الاسلاميون ، أو غيرهم ، بالنجاح الذي احرزه حزب العدالة التركي في المجال الاقتصادي مثلا ، ولكن إعتراضي ينصب على ان يتم "تجيير" هذا النجاح لأيديلوجية محددة. ولتوضيح ما اقصد : نعلم ان جمهورية الصين الشعبية "وتحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني" اصابت نموا اقتصاديا غير مسبوق ولكن لا الحزب الشيوعي ولا المواطنون الصينيون "يجيرون" هذا النمو الى الأيدلوجية الماركسية او الى افكار الزعيم ماوتسي تونغ بحيث تفتخر به كافة اطياف الشيوعية العالمية من كوبا الى السودان . وذلك لعلمهم بأن تصريحا كهذا يعد كذبا مفضوحا يتنافى مع كثير من "ثوابت" الماركسية . ويتكرر نفس المنطق في شرح ما يجرى في دولة البرازيل في فترة رئاسة الرئيس لولا المعروف باتجاهاته النقابية اليسارية.
للنظر عن قرب ولفهم سياسات وممارسات حزب العدالة التركي اود هنا أن ألقي نظرة سريعة على تاريخه وظروف نشأته.
تأسس الحزب في ظروف مخاض كبير في التجربة السياسية التركية. فقد ظهر للوجود نتيجة انشقاق بعض الاسلاميين المنضويين تحت راية حزب الرفاه الذي اسسه المهندس نجم الدين اربكان، وذلك عقب الانقلاب العسكري (الصامت)، مدعما بالاعلان الدستوري الذي اطاح بحزب الرفاه على الرغم من فوزه في الانتخابات التركية في عام 1997. يأتي انشقاق هؤلاء الاسلاميين على خلفية ان حزب الرفاه فشل في طمأنة الجيش وبقية ألوان الطيف السياسي التركي (من غير الاسلاميين)، و الكتلة السياسية الغربية على صدق نواياه وتوجهاته في الحفاظ على النهج الديمقراطي وكفالة الحريات السياسية والاقتصادية دون تدخلات تضر بالوضعية الحالية للدولة (العلمانية) . فقد كان حزب اربكان (الرفاه) يتمسك ببرنامج حزبي واضح المعالم يسعى من خلاله الى "اسلمة" الحكم في تركيا. فالمهندس اربكان ، الذي عمل وزيرا سابقا في حكومة اجاويد ،وبحكم خبراته السابقة حينما كان يعمل مهندسا مرموقا بدولة المانيا ، تبنى مشروعات صناعية كبرى اراد من خلالها تأكيد استقلالية تركيا اقتصاديا من ربقة الاستقطابات الغربية، والسير في هذا الدرب يعتبر من المحرمات "الغير معلنة" التي لا تتقبلها المؤسسات السياسية والاقتصادية الغربية. كما تبنى الحزب ضمن هذا المشروع الاستقلالي مشروعا آخرا يؤسس لبناء تكتل اسلامي "أممي" يضم اقوى ثمان دول اسلامية ينافس بها المحاور الأوربية والأمريكية. هذا الاتجاه والنهج الأربكاني جعل الكل في الصعيد الآخر ( اوربا وامريكا والأحزاب الغير اسلامية في تركيا ) يتوجس من المرامي البعيدة للمشروع. فجاء دور العسكر وغلاة الأتاتوركية فأفسدوا على الحزب فوزه الانتخابي بالدعوى الدستورية التي تم فيها حظر نشاطه مما دفع بعض الناشطين فيه ، والذين كانت لهم خلافات سابقة مع اربكان ،إلى اعلان الإنشقاق وتأسيس الرافد الجديد حزب العدالة والتنمية بقيادة اردوغان وجول . لم يكتف الحزب الجديد فقط بتقبل نتائج الانقلاب /الحكم الدستوري ، بل ذهب ابعد من ذلك لطمأنة الجيش والأحزاب غير المنضوية في تجمع الاسلاميين بأن الحزب لن يسعى لاسلمة الدولة التركية وذلك باعلان تخليه عن كثير من "الطموحات " الاسلامية التي كانت في برنامج حزب الرفاه الأربكاني . فقدم تنازلات كبيرة فيما يخص الحجاب اذ لم يقم حزب العدالة بترشيح محجبة للبرلمان بل كانت جميعهن سافرات عكس اربكان الذي كان مصرا على ايصال المحجبات الى قبة البرلمان وفعلا نجح في ذلك، واسقط عقوبة الزنا ( المنصوص عليها في القانون التركي – العلماني ) . وفي المجال الاقتصادي أكد رئيس الوزراء ارودغان على قناعته بأن "لا اقتصاد من دون فوائد" . وصلت فحوى هذه الرسائل الى مراكز صنع القرارات السياسية والاقتصادية الغربية فآتت اكلها سريعا حيث بلغ حجم تعاملات الأعمال الغربية في البورصة التركية 65 مليار دولار ، وبلغت الودائع الغربية في البنوك التركية ما يقدر ب 70% من الجملة الكلية للودائع ، تدفع عليها البنوك التركية فوائد هي الأكبر من نوعها في أوربا . اي أن المحصلة النهائية هي دمج كلي للإقتصاد التركي في الاقتصاد الراسمالي العالمي. اما على الصعيد العسكري واللوجستي فقد سمح الحزب لقوات الأطلسي باستعمال المطارات التركية لضرب العراق في 2003 . كما ابدى ايضا عدم ممانعته في ايصال المياه لاسرائيل. لخص الرئيس عبد الله جول الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية مسلسل تنازلات الحزب بالآتي-: "لقد انهارت حضارتنا الإسلامية، ولابد من تغيير قيمنا تبعا للواقع الجديد"..!!
من العرض السريع اعلاه ندرك ان حزب العدالة ابتدأ مشواره السياسي وهو يعي تماما قدراته الذاتية وامكانيات الطرف الآخر. ولم يبدأ مشواره بالعناد العقائدي المبني على شعارات انتخابية يمكن التلاعب بها حسب الحاجة الوقتية . وهذه تحسب للحزب باعتبار انه كان امينا مع اطروحاته المتماشية مع الواقع السياسي والاقتصادي الماثل امامه. وهذا بالضبط اتجاه مغاير تماما لكل تصورات وتفكير النخب الاسلامية العربية التي تبدأ وتنتهي بالشعارات العقائدية التي سرعان ما تنهار حينما تصطدم بالواقع عند كل تجربة عملية (السودان ومصر كمثال). وعلى الصعيد الاقتصادي الداخلي التركي وعلى غير ما درج عليه الحزبان الكبيران اللذان كانا يتناوبان الحكم في تركيا، فقد اهتم حزب العدالة بالريف. وذلك خلافا لما درج عليه الحزبان من اهتمام بالمدن التركية الكبيرة والعناية بمصالح الرأسمالية التركية المرتبطة بهما و إهمال الريف أهمالا كبيرا. ومع التدفقات الكبيرة لرؤوس الأموال من الشرق والغرب انفتح الحزب على قواعده بالريف وساعد في تمويل وانشاء العديد من البنيات الصناعية الصغيرة والمتوسطة) نمور الأناضول) وبتكاليف أقل نسبة لتدني اجور العمالة هنالك ( مقارنة بالمدن). ومن هنا كان التدفق الكبير للإنتاج التركي الذي لا تخطئه العين. وهذا ايضا يخالف ما سارت عليه الانتلجنسيا الاسلامية. فبمقارنة بسيطة لحصاد ربع قرن من الهيمنة السياسية المطلقة للاسلاميين في السودان نلاحظ انهم بدلا من السعي لتوفير مقومات الحياة والانتاج في الريف، قاموا بتتشجيع هجرة سكان الريف الى المدن بالاغراءات تارة أوبالإهمال الشنيع تارة اخرى أوبويلات الحروب التي لم تنقطع ابدا. فلا استفاد المواطن القادم من الريف من هذه الهجرة ولا كسبت المدن و المترهلة خيرا.
ولنكن اكثر تحديدا، ففي بداية القرن الحالي توفرت للسودان اموال ضخمة من عائدات البترول اضافة الى جذب الكثير من المستثمرين من الدول العربية والاسيوية و الغربية لكن جل هذه الأموال والاستثمارات ضاعت هدرا وفسادا بسبب تركيبة نظام الحكم اللا ديمقراطي والتي لا تعتمد الشفافية ولا تعنى بعدالة توزيع السلطة والثروة من منظور استراتيجي للتخطيط الاقتصادي. فإذا قدر للاسلاميين السودانيين اتباع نهج حزب العدالة الاقتصادي في توزيع الثروة ، بشيئ من العدالة ، بين المدن والأرياف لتفادينا اليوم الكثير من مشكلات الحروب في الهامش ولتم وقف الهجرة من الارياف للمدن ولربما شهدنا صعودا وازدهارا لمدن اقليمية كثيرة كنيالا وكوستي والرهد ودنقلا والقضارف والضعين وسنار وعطبرة...الخ.
لكنني اعتقد بان الاسلاميين السودانيين (والمصريين ) ، وبوضعيتهم السياسية الحالية ، لا يجرأون على تبني اي من الخيارات التي التي تبناها حزب العدالة بكل شفافية وامانة لا تتوفر لدى كثير من الحركات والأحزاب الاسلامية ( العربية منها على الخصوص ) . ولنا في زيارة اردوغان السابقة لمصر ، قبيل الإنتخابات التي فاز فيها مرشح الاخوان الدكتور مرسي، دلالات كبيرة على التناقض في مواقف الاسلاميين المصريين إزاء تجربة حزب العدالة. فقد احتفت كافة الوان الطيف الاسلامي المصري بهذه الزيارة وهبت لإستقباله استقبال الفاتحين العظام. لكن الرجل "كتل الدش في ايدهم" وصب عليهم ماء باردا بتصريحه الذي لم يكن يقبل اي تأويل آخر " نحن دولة علمانية " . غضب الاسلاميون المصريون من تصريحات اردوغان التي جاءت في الوقت الذي كانوا يملؤن فيها الدنيا بشعاراتهم الانتخابية البراقة "الاسلام هو الحل " . فلا يمكنهم التراجع عنها .. ولذلك بدأوا في مهاجمة تصريحاته فهي تارة "لا تعنيهم" وتارة اخرى "ليس شرطا عليهم ان يأخذوا التجربة التركية بحذافيرها" ..الخ . لماذا ؟ لأنهم لو آمنوا بطرح اردوغان فسوف يفقدون اهم "الكروت" التي يستخدمونها في دعايتهم الانتخابية والمعتمدة اساسا على الهلاميات والعموميات "البراقة" المرتكزة على روايات بديعة عن الرجوع للعصور الاسلامية الزاهية دون ان يكون هنالك فهم نقدي وعملي لكيفية تحقيق هذا الرجوع انطلاقا من الواقع المعاصر. وبهذا المسلك ايضا يريدون إظهار تجربة النجاح الاقتصادي التركي كأيقونة ، ورمزا متعاليا على النقد والتمحيص . وهنا تكمن الكارثة . فعند ايلولة الحكم لهم ، كما حدث في السودان في 1989 ، ودخولهم في "المعمعة" الواقعية لإدارة الاقتصاد وقف حمار شيخهم في العقبة وبدأت الورطة . ولا مناص لخروجهم من هذه "العقبة" وضمان بقائهم في الحكم الا بتدابير "ارضية" لم يمهدوا تربتها، وهي تدابير قاسية خاصة حينما تصدر عن حزب ضعيف ، مضطرب ومنكفئ على نفسه، وصل الى السلطة محمولا على ظهور الدبابات ثم عجز عن التفكير بوضوح في الشأن الاقتصادي فبرع في افتعال و تأجيج الحروب والأزمات وخلق واقع ارتجالي فوضوي ، ناتج من اتباع سياسة "رزق اليوم باليوم" ، يتخفى داخله حتى يغطي على معالم اخفاقاته الاقتصادية. كما وجد ضالته ايضا في تنشيط وإزكاء روح العصبية القبلية والجهوية اضافة الى الكبت او الضرب بعنف على النقابات ومنظمات المجتمع المدني مع تمكين شوكة الأجهزة الأمنية والعسكرية حتى ولو كان الأمر خصما على حياة آلاف ، ولربما ملايين ، البسطاء.
ثانيا وكما ظهر جليا في التجربة المصرية العداء الذي شاب العلاقة بين قيادات العمل السياسي الاسلامي والفنون والفنانين .فالمواجهات مع عادل امام والهام شاهين ومنى الشاذلي وغيرهم ومحاولات الاستيلاء على المدينة الاعلامية المصرية تقف شاهدا على توتر العلاقة بين الاسلاميين المصريين والفنانين .. وفي المقابل فقد شهدت السينما التركية ، في عهد حزب العدالة ، توسعا كبيرا ورواجا موازيا للتوسع والرواج الاقتصادي الذي شهدته المنتجات والأعمال التركية في اتجاه الدول العربية والأسيوية ( وليس بعيدا عن الأذهان رواج مسلسل نور ومهند وغيره من المسلسلات) .
اما المقارنة مع الحالة الثقافية السودانية فحدث ولا حرج فهي اكثر توترا من نظيرتها المصرية وربما تصل حد القطيعة في كثير من المواقف . ففي ربع قرن من سيادة الصفوة المتأسلمة انهارت تقريبا كل المؤسسات الفنية والثقافية حيث شهدت اكبر هجرة من نوعها للمبدعين في شتى ضروب الفن. شاهدنا وعاصرنا جلد الفنانين على مرآى من الاشهاد. بل ان الشبهات والشكوك كانت تحوم حول تورط اجهزة النظام في تدبير عمليات اغتيالات بعض الفنانين. وعلى صعيد المسرح ، الذي شهد نهضة قوية في سبعينات القرن الماضي ، الا ان العمل فيه توقف بصورة شبه كاملة ولم يتبق من ارثه الا النذر القليل من بعض الفرق. وما عدا ذلك فمعظم الفرق الصغيرة والأفراد الذين يتوفرون بكثافة في دوائر الاعلام فهم ، عن دراية او جهل ، يتماهون مع السياسة الحكومية في تكريس القبلية وهدم لحمة النسيج الاجتماعي بالتندر على القبائل والاثنيات والبسطاء . اما مؤسسات الغناء والموسيقى السودانية فلم تكن احسن حالا. فبعد ان شهدت طفرات كبيرة خصوصا بعد تخريج دفعات من معهد الموسيقى والمسرح صارت عجلة الغناء والموسيقى تدورالى الخلف واصبح الغناء مجرد اجترار للماضي والتخشب فيه . وعلى العموم نلاحظ هنا بأن الانحدار لم يقف عند مستوى الآداب والفنون، بل طال كل شيئ فلا يكاد يذكر في طول فترة حكم الاسلاميين انتاج مميز للقصة القصيرة او الرواية او اي انتاج ادبي او فني مماثل الا ما ندر " وغالبا ما يكون هذا الانتاج المنفلت متعارضا مع النهج السياسي للسلطة "،. هذا الانحدار لم يستثن شيئ بما في ذلك انتاج المؤلفات الدينية. وهنا نلاحظ بأن الانحدار الذي طال المؤسسات الثقافية يجري على قدم وساق موازيا للانحدار الاقتصادي . عكس ما يجري من ازدهار في تركيا على هذين المستويين . وهذا راجع الى الموقف السياسي الحر وكفالة الحريات والبناء المؤسسي لها في المجتمع التركي . فكلما فتح باب الحريات واسعا لعامة الشعب بمختلف رؤاه الايدلوجية والدينية والاثنية كلما برزت طاقات ومواهب جديدة تضخ الدماء في شرايين المناحي الحياتية المختلفة في الاجتماع و السياسة و الفنون و الاقتصاد . هذه كلها امور مرتبطة ببعضها البعض ومفتاحها هو صون وكفالة الحريات وعدالة في توزيع السلطة والثروة . لكن "هؤلاء" الاسلاميون لا يعون جيدا هذا الرابط بين كفالة الحريات والنمو الاقتصادي والروحي.
اذا نحن هنا ازاء موقفين متناقضين للنخب الاسلامية . موقف حزب العدالة المبني على دراسة امينة للواقع السياسي والاقتصادي والتي يرسم وينفذ الحزب على ضوئها برنامجه للبناء والتنمية حتى ولو تعارض مع منطلقاته العقائدية . وموقف آخر يصر، إن شئت ، على الالتزام "بالثوابت" العقدية ولي عنق الواقع لتحقيق هذه الثوابت .الا ان ما يدعو للحيرة حقا هو اعتقاد الطرف الثاني ( الملتزم بالثوابت ) بأن الطرفين ، رغم التناقض الواضح بينهما ، يمثلان نهجا ايديولجيا واحدا ويحق لكل طرف الافتخار بانجازات الطرف الآخر؟؟. وتلك ، في رايي ، مفارقة فكرية وايديولوجية لا بد من تناولها بشفافية لمعرفة اسبابها ومدلولاتها . فإما ان يعترف الاخوة الاسلاميون في السودان بأن نهجهم هو السليم فيكون لزاما عليهم حينئذ نقد تجربة حزب العدالة او اتخاذ موقف واضح منها، لعدم التزامها بما التزموا هم به عقديا ( محاربة الربا في المصارف ، قوانين النظام العام ، جلد النساء غير المحتشمات ، جلد متعاطي الخمور الذي تسبب مؤخرا في موت بعضهم ، قوانين تحريم الزنا والردة ...الخ ) او الاعتراف بأن ما استحدثه حزب العدالة من سياسات يقع ضمن المقبول اسلاميا ( العمل بالفوائد الربوية ، الالتزام الصارم بكل مقررات حقوق الانسان حتى وان تعارضت مع "الثوابت" ....الخ ) وفي هذه الحاله عليهم تبني اطروحات هذا "النموذج الاسلامي الناجح"، كما هي، لتصحيح تجاربهم وسياساتهم الفاشلة . فإن فعلوا اي من الخيارين السابقين يحق لهم حينئذ الافتخار بنجاح "نموذجهم الاسلامي" .
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.