السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    لجنة (الجاز).. المريخ (هوَ اللي بيطلع جاز)..!!    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    المنصوري يتعهد بتقديم الدعم لتنمية الثروة الحيوانية بمحلية الحصاحيصا وجامعة الجزيرة    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    مان سيتي يسرق الفوز من ليفربول    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لجنة الانتخابات السُّودانية من "سُكومار سن" إلى "مختار الأصم" (4) .. بقلم: د. أحمد إبراهيم أبوشوك
نشر في سودانيل يوم 29 - 08 - 2014


قراءة تقويمية؟
[email protected]
مقدمة
كان من المرجَّح أن تُسهم الانتخابات البرلمانية لعام 1965م في إعادة البناء الديمقراطي وفق شعارات انتفاضة أكتوبر 1964م، التي كانت تنادي بالانعتاق من القديم الموروث في مجال العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة هيكلة التنظيم السياسي والأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية، ثم تقويم قضية الوحدة الوطنية وإسقاطاتها السالبة في جنوب السودان؛ إلا الحكومة الائتلافية أدارت ظهرها لتلك الشعارات، آثرةً الحفاظ على إرثها السياسي القديم، وصراعها التقليدي في السلطة ومناصبها الدستورية، المتعلقة بسلطات مجلس السيادة وسلطات مجلس الوزراء الإدارية والتنفيذية. وكان واضحاً منذ البداية أن رئيس مجلس السيادة إسماعيل الأزهري لم يكن راضياً بسلطته الرمزية، بل كان يتطلع لممارسة سلطات رئيس الوزراء التنفيذية والإدارية، وخاصةً تمثيل السودان في مؤتمرات القمة العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، وكتلة عدم الانحياز، الأمر الذي أوقعه في خلاف مرير مع رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب. ولذلك هدد رئيس مجلس السيادة في أكثر من مناسبة بفضِّ الائتلاف القائم بينهما (الأمة والوطني الاتحادي)، وإسقاط الحكومة إن لم تجب مطالبه. وفي تلك الأثناء انشق حزب الأمة إلى جناحين، أحدهما بقيادة الصادق المهدي، وثانيها بقيادة محمد أحمد محجوب، ورعاية الإمام الهادي المهدي. وقد أسهم هذا الانشقاق في طرح الثقة في حكومة محمد أحمد محجوب، وانتخاب الصادق المهدي رئيساً للوزراء في حكومة ائتلافية مع الوطني الاتحادي؛ إلا أنها لم تدم أكثر من عشرة أشهر، إذ طُرحت الثقة في رئيس وزرائها، وحلَّ محلها ائتلاف جديد بين الاتحاديين وحزب الأمة الذي يتزعمه محمد أحمد محجوب. وإلى جانب هذا الصراع الحزبي القديم برزت قضية قانون حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية في نوفمبر 1965م، بحجة أنهم فقدوا شرطاً من شروط الأهلية، وذلك بانتمائهم إلى حزب يروج للشيوعية والإلحاد، وعدم الاعتقاد في الأديان السماوية. وبناءً على ذلك تمَّ حلّ الحزب الشيوعي السُّوداني، وجميع التنظيمات المماثلة وفق النص الوارد في البند الثاني من المادة الخامسة المعدلة من دستور السُّودان المؤقت لسنة 1964م. وقد أحدثت هذه القضية صراعاً دستورياً عنيفاً بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، أفضى في خواتيمه إلى استقالة بابكر عوض الله، رئيس القضاء آنذاك.
وفي هذا المناخ السياسي الملبد بغيوم المؤامرات الحزبية وصراعات السلطات الثلاث حُلَّت الجمعية التأسيسية بقرار سياسي، وتمّ الإعلان لانتخابات برلمانية في ديسمبر عام 1967م. نتناول في هذه الحلقة الرابعة الإطار الدستوري والقانوني لانتخابات عام 1968م، ثم نحلل الدور الذي قامت به لجنة الانتخابات العامة، ومدى التزامها بمعايير النزاهة المهنية والحياد السياسي في إدارة العملية الانتخابية، وما طبيعة التحديات التي واجهتها؟
لجنة الانتخابات العامة
وفقاً للمادة 43 (1) من دستور السودان المؤقت المعدل لعام 1964م، أصدر مجلس السيادة- بعد التشاور مع مجلس الوزراء- قراراً بتعيين اللجنة القومية للانتخابات في ديسمبر 1967م من السادة الطيب الخليل الطيب رئيساً، وعثمان علي النو عضواً، ومنوه مجوك عضواً، وعبد الماجد عوض الكريم سكرتيراً. وعقدت اللجنة أول اجتماع لها في 27 ديسمبر 1967م. وتلت ذلك الاجتماع سلسلة من الاجتماعات؛ لوضع اللوائح الإجرائية والتنظيمية، وتعيين لجان الانتخابات على مستوى المديريات؛ وتنظيم المؤتمرات التنويرية للناخبين، والدورات التدريبية لضباط الانتخابات والكوادر الفنية المساعدة لهم.
لجنة الانتخابات وتسجيل الناخبين
نتيجة لتصاعد الصراعات السياسية لم تتمكن الجمعية التأسيسية من إجازة الدستور الدائم للسودان، وإجازة قانون الانتخابات البرلمانية، ولذلك لجأت لإصدار قانون منفصلٍ لتسجيل الناخبين في 19 ديسمبر 1967م، وبعد حل الجمعية التأسيسية، أصدر مجلس الوزراء قانون انتخابات الجمعية التأسيسية لعام 1968م، بموجب أمر مؤقت في 12 فبراير 1968م، وكان القانون في جوهره متسقاً مع القوانين السابقة له من حيث الصياغة القانونية والإجرائية؛ إلا أنه اختلف عنها في النقاط الآتية:
أولاً: ألغى القانون الجديد النصَّ الخاص بدائرة الخريجين ذات المقاعد الخمسة عشر التي أقرَّها قانون الانتخابات لعام 1964م؛ وبذلك اُقتصرت الانتخابات على الدوائر الإقليمية (الجغرافية) البالغ عددها 218 دائرة.
ثانياً: عَدَّلَ القانون بعض العبارات والنصوص القانونية المرتبطة بشروط إقامة الناخب في الدائرة الانتخابية كما يلي:
أ. يُعَدُّ الشخص مقيماً إقامة عادية في دائرته الانتخابية حتى لو غاب عنها لفترة مؤقتة.
ب. يُعَدُّ عضو الجمعية التأسيسية أثناء فترة عضويته مقيماً إقامة عادية في الدائرة المقيد فيها اسمه ناخباً، بالرغم من غيابه عنها بسبب أداء واجباته التشريعية بالجمعية التأسيسية.
ج. لا يُعَدُّ الشخص مقيماً إقامة عادية في أية دائرة انتخابية لمجرد أنه يمتلك أو يؤجر فيها منزلاً للسكن.
د. فَسّر القانون كلمة "سوداني‘‘ لتشمل الذكور والإناث صراحة، ولم يكن هذا التوصيف واضحاً في القانون السابق، لأنه اكتفى بوضع كلمة "سودانيّ" مجردة لتشمل ضمناً المرأة والرجل.
ه. استثنى القانون الرُّحّل وشبه الرُّحّل من شرط الإقامة، وَأَوْكَل أمر تسجيلهم لعُمد ومشايخ الفرقان التابعين لها.
و. أضاف القانون مادَّة جديدة تقضي بمعاقبة أي شخص يقيد أو يحاول أن يقيد اسمه في أكثر من دائرة انتخابية، أو يقيد أو يحاول أن يقيد اسماً غير اسمه الحقيقي. وحُددت عقوبة هذه الجناية بالسجن، أو الغرامة، أو العقوبتين معاً.
وبناءً على هذه التعديلات الإجرائية أصدرت لجنة الانتخابات العامة جدولاً بتواريخ تسجيل الناخبين، يبدأ في 13 يناير 1968م، وينتهي في 28 فبراير 1968م. وتمَّ إعداد السجل الانتخابي عن طريقة التسجيل المباشر، حيث يتقدم الناخب بشخصه لضابط التسجيل المختصّ، وبعد التعرف عليه يسجل بالكشف، واستثنى من ذلك الرُّحّل وشبه الرُّحّل، حيث تمَّ تسجيلهم بكشوفات أعدّها المشايخ والعمد والسلاطين وزعماء العشائر، وهو الإجراء نفسه الذي اُتبع في انتخابات عام 1965م. وبعد نهاية فترة التسجيل تم نشر الكشوفات النهائية للمسجلين بتاريخ 25 مارس 1968م في الأماكن العامّة، وبعد انتهاء فترة الطعون، تمَّ اعتماد السجلات الانتخابية، وتسليم نسخاً منها للمرشحين، والأحزاب السياسية، والعمد، والمشايخ، تحقيقاً لشفافية التسجيل، وقانونية السجل الانتخابي. وقد سجلت انتخابات عام 1968م ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الناخبين المسجلين مقارنة بانتخابات عام 1965م. انظر الجدول أدناه.
عدد السكان، والدوائر الانتخابية، والمسجلون من الرجال والنساء
لم تواجه لجنة الانتخابات أي شكاوى تُذكر بشأن التسجيل؛ إلا تلك التي ارتبطت بتسجيل الرُّحّل الذين لم يشملهم شرط الإقامة، أو بقبول أو رفض ضباط التسجيل بتقييد أسماء بعض المتقدمين للتسجيل بسبب التشكك في هويتهم السودانية. وانحصرت مثل هذه الشكاوى في دوائر القضارف، والجزيرة، ومناطق جنوب النيل الأزرق، حيث يكثر العمال الموسميين من أصول غرب إفريقية؛ وجميعها أُحيلت للسلطات القضائية المختصة للنظر فيها. أما النمط الثاني من المشكلات الانتخابية فقد ارتبط باستغلال بعض شاغلي المناصب الدستورية نفوذهم الوظيفي لمصلحة بعض الجهات السياسية، بدليل أن لجنة الانتخابات لفتت نظر الحكومة لمنع بعض الوزراء من استخدام مقدرات الدولة لخدمة مصالحهم الذاتية أثناء سير العملية الانتخابية، وأوصت بتحديد زياراتهم للأقاليم، إلا للأعمال الرسمية التي تقتضيها متطلبات عملهم التنفيذية أو الإدارية. وطالبت اللجنة وزارة الحكومة المحلية بتحذير العاملين في الإدارة الأهلية من نُظّار وشيوخ وعُمَد من استغلال نفوذهم وسلطاتهم لمصلحة أي طرف في الانتخابات؛ لأنه نما لعلمها أن بعضهم حاول استغلال نفوذه الوظيفي لمصلحة جهات سياسية بعينها. وطلبت اللجنة أيضاً من الهيئة القضائية بأن توجِّه رؤساء المحاكم الأهلية بألا يمارسوا نفوذهم على الناخبين بُغية تحقيق كسب سياسي-حزبي في دوائرهم الانتخابية.
لجنة الانتخابات ومشكلات التصويت
حددت اللجنة العامة للانتخابات بداية التصويت في 18 أبريل 1968م في جميع الدوائر الانتخابية، بَيْدَ أن عملية الاقتراع نفسها قد استمرت لفترات متفاوتة، استغرقت يومين في بعض دوائر المدن والمناطق الحضرية، يوم للرجال وآخر للنساء، وامتدت إلى خمسة عشر يوماً في بعض الدوائر الريفية، وذلك لقلِّة مراكز الاقتراع، وبُعد المسافات في مناطق الرُّحّل، وتردي الأحوال الأمنية وسوء المواصلات والطُّرق في بعض دوائر المديريات الجنوبية، فضلاً عن تعذر الحصول على أعداد كافية من الموظفين ورجال الأمن والعربات. ولم تكن هذه الظواهر السالبة حكراً على انتخابات عام 1968م، بل كان لها انعكاساتها أيضاً على الانتخابات السابقة.
طبقت اللجنة العامّة للانتخابات نظامي التصويت بأوراق الاقتراع، كما استخدمت نظام البطاقات الكيفية نفسها التي اتبعت في الانتخابات الماضية، حيث أُجريت عملية التصويت بأوراق الاقتراع وعن طريق الصندوق الواحد في 109 دائرة، جميعها كانت في المديريات الشمالية حيث يرتفع وعي الناخبين. وتعتمد هذه الطريقة على منح الناخب بطاقة انتخابية واحدة تحوي رموز كل المرشحين في الدائرة، وعلى الناخب أن يؤشر بالقلم على مرشحه المفضل، ثم يضع بطاقته الانتخابية في صندوق الاقتراع. أما نظام بطاقات التصويت، أو طريقة الصناديق المتعددة، فقد طُبِّق في عددٍ محدودٍ من دوائر المديريات الشمالية، وفي جميع الدوائر بالمديريات الجنوبية، ولعله من قبيل الصدفة المحضة أن بلغ عدد دوائر التصويت بالبطاقة 109 دائرةٍ.
استلمت لجنة الانتخابات بعض الشكاوى المرتبطة بهُوية الناخب، أو سِنِّه، أو أنه قد صوّت أكثر من مرة، وتمَّ تحويلها إلى الجهات القضائية المختصة، وصدرت بشأنها أحكام تحت بند "الأساليب الفاسدة". وقد نبهت اللجنة المواطنين إلى قانون الأساليب الفاسدة، وقامتْ بنشر مقتطفات منه عبر وسائل الإعلام المختلفة. ولمنع ظاهرة إدلاء بعض الناخبين بأصواتهم أكثر من مرّة استخدمت اللجنة مادة صابغة توضع على يد الناخب قبل الإدلاء بصوته، ولا تزول هذه العلامة بسهولة. وقد سبق أن استخدمت هذه الوسيلة مرّة واحدة في انتخابات عام 1958م، ولكنها ألغيت في اليوم الأول للاقتراع، بدعوى أنها تسبب تعطيلاً لعملية الاقتراع؛ إلا أنها أثبتت جدواها في انتخابات عام 1968م، لأنها قللّت بشكل كبير من احتمال التصويت أكثر من مرّة من جانب بعض الناخبين.
دلّت إحصاءات اللجنة العامّة للانتخابات أن عدد المواطنين الذين أدلَوا بأصواتهم في انتخابات عام 1968م بلغ 1.862.911 ناخباً من مجموع المسجلين بكشوفات اللجنة، والبالغ عددهم 3.051.118 أي بنسبة 61%، وهو عدد يدعو للارتياح، كما فاقت نسبة المقترعين إلى المسجلين أية نسبة مشابهة في الانتخابات الماضية (راجع الجدول رقم 1).
لجنة الانتخابات وفرز الأصوات
بدأت عملية فرز الأصوات في 6 مايو 1968م في جميع الدوائر الانتخابية. وشكلت لجان لفرز الأصوات على مستوى الدوائر الانتخابية، وكل لجنة كانت تضمُّ عدداً من الموظفين تحت إشراف ضابط إدارة انتخابات بالدائرة المعنية. وتوخياً للدقة والسرعة اللازمتين في فزر أصوات بعض الدوائر الكبيرة، وجهت لجنة الانتخابات العامّة، ولأول مرة في تاريخ الانتخابات البرلمانية السودانية، بتشكيل أكثر من لجنة واحدة في تلك الدوائر لتساعد في عملية الفرز، ورصد النتائج بالسرعة المطلوبة.
ظهرت أولى نتائج الانتخابات ظهيرة يوم 6 مايو 1968م، وكانت النتائج تُبرق فوراً لمكتب التلغراف الرئيس بالخرطوم، وبعد تدونيها تُنقل داخل حقيبة مقفولة إلى مقر اللجنة، لمراجعتها وإعلانها عبر إذاعة داخلية متصلة رأساً بإذاعة أم درمان. وبعد أن اكتمل وصول النتائج وإعلانها، صدر الكشف النهائي لنتائج انتخابات عام 1968م على النحو الآتي:
النتائج النهائية لانتخابات عام 1968م
يوضح الجدول أعلاه أن عدد الأحزاب والكينونات السياسية التي خاضت انتخابات عام 1968م قد ارتفع إلى ثمانية وعشرين، مقارنة باثني عشر حزباً في انتخابات 1965م، وكان من أهم مميزات التركيبة السياسية آنذاك أنَّ الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي توحدا في حزب واحد باسم الحزب الاتحادي الديمقراطي، بينما انقسم حزب الأمة إلى ثلاثة أجنحة، أحدهم بقيادة الصادق المهدي، وثانيهم بزعامة محمد أحمد محجوب ورعاية الإمام الهادي المهدي، وثالثهم بمسمى "حزب الأمة" الذي يضم مجموعة من الرافضين لصراع المعسكرين الأولين. ولاشك أن التوحد أثر إيجاباً في نفوذ الاتحاديين داخل البرلمان وخارجه، كما أثر الانقسام سلباً في نفوذ الأميين، وأضعف وضعهم السياسي في المؤسسات التشريعية والتنفيذية.
قراءة تقويمية
أوضحنا في الحلقات السابقة أنَّ نزاهة الانتخابات البرلمانية وعدالتها ترتبط بحزمة القواعد التنظيمية والإجراءات التحضيرية، ولم تكن النزاهة والعدالة وقفاً على الدور الذي تقوم به لجنة الانتخابات العامة واللجان المساعدة لها في المديريات. ولذلك نجمل قراءتنا التقويمية عن العملية الانتخابية لعام 1968م في في النقاط الآتية:
أولاً: نلحظ أنَّ الحكومة الائتلافية الثالثة قد صانت مبدأ اختيار أعضاء لجنة الانتخابات العامة نظراً لكفاءتهم المهنية، وحيادهم السياسي، وخبرتهم الفنية المتراكمة، وتمثيلهملجنوب السودان. وبناءً على ذلك تمَّ اختيار الطيب الخليل الطيب رئيساً للجنة، بحكم خبرته الإدارية والفنية السابقة في إدارة الانتخابات، وكذلك الحال بالنسبة للإداري عبد الماجد عوض الكريم، الذي عمل سكرتيراً للجنة انتخابات عام 1965م، فضلاً عن عضوية منوة مجوك وعثمان علي النو. لكن الشيء الذي يؤخذ على الحكومات الائتلافية المتعاقبة أنها لم تكوِّن لجنة دائمة للانتخابات؛ لتراكم الخبرات الفنية والإدارية، واستقرار الإجراءات الانتخابية.
ثانياً:إنَّ قانون الانتخابات لعام 1968م لم يختلف كثيراً عن القوانين السابقة له من حيث الإجراءات التنظيمية، ومن حيث الاهتمام بتقديم المصالح القطاعية الضيقة على حساب تثقيف مسار الديمقراطية الوليدة في السودان، والشاهد في ذلك إلغاء النصّ الخاص بدائرة الخريجين ذات الخمسة عشر مقعداً. وقد استندت الحكومة الائتلافية الثالثة في إلغائها لدائرة الخريجين إلى حجتين اختلف الرأي العام فيهما، تتمثل الحجة الأولى في "أنَّ تخصيص دوائر للخريجين بوصفهم فئة معينة عمل غير ديمقراطي، وأنه يؤدي خلق طبقة مميزة"، والحجة الثانية في "أنَّ تخصيص دوائر للخريجين في الماضي كان الهدف منه أنصافهم بعد الاستقلال، أما الآن فلا معنى لها". وعلِّق الدكتور إبراهيم حاج موسى على هاتين الحجتين قائلاً: "إنَّ هذه الحجج لم تكن الدافع لإلغاء دوائر الخريجين، ولكن الدافع الوحيد هو أن التجربة الأخيرة لدوائر الخريجين في انتخابات سنة 1965م أعطت الأحزاب السياسية درساً قاسياً، وأظهرت مدى انصراف الخريجين عن هذه الأحزاب ومناصرتها، حيث لم ينل حزب الأمة أي مقعد في هذه الدوائر الخمس عشرة، كما أن الحزب الوطني الاتحادي لم ينل إلا مقعدين، في حين حصل الحزب الشيوعي السوداني على 11 معقداً. فخشية أن يحتل الشيوعيون هذه المقاعد مرة أخرى، عملت الحكومة الائتلافية على استبعاد دوائر الخريجين، خاصة وأن قانون انتخابات الجمعية التأسيسية لسنة 1968م صدر بأمر مؤقت من مجلس الوزراء وبموافقة مجلس السيادة عملاً بأحكام المادة 67 من دستور السودان المؤقت المعدل لسنة 1964، وبعد حل الجمعية التأسيسية."
ثالثاً:إنَّ اهتمام الحكومات الائتلافية المتعاقبة بتقسيم الدوائر الانتخابية حسب مصالحها السياسية الضيقة كان واحداً من الأسباب التي أسهمت في تقويض النظام الديمقراطي في السودان.وإنَّ ممارسة الأحزاب السياسية الكبرى (الوطني الاتحادي والأمة) نفسها اثبت أنَّ تلك الأحزاب كانت لا تؤمن إيماناً قاطعاً بحرية الاختيار، وديمقراطية التعامل مع الآخر. ونتيجةلذلك ظهرت الانقسامات الحزبية التي شهدتها الساحة السياسية، والائتلافات الحكومية المتأثرة بتطلعات القائمين على أمرها. ويضاف إلى ذلك المبررات غير المقنعة لحل الحزب الشيوعي السوداني-وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية-بالرغم من معارضة نفر قليل من نواب الجمعية في حينها، ونذكر منهم المهندس حسن بابكر الحاج (نائب الوطني الاتحادي بدائرة مروي الوسطى)، الذي صدح برأيه في قاعة الجمعية التأسيسية، قائلاً: "رجائي أن تتركوا الحماس جانباً، وتحموا الديمقراطية التي عادت إلينا بعد تضحيات لم نبذل مثلها في معركة الاستقلال، فتأكدوا أنها ستُنزع برمتها منكم، كما انتُزعت في الماضي... ولا أريد أن أسجل حرباً على الديمقراطية. فخير لأبنائي أن يدفنون شهيداً من شهداء الديمقراطية، بدلاً من أن أعيش حيَّاً في عهد وأد الديمقراطية." فحقاً صدق حدس النائب المهندس، فقد انعكست تلك الممارسات السياسية الخرقاءسلباً على رصيد الديمقراطية في السودان، ممهدةً الطريق لوأدها في 25 مايو 1969م.
المصدر: صحيفة السوداني، 29 أغسطس 2014م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.