والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لجنة الانتخابات السُّودانية من "سُكومار سن" إلى "مختار الأصم" .. بقلم: د. أحمد إبراهيم أبوشوك
نشر في سودانيل يوم 15 - 08 - 2014


قراءة تقويمية؟
عرضنا في الحلقة الأولى الظروف السياسية والإطار القانوني اللذين أفضيا إلى تعيين لجنة الانتخابات المختلطة برئاسة السيد سكومار سن عام 1953م، وأوضحنا الإجراءات التي اتخذتها اللجنة لضمان سير الانتخابات، ودرجة التزامها بمعايير النزاهة والشفافية في تنفيذ الدور المناط بها. وقبل الولوج في عمق هذه الحلقة الثانية، وتحليل دور لجنة الانتخابات تحت رئاسة حسن علي عبد الله، نلحظ أنَّ تدهور الأوضاع السياسية في السُّودان وتصاعد حدَّة الصراع الحزبي قد قادا إلى حلِّ البرلمان عام 1957م، والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة في ظل انقسام سياسي حادٍ في صفوف الحزب الوطني الاتحادي، صاحب الأغلبية البرلمانية؛ وائتلافٍ مرحلي بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي، المنشق من الحزب الوطني الاتحادي، والمدعوم من طائفة الختمية. وفي ظل هذا الائتلاف فقد الحزب الوطني الاتحادي أغلبيته البسيطة في البرلمان، وانتقل من مقاعد الحكومة إلى مقاعد المعارضة ضد حكومة "السيدين الائتلافية"، ثم رفع الاتحاديون شعار "لا قداسة مع السياسة"، وآثروا العمل الحزبي والسياسي مع التنظيمات النقابية، والحزب الشيوعي السُّوداني، الذي كان رافضاً لهيمنة المؤسسات الطائفية والقبلية في السُّودان. وفي تلك الأجواء السياسية المضطربة أضحى موقف الساسة الجنوبيين أكثر تشدداً تجاه الفدرالية، ويتضح ذلك من مفردات الكلمة التي ألقاها الأب سترنينو لا هوري أمام البرلمان السُّوداني في يونيو 1957م، قائلاً: "إنَّ الجنوب لا ينوي الانفصال عن الشمال كهدف بحدِّ ذاته، بل يريد أن يعيش في ظل وحدة فدرالية بكامل إرادتها، ولكن الجنوب سينفصل عن الشمال حتماً بسبب الأعمال والتصرفات غير المسؤولة التي يقوم بها السياسيون الشماليون."
لجنة الانتخابات العامة
اعتمد مجلس السيادة بعد التشاور مع مجلس الوزراء الائتلافي ترشيح لجنة الانتخابات المُشكَّلة من: حسن علي عبد الله، رئيساً؛ والقاضي محمد يوسف مضوي، عضواً؛ وإندريا قوري، عضواً؛ وعبد الماجد عوض الكريم، سكرتيراً.ويبدو أنَّ اختيار هذه اللجنة قد رُوعي فيه الكفاءة الإدارية والقانونية، والخبرة الفنية، وعدم الانتماء الحزبي، والوضع الخاص بجنوب السُّودان. وقد انطبقت هذه المعايير تماماً على رئيس اللجنة الإداري حسن علي عبد الله، والأعضاء المساعدين له. بدأ حسن علي عبد الله حياته الإدارية مأموراً ثم مفتشاً، حيث عمل بمركز النهود، وسنكات، وبعض مراكز جنوب السُّودان، وتدرج في العمل الإداري إلى أن شغل منصب أول مدير سوداني لمديرية النيل الأزرق، وبعد أن فرغت لجنة انتخابات عام 1953م من المهام الموكلة إليها، تولى منصب أول وكيل دائم لوزارة الداخلية التي آلت إليها مهام السكرتير الإداري الضبطية، وقد ساعده في تنفيذ أعبائه الإدارية بوزارة الداخلية نخبة متميزة من الإداريين السُّودانيين، أمثال: ميرغني الأمين الحاج أحمد، وأمير الصاوي، وحسين محمد أحمد شرفي. وقد عُرِفَ حسن علي عبد الله بين رؤسائه ومرؤوسيه بالكفاية الإدارية العالية والانضباط المهني المتفرد.
وقبل تشكيل لجنة الانتخابات العامة برئاسة حسن علي عبد الله حدد الدستور المؤقت لسنة 1956م الإطار العام للهيئة البرلمانية المكونة من مجلسي النواب والشيوخ، وأبقى عضوية مجلس الشيوخ على خمسين عضواً، ثلاثين منهم بالانتخاب الحر، وعشرين يعينهم مجلس السيادة، واكتفت المادة 45 من الدستور المؤقت بأن يتكون مجلس النواب من أعضاء منتخبين فقط. وحددت المادة 46 عضوية مجلس الشيوخ بأربعين عاماً كحد أدني في المديريات الشمالية، وثلاثين عاماً في المديريات الجنوبية. وبيَّن الدستور أيضاً الشروط المرتبطة بسلامة العقل، والإلمام بالقراءة والكتابة، والخلو من الموانع الجنائية والمدنية، باعتبارها شروط أهلية لعضوية البرلمان. أما توزيع الدوائر الانتخابية، وتحديد عدد أعضاء مجلس النواب، وكيفية الإشراف على الانتخابات، فقد سكت عنها الدستور المؤقت، وترك تفاصيلها لقانون الانتخابات الصادر في يونيو 1957م، والقواعد الإجرائية التي أصدرتها لجنة الانتخابات التي شُكلت في يوليو 1957م. فضلاً عن ذلك فإن قضية تقسيم الدوائر الجغرافية الانتخابية قد حُسمت قبل تشكيل لجنة الانتخابات العامة، علماً بأنها كانت موطن صراعٍ بين الحزبين المؤتلفين (الأمة والشعب الديمقراطي) من طرف والمعارضة (الوطني الاتحادي) من طرف آخر.
أولاً: الدوائر الانتخابية
بناءً على توصية لجنة الانتخابات المختلطة لعام 1953م حدد قانون الانتخابات لعام 1957م معياراً كمياً لتقسيم الدوائر الجغرافية لمجلس النواب، حيث حدد متوسط سكان الدائرة الجغرافية الانتخابية بستين ألف نسمة، أي أن يتراوح حدها الأدنى وسقفها الأعلى بين خمسين وسبعين ألف نسمة، وبذلك يكون عدد نواب المجلس مماثلاً لعدد الدوائر الجغرافية. وفي ضوء الإحصاء السكاني الذي أُجرى عام 1956م، بلغ عدد سكان السُّودان 10275655 نسمة، وبموجب ذلك تم تقسيم القُطر إلى 173 دائرة جغرافية، وأُلغيت دائرة الخريجين ذات المقاعد الخمس. وكان توزيع الدوائر الجغرافية في مديريات السُّودان التسع مقارنة بانتخابات عام 1953م على النحو الآتي:-
جدول رقم 1: الزيادة في عدد الدوائر الجغرافية
يوضح الجدول أعلاه أن زيادة عدد الدوائر الجغرافية وإلغاء مقاعد الخريجين الخمسة في مجلس النواب قد حققا كسباً سياسياً لحزبي الأمة والشعب الديمقراطي في أماكن ثقلهما السياسي، وإنَّ أبقاء دوائر مديرية الخرطوم على ما كانت عليه أسهم في تحجيم نفوذ الوطني الاتحادي. ولذلك انتقد خضر حمد، سكرتير الوطني الاتحادي، ذلك التقسيم، ووصفه بأنه تقسيم معيب؛ لأنه يختلف عن التقسيم الأولي الذي أعدته نخبة من الإداريين، راعت فيه النواحي الجغرافية، ووسائل المواصلات، وكثافة السكان؛ إلا أن مجلس الوزراء، حسب زعمه، قد عبث بذلك التقرير "وقلبه رأساً على عقب، وخرج بمشروع لا يمت إلى مشروع الإداريين بصلة، بعد ذلك بدأت المساومات بين الحزبين في الدوائر نفسها، لمن تكون هذه، ولمن تكون تلك." حاول تيم نبلوك (Tim Niblock) أن يجد مبرراً لذلك التقسيم، محتجاً بأنه هدفإلى تجاوز إخفاقات تقسيم عام 1953م، الذي لم يعط اعتباراً موضوعياً للكثافة السكانية كمعيار من معايير تقسيم الدوائر الجغرافية، بدليل أن بعض دوائر الريف كان عدد سكانها يربو على 120 ألفاً، بينما كان متوسط دوائر المدن يقدر ب 43 ألفاً؛ إلا أنه استدرك وعاب التقسيم الجديد للدوائر الجغرافية لمجلس النواب، مشيراً إلى أن الزيادة في بعض الدوائر الجغرافية لم تكن قائمةً على أساس الكثافة السكانية فحسب، بل راعت في المقام الأول مصلحة الحزبين الحاكمين، معطيةً الأولوية للمديريات ذات الثقل الطائفي لحزبي الأمة والشعب الديمقراطي. وتأكيداً لهذا الزعم فإن التقرير النهائي للجنة الانتخابات العامة قد وصف المادة التي تعطي الحكومة سلطة تقسيم الدوائر الانتخابية بأنها "تشريع غير مرضي"؛ لأنها تعطي المعارضة ذريعة الطعن في عدالة التقسيم، وبناءً على ذلك طالب التقرير بتعديل قانون الانتخابات البرلمانية لسنة 1957م، وإسناد سلطة تقسيم الدوائر الانتخابية إلى هيئة مستقلة.
فيما يتعلق بمجلس الشيوخ، فقد أقر قانون الانتخابات البرلمانية لعام 1957م التقسيم الدستوري السابق الذي حدد مقاعد مجلس الشيوخ بثلاثين مقعداً انتخابياً؛ إلا أنه اشترط أن يكون الاقتراع في دوائر مجلس الشيوخ عن طريق الانتخاب الحر، وأن يكون توزيع المقاعد في المديريات التسع على النحو الآتي:
جدول رقم 2: توزيع مقاعد مجلس الشيوخ على المديريات
ثانياً: نظام الانتخابات
أقر قانون الانتخابات البرلمانية لعام 1957م نظام الانتخاب المباشر في جميع دوائر مجلسي البرلمان (النواب والشيوخ)، بمعنى أن الناخبين يقومون بأنفسهم باختيار ممثليهم دون أية وساطة، وبذلك أُلغي نظام الانتخابات غير المباشرة في دوائر مجلس النواب وكليات مجلس الشيوخ الانتخابية. وبناءً على ذلك حُددت سن الناخب بخمسة وعشرين عاماً لمجلس الشيوخ، وواحد وعشرين عاماً لمجلس النواب. اُسْتُبْعِد نظام الانتخاب بالقائمة الذي كان معمولاً به في ظلّ قانون الانتخابات المرافق لقانون الحكم الذاتي لعام 1953م بالنسبة لانتخابات مجلس الشيوخ، وأُخذ بنظام الانتخاب الفردي، الذي بمقتضاه يعطى الناخب صوته الوحيد لمرشح واحد فقط من المرشحين المتنافسين في دائرته الانتخابية. وبمقتضى ذلك وُزِّعت المقاعد المخصصة لكل مديرية إلى عدد من الدوائر الانتخابية، بدلاً من أن تكون المديرية كليةً انتخابيةً مكونةً من عدة مقاعد، كما جرى عليه العمل في انتخابات عام 1953م.
ثالثاً: الإجراءات الانتخابية
كانت الإجراءات الانتخابية من صميم عمل لجنة الانتخابات العامة التي باشرت أعمالها في يوليو 1957م، وقامت بوضع القواعد العامة للانتخابات، وفصَّلت تلك القواعد في شكل نظم خاصة بإجراءات التسجيل، والتصويت، وفرز الأصوات، وإعلان النتيجة، وعقدت عدداً من الدورات التدريبية والمؤتمرات لضباط التسجيل والانتخابات، واللجان التابعة لهم في كل المديريات، وبلغ عدد العاملين (موظفين وعمال) في انتخابات المجلسين 3072 عاملاً. وفي 19 أكتوبر 1957م بيَّنت لجنة الانتخابات العامة مسار العملية الانتخابية وفق الجدول الآتي:-
جدول رقم 3: مسار العملية الانتخابية
وبيَّن التقرير النهائي للانتخابات البرلمانية الثانية أن عدد الناخبين المسجلين للتصويت في مجلس الشيوخ يقدر ب 10%، وفي مجلس النواب ب 15% من مجموع السكان البالغ 10262674 نسمة. وسجلت الشمالية، ودارفور، وكسلا، أقل نسب تسجيل في القُطر، وعزت لجنة الانتخابات السبب في المديرية الشمالية إلى هجرة الشباب بحثاً عن العمل في داخل السُّودان وخارجه، وفي دارفور إلى عدم مقدرة ضباط التسجيل على الوصول إلى بعض المناطق الجبلية الوعرة، وفي كسلا إلى هجرة بعض قبائل الرُحَّل إلى إريتريا نسبة للجفاف الذي أصاب بعض مراعي المديرية، ودفع الرعاة إلى الهجرة بحثاً عن العشب والكلأ. ويوضح الجدول أدناه عدد الناخبين المؤهلين للتصويت في مجلس النواب، وأولئك الذين تمَّ تسجيلهم، ونسبة المسجلين من مجموع الناخبين المؤهلين في كل مديرية. ولم ندرج مجلس الشيوخ في هذا الجدول، لأن اللجنة لم تعط أي أرقام عن عدد الناخبين المؤهلين للتصويت في مجلس الشيوخ، علماً بأن فئتهم العُمرية كانت تختلف عن الفئة المحددة للناخبين في مجلس النواب، إلا أنها فصَّلت عدد الناخبين المسجلين في المديريات.
قراءة تقويمية
أولاً: أنَّ اختيار لجنة الانتخابات العامة برئاسة حسن علي عبد الله، وعضوية محمد يوسف مضوي، وإندريا قوري، وسكرتارية عبد الماجد عوض الكريم، كان خطوة موفقة من الحكومة الائتلافية وأعضاء مجلس السيادة، لتراكم الخبرات،وإنشاء هيئة دائمة ترعى شؤون الانتخابات في السُّودان، وتتمتع بكفاية إدارية وقانونية عالية، مع التزامها التام بتنفيذ المهام الإدارية والفنية التي أُوكلت إليها دون انحياز إلى أي فصيل سياسي.
ثانياً: أنَّ تقرير اللجنة النهائي عكس بعض أوجه القصور التي ارتبطت بإجراءات العملية الانتخابية، وفي مقدمتها عملية تقسيم الدوائر الانتخابية التي كانت مسار جدل بين الحكومة والمعارضة، وتحقيقاً للشفافية المهنية وتثقيف مسار العمل الديمقراطي أوصت اللجنة بأن تُوكل عملية توزيع الدوائر الانتخابية إلى هيئة ذات شخصية اعتبارية-مستقلة. ولا شك أن هذه التوصية الثاقبة كانت واحدة من التوصيات التي وضعتها لجنة الانتخابات العامة، برئاسة حسن علي عبد الله.
ثالثاً: من الشواهد التي تؤكد نزاهة لجنة الانتخابات العامة أن جميع مرشحي الحكومة الائتلافية (الأمة والشعب الديمقراطي) في مديرية الخرطوم، بما فيهم الشيخ علي عبد الرحمن الضرير، وزير الداخلية آنذاك، سقطوا في دوائرهم الانتخابية التسع، التي اكتسحها الحزب الوطني الاتحادي المعارض، وذلك باستثناء دائرة ريفي شمال الخرطوم التي فاز فيها الشيخ سرور محمد رملي، ممثلاً لحزب الشعب الديمقراطي. ولذلك جاءت نتيجة الانتخابات مقنعة لكل الأطراف المتنافسة، حيث حصل حزب الأمة على 67 مقعداً، والحزب الوطني الاتحادي على 46 مقعداً، وحزب الشعب الديمقراطي على 32 مقعداً، وحزب الأحرار الجنوبي على 24معقداً، والمستقلون على 4 مقاعد. وتؤكد ذلك أيضاً الكلمة التي ألقاها مبارك زروق، زعيم المعارضة، أمام مجلس النواب، قائلاً: "وانتهز هذه الفرصة، لأُحي من هذا المنبر رئيس وأعضاء لجنة الانتخابات السُّودانية الذين قاموا بمسئولتهم الشاقة، خير قيام، وأسهموا في بناء الديمقراطية في هذه البلاد." وعلى النسق ذاته جاءت كلمة محمد أحمد المحجوب، زعيم الأغلبية: "لقد اختار الشعب السُّوداني الديمقراطية نهجاً للحكم في هذه البلاد، وقد برهن على أنه أهل لتطبيق الديمقراطية بأمانة، وصيانتها بسياج قوي، ورعايتها رعاية تامة. والطريقة التي تمت بها انتخابات هذا المجلس في دقة، ونزاهة، وهدوء، جعلت هذه البلاد مشعلاً من مشاعل الديمقراطية، واحترام كلمة الشعب."
رابعاً: أسهم إلغاء دائرة الخريجين ذات المقاعد الخمسة عام 1957م في أبعاد القوى الحديثة من المشاركة في البرلمان؛ لأن تلك القوى، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي السُّوداني، لا تملك أي ثقل جماهيري في الدوائر الجغرافية، يمكَّنها من منازلة الأحزاب الطائفية والقوى القبلية في انتخابات عام 1958م. واستجابة لذلك التحدي فقد نجح الشيوعيون والقوى المحالفة لهم في تركيز نشاطهم خارج البرلمان في أوساط النقابات العمالية، والطلاب، والمزارعين، وتواصلوا -أيضاً- مع الحزب الوطني الاتحادي، صاحب الأغلبية البرلمانية في مديرية الخرطوم، واتفقوا فيما بينهم على كثير من القضايا الخلافية التي كانت تمس سيادة الوطن، أو تتعلق بالصالح العام. ونذكر منها إجازة الحكومة الائتلافية للمعونة الأمريكية، التي رفضتها القوى السياسية المعارضة داخل البرلمان وخارجه، ودخلت في تحدّ سافر مع الحكومة يقضي بإزاحتها من دست الحكم. وبلغ الأمر ذروته عندما بادر اتحاد طلاب جامعة الخرطوم بعقد مؤتمر شعبي في 29 أكتوبر 1958م، وتمَّت في ذلك المؤتمر إدانة الحكومة الائتلافية، وأعلن اتحاد عام عمال السُّودان إضراباً لمدة ثلاثة أيام، شلَّ حركة الحياة في السُّودان. وفي ظلّ إصرار الحكومة على تنفيذ قرارها البرلماني انضمت بعض القوى البرلمانية للمعارضة الشعبية، وتقدم أربعة من وزراء حزب الأمة باستقالاتهم من الحكومة، وظهرت الدعوة إلى تكوين حكومة قومية. وتبلور حصاد ذلك الحراك السياسي في إعلان رئيس الوزراء لحالة الطوارئ في البلاد، وتأجيل انعقاد البرلمان إلى الرابع من ديسمبر 1958م، وبذلك دخلت البلاد في حالة فوضى سياسية، مهدت الطريق لقيام انقلاب 17 نوفمبر 1958م، الذي دق اسفيناً في نعش الديمقراطية الوليدة. وبذلك نخلص إلى أن سياسية الإقصاء التي تبناها الحزبان الحاكمان عبر الوسائط الديمقراطية المشروعة كانت واحدةً من الأسباب الرئيسة التي أسهمت في تقويض الديمقراطية نفسها، وخلق قوى مناهضة لسياسات الحكومة خارج البرلمان وداخل مؤسسات المجتمع المدني. والعجيب في الأمر أنَّ هذه السياسة الاقصائية تحت مظلة "الديمقراطية المشكوك" في نزاهتها لاتزال تمارس في المؤسسات العامة، وتمثل واحدةً من المشكلات التي تعوق تطور نظام الحكم والإدارة في السُّودان.
المصدر: صحيفة السوداني، 15 أغسطس 2014م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.