وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    قرار مثير لرئيس وزراء السودان    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    مجلس السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي يجري مشاورات غير رسمية بشأن ملف السودان    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    ماساة قحت جنا النديهة    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الايقاد والسلام الاقليمي .. بقلم: محمد الغزالي التجاني سراج
نشر في سودانيل يوم 01 - 01 - 2015


يناير 2015
تختص الامم المتحدة، وخاصة مجلس الامن الدولي بحفظ السلم والامن الدوليين. وقد اقر ميثاق الامم المتحدة نظاماً متكاملاً لحل الصراعات، عن طريق استخدام وسائل متعددة ومتنوعة، لدرءها بالدبلوماسية الوقائية والتوسط لدي الاطراف المتنازعة. او استخدام القوة التي يخولها مجلس الامن الدولي بموجب الفصل السابع من الميثاق عن طريق فرض السلام Peace enforcement
ان نظام الامم المتحدة محكوم بالمنظومة الدولية ولعبة سياسة القوة، حيث ساد، خلال فترة الحرب الباردة، نظام القطبية الثنائية Bipolar system وتمظهراته المتمثلة في الحرب الباردة والحرب بالوكالةWar by proxy بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي. انصب جل مجهود المنظمة الدولية خلال تلك الفترة في منع نشوب مواجهة مسلحة مباشرة بين القوتين العظميين. ووجدت المنظمة الدولية نفسها غير قادرة علي التدخل بفاعلية في الصراعات التي تنشأ بين الدول، او داخل الدولة الواحدة. تظل تجربة الامم المتحدة في الكنفو دليلاً قوياً علي حدة الاستقطابات، حيث عبر السكرتير العام للامم المتحدة داغ همرشولد، ثاني امين عام للامم المتحدة، الذي لقي حتفه في حادثة تحطم طائرة في الكنقو في عام 1961، خلال المساعي الدولية لاحتواء الصراع الدائر حول في اقليم كاتنقا، ان الامم المتحدة كانت تحجم عن اي تدخل مباشر في الصراعات مخافة المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. جسدت تجربة قوات حفظ السلام للامم المتحدة في الكنقو، والتي كان قوامها حوالي 10 الف جندي حقيقة عدم مقدرة المنظمة الدولية للتدخل في الصراعات، خاصة الداخلية بصورة محايدة وفاعلة. دعم الاتحاد السوفيتي رئيس الوزراء لوممبا، بينما دعم المعسكر الغربي الرئيس كاسافمبو. الا ان القوات الاممية واجهت ظروفا صعبة وكانت البعثة بمثابة كارثة جعلت الامم المتحدة تنأى عن ارسال اي قوات للقارة الافريقية حتي نهاية الحرب الباردة.
نجحت الامم المتحدة، خلال فترة الحرب الباردة، في منع نشوب نزاع مباشر بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي، الا انها لم لم تكن فعالة اوقادرة علي درء او احتواء الصراعات بين الدول او داخل الدولة نتيجة لطبيعة النظام الدولي السائد في تلك الفترة، مما جعل عوامل الصراع تتفاعل دون حلول، وان تحقق سلام، فانه نتاج لطبيعة علاقات القوة بين المعسكرين. ما ان انتهت الحرب الباردة، وزالت المخاوف من نشوب نزاع بين القطبين النوويين، انفجرت العديد من الصراعات التي كانت خامدة في انحاء عديدة في العالم، في اروبا الشرقية، واسيا الوسطي، وامريكا اللاتينية، والقارة الافريقية. بدأ المجتمع الدولي ينظر الي الامم المتحدة كفاعل اساس للعب دور هام في ايجاد حل لهذه الصراعات. وقد قدم السكرتير العام الامم المتحدة حينها بطرس بطرس غالي في " اجندة من اجل السلام" Agenda for Peace في يناير عام 1992 تصور جديد لاحلال السلام في العالم، حدد فيها دور ووظائق الامم المتحدة في حفظ السلام في فترة ما بعد الحرب الباردة. تجلت فكرته في العديد من عمليات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة وبعثات المراقبة وغيرها. لم تتجازو بعثات الامم المتحدة لحفظ السلام،خلال فترة الحرب الباردة، خمس بعثات، وقفز هذا العدد في الفترة التي تلت ذلك مباشرة الي 18 بعثة دولية لحفظ السلام. يشير ذلك الي التحول الكبير الذي طرأ علي المنظومة الدولية وما يتطلبها من امكانيات ومقدرات لمواجهة الاوضاع الجديدة والمعقدة.
من السمات الاساسية لطبيعة الصراعات الناشئة بعد الحرب الباردة انها كانت صراعات داخل الدولIntra state اكثر من انها بين الدول Inter state . وبما ان نظام الامم المتحدة قائم علي الدولة كفاعل اساسي لدي تناول اي صراع State centric approach فان الطبيعة الجديدة للصراعات باتت معقدة جدا وتتطلب ابعاداً في غير متناول المنظمة الدولية. برزت هنا الحاجة للاستعانة بالمنظمات الاقليمية وشبه الاقليمية للعب دور هام واساسي في حل النزاعات التي تنشأ في محيط تفويضها الجغرافي. نشير هنا الي ان ميثاق الامم المتحدة في الفقرة الثامنة منه حدد اطر التعاون بين الامم المتحدة والمنظمات الاقليمية، الا ان الظرف السياسي السائد خلال فترة الحرب الباردة لم يكن مهيأً لتفعيل عمل المنظمات الاقليمية في مجال درء ومنع واحتواء النزاعات.
تمتاز المنظمات الاقليمية وشبه الاقليمية بالعديد من الصفات التي تجعلها اكثر قدرة علي حل الصراعات. فالبيئة السياسية المتشابهة، والمعرفة العميقة بمسببات الصراع والفاعلين الاساسيين فيه، ومقدرة الدول الاعضاء في المنظمة علي فرض اجراءات عملية واكثر فاعلية للحد من تطور اي صراع او احتواءه بعد نشوبه، كلها عوامل تشير الي الميزات الايجابية النسبية للمنظمات الاقليمية. ان الدول في المحيط الجغرافي الذي تعمل فيه المنظمة الاقليمية هي الاكثر تأثرا بتداعيات الصراعات. وبالتالي تبرز المصحلة الحيوية والهامة لايجاد حلول عاجلة لاي صراع تفادياً من ان ينتقل هذا الصراع الي دول اخرى، خاصة في الاقاليم شديدة التداخل مجتمعيا واقتصاديا. عندما انهارت الدول في الصومال في مطلع تسعينيات القرن الماضي كانت الدول المجاورة هي الاكثر تاثراً بتداعيات الصراعات، مما جعلها الاحرص علي ايجاد حل للازمة في الصومال وتمثل ذلك في جهود الاتحاد الافريقي ومنظمة الايقاد .
تعتبر المنظمات الاقليمية ، نظرياً، هي الاقدر علي حل الصراعات للطبيعة المعقدة لهذه الصراعات، والعلائق المتداخلة بين الفاعلين الاساسيين فيه، وعادة ما تكون هنالك عوامل تقليدية وثقافية ذات ابعاد مهمة لدي التفكير في ايجاد الحلول، هذا بالاضافة للعلاقات الشخصية بين القادة السياسيين وقادة المجتمع والرأي، ودورهم الهام في تفهم ابعاد الصراع وايجاد حل له. هذه العوامل تجعل المنظمات الاقليمية ذات ميزة ايجابية يصعب توفرها للفاعلين الاخرين من الدول والمنظمات التي تحتاج حتما لفترة زمنية طويلة لفهم ديناميكيات الصراع. علي الرغم من المزايا العديدة التي يمكن ان تتمتع بها المنظمات الاقليمية وشبه الاقليمية فيما يتعلق بالصراعات وعمليات حفظ السلام، الا ان المصالح المباشرة والمشتركة والمتداخلة قد تصبح عائقاً امام ايجاد حلول ناجعة للصراعات خاصة اذا ما كانت هنالك دولة ذات ثقل ووزن اقليمي كبير تستطيع ان تؤثر بصورة كبيرة في خيارات التدخل والحلول بما يتوافق مع مصالحها.
حدد ميثاق الامم المتحدة، في الفقرة الثامنة منه، اطر عامة للتعاون مع المنظمات الاقليمية في حل الصراعات، الا ان هنالك صعوبة في تحديد هيكل عام موحد لهذا التعاون خاصة وان كل منظمة تعمل في بيئة مختلفة تماما عن الاخرى، كما وان المقدرات تتفاوت من منظمة الي اخرى. فالامكانيات والمقدرات المتوفرة لدي الاتحاد الاوروبي، غير متوفرة بالطبع لدي الاتحاد الافريقي، مما يحد من مقدراته في درء او احتواء النزاعات. ان توفر الموارد والمقدرة المؤسسية عاملان مهمان جدا لنجاح اي منظمة في جهود احلال السلام.
تواجه المنظمات الاقليمية العديد من التحديات في مجال حفظ السلام حيث اوضح تقريرالامينالعام للامم المتحدة كوفي انان حول الشراكة الامنية الاقليمية الدولية Regional–Global Security Partnership اهمية تطوير المقدرات الاقليمية في درء وحل النزاعات وفي عمليات حفظ السلام. من التحديات الكبيرة ايضا عدم توفر الحيادية Impartiality وسطوة الدول القوية في المنطقة المعنية،ففي العديد من الحالات نجد ان عدداً من الدول الاعضاء في المنظمة هم اطراف في الصراع مما يشكك في حياديتهم لايجاد حل ناجح ودائم للصراع.
تعتبر الهيئة الحكومية للتنمية (الايقاد) منظمة شبه اقليمية تعمل في منطقة القرن الافريقي، وتضم في عضويتها كل دول القرن الافريقي الكبير ، اثيوبيا والصومال والسودان وجنوب السودان وكينيا ويوغندا وارتريا (عضويتها معلقة) وجيبوتي مقر رئاسة المنظمة. نشأت المنظمة في العام 1986 تحت مسمى الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر . كانت المنظمة معنية في الاساس بمكافحة التصحر واثاره الاقتصادية والاجتماعية والعمل علي تحقيق الامن الغذائي والتكامل الاقتصادي بين دولها الاعضاء. توسع تفويض المنظمة لاحقاً، وذلك استجابة للظروف السياسية السائدة بالمنطقة، والاضطرابات والنزاعات التي شهدتها العديد من دولها، لتعمل بالاضافة الي تفويضها السابق، في مجال جهود درء الصراعات واحلال السلام وتحقيق الاستقرار في المنطقة. تم اجراء العديد من التعديلات في ميثاقها و هياكلها لتتوافق مع التفويض الجديد الممنوح.
تعمل المنظمة في اقليم شديد الحساسية وبالغ الاهمية، ليس فقط لجواره الجغرافي، بل للقوي الدولية، حيث تعتبر منطقة القرن الافريقي ذات اهمية جيوسياسية عالمية لربطها لخطوط الملاحة الدولية بين المحيط الهندي والبحر الابيض المتوسط عبر البحر الاحمر . هذا الوضع الجغرافي المميز جعل المنطقة محط انظار واهتمام العالم، واصبحت الاحداث فيه تنال قدراً من الاهتمام العالمي. يقطن بمنطقة القرن الافريقي مجموعات سكانية متداخلة اثنياً عبر الدول، مما يجعل الصراعات الداخلية تأخذ ابعاداً اقليمية. وغلب علي المشهد السياسي للدول في المنطقة انتشار الصراعات الداخلية مما يجعل العلاقات بين دول المنطقة الاعضاء في المنظمة متوترة في اغلب الاحيان،حيث ان المجموعات المناهضة للسلطة المركزية في اي دولة تلجأ للحماية وتلقي الدعم من الدول المجاورة ، خاصة تلك التي تربطها بها علاقات اثنية بين مجموعاتها السكانية، واصبحت ظاهرة التدخل المتبادل بين دول المنطقة في شئون بعضها البعض Mutual interference من السمات المميزة لطبيعة الصراعات التي تنشأ في المنطقة. تؤدى هذه الظاهرة الي سعي الدول لاضعاف السلطات المركزية في الدول الاخرى حتي تحد من مقدرتها في دعم المجموعات المناوئة لها، لذلك فان طبيعة العلاقات بين دول المنطقة متداخلة وبالغة التعقيد لدرجة يصعب معها مجرد التفكير في عمل جماعي متناسق لتناول اي قضية تهم المنطقة، خاصة اذا ما كانت متعلقة بالامن والاستقرار.
بذلت المنظمة، منذ انشائها، جهوداً مقدرة في مجال حفظ الامن والسلم في نطاق تفويضها الجغرافي، وذلك من خلال العديد من الاجراءات المتعلقة بدرء وادارة الصراعات وتحقيق السلام. انشأت المنظمة اجهزة مختصة للتعامل مع القضايا الامنية، والتنبوء بالصراعات قبل حدوثها، كما وابتدعت في حالات اخرى اجراءات مبتكرة لتحقيق السلام بين دول المنطقة. حاولت المنظمة ايضا التدخل في الصراعات بين الدول كالصراع بين اثيوبيا وارتريا، الا ان جهودها لم تحقق نجاحاً نتيجة للطبيعة المعقدة للصراع، وعدم توافق الدول الاعضاء حول القضية. الا ان المنظمة نجحت في تحقيق السلام في السودان، من خلال جهودها المكثفة والتي بدات منذ العام ،1993 واستطاعت بعد اكثر من عقد من الزمان في العام 2005 من توقيع اتفاقية السلام الشامل، والذي يعتبر انجازاً مقدراً للمنظمة، رغما عن الانتقادات العديدة التي وجهت لعملية السلام في السودان من حيث انها عملية لم تنجح في بناء الثقة بين الاطراف، مما ادي لاحقاً للعديد من التعقيدات في العلاقة قادت الي انفصال جنوب السودان عن شماله. اما فيما يتعلق بالشأن الصومالي، وعلي الرغم من اختلاف طبيعة الفاعلين في الصراع من الحالة السودانية، حيث تعاملت الايقاد مع عدة فصائل، الا ان المنظمة تمكنت من التوصل لاتفاق سلام تكون بموجبه حكومة صومالية انتقالية في عام 2004. لم ينجح اتفاق السلام في الصومال في انهاء الحرب الدائرة فيه. وظل الصومال حتي يومنا هذا محل اهتمام المنظمة التي عينت مكتباً لتسهيل عملية التفاوض وتحقيق السلام والمصالحة الوطنية، كما ان للمنظمة مبعوثاً خاصاً للسلام في الصومال، ولجنة فنية امنية لتقديم مقترحات وتوصيات وخطط حول نزع سلاح واعادة دمج الفصائل المتحاربة في المجتمع.
تبذل المنظمة حالياُ جهوداً مضنية لتحقيق السلام في دولة جنوب السودان. منذ تفجر الصراع في ديسمبر 2013 في جنوب السودان، استشعر القادة الاعضاء في المنظمة المسئولية تجاه الدولة الوليدة، واهمية السعي الفوري والجاد لانهاء الصراع الذي بات يهدد امن وسلامة، ليس فقط جنوب السودان، بل الاقليم كله. لعل حجم الكارثة واتساع نطاق الصراع والخسائر البشرية والمادية المهولة من الجانبين فرض واقعاً يحتم علي المنظمة اعمال تجربتها وتوظيف طاقاتها لايقاف الحرب وتحقيق السلام. عقدت المنظمة منذ اندلاع الصراع ست قمم ضمت رؤساء الدول والحكومات، وعينت فريقاً تفاوضياً لمتابعة اجراءات وقف الحرب وتحقيق السلام، وتمكنت المنظمة حتي تاريخه من توقيع اتفاقية وقف اطلاق النار، ووقف العدائيات بين الفصائل المتحاربة، والوصول الي صيغة تفاوضية حول تشكيل حكومة انتقالية تعمل لوضع الترتيبات اللازمة المفضية الي صيغة سياسية مقبولة للاطراف من اجل استقرار جنوب السودان. لاتزال جهود المنظمة ماضية في السعي لتحقيق السلام في جنوب السودان، رغما عن التحديات الكبيرة التي تواجهها في هذا الخصوص، خاصة الطبيعة المعقدة للصراع، والاستقطابات الاثنية الحادة فيه، والتدخلات الخارجية. ومثلما حققت المنظمة النجاح النسبي في حالتي الصومال والسودان، فان الامل مقعود عليها لوقف نزيف الدم وهدر الموارد لمصلحة انسان جنوب السودان وامن واستقرار الدولة الوليدة والجوار الاقليمي.
استعرضنا فيما سبق المزايا المتوفرة لدي المنظمات الاقليمية عند تناولها لقضايا الصراعات واحلال السلام، وكذلك التحديات الماثلة امام هذه المنظمات. بالنظر الي منظمة الايقاد، نجد ان كل ما سبق ذكره تجده شاخصاً حاضراً عند تناول البيئة السياسية والاجتماعية التي تعمل فيها المنظمة. علي الرغم من ذلك، ظلت الايقاد هي الملاذ الوحيد والشرعي لدولها الاعضاء التي تواجه مشكلات داخلية عصية الحل، وما فتئت تبذل جهوداً مقدرة لدرء واحتواء هذه النزاعات، ويسجل لها في تاريخها الناصع مقدرتها علي التوصل لاتفاق سلام في كل من الصومال والسودان وجهودها الحالية لاحتواء النزاع بدولة جنوب السودان، وهو سبق مقدر للمنظمة، لم تستطع اي منظمة افريقية اخرى ان تحققه، رغم ما يعتري المنظمة من مشاكل وعقبات وتحديات في البناء والقدرة المؤسسية وشح الموارد والعمل في اقليم شديد الاضطراب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
تحتاج المنظمة الي اجراء اصلاحات بنوية وهيكلية لتفعيل كامل ولايتها وخاصة فيما يتعلق بالسلم والامن في المنطقة. يتطلب ذلك في المقام الاول بناء الثقة بين دولها الاعضاء حتي لاتفسر قرارات الايقاد كزرائع لخدمة مصالح الدول القوية والمؤثرة في المنطقة. وقد اظهرت المنظمة رغبة قوية وارادة منيعة للتدخل في الصراعات، ومحاولة ايجاد حلول لها، وهو تجسيد ومثال رائع لتحمل المسئولية وملكية الحلول الافريقية African ownership وهي بذلك تمنع اي محاولات للتدخل الخارجي في الشأن الافريقي. لاتزال المنطقة تشهد العديد من الاضرابات، ولاتزال التحديات ماثلة امامها من كل الاتجاهات، وهذا يتطلب بدوره ان تسعى الدول الاعضاء، خاصة القوية وذات التأثير في المنطقة علي تعضيد جهودها وتقويتها، لا اضعافها، وتقديم الدعم اللازم حتي تعمل الياتها المنشأة بكفائة واقتدار لتحقيق الاهداف المرجوة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.