كان المدير يدير المدرسة الابتدائية كسفينة حربية لا مجال للشغب أو الفوضى على متنها. كان يبسط سيطرته عليها مبكرا،ً ويراقب كل ما يدور أمام الفصول وفي ساحة المدرسة وهو لا يزال يحتسي شاي الصباح في برندة منزله الذي يقع على الجانب الآخر من الشارع. وكان التلاميذ يراقبونه أيضاً من بين أشجار السيسبان التي تسور المدرسة، ويرصدون حركاته قبل أن يفتح الباب الأمامي لمنزله والذي ينطلق منه كالسهم عند تمام الساعة السابعة. وعندما يرفُل الرجُلُ الى ساحة المدرسة في ملابسه الأفرنجية الأنيقة، يخيم الصمت شيئاً فشيئاً حتى يخيل إليك أن الرجُلُ يمشي في وسط هالة من الصمت تتسع دائرتها مع كل خطوة يخطوها نحو مكتبه المهيب كمحراب راهب. وفجأةً يكتمل الصمت، ولا يُسمع غير حفيف الأشجار وصوت هروب التلاميذ وهم يهرولون إلى خلف الفصول حيث يمكثون ويتحدثون في أصوات خافتة حتي أن يُقرع جرس طابور الصباح. مقاعد الجلوس داخل فصول الدراسة مرتبة بدقة، والنوافذ مشرعة على مصراعيها، والنسيم يداعب الخريطة المتشبثة بالحائط، والسبورة المهيبة، التي أحتلت مساحة كبيرة من الحائط أمام الفصل، تفرض وجودها في صمت تام وفي حضنها بشاورة وقطعات من الطباشير الأبيض والأخضر والأحمر والبنفسجي. كلمة ((المهرجلون)) منقوشة بصفة دائمة على الكتف الأيمن للسبورة، والويل لمن يندرج إسمه تحت هذا البند لأن المدرسين كانوا دائماً يولون هذه القائمة إهتمام كبير قبل الخوض في درس اليوم، ولعل هذا هو المقصود بمقولة ((التربية قبل التعليم)). وسراعاً ما تعافت غُرف الدراسة تماماً من صيحات ((أنا، أنا, ياستاذ)) وطقطقة الأسابع، إذ حل مكانها إكتفاء التلاميذ برفع سبابة اليد اليمنى لجذب إنتباه المدرس. والمعلوم أن هذا التحول الجذري لم يتحقق بالتوسل أو بالترغيب أو برفع أغصان الزيتون، بل تم عبر إحتكاكات عنيفة ودموية في بعض الأحيان بين أبداننا النحيلة وعدد مقدر من أغصان النييم والسيسبان، والوعيد بضربٍ كضرب غرائب الإبِل. ولضمان إلتزام التلاميذ والمدرسين بالإنضباط داخل فصول الدراسة، كان السيد المدير يُشاهَد كثيراً وهو يمشِط الممر الممتد أمام غُرف الدراسة ذهاباً وإياباً في خطوات محسوبة كخطواط الديدبان الذي كنا نشاهده متجولاَ أمام مبنى خزانة الحكومة صباحاً ومساءاً. كان السيد مُقرات، والذي ينحدر من جزيرة مُقرات بالقرب من مدينة أبوحمد في أقصى شمال السودان، يدير هذه المدرسة النائية في جنوب السودان كما تُدار مثيلاتها في أي بقعة في البلاد، ولذلك حشد سيادته المدرسه بأميز المدرسين وبالكُتُب والأدوات المدرسية والألعاب والمعدات الرياضية المختلفة، وزرع الزهور الجميلة أمام مباني المدرسة، وجعل نظافة فناء المدرسة واجب كل تلميذ وكل مدرس. لكن، ولحزننا الشديد، السيد مُقرات منع لعب البِلي! (2) ولكن كان لابد للعام الدراسي أن يأتي الى نهايته عاجلاً أو آجلاً، وكان لابد أن يأتي ذاك اليوم السعيد الذي يُقرع فيه جرس المدرسة والشمس مازال في كبد الفضاء، ويملأ الجرسُ الأُفقَ رنيناً وإيذاناً ببدء الموسم المفتوح للعب البِلي وركوب العجلات، بعيداً عن المدينة الصغيرة ورنين أجراس مدرستها الجميلة. وهناك في مدينة ملكال النابضة بالحياة على الضفة الشرقية من نهر النيل العظيم يلتقي أشهر لاعبو البِلي في ميدان المولد الواقع خلف جامع ملكال العتيق، حيث يتواضع اللاعبون على القوانين المنظمة للعبة، ومن بين هذه القوانين رسم خط مستقيم على الأرض يمثل خط البداية، ويرمي كل لاعب بضرّابه نحو هذا الخط بحيث أن ينال اللاعب الذي يقع ضرّابه على الخط أو بمقربة منه حق اللعب قبل رفاقه، أما اللاعب الذي طاش ضرّابه بعيداً وراء خط البداية، فهو((الطِيش)) ويلعب بعد كل زملائه. أما ((اللِين))، فهو مثلث متساوي الأضلاع يبعد مسافة مترين أو ثلاثة أمتار من خط البداية، ويظل أحد زوايا المثلث مصوباً دائماً نحو خط البداية، ويتفق اللاعبون على عدد قطعات البِلي الذي يجب أن يضعها كل لاعب في ((اللِين)) قبل بدء المنافسة. لكن أهم قانونان في هذه اللعبة هما ((تَكَّس يرجع)) و((تكّس يتناش))، والذان يستبعدا بعضهما بعضا. وبموجب القانون الأول يضمن اللاعب الحق في أن يعيد الكَرَى إذا ((تَكّس) أو لم يصيب هدفه، كما يعطي هذا القانون اللاعب ((المجلي)) حصانة ضد نيران ((ضرّاب)) الخصم. أما القانون الثاني ((تكّس يتناش))، فيجعل ((ضرّاب)) اللاعب ((المجلي)) هدفاً مشروعاً للخصم إذا لم يبادر اللاعب ((المجلي)) بإستدعاء حق ((تَكَّس يرجع)) قبل أن يصوب ضرّابه نحو قطعات البِلي. هذان القانونان. وتحتد المنافسة في ميدان المولد، ويمتلئ ((اللِين)) بقطعات البِلي الازرق والأحمر والأخضر والأصفر والأبيض، ويتحول المثلث إلى كرنڤال من الالوان الجميلة. وتبلغ المنافسة ذروتها في وهج شمس الصباح، وتعلو قعقعة البِلي، ويصعق ((الضراب الكُوري)) البِلي بلا هوادة حتى تتشتت القطعات البلورية وتركض في كل صوب وحدب كالغزلان المزعورة، وترتفع صرخات ((تكَس يرجع!)) و((ضرّاب وبِلي يأكل!)) و((تكَس يتناش!)) وغيرها من المصطلحات التكتيكية. ولكن عندما يهدأ غبار التنافس، وبعد أن يفوز الفائزون ويخسر الخاسرون، تكشف لعبة البِلي عن وجهٍ آخرِ مُوشَّم بعلامات التسامح والتكافل. رغم أن قوانين اللعبة لا تلزم اللاعب الرابح أن يتبرع بجزء من غنائمه للذين خسروا المنافسة، إلا انه كان نادراً أن يغادر الخاسرون ميدان المولد وهم خالو الوفاض تماماً، وذلك لأن بعض الزملاء كانوا يتقاسمون قطعات البِلي مع الآخرين قبل أن ينفض سامرهم. وكنا نعلم، على سبيل المثال، أن أشرس لاعب في ميدان المولد، والذي كان يطلق عليه لقبthe unkind man)))( لأنه كان يبدو غليظ القلب ويلعب دائماً بمضرب من حديد ((جُلّة))، كان قلبه يلين أحيانا،ً ويوزع جزء من غنائمه من البلي لبعض الذين خسروا في الملعب، لكنه كان يفعل ذلك بعيداً عن الأنظار لئلا يلين ملامح سمعته الخشنة والتي كانت تزرع الخوف في النفوس في الميدان. (3) وفي يوم تَغسَل بطلائع الغيث وتعطر بعلائل النيل الندية، وبينما كانت الغيوم الرمادية تركض في كبد السماء وتحجب الشمس تارة و تفرج عنها تارةً اُخرى، وبعد أن غسل الطل غبار الصيف للمرة الأخيرة من أقدامنا التي أنهكتها شلاقة وطاقات الطفولة والجري في الميدان الكبير، أخيراً ودعنا أشهر((سنترليق)) للبِلي في جنوب السودان، ثم أبحرت الباخرة صوب المدينة الصغيرة الواقعة وراء البحيرة الكبيرة ..خلف غابات نباتات البردي. بدت المدرسة المسّورة باشجار السيسبان جميلة ((ومستحيلة)) كما تركناها قبل ثلاثة أشهر، إلا أنها قد بدأت تتزين بألوان الخريف وتشدو بألحان المطر. وبعد أن إصطففنا في ساحة المدرسة مرة اُخرى وأمامنا السيد مُقرات والمدرسون، لم يبق في همنا شاغل غير الدروس والواجبات المدرسية، ولم يكن على اللسان لحنا أو نشيداً أعذب من نشيد المدرسة، إذ كالعاصفير بدأنا نشقشق: صباح الخير مدرستي صباح الخير والنور إليك إشتقت في الأمس وزاد اليوم تفكيري سمعت رنين أجراسك وجئت إليك فرحانا نداؤك رأئع عذب كما لو كان ألحانا ويشتاقون لقياك وتشتاقين لقياهم فانت لجمعهم أم تعلمهم وترعاهم وأحياناً تأدبهم إذا ما خالفوا الأدبا وتهديهم الى الرشد ويضحي أمرهم عجبا تمايلت أشجار السيسبان طرباً بأنشودة الصباح، لكنها بدت أيضاً كأنها تلوح وتقول لنا في همس لا يخلو من الشماتة ((لا بِلي بعد اليوم!)) ليت شجيرات السيسبان الشُمْط تلك تدري أن البِلي كان، وسيظل بالنسبة لنا، أكثر من مجرد لعبة عابرة نمارسها خلال العطلة المدرسية فقط، إذ ستظل شفافية القطعات الزجاجية البلورية التي سحرتنا كثيراً ترمز لبراءة طفولتنا، كما سيظل سر إنجذابنا الشديد لألوان البِلي مَطْمورة في نسيج التنوع الثقافي والإثني الذي كانت تذخر به مدرستنا الأنيقة. وفيما تظل صدى أصوات المعلمين الأوائل تستنهض هِممَنا دوماً، وفيما تظل صدى قعقعة الطباشير على السبورة تشحذ أقلامنا يوماً بعد يوم، إلا أن البِلي قد وجد أيضاً مكاناً آمن في دواخلنا يعيش فيه جنباً لجنب مع الإستيكة والبُشاورة وقلم الكوبيا والمحبرة وكراسة المدونة الطبيعية واقلام التُروبن التي لم تكن هيبة المعلم تكتمل بدنوها. (4) وبعد أن إطمأن الأسد العجوز أنه سيقضي ما تبقى من العمر في وئام تحت شجرة وارفة في جوف الغابة الكبيرة، وبعد أن قطعت الطيور المهاجرة وعداً لصغارها بأنها لن تهجر الأوكار الى الشمال مرة أُخرى، وبعد أن أدرك الثعلب عدم جدوي التدثر بثياب الواعظين وسب الماكرين، فجاءةً هبت رياح الحرب من المدينة الصغيرة الواقعة وراء البحيرة الكبيرة .. خلف غابات نباتات البردي. لقد جف النهر الصغير، كما لم تعود الممرات الصغيرة التي كنا نجري فيها الى غابة اللالوب والنبق سالكة بفعل الألغام الفتاكة. إنها الحرب التي تحرق وتجرف كل شئ أمامها كما تفعل الحَمَم البركانية الثائرة. لم تسلم المدرسة الجميلة من لهيب الحرب. لقد اختفت أشجار السيسبان التي كانت تسّور المدرسة، وذبلت الزهور التي زرعها السيد مُقرات أمام مباني المدرسة، بل كادت المدرسة أن تختفي تماماً بعد أن جُنِد الأطفال وذُج بهم في أتُون حروب رعناء. بالرغم من ذلك، لم يدُر في الخَلَد أنه سوف يأتي يوم يعتقل فيه أُمراء الحرب ألعاب الأطفال أيضا،ً ويحرِفون ويشوهون مقاصدها البريئة ويحولون قوانينها البسيطة الى عقيدة مكياڤللية ينهلون منها في مفاوضاتهم الرامية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة. وبعد أن كادت الحرب أن تقضي على الأخضر واليابس، يهبط الإخوة الأعداء فوق قمة من قمم الهضبة الأثيوبية ذات شتاء بارد ، وعلى إرتفاع 8000 قدم من الأرض حيث لا تحلق الحمائم، وعلى مقربة من قمة ((إنطوطو)) الشامخة كقمة ((باخوس))، يتقَوقز صقور أجنحة النزاع ليلعبون لعبة أشبه بلعبة البِلي. ولكن، ولمدة تفوق دورتين مدرسيتين كاملتين، يتنازع ويتجادل الصقور حول القوانين المنظمة للعبة. وأخيرا،ً ولإعلاء المصالح الشخصية، يتفق الإخوة الأعداء على أن يكون ((اللِين)) مثلث غير متوازي الأضلاع، وأن يكون خط البداية خط شديد الميلان بدلاً من خط مستقيم، وأن يكون ((المَد)) مسموحاً، لاسيما مد الأيدي للمال العام، وأن يكون البِلي داخل ((اللِين)) عبارة عن مناصب وزارية وثروات هائلة داخل وخارج البلاد وسلطة بلا حدود وغنائم اُخرى، وأن لا يحكم اللعبة إلا قانونين فقط هما ((تكّس يرجع)) و((ضرّاب وبِلي يأكل))، وذلك لأن كل طرف يعتقد أن هذه التشوهات تمنحه تفوق ميداني على الآخرين. ويتفق الفرقاء أيضاً أن يسمح لهم بالإحتفاظ بالرتب العسكرية والمواقع الوزارية والبرلمانية التي كانوا يتبوؤنها قبل أن يعيزوا في البلاد فساداً وموتاً ودماراً، وذلك على غرار ((تكس يرجع)). وعليه وعندما يهدأ الغبار ويصمت زئير المدافع، سيشرع الإخوة الأعداء في إقتسام الغنائم وتوزعيها على أفراد اُسرهِم المنتشرة حول العالم، وكأن أمر فضيع لم يحدث، وكأن روح وجسد الوطن مازالا بخير. والآن وبعد أن إختلط حابل المصالح السياسية الضيقة بنابِل مآرب أهل الوساطة، وبعد أن تمخض الجبلُ فولد فأراً في أروشا المجاورة لسهول ((سرينجيتي))، يأمل المرؤ أن هناك ثَم رجل حكيم يراقب لعبة الإنتحار الجماعي هذه من بين أشجار السيسبان، وأنه سينطلق كالسهم في الوقت المناسب ((كما كان يفعل المدير مُقرات)) ويكبح جماح هذا النوع الخطير من البِلي قبل فوات الآوان. لقد هلك أهل جديس بعد أن كذبوا يمامتهم ((زرقاء)) وبعد أن ظنوا أن الخرف قد أصابها حتى باتت تطلق الكلام على عواهنه، لكن، وبما أن المدرسة الجميلة المسورة باشجار السيسبان قد علمتنا الفرق بين حفيف النسيم في شجر السيسبان وفحيح الأفعى في الحشائش وبين صرير الجراد في النافذة وصئ العقرب تحت السرير، وبعد أن دققنا النظر في الشجر كثيراَ، وبعد أن تأملنا الأُفق كثيرا خلال منظار قديم إقترضناه من قوات التحالف في العراق وليبيا، يمكننا أن نقول الآن إننا نرى شجراً ((غير السيسبان)) يسير صوب الجنوب ومن خلفه جحافل أكبر حجماً وأقوى تسليحاً وأدهى خطةً من جُند قبيلة حِمْيًر. عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. جوبا، جمهورية جنوب السودان