بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أمانويل كَانْت: التنوير .. المواطنة .. السلام .. عرض: د. حامد فضل الله / برلين
نشر في سودانيل يوم 15 - 01 - 2016

أعود من جديد لمتابعة ما يعرض في الصحافة الألمانية عن مشاكل وقضايا الشرق الأوسط وخاصة العالم العربي واشير مرة أخرى الى الصحيفة الاسبوعية الشهيرة، دي تسايت، التي نشرت فيالثالث من ديسمبر 2015 على صفحتها الأولى صورة ضخمة للفيلسوف الألماني أمانويل كَانْت،واستشهادا له كعنوان بالخط العريض " فلتكن لديك الشجاعة لأن تستخدم عقلك بنفسك" وعنوان فرعي " لقد أمن بالعقل والسلام العالمي وماذا نستطيع ان نتعلمه من هذا التنويري الكبير في هذه الأوقات المثيرة "؟ وخصت صفحتها المميزة " الأدب والفن" بعدة مقالات، بدأت بمقال توماس آشوربعنوان: ماذا الآن السيد كَانْت؟. لقد كان فيلسوف العقل والسلام. ولماذا هو حاضر، خصوصاً في أوقات الحروب؟ ويكتب، " لم يوجد مفكر أخر في قوة التأثير وزعزعة الفلسفة في زمنه مثل " حكيم كونغسبرج" (موطن ولادة كَانْت) وكان نبي التنوير المتوحد وفكر في العولمة قبل ان توجد وتحدث عن المواطن العالمي وطالب بنظام عالمي للسلام في ازمنة كان فيها رؤساء الدول لم يسأموا أو تصيبهم التخمة من الحروب".
"التنوير، الرشد، النقد، حقوق الانسان، الأمر المطلق (قانون أخلاقي): هذا يعرفه كل شخص ولو لم يقرأ كلمة واحدة لكَانْت. لقد كان تأثير افكاره عظيما، والذي يفتح عينه يجد آثارها في كل مكان: في ميثاق الأمم المتحدة او في الوثائق التأسيسية للاتحاد الأوروبي وبالطبع في القانون الأساس الألماني. لقد صاغ تصوراتنا عن الحرية والمساواة وعن الذات المستقلة والمسؤولية". كما يستشهد آشور ب كَانْت :
" افعل الفعل بحيث يمكن لمسلّمة سلوكك، بحيث تريد لها أن تصبح قانوناً عاماً لجميع الناس"
ثم يكتب آشور بصورة مكثفة عن حياة كَانْت، تاريخ ومكان مولده ونشأته في أسرة فقيرة وشغفه بالعلم وصبره ومثابرته ليحصل على درجة الأستاذية ويصبح استاذاً لمادة المنطق والميتافيزيقياوتتوالى أبحاثه العلمية الرصينة.
لقد قام كَانْت بتحرير الفلسفة من سلطة الدين ونادى بالمجتمع المدني، الذي يعتمد القوانين التي تحمى حقوق الناس، ليحقق مبدأه الرئيسي القائل بأنه على الأفراد أن يعاملوا بعضهم البعض كغايات وهذا لن يتم إلا عندما يتمتعون بحرية متساوية. وأن الدستور المدني لكل دولة أن يكون جمهورياً. وجاء في مقاله" نحو سلام دائم": أن القانون الدولي يجب أن يقوم على اتحاد فيدرالي للدول المتحررة. ويرى بأن تحول المجتمعات إلى جمهوريات ستكون هناك مصلحة متأصلة في تفادى الحروب والدخول في ائتلاف أو حلف مع الدول الأخرى، ممن يريدون مثلها تفادي الحرب.ويقول آشور " كانت أوروبا ل كَانْت البلد النموذجي للتقدم وسوف يتوجه العالم أجمعه تدريجياً صوب هذه القارة. والآن بعد مئتي عاماً من الخبرات، يُدعى الآن ب "المركزية الأوروبية".
ويختتم آشور مقاله الطويل، الذي تم عرضه مكثفاً بقوله "عند سقوط حائط برلين عام 1989 وبعد حقبة تاريخ العالم الأكثر دموية واختفاء الشيوعية عن الساحة، بدأ وكأنه الانتصار العظيم للفلسفة الكَانْتية. ألم يكن سقوط نظام شمولي علامة تاريخية – ودليل بأن العالم ليس مستشفى للمجانين،ومشوه من أعداء الحرية والرقابة وانتهاك الحقوق واستغلال الإنسان؟ ودليل ، بان خلف الأشياء والأحداث كذلك يظهر "العقل" والتقدم للأفضل؟ ألم يكن العالم مع انهيار الشيوعية خطى خطوة كبيرة في اتجاه "السلام الدائم"؟
ولكن ما جاء كان مختلفاً. الحرب اليوغسلافية والهجوم الاِرهابي على مركز التجارة العالمي، الحرب العراقية ضد الشرعية الدولية، ضم جزيرة القرم وعودة البربرية ليس فقط في الشرق الأوسط،جعلت من آمال السلام الكَانْتية وهما من جديد. نصف العالم في عصيان وشغب، مناطق كاملة انهارت تحت موجات العنف العارم، بينما القتلة الاِسلامويون ينقلون الموت الي العواصم. وكذلك النهوض الجديد للقومية المطلقة والرقابة التقنية الشيطانية المحكمة ادت الى تبخُر فكرة التنوير الكَانْتية.
قامت هيئة التحرير أمام هذا الواقع بمخاطبة أحد عشر فيلسوفا وفيلسوفة من جميع أنحاء العالم،"عما صار لأفكار كَانْت. ماذا يعني السلام الدائم في أزمنة الحروب الدائمة؟ وماذا يعني الرُشد والذات المستقلة في ظل و شروط وكالة الأمن القومي والثورة الرقمية . هل يجب علينا ان نودع فلسفة كانت – ام نحن في حاجة ماسة لها أكثر من أي وقت مضى؟
جاءت الردود كتابة، ماعدا لقاء مباشر بين توماس آشور- دىتسايت - و راينر فورست (المانيا)
سوف نتعرض لبعضهم هنا وايضا بإيجاز شديد. ونبدأ بلقاء فورست:
- دي تسايت: جميع مناطق العالم غارقة في العنف والاِرهاب، هل يستطيع المرء أن يكون ايضا كَانْتياً؟
- فورست: كَانْت لم يؤمن مطلقاً، بأن الإنسانية تعيش في عملية تنوير حتمية التي تمسح القديم وتقودنا الى اوضاع كونية جمهورية رائعة. لقد كان واعياً تماماً، بجنوح الانسان الى العنف مثل ميله ايضا الى الحكمة والعقل. وهو يعلمنا حقا بواجبنا، ان نتخذ المنظور الأخلاقي لمقاومة جنوحنا الى العنف. أن شوكة الأمر المطلق- لن نتخلص منها
- دي تسايت: أفغانستان، ليبيا، العراق – كل التدخلات فشلت. اليست هذه هزيمة للكونية الأخلاقية؟
- فورست: علينا الا نسيء فهم كَانْت، ونقول بأن كل التدخلات العسكرية الغربية هي نتيجة مباشرة لفلسفته. ان حقوق الانسان والحكم الجمهوري المستقل كأساس لفلسفته لا يعني باننا نستطيع ان نجبر الأخرين على ذلك بالعنف. وبالمناسبة: الكونية الأخلاقية لا تقود مباشرة للتدخل السياسي.
- دي تسايت: حقوق الانسان، كرامة الانسان – مبادِى غربية جداً.
- فورست: هذا ما يسمعه المرء غالبا، هذا ليس صحيحاً وتاريخيا خاطئ، عندما يعتقد المرء بان فكرة كرامة الانسان يمكن فهمها فقط من خلفية مسيحية غربية. أنه من العبث أيضا، دائما ان نتحدث فقط عن "الغرب" أو "الاسلام" أو ثقافات أخرى. توجد في كل الثقافات ثقافة خاصة بالنقد. ألم يكن الربيع العربي ظاهرة في البلدان الاسلامية – وليس في "الدولة الاسلامية"؟ الى اين يقودنا ذلك؟ أنه ليس صحيحاً، بان الغرب فقط يفهم لغة الحرية.
- دي تسايت: هل لا ندافع عن القيم الغربية؟
- فورست: عندما نحارب داعش، فنحن لا ندافع عن أي قيم غربية – وانما ندافع عن أساسيات العدالة والتي تدافع عنها مجتمعات أخرى. حقوق الانسان للجميع وبالطبع الى أولئك الذين يعانون من الارهاب والاضطهاد.
- دي تسايت: هل سياسة المستشارة ميركل لقضية اللاجئين، نتيجة للأمر المطلق ل كَانْت؟
- فورست: ان سياسة المستشارة تتفق مع الروح الكَانْتية، عندما تتخذ بجدية حق اللجوء باعتباره مطالبة قانونية. الشهامة لوحدها ليست كافية. لذلك يجب ان تكون السياسة مقابل اللاجئين سياسة القانون والعدالة
ويجب علينا نحن في أوروبا وخاصة المانيا ان نعرف، ماذا تعني، مفارقة الوطن والإجبار علىالهروب. ولا يمكن ان تكون الذاكرة التاريخية بهذا القصر. ...
ثم نستعرض بعضا ما جاء في الردود الكتابية.
يكتب محمد تركي \ تونسالمانيا :
لا يزال يصرخ الداعون للبنيوية وما بعد الحداثة "موت الانسان" واحيانا ايضا "نهاية الانسانية" أو "نهاية التاريخ". ولكن العكس هو الصحيح. لقد تمردت شعوب بلدان الربيع العربي على انظمة الهيمنة الأبوية وناضلوا من اجل تحقيق حياة انسانية كريمة. ويستطيع الأفراد أو الجماعات ان يتدخلوا باطمئنان قوي في مسار التاريخ لتحقيق هذا المثل الأعلى للحياة، التي اوحت لهم به تعاليم كَانْت وروح التنوير. لذلك يقول ارنست بلوخ بحق: فكرة كَانْت عن الذات المستقلة لا يمكن أزالتها من العالم. أنه شرط لا غنى عنه. وبالنسبة لقضية اللاجئين يبقى كذلك "الأمر المطلق" ل كَانْت على المحك. ولقد أثبتت حملة تضامن المجتمع المدني الالماني، كيف اتُخذت هذه المبادئالكَاننْتية بجدية وطبقت على أرض الواقع بمثابرة. وهذا ينطبق ايضا على المحادثات السياسية الشاقة في الشرق الأوسط، على ان تجلب أخيرا السلام وان الخصوم يصلوا الى رؤية للبحث عن حلول للسلام بدلا ان يتركوا السلاح يتكلم. وخاصة حاليا بعد ان اصبح الارهاب لا حدود له ووصل الى اوروبا، فأنه من الضرورة الملحة الا نفقد النظر في مشروع كَانْت و الايمان بقوة العقل. (صدر له قبل اسابيع كتاب "مدخل الى الفلسفة العربية – الاِسلامية2)
وتكتب دوناتلا دي سَزارا: Donatella Di Cesare \ روما : أنه لم يكن حالماً:
الحرب في سوريا، الهجوم الارهابي في باريس: الحرب لم تختفِ اطلاقاً من عالمنا. وتبدو الحرب للكثيرين كالدواء المر يُعطى دوريا لمريض البشرية وصارت الآن الحرب مستقلة ولا حدود لتسليح البشرية. ألا يستوجب علينا ان نيأس من السلام الدائم ل كَانْت وأن ننظر اليه بتهكم وسخرية؟ أو يحتوي كتابه الشهير قوة انفجار الكلاسيكي؟ أنه من الخطأ اعتبار كَانْت حالماً أو خيالياً. بالعكس، أن مشروعه نتج من خلال نقد شديد للعقل ونظرة عميقة للتاريخ وتأمل بليغ للمستقبل.
ويكتب فلاديمير كانتور Vladimir Kantor موسكو :
أنني أعتقد بأن عصر التنوير اصبح منذ فترة طويلة كحقيقة في وعينا. وهو لنا عصر عظيم مثل العصور الأخرى، العصر القديم وعصر النهضة، كل هذه العصور تنتمي الى التجربة الروحية للبشرية.
في سؤال ما هو التنوير؟ صاغ كَانْت أفكاراً تخطت زمن صدورها. في مقدمتها التصور، بأن تطور البشرية مستقبلا، سوف يتخذ الحضارة الغربية كنموذج ومثال. لقد وجه كَانْت نصه للفضاء العاموهو يعلم، بان مجموعة كبيرة من الناس في المجتمع، بل حتى جزء من المثقفين منهم يفضلون البقاء بعيدا عن المسؤولية. ولكن القرن العشرين جاء بثورة الجماهير والجماهير تتأثر دائما بآراء الأخرين وقل منهم من يستخدم عقله بنفسه. وكما أظهر ذلك إلياس كانتي Elias Canetti في كتابه "الجماهير والزعيم"، بأن الجماهير تبحث عن الزعيم. أو كما كتب الكاتب الروسي الكبير فيودوردوستويفسكي
Fjodor Dostojewski : الانسان يبحث عن الزعيم خوفا من الحرية، فالحرية تعني له المسؤولية.وهو لا يريد بذلك نقد مثالية الرشد ؛ ولكنه يتشكك، فغالبية الناس ليست في وضع تتخذ فيه المسؤولية بنفسها. لقد أتهم المحقق الكبير في رواية دوستويفسكي " الأخوة كارامازوف" السيد المسيح، بان فكرته العظيمة لن تتحقق الا من عدد قليل فقط. لا عشرة آلاف يمكن يتبعوه ويضحون بحياتهم من أجله. اخيراً قال السيد المسيح: " لأن كثيرين يُدعون وقليلين ينتخبون". انها الصيغة المشهورة في الإنجيل.
أن الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، البلشفية والنازية، ارادوا أن يعيدوا الناس الى وضع رهيب وطفولة دائمة... وبكلمة واحدة: أن أفكار كَانْت ستبقى حيوية لنا. ولكنني أعتقد بان اوروبا في القرن الواحد والعشرين ، يجب أن تحقق اولا أفكار كَانْت ، اذا ما تريد أن تبقى اوروبا على الأطلاق.
أما أشلي أمبيبي Achille Mbembe \ الكمرون \ حاليا جوهانسبورج يقول: عندما نتحدث عن كَانْت يمكن ان نتحدث عن أثنين، ونحن حاليا في أمسى الضرورة لهما.
كَانْت، الذي عَرف الانسان ككائن ذي عقلية مستقلة ، مستندا إلى حكم أخلاقي. والذي نعتمد عليه، لأن المشاعر والانفعالات فقدنا السيطرة عليها ولأن ازمات العالم المعولم غالبا ما تستخدم المخاوفكزريعة لتجاوزات عنيفة غير مبررة. وايضا كذلك نحتاج الى كَانْت "السلام الدائم"، لأنه فتح للبشرية كمجتمع عالمي أفقاً يجب علينا جميعا ان نتجه اليه، اذا لم نرد ان ننتهي في كارثة كوكبية من الحرب والارهاب.
أن فكرة السلام الدائم تعني ، يجب علينا جميعا كبشر أن نجتهد، في توزيع الأرض توزيعا عادلالجميع قاطنيها، فهي ملكهم الجماعي. من منظور أفريقي يعني السلام الدائم، مشترك عالمي.صحيح أن كَانْت أوروبيا ولكن هذا ليس مهما، فيمكن أن يكون ايضا أفريقي أو صيني أو هندي، ففي كل الثقافات يُنظر الى فكره، كملكية جماعية للمجتمع العالمي بتعابير مختلفة.
ولكن يوجد للأسف ايضا كَانْت الثالث، الذي يبقى مرتبطا بالتحيز الأوروبي الألماني عند مراجعة بعض كتاباته. وكذلك أفكاره حول الفرنسين كمثال ، يمكن ان تكون مناسبة لإشعال العداء من جديد. وايضا هذا كَانْت: فالمطالبة الجليلة للعالمية تفشل، على وجه التحديد بمجرد ان يواجه المرء وجه انسان أخر ليس على شاكلته.
ويكتب راموند جوس (Raymond Geuss \ بريطانيا:
كرس كَانْت مشكلة "السلام الدائم" بمقال يستحق التفكير، ولكن أعماله تفترض مفهوما للعقل لا يمكن الدفاع عنه. اعتقد كَانْت ، بانه يوجد عقل مشترك لكل المجموعات البشرية، يمكن أن ينتج قواعد معيارية محددة. ولكن مثل هذا العقل لا يوجد. ان النزاعات في افغانستان والشرق الأوسط أظهرت لنا ببرهان ساطع، بان العقل العملي ليس بالإطلاق ابداً، وانما – على خلاف ما اعتقد كَانْت – يظهر دائما في السياقات الثقافية. كما ان الارهاب لا يمكن دحره بالحجة والبرهان فقط، فهذا ايضا واضح؛ ولكن الاكثر خطورة باننا لا نستطيع ان نفند بانه ليس "عقلانياً". يستطيع المرء أن يشجب الارهاب بالقسوة واللاإنسانية والتعصب ... إلخ ولكن من الذي يستطيع ان يُظهر بان سلوكهم ليس "عقلانياً"؟
أن "العقل" كما فُهم من كَانْت ، ليس "حقيقة"، وانما سراب، الذي يضللنا باستمرار الى سلوك خاطي:
الذي يضع " العقل" في مصاف المطلق، يعمم وجهة نظره الخاصة ايضا كمطلق.
ان عدم صلاحية أفكار كَانْت " للسلام الدائم" ليست حجة ضد ضرورة سياسة سلام جديدة. نحن نحتاج الى توجيه مفيد وطويل الأجل لسياسة الاتحاد الأوروبي. يجب ان تكون فضلا عن سياسة سلام عالمية ايضا على سياسة بيئية مؤسسة على استراتيجية البقاء على الحياة في نطاق كوكبي. مع أو (الأفضل) بدون كَانْت.
يعود الالمان غالبا عندما تلم بهم النكبات والكوارث الى تراثهم وعلماؤهم وأدباءهم. واذكر عندما انفجرت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في عام 2008 أصدرت دار دي تسايت في مجلتها الفصلية المتخصصة بالتاريخ3 ، عددا خاصا عن كارل ماركس. ويتصدر الغلاف صورة ضخمة له وبعنوان "نبي الأزمات" ومع مقال ضافي " لماذا تستحق العودة لقراءة ماركس من جديد".
والتراث كسؤال واشكالية وقضية تعرض له الكثير من الباحثين العرب من مختلف الاتجاهات الفكرية والثقافية والايدلوجية. والعودة الى التراث ليس بهدف وجود الحلول لأزمة راهنة، فالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تختلف عن الماضي - ويقول ماركس بنفسه " إن كل حقبة تخلق نظريتها ومنظريها" – وانما مراجعات نقدية و ربط الأمة بتراثها، وكيف تخطت ازماتها السابقة.
بدأت فلسفة واعمال كَانْت في العالم العربي تتجاوز الدراسات الأكاديمية الى رحاب الثقافة العامة الرحب، بالرغم من صعوبة فهمه وصعوبة لغته، بفضل جهود عبد الرحمن بدوي وعبد الغفار مكاوى، الذي ترجم كتاب "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق عن الالمانية، وغانم هنا الذي ترجم كتاب" نقد مَلَكة الحكم"، وكتاب نقد العقل العملي وكتاب " نقد العقل المحض" عن الالمانية، وموس وهبة الذي ترجم كتاب "نقد العقل المحض" عن الفرنسية، تمثيلاً لا حصرا وأود ان اشير الى ابحاث وكتابات هشام عمر النور ( قسم الفلسفة – جامعة النيلين، السودان)، عن مدرسة فرانكفورت النقدية، التي قادتهايضا الى فلسفة كَانْت النقدية.
واود أن اختم هذا العرض الموجز، بجملة بليغة ل كَانْت والتي اصبحت شعاراً لحركة التنوير، وهي عبارة عن رد على سؤال ما هو التنوير:
" التنوير هو خروج الاِنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه"
Was ist Aufklärung?
Aufklärung ist der Ausgang des Menschen aus seiner selbst verschuldeten Unmündigkeit.
1-Die Zeit, 3.Dezember 2015 No 49
2- Mohamed Turki, Einführung in die arabisch – islamische Philosophie, 2015
3- Zeit Geschichte, NR. 3 2009
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.