شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    البرهان يقدم واجب العزاء في الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة 22 مشاة بابنوسة    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أنتِفوها... يرحمكم الله! .. بقلم: فتحي الضَّو
نشر في سودانيل يوم 12 - 01 - 2010

بما أن العصبة ذوي البأس أصبحوا يوحون للناس أنهم بصدد تغيير جلود الديكتاتورية والشمولية، ويريدون أن يستبدلوها بجلود الديمقراطية والتعددية، في انتخابات يقولون عنها إنها ستكون حرة ونزيهة. نحن نقول لهم إن التغيير الحقيقي يعني عدم تناسي الماضي بكل قبحه وسوءاته. فثمة بيوت سيئة السمعة كانت وصمة عار في حياتنا السياسية.. كان الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، فمن ذا الذي يملك صكوك الغفران؟ وثمة أرواح أُزهقت ونفوس عُذبت وأعراض أُنتهكت، فمن ذا الذي يغفر ويصفح؟ وثمة أرزاق قُطعت وأخلاق تضعضعت وقيم تخلخلت فمن ذا الذي يقول عفا الله عما سلف؟ وثمة حروب اشتعلت وعقائد تصادمت، وأحلام وطن قُبرت فمن ذا الذي يستطيع أن يُحي العظام وهي رميم؟
تعلمون – سيداتي وسادتي – حاول دهاقنة العصبة ذوي البأس في بواكير عهدهم بالسلطة بالمُغتَصَبة، تشنيف آذان السودانيين باحدي بدع الضلالة التي تصطك لذكرها الأسنان وترتعد من سيرتها الفرائص. إذ إدعّوا يومذاك أن العناية الالهية إبتعثتهم في مهمة دنيوية تهدف إلي (إعادة صياغة الانسان السوداني) غير آبهين بإنقطاع الوحي عن العباد بخاتم انبيائه، ولا بانتهاء المهام الربانية التي اوكلها الله لآخر رسله، والذي رحل عن دنيانا الفانية بعد أن رضى لنا الاسلام ديناً. لكن بالرغم من كل هذا فقد كانت تلك العبارة من الشعارات ذات العيار الثقيل، ولها من الترهيب والجبروت بحيث تستطيع أن ترسل كل من يحاول الاقتراب الي محرقة التكفير. ولم يكن ثمة مناصٍ أن يفر البعض بدينهم متوخياً السلامة عند (نجاشي) لايُظلم عنده أحد. وضرب آخرون اكباد الأبل نحو قوم موسى لعلهم يجدون عندهم عصاه لتلقف ما يأفكون، وقطع رهط المحيطات والبحار متجهين صوب فسطاط الكفر ليطعمهم من جوع ويأمنهم من خوف!
وقيل يومئذٍ أن الذين تواصوا علي وثيقة الاعلان العالمي لحقوق الانسان قبل نحو نصف قرن أو يزيد قليلا، تحسسوا موطيء أقدامهم ومقابض أقلامهم، وكادوا أن يعلنوا عجزهم وفشلهم وخيبتهم، لأنهم بقدر ما اجتهدوا وصاغوا الخيال واقعاً، وظنوا أنهم لم يتركوا فيه شاردة ولا واردة إلا وضمنوها تلك الوثيقة، إلاّ انه لم يخطر ببالهم أن عصبة يمكن أن تأتي إلي سدة سلطة - بغض النظر عن شرعيتها - وتدعو جهرةً الي خلق جديد في روح انسان قديم، ثمَّ تدعى كذباً أنها قادرة على أن تسوى بنانه.. ليخط به ما لم يخطر على قلب شعوب وأمم!
على عكس ما درج عليه الناس، فكر الصاغة ثم قدروا أن مشروع إعادة الصياغة يستوجب توفير كل أسلحة الدمار الشامل، تلك التي تحيل المُثل والأخلاق والقيم الي هشيم تذروه الرياح في غمضة عين. استنهضوا من بين الركام متشاعر موهوم، وظيفته الترغيب في الآخرة، ولكن بتسفيه الدنيا التي أوصي المولي بها عباده خيراً. وأزاحوا الغبار عن مغنٍ إفتري علي الناس عبثاً، وطفق يرهق عباد الله بتلك الطلاسم التي تخدش الوجدان وتبلّد المشاعر وتدمي القلوب التي في الصدور!
بيد أن الصاغة رأوا أيضاً ان الصياغة لن يكتمل بدرها إلا إذا إستنبت القوم تلك الشعيرات في أذقانهم وهم مقمحون، فهرعوا الي بطون الكتب الصفراء يستخرجون منها سموم تلك الأفاعي الزاهية الوانها، ومثلما يسري الطاعون في مدن المسغبة، صحا الناس ذات يوم ووجدوا وجوه أصحاب المشروع وقد إكتست شَعَراً، واضحت تهلل وتكبر شِعراً يقول أن السلطة التي قتل قابيل هابيل بسببها هم فيه زاهدون. وبغض النظر عن الضلالة في الدعاوي، إلا أن تضليل الغاوي تمثل في تلك الشعيرات التي وضعت البعض في حرج بالغ. لأن تكوينهم البايولوجي لا يساعد على إستنبات ذلك الزرع في الوجوه، فاستجلبوا له كل أنواع السماد البشري ليستغلظ ويستقوي علي سوقه وليعجب الكفار. لكن دون جدوى، إذ بدت الوجوه بشعيراتها المتطايرة كحُمرٍ مستنفرة.. فرّت من قسورة!
إزاء الترهيب الوظيفي والاجتماعي والارهاب الفكري والديني، لم يكن أمام الذين في روما سوى أن يفعلوا ما يفعله الرومان - كما يقول الفرنجة - ولهذا لم يكن بمستغربٍ أن يجاري البعض الظاهرة، ليبدوا وكأنهم ينتمون لقبيلة أهل الولاء. فجنح البعض كذلك إلي إستنبات شعيرات تدرأ عنهم شبهة التكفير وتبعد عنهم سيف الفصل التعسفي المصلت على الرقاب، لكن ذلك ما لا يمكن أن تتجاهله المخيلة الشعبية، ويفوت علي فطنة الذين تعودوا علي مداراة همومهم بالسخرية، فأطلقوا علي الظاهرة مسميات تتسق والإنتهازية التي نهلت منها، فسموها مرة (دعوني أعيش) وأخري (من أجل أبنائي) وثالثة (تمكنّا) ورابعة (تفرعنّا)، وتجدر الإشارة أن الأخيره هذه من مسكوكاتي الخاصة، والتي أسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتي، بعد أن إستهوتني القافية ووجدت فيها التعبير الأقرب لها من حبل الوريد!
تذكرون - سيداتي وسادتي – وما أبأس ذكرياتنا، يومذاك خرج علينا عرّاب النظام الجديد من (نور السجن) إلي (ظلام السلطة) وذلك بعد أن اكمل شهور (العُدّة السياسية) التي قضاها مع ضحاياه في السجن العتيد، فنحروا له قطعان من الخراف والأبقار والجمال، فحركت رائحة الدم شهوة القتل والانتقام والثأر في قطيع ثيران المصارعة الاسلاموية، فصاح نائحهم يا معشر بني غربان نريدها حمراء بكل يد مضرجة تدق! ومن أراد أن تثكله أمه فليحاول أن ينزع منّا قميصاً ألبسنا له الله! هنيهةً وحتى يبث الرعب في النفوس وتخرج العيون من محاجرها، قاموا بنحر 28 نفساً زكية في الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وقالوا للناس من رأي منكم هلاله متسربلاً بدماء الكفرة الفُجرة فليصم أبد الدهر!
بعد أن جاءته الخلافة تجرجر أذيالها إعكتف فارس بني مروان قليلاً في مدينة (قُمْ) الكائنة في أطراف العاصمة، وقال لحوارييه متي أضع العمامة تعرفوني، وبدأ يرسم لهم المشروع سطرا سطرا، ويصدر لهم الفرمانات شفاهة دون قلم يُدمي بنانه، وأصبحت داره كدار أبي سفيان، من دخلها فقد أمن نفسه وأهله من غوائل الدهر. ثم خرج عليهم ذات يوم وقد إرتدي بزة عسكرية، وأشار عليهم بعصاه جنوباً وقال لهم بصوت جهير: يا سارية خاصرة الوطن! فحمل النيل الأبيض دماءً حمراء أثقل من الماء ووضع أوزارها عند ملتقي النيلين. وصحا أهل المدينة النائمة ليجدوا أن عاصمتهم وقد تحولت إلي سرادق كبير للعزاء!
ثمّ مدّ قرين الحجاج بن يوسف الثقفي بصره إلي ما وراء الحدود، فتلبسته أوهام الأممية، فقال مخاطباً الغافلين والذين في آذانهم وقر (هذا نموذج سوداني سنحسنه ونهديه للعالم!) ويومئذ كان في ذاك الوطن مواطناً يدعي أبوبكر الصديق يزجر ابنه لمجرد أنه طلب منه (حق الفطور) وآخر اسمه علي بن أبي طالب وقد وضع يديه علي خديه لأنه لا يملك (ثمن الدواء) لزغب حواصل يتضورون سقماً، وثالث اسمه عثمان بن عفّان يهيم علي وجهه بعد أن فُصل للصالح العام، ولم يك ساكن القصر الذي بناه غردون هو عمر بن الخطاب الذي صعد المنبر بغتةً وقال: أيها الناس تعرفون أنني رعيت في مكة غنم خالات لي من بني مخزوم نظير حبات من تمر أو قبضة من زبيب، ثم ترجل عن المنبر، كمن خلّف من وراءه حملاً ثقيلاً، فباغته عبد الرحمن بن عوف متسائلاً: لماذا قال ما قال، فأجابه ويحك يا ابن عوف خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد فمن ذا أفضل منك؟! فأردت أن أعرفها قدرها!.
تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. يومئذٍ وقفت العصبة ذوي البأس في العقبة، وهي لا تلوي علي كبير شيء. ولهذا لم يكن غريباً ولا مفاجئاً ان يختلف اللصان ويظهر المسروق للناس والشمس في رابعة السماء، ذلك لأن اعادة الصياغة لا تأتي عبر دبابة، ولا تسكن بيوت اشباح، ولا تأكل اموال الدولة بالباطل، ولا تعوث في الأرض فساداً، ولا تستحل السحت، ولا تقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تخون الأمانات، ولا تكذب إن أقسمت، ولا تنام متخمة وفي (الرعية) من يبيت الطوي، ولا تكنز الذهب والفضة وفي ريع دولتها حق للسائل والمحروم!
عندما كان المشروع الحضاري تتساقط أوراقه واحدة تلو أخري فيما أسميناه في مقال سابق (بالإستيربتيز الأيدولوجي)، كان المكلومون يبحثون عن ابنه السفاح المسمي (اعادة صياغة الانسان السوداني) فأدركوا أنه حي يرزق، فقد نجحت العصبة في مهمتها الدنيوية والأخروية ولكن في مسار آخر علي عكس ما إجتهد الفارابي في تضميينه مدينته الفاضلة، وبخلاف ما رمي له أفلاطون في جمهوريته المثالية، بل من عجب أن فرّت من مثالهم، حاكمية سيد قطب وتراسيم أبو العلاء المودودي، والمفارقة أن المتهم رقم واحد والموصوم بالارهاب الدولي والذي سبق وأن قسّم العالم إلي فسطاطين، تبرأ منهم هو أيضاً قبل أن يدير لهم ظهره ويعود من حيث أتي. وعليه ليس علي المتلجلج أو الملتبس حرج إن لم يستطع تصنيف دولة العصبة الراهنة، بعد أن أصبحت بلا مرجعية، أى بلا لون ولا طعم ولا رائحة!
بعد ما يناهز العقدين من الصياغة الاجبارية، كانت المحصلة تدعو للحزن والرثاء، إنتشرت الظواهر السالبة في المجتمع، إزدادت معدلات الفقر، تفاقمت الجريمة، تمدد الفساد المالي، تفشي الفساد الأخلاقي، انحسرت القيم الجميلة التي كان يستظل بها الناس وتباهوا بها شعراً ونثراً، وحلت مكانها ثقافة أخري تدعو للرذيلة وتُحور مسمياتها، فقد أصبحت السرقة شطارة، والاختلاس فهلوة، والنصب ذكاء، والاحتيال علاقات عامة. تحول أصحاب الايادي المتوضئة والأفواه المتمضمضة إلي غزاة استباحوا مدينة غريبة، سآموا أهاليها سوء العذاب، واستحيوا نساءها بذرائع الحلال مثني وثلاث ورباع، وتطاولوا في البنيان بدعوي أن ربك حثهم علي الحديث بنعمته، وأصبح مألوفاً أن يري الناس دينهم الذي جُبلوا عليه بالفطرة وقد ولي الادبار، وقال البعض قولته التي جرت مثلا دارجاً بين الناس: لو كان بمثل ما يدعون فنحن منه براء!
لكن الأنكي وأمر أن القول نفسه أجرته الضغينة علي لسان أحد السبعة العظام الذين نهضت دولة العصبة علي أكتافهم (أسماهم البعض يومذاك توهماً بالمجلس الأربعيني) تحدث السيد يس عمر الأمام لصحيفة ألوان (12/8/2007) بعد أن غادر وكر السلطة الدافيء، فقال قولاً تقشعر منه الأبدان (الحركة الإسلامية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التى تحملها للناس، وزارني بعض الأخوان بالمنزل وكان من ضمنهم حسن الترابي، وقلت لهم بأنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام فى المسجد الذى يجاورني بسبب الظلم والفساد الذى أراه، وقلت لهم بأننى لا أستطيع أن أقول لأحفادي أنضموا للأخوان المسلمين، لأنهم يرون الظلم الواقع علي أهلهم (فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للأسلام في السودان، أنا غايتو بخجل) وأكد قوله في فقرة أخري (أعتقد أن تجربة السودان جعلت المواطن العادي لديه ظن سييء في شعار الاسلام ولا عشم له حوله) والمُوسِي أن رجلاً اسمه محمود محمد طه وهو من غير جماعة يس، عندما أجري الله مثل هذا القول علي لسانه قبل ربع قرن، كان ثمنه حياته!
أيضاً كان ذلك قول يس عضو الجماعة، أما قول يس الذي أرسله الله بشيراً ونذيراً فقد قال قبل أكثر من أربعة عشر قرناً (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان) وذكَّرهم في حديث آخر كيف تكون القدوة الحسنة (والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وربّ يس الذي أنزله قرءاناً عربياً يهدي إلي الرشد قال مخاطباً يس النبيّ كيما يتعظ يس عضو العصبة (اليوم نختم علي أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) بيد أن هذا وذاك مما تتغافل عن رؤيته جماعة يس، وقد تذكَّره عضوها يس في لحظة ضعف انساني!.
عوضاً عن ذلك شغلوا أنفسهم بمعارك وهمية، فقالوا عن الدولة المدنية مالها؟ قلنا يومئذٍ نحدثكم أخبارها.. علي لسان المفكر الفرنسي جان جاك روسو (1721-1778) صاحب كتاب العقد الاجتماعي ذائع الصيت، والذي صدر قبل قرنين ونصف أي في العام 1762 وقد ترك أثراً كبيراً في الفكر السياسي الثوري العالمي بصورة عامة والفرنسي بصورة خاصة قال: (إن فرداً ما قد يخضع نصف العالم، ولكنه يظل دائما مع ذلك فرداً، فمصالحه هي مختلفة تماماً عن مصالح الآخرين. وعندما يموت تتحلل ممتلكاته وتتبعثر، فهو مثل شجرة بلوط كبيرة تنهار وتتحول إلي رماد بمجرد أن تلتهمها النار) لكن ذلك ما لا تقرأه العصبة التي جاءت إلي السلطة متلحفة عباءة لويس السادس عشر مواطن روسو نفسه والقائل (انا الدولة والدولة أنا)!
إن إعادة الصياغة بالصورة التي إرتأتها العصبة ذوي البأس وخططت لها، كانت مجرد ذر رماد في عيون واقع لا يمكن للعين أن تخطئه، فيه المتحول الذي تجسده سلسلة تفاعلات تاريخية، بدايةً بالدولة الكوشية والمروية والنوبية (المسيحية) بممالكها الثلاثة (نوباتيا، المقرة، علوة) ومروراً بالممالك الاسلامية المختلفة (الفور، الداجو، الفونج، المسبعات، تقلي)، ثم التركية التي جثمت نحو ستين عاماً علي صدر البلاد، ومثلها الحكم الثنائي البريطاني المصري، وبينهما المهدية، وإنتهاءً بدولة ما بعد الاستقلال بعلوها وهبوطها، أما الثابت فذلك ما تقوله اللوحة الفسفسائية الجميلة والممثلةً في التعدد الأثني والثقافي والفكري والعقائدي، فما لكم كيف تحكمون؟.
الآن بعد أن قَبر المؤتفكة أو قَبر الواقع مشروعهم الاسلاموي المخادع، وغشت بعضهم صحوة ضمير، نحن ندعو برباط المواطنة المخلصة، والعقيدة السمحاء غير المشوة بغرض، كل من استزرع واحدة بعد العام 1989 من شاكلة التي سخرت منها المخيلة الشعبية أن ينتفوها، لأنها منتنه كدعوة الجاهلية تماماً، مثلما أنها تذكرنا بتلك الحقبة الكالحة التي حاولت أن تقزم انسانيتنا وتستحقر كرامتنا. وليتذكروا قول يزيد بن ربيعة في شأن عبد الله بن زياد والي سجستان: ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/ فتعلفها خيول المسلمينا) وفي مقاربة اقتبس منه شاعرنا الراحل صالح عبد القادر تلك الرؤى وقال (ألا يا هند قولي وأخبريني/رجال الشرع صاروا كالمعيز/ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/فتعلفها خيول الانجليز) وليدركوا انفسهم قبل أن يدركهم قريض شاعرنا الفحل الراحل عبد الله عمر البنا في قوله (وهيكل تبعته الناس عن سرف/ كالسامري بلا عقل ولا دين/ يحتال بالدين للدنيا ليجمعها/ سُحتاً وتورده في قاع سجين)!
إن الذين نعنيهم يعلمون انفسهم، ولكن في المقابل نحن نعلم أن هذه الدعوة المخلصة لوجه الله، ستزيد بالمقابل الذين رعوا أذقانهم ليس رياء الناس أو كذب يفترونه أو انتهازية يتوسلون بها مصلحة، ستزيدهم ثقة في انفسهم ووطنهم ودينهم. وتعلمون يا من هداكم الله أن الظاهرة كانت من قبل أن تهبط علينا ثعالب المشروع الحضاري، دليل علي التسامح الذي كان يعم المجتمع، وفيه تلك الهرمية الجميلة التي يحترم فيها كبيرنا صغيرنا، ويوقر فيها صغيرنا كبيرنا! فعندما يُزين بها الكبير وجهه يناديه الصغير تحبباً بإحدي الحسنين، إما يا عمّ إن كانت سوداء تبهر وجه الطامحين، أو يا حاج إن كانت بيضاء تسر الناظرين. ولكن تأمل بعدئذٍ كيف تحولت الظاهرة إلي (فوبيا) علي إثر الصياغة المزعومة، فقد قال لي صديق يعمل في مجال المال والأعمال، أنه دائما ما يكون مهجوساً من اثنين في تعاملاته التجارية... الذين زرعوها في وجوههم عنوة واقتدارا، والذين يكثرون من القسم بمناسبة أو بدونها، فاحذر أخى واختي المؤمنة أن تُلدغوا من احدى الحيتين!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.