مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    الأمة القومي يجمد المفاوضات مع (قحت) ويهدد بعدم المشاركة في الحكومة    تجمع المهنيين يعلن جدول التصعيد الثوري لاغلاق مقار اعتقال الدعم السريع    مصدر: حمدوك لم يستلم ترشيحات (قحت) للوزارة ويشترط الكفاءة    العناية بالاعمال الصغيرة تقود الي اعمال كبيرة ونتائج اكبر وأفضل .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    اللجنة المنظمة لمنافسات كرة القدم تصدر عدداً من القرارات    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    إنهم يغتالون الخضرة والجمال .. بقلم: ابراهيم علي قاسم    السودان ضمن دول عربية تبحث مع إسرائيل تطوير الطاقة    بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الإنقاذ كانت تجربة ضرورية هي ليست سلطة دينية، وإنما فكرة مادية 01
نشر في سودان موشن يوم 18 - 03 - 2011


ثورة رجل الشارع العادي المغمور والطريق غير المطروق
" لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك"
سلطة الإنقاذ ولدت ميتة تحمل عناصر فنائها في ذاتها ومع ذلك
فقد إستطاعت أن تحكم السودان لأكثر من عشرين عاما
لقد ماتت فكرة الأخوان المسلمين ، وماتت معها جميع مدارس الفكر السلفي التقليدي السوداني، في يوم 30 يونيو 1989، يوم أذاع العميد عمر حسن أحمد البشير، بيان الإنقلاب العسكري، مموها به الهوية الإسلامية الحزبية للإنقلاب، بخديعة كبرى، وبكذبة بلغاء مشهورة، زج بها بصاحب فكرة الإنقلاب في السجن، وذهب هو إلى القصر، إمعانا في تضليل الشعب السوداني، وإستغفاله، والزراية به، والضحك عليه.
إن مجرد إستيلاء نفر من الضباط والجنود على السلطة، عن طريق إنقلاب عسكري، يعتبر خرقا للدستور، وخيانة للأمانة، وحنثا باليمين، وتنكرا لواجب المهنة، وخروجا عن مهمة الجيش الأساسية ، ولذلك فإن الإنقلاب العسكري، يقع في باب الجرائم الكبرى، التي تقتضي عند الإدانة بها، أقصى العقوبات وأقساها.
فكيف إذا كان كل ذلك الغدر والغش، تبريرا وتخطيطا مبيتا، من أجل إقامة دولة الإسلام المزعومة!!
وكيف إذا تم التوسل لتلك الغاية، بالمباغتة وبالتآمر مع مدنيين، يشكلون قبيلا يدعي الإسلام، و حزبا يشارك في العملية الديمقراطية، و يمثل بطائفة من أعضائه في المجلس المنتخب الذي قام ضده الإنقلاب!!
وكيف إذا إستمر ذلك الحزب في السلطة لأكثر من عشرين عاما، تحت أسماء مستعارة، مزيفا للحقيقة، وسائرا في طريق قوانين سبتمبر، التي بدلت القوانين السودانية المدنية المتحضرة، بقوانين مذلة للنساء والرجال... ومما زاد الطين بلة، أن تلك القوانين، ظلت تشرف على تنفيذها طوال أيام الإنقاذ أجهزة أمن لا تتورع عن أي فعل، ويقضي بها قضاء بعيد عن إستقلال القضاء وحيدته ونزاهته.
وما يقال عن القوانين والقضاء والأمن ، يقال عن تسيس هذا الحزب للخدمة المدنية وخرقه نظمها العريقة في التعيين والترقيات ، وإفساده لمناهج التعليم والحط من قدر المؤسسات التعليمية العالية، وتطفيف المعاني العلمية للألقاب الأكاديمية الرفيعة، وتدميره للاقتصاد الوطني ومشاريع البلاد الكبرى، ونشره للمحسوبية وإستغلال النفوذ، وتصرفه في المال العام دون رقيب ولاحسيب.
ولم تكتف سلطة الإنقاذ بكل ذلك التدمير، وإنما ظلت تسخر كل إمكانيات الدولة، من اجل التمكين لحزبها ولقبيلها ولمن نافقها... ثم إنها قد إنتهجت مناهج غريبة، في إذلال معارضيها، وتبخيس أقدارهم بالخداع والاستدراج، وبالترغيب وبالترهيب.. بالترغيب بالمال والوظائف، أوبدعوى المصالحة وجمع الصف الوطني... وبالترهيب بالقتل والسجن والتعذيب وما إلى ذلك من وسائل التخويف والإبتزاز.
إذا كان ذلك كذلك، الا يكون هذا الحزب قد شوه الإسلام، وأهدر القيم، و زيف الديمقراطية، وقسم بلاد السودان العظيمة، وفرط في وحدتها، وفصل جنوبها عن شمالها، وأشعل النار في غربها، ثم قضى على نفسه بالموت الزؤام ، لإجهاضه كل القيم الدينية والقانونية، وهزيمته لأخلاق الشعب السوداني النبيلة، وتقاليده العريقة، وأعرافه السمحة... بعد كل هذا، فإن إستمرار سلطة الإنقاذ في الحكم، أصبح غير ذي معنى وغير ذي هدف، فماذا يكسب الإنسان، إذا ربح العالم وخسر نفسه!!
إذا كان هذا التقرير صحيحا – وهو لابد صحيح - فإن جنين سلطة الإنقاذ، يكون قد ولد ميتا، دخل الوجود الحي الزاخر، من باب ضيق ضنك، ذبحت عند وصيد أعتابه القيم الدينية الرفيعة، وهريقت في قارعته أمواه الحق والعدل.
من تناقضات العقل البشري نبعت سلطة الإنقاذ
هذه المقدمة القصيرة ليست من صنع الخيال، وإنما هي وقائع ملموسة ومعاشة، ولم أفعل شيئا سوى سردها وتقديمها في موجز مختصر. إنها وقائع يعرفها ويحس بها جميع أفراد الشعب السوداني، على تفاوت بينهم، بل يعرفها ويحس بها أهل الإنقاذ أنفسهم، بصرف النظر عما يقدمونه من تبريرات لها.
إن سلطة الإنقاذ ليست سلطة دينية، وإنما هي فكرة مادية، نبعت من تناقضات العقل البشري، دبرها شيوخ ماكرون، ونفذها شباب مغامرون، وهم يبتغون من وراء ذلك حسب زعمهم إقامة دولة الإسلام، وتحقيق السعادة للشعب السوداني، ولكن لم تقم للإسلام دولة، وإنما طففت موازينه الدقيقة، ولم تتحق للشعب السوداني سعادة، وإنما تم تمزيق بلاده العظيمة.
لم يسعد بالإنقاذ أحد، لأنك لا تجني من الشوك العنب، ولاتصل إلى غاية الخير بوسيلة الشر... لم يسعد بالإنقاذ أعضاء مجلس ثورتها ومفجروها ورواد الحركة الإسلامية وآباؤها الأولون، فمنهم من قضى نحبه في حوادث مريبة، ومنهم من مات في الجنوب بما يربو على العشرين ألفا، في حرب إعترف بعض فقهائهم بأنها لم تكن حربا دينية وهي على التحقيق كذلك، ومنهم من أعدم، ومنهم من لم يزل حاملا السلاح ضدها، ومتربصا بها الدوائر، ومنهم من شرد، ومنهم من همش، ومنهم من ينتظر، بما في ذلك شيخ الإنقاذ وصانعها وأستاذها، والذي هو الآن حبيس معتقلاتها .
وقد يقول قائل، إن سلطة الإنقاذ قد أنجزت بعض المباني والطرق، وشيدت بعض المصانع والمستشفيات والمدارس وكذلك بعض المشاريع، ومنها إستخراج البترول الذي كان مكتشفا منذ السبعينات... هذا صحيح بالطبع، ولكن بأي ثمن تم هذا؟ وكيف تم؟ وهل تمت هذه الإنجازات وفقا للأصول القانونية والمهنية وقواعد النزاهة والأمانة ؟ وهل تمت مراعاة الأولويات فيها؟ ألم تهدر موارد البلاد في إنفاق بذخي على العاملين عليها وفي صرف على أجهزة الأمن، وأجهزة الحزب بصور غير مبررة؟ ومهما يكن من أمر، فإن مثل هذه الإنجازات لا تحتاج إلى ثورة دينية، وإنما يمكن أن تقوم بها حكومة مدنية متوسطة الحال، بصورة أكفا، وبتكلفة أقل، إذا تم منحها بضع أعوام.
إذا وضعنا كل ما ذكر في الإعتبار، فإن سلطة الإنقاذ لا محالة زائلة، لأنه لا يصح إلا الصحيح: " فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"... بل إن هذه السلطة الماكرة قد زالت بالفعل، ولم يبق منها إلا ألقاب مملكة في غير موضعها:" كالهر يحكي إنتفاخا صولة الأسد" وهي ستذهب في التاريخ مثلا من أسوأ الأمثلة التي أثرت عن جميع عهود الإنحطاط الفكري.
إنني لست بصدد الزراية بسلطة الإنقاذ، أوالتهكم عليها، أو التقليل من شأن ما يمكن أن تفعله، فيما تبقى لها من أيام في السلطة، ولكنني أحببت لقرائي الكرام، ولأهل الإنقاذ أنفسهم أن يتأملوا في الوقائع التي سردناها قبل قليل، وينظروا : هل الإنقاذ ثورة دينية؟ وفي سبيل ماذا سفكت الدماء؟ وفي سبيل ماذا جيشت المليشيات، وحمل الجميع السلاح؟
ثم إنني أحببت لكم ولنفسي، أن نعرف الأرض التي نقف عليها، فإن من لا يعرف مواطئ قدميه، لا يستطيع التحليق في الآفاق، وإن من لم يكن واعيا بطبيعة المشاكل والعوائق حوله، لا يستطيع أن يصنع ثورة، وهو إن صنع ثورة، فإنها لا تكون ثورة بالمعنى الحقيقي للثورة، وإنما هو مجرد تغيير سطحي، يستبدل به الشعب السوداني الوجوه القديمة، بوجوه جديدة، وتظل على القلوب أقفالها، وعلى العقول ظلامها.
إنني أحب لكم ولنفسي، قبل إحداث أي تغيير، أن ننظر في الأسباب الحقيقية، التي مكنت سلطة ولدت ميتة، أن تعيش كل هذا العمر المديد، الذي لم يتسن لحكومة سودانية قبلها منذ الإستقلال .
مثل هذا الصنيع هو الذي يمهد الأرض للثورة الفكرية الحقيقية، وهو الذي يؤدي للتغيير السلمي مأمون العواقب، وهو هو الذي يجنب هذا الشعب الطيب تكرار التجارب الفاشلة، فإن كل تجربة لا تورث حكمة ، تكرر نفسها.
أحب لقرائي الكرام، أن ينظروا نظرا دقيقا، في المنابع التي نبعت منها سلطة الإنقاذ ، وأن يتأملوا تأملا مليا، في السيرة التي سارت بها في مسيرة مخضبة بالدماء، ومشوبة بالفساد، ومليئة بالمكائد، ومحفوفة بالمفجآت:
نمشي عليها فوق كل فجاءة كالطير فوق مكامن الأشراك
النظر إلى صور ألأشياء حولنا فيما يجري في العالمين الأفريقي والعربي
زيادة على ما تقدم، فلا بد من النظر فيما حولنا ، ولا بد أن نتأمل في تفاصيل الأحداث التي تجري في هذه الأيام ، في العالمين العربي والأفريقي، من حركات شعبية، تأمل سلطة الإنقاذ توظيفها لإطالة عمرها، بالمكر والخديعة، مثلما حدث لها من إنساء في أجلها ، بفضل إتفاقية السلام الشاملة، وغيرها من أحداث، في مرات عديدات.
فإذا نجحت سلطة الإنقاذ هذه المرة، فإن الشعب السوداني على التحقيق مقبل على نكبات أعظم، ولكن ذلك لن يتم لسلطة الإنقاذ بفضل الله ولطفه، وبعناية أزلية سابقة، من لدن حكيم عليم، ويؤيد تجلى هذه العناية الأزلية السابقة، ظهور حكم الوقت، حكم السلام والمحبة والإستقامة، فمهما تعاظم الفساد، فإن ربك لبالمرصاد.
فلا يرهبنكم أن القوة السلفية، قد رمتكم بفلذات أكبادها، وعادت اليوم تبتغي إجلاء الصدأ عن فكرها الذي شوه الإسلام، والذي يقوم على إثارة العواطف الفجة وإستغلال الحماسة الدينية، فانتهزت سلطة الإنقاذ إستضافة الخرطوم لمؤتمر القدس، فدعت له كل زعماء الهوس الديني، من قادة حماس واضرابهم، والذين بدت عليهم نشوة ظاهرة، وهم يهمون بخطط جديدة، ولكن هيهات هيهات ، فإن حكم الوقت الحاضر للسلام وليس للحرب.
في ذلك المؤتمر العجيب رفعت شعارات المقاومة المضللة، والتلويح بالحرب الجهادية، وهو عمل ما أريد به الشعب الفلسطيني، وإنما أريد به إستغلال الدين لأغراض السياسة.
وبالطبع فإن الشعب السوداني لم ينس أحاديث الرئيس البشير عن تطبيق الحدود، وعدم الإعتراف بالتنوع الثقافي، كما أن زيارته لمصر ومقابلته لزعماء الأخوان المسلمين لسيت ببعيدة عن الأذهان. قام الرئيس البشير بتلك الزيارة العجيبة المفاجئة، متنكرا لوده القديم للرئيس السابق مبارك، ومن غير أن يراعي شعور الشعب المصري، الذي لم تجف دماء شبابه، الذين أسقطوا دولة شمولية قاهرة، مثل دولته تماما، بل أفضل منها في كثير من الوجوه... لقد أحسن الزعماء المصريون الذين إعتذروا عن مقابلة الرئيس البشير، فذلك أمر طبيعي ، فإن مقابلة رجل شمولي مثله، أمر غير لائق بهم ولا بشعبهم.
إن حكم الوقت الحاضر يقتضي إقتلاع الفكر السلفي من جذوره، وعلى الأخص فكرة الجهاد، لاسيما أن الدعوة السلفية، تحت قهر سنة التطورالغلابة ، قد الغت توابع الجهاد من جزية ورق.... كما ان حكم الوقت الحاضر يلزم بإلغاء تشريعات الحدود، و التمييز بين النساء والرجال وتوابعه من إستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وما إلى ذلك من تشريعات الوصاية المرحلية .
وليس أدل على أن كل أولئك تشريعات مرحلية ومؤقتة، يلزم حكم الوقت الحاضر بتطويرها، أن دعاتها قد تخلوا عنها، فهاهم إخوان سلطة الإنقاذ في تونس يدعون اليوم إلى الحرية والمساواة في الحقوق، والإعتراف بالآخر، ومعلوم أنه قد سبق للأخوان المسلمين بتونس، أن نقدوا نقدا واضحا تجربة سلطة الإنقاذ في تطبيق الإسلام، والجدير بذلك أن حزب النهضة التونسي، قد تخلى عن إسم الأخوان المسلمين من زمن بعيد.
وهاهم إخوان سلطة الإنقاذ في مصر، يركلون إسمهم القديم (الأخوان المسلمين)، وينتحلون إسما وسطيا جديدا، يدعون تحت مظلته للإعتراف بالآخر، ثم يقولون إنهم قد نبذوا العنف، كما إنهم لا ينكرون المعاهدات الدولية التي أبرمتها جمهورية مصر، بما في ذلك إتفاقية السلام التي قررت الصلح مع إسرائيل، غير عابئين بسلطة الإنقاذ وقادة حماس الذين دعوا إلى مقاومة إسرائيل في مؤتمر الخرطوم الأخير... والأغرب من ذلك أن إخوان مصر يزعمون أنهم حزب سياسي، لا يدعو إلى دولة دينية، وإنما يدعو إلى دولة مدنية ولكنهم يضيفون إليها بإستحياء عبارة ( ذات مرجعية دينية).
وهاهم أخوان ليبيا ينفون علاقتهم بالقاعدة، ويقولون إنهم مجرد مواطنيين عاديين ، آذاهم الظلم، وتجبر الطاغية، فثاروا عليه، ويؤخذ من هذا أنه ليس في نيتهم إقامة حكومة دينية.
إذا كان إخوان تونس وإخوان مصر وإخوان ليبيا، يعنون ما يقولون، ففي ذلك خير كبير لهم وللمسلمين وللعالم أجمع، لأنهم بهذا الصنيع قد أطفأوا نار فتنة عظيمة، من حيث لا يشعرون، وذلك بقضائهم قضاء مبرما ونهائيا على أسس دعوة حسن البنا وسيد قطب، وثوابت الدعوات التقليدية منذ أيام الخوارج، وإبن تيمية، ومحمد بن عبدالوهاب، ومن دار في فلكهم... وبهذه التصفية الشاملة، لا يبقى أمر مستأنف تتسلط به الدعوة السلفية على رقاب الناس.
وإذا كانوا لا يعنون ما يقولون، فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وإن سوء صنيعهم سيكفي الناس شرهم، والأمل معقود ، طالما أن الله موجود " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم"
سلطة الإنقاذ كانت تجربة ضروريه، فهل يتعلم الأخوان المسلمون والسلفيون من درسها الأليم الشديد؟؟
وهل يتعلم معارضو الإنقاذ من تجربتهم معها ، ام أن الفريقين سوف يستمرون في تكرار التجارب الفاشلة!!
وهل تتعلم الأغلبية الصامتة، من تجربة الفريقين، أم أن ما تبقى من السودان سوف يكون ضحية لكل أولئك؟
لا شك أن الأخوان المسلمين، وذوي الإتجاهات الإسلامية في مصر، وغيرها من الدول العربية قد تعلموا هونا ما من تجربة الإنقاذ، فلم يجرأوا على رفع شعاراتهم القديمة لتحكيم القرآن وللدستور الإسلامي، والإسلام هو الحل، بل ظهروا في جميع الأمكنة، بمظهر حركات المجتمع المدني الحامية لحقوق الإنسان، وبمظهر الجمعيات الخيرية الحريصة على الفقراء والمساكين، هذا فضلا عن إعلانهم أنهم حزب سياسي، ملتزم بالقوانين وقواعد الديمقراطية، شأنه شأن أي حزب آخر، من احزاب دعاة الحرية، وحماة الديمقراطية والمساواة على أساس المواطنة، وليس على اساس العقيدة.
ظهروا بجلد ناعم، وملبس جديد، وظلوا يرددون مع جماهير الشباب، الشعارات التي تدين الطغاة الذين أتوا إلى سدة الحكم، عن طريق الإنقلابات العسكرية.
لماذا فعلوا كل هذا؟
السبب واضح، فإنهم يريدون الا يلتبس أمرهم مع الخطأ القاتل الذي تورط فيه إخوانهم في السودان، بتدبيرهم لإنقلاب عسكري ظل جاسما لأكثر من عشرين عاما على صدر شعب مغلوب على أمره، وممسكا بكل مفاصل السلطة، في تشبث وإصرار عنيد، بكل الوسائل، بما في ذلك سفك الدماء، ومخالفة أي قانون.
لابد أنهم قد تعلموا هونا ما من تجربة الإنقاذ، لأنهم قد رأوا بأم عيونهم، كيف أن الإستيلاء على السلطة، لا يؤدي إلى إقامة دولة الإسلام، بل قد أدى إلى الإنحراف، مثل ما حدث لإخوانهم في السودان، الذين آثروا المال والجاه، وتقريب ذوي القربى، ولذة النهي والأمر، على كل عقائدهم القديمة!! وهم قد رأوا أو سمعوا بالترف الذي يرفل فيه قادة الإنقاذ، والترح الذي يرزح تحته شعبهم ، ومن غير شك، فإنهم قد سمعوا بالفساد المالي وإستغلال النفوذ والإتهامات الكثير ة التي لا حد لها ضد رموز الإنقاذ وقادتها، والتي شهد بها شاهد من أهلها، وتلك شهادة قاطعة جازمة ونهائية.
تلك الإتهامات لم تأت من أعداء الإنقاذ، بل أتت من بعض زعماء الحركة الإسلامية السابقين، الحادبين عليها، ومن بعض قادة الإنقاذ ورموزها، الذين أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، بما فيهم كبيرهم وأبوهم صاحب فكرة الإنقلاب، والذي يقول إنه قد ندم أشد الندم على فعله الذي فعله، بعد أن أقصاه تلاميذه، بنفس الأساليب الملتوية، و بذات المكر القديم.
ومن غير أدنى ريب، فإن الأخوان المسلمين في مصر وغيرها من الدولة العربية قد تابعوا خلال العشرين سنة الماضية، كيف هدمت حكومة الإنقاذ جميع ثوابتهم، فهي قد قبلت أن يكون المسيحي رئيسا لدولة الإسلام، وأعفت المسيحيين من دفع الجزية عن يد وهم صاغرون، كما أنها قد قبلت عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في جنوب السودان، بعد أن سفكت دماء الالاف ، من شباب الحركة الإسلامية، من إجل أسلمة الجنوب.
ليس هذا فحسب، بل إن حكومة الإنقاذ قد قبلت تطبيق الأعراف المحلية بدلا عن الشريعة الإسلامية في جنوب النيل الأزرق، أي في شمال السودان والذي يعتبرونه دار إسلام وليس دار حرب!! إلى غير ذلك من المسائل ذات التناقض البين الواضح، مثل الإختلاط بين الرجال والنساء في الجامعات والمعاهد العليا، وسائر مرافق الدولة، بل إن الإنقاذ قد دأبت على تعيين النساء في مناصب القضاء، مع إبقائها لشهادة المرأة معادلة لنصف شهادة الرجل، جاهلين أو متجاهلين ، أن القضاء هو أرفع شهادة، وأعظم تحكيم.
هذا يعني فيما يعني أن شهادة رجل أمي، لايعرف القراءة ولا الكتابة، تعادل شهادة قاضيتين من قضاة المحكمة العليا، أو تعادل شهادة المستشارتين، اللتين يستنير بنصائحهما وآرائهما القانونية ، رئيس الجمهورية الإسلامية المزعومة!! فهل سمع الناس بمثل هذا التخليط الذي لا يستقيم!!
إن الإنقاذ كانت تجربة ضرورية، لأنها قد كشفت لكل ذي عينين، ما تنطوي عليه الدعوى السلفية من جهالات وتناقضات، وعكست للناس كل الناس، مدى التزييف والتضليل الذي ظلت تمارسه هذه الجماعات باسم الدين... الحمد لله، فإنها قد كتبت كتابها الأسود بيدها،وأبانت للناس النموذج الذي ينتظرهم في بقية الدول الإسلامية الأخرى، وهم لم يفيقوا بعد، من ظلمات دولة الملالي في إيران، وتفجيرات مليشيات مجاهدي طالبان في أفغانستان وباكستان ، وبقية الجماعات الأخرى التي شوهت صورة الإسلام، وسودت وجه البسيطة، في كل زوايا الأرض بالعنف والإرهاب.
من حسن الطالع، ان تجربة الإنقاذ قد ألجمت ألسنة إخوانهم في البلدان العربية، وطامنت من غلوائهم ، وأجبرتهم على التخلي من جميع الشعارات المميزة للمواطنين على أساس العقيدة أو الجنس، والتلويح بأحكام الردة المحقر لحرية الفكر والضمير والعقيدة ... حدث هذا في مصر الوطن الأم لدعوة الأخوان المسلمين، ويبدو لي أن هذه الجماعات قد تعلمت هونا ما من تجربة الإنقاذ، فهل يتعلم أهل الإنقاذ من تجربتهم المريرة !!
أما بقية الناس في الجبهة السودانية ، فإنهم في حيرة من أمرهم فالمعارضة ظلت تضرب ذات اليمين وذات الشمال، فهي مرة حركة مقاومة عسكرية ، ومرة حركة جهاد مدنية، وتارة أخرى شيوعية في زمان تخلت فيه روسيا عن النظرية الماركسية، ومرة صديقة للسلطة، وتارة أخرى عدوة للسلطة، وفي جميع الأوقات ، فإنها عجزت عن إلغاء قوانين سبتمبر المهينة المذلة، ايام كانت في السلطة، كما أنها عجزت عن المطالبة بإلغائها وهي خارج السلطة.
وفي جميع الأحوال فإن المعارضة السودانية تقف مع الإنقاذ في ارض فكرية واحدة، وتلتقي معها في كثير من أطروحاتها، مما جعل الكثيرين من أعضائها يتحولون للمؤتمر الوطني دون أدنى مشقة... هذا هو السر في فشل المعارضة المستمر، وتخبطها الذي كان سببا من الأسباب التي مكنت للإنقاذ.. هل في إمكان المعارضة إستيعاب هذه الدروس المريرة، والتعلم منها؟
إذن يبقى الأمل الوحيد ، كامنا في الأغلبية الصامتة في السودان... يبقى الأمل في رجل الشارع العادي المغمور ... يبقى الأمل فيك وفي وفي الثالث وفي الرابع من النساء والرجال، لا سيما إن بذرة النهضة الروحية، ونواة الثورة الفكرية ، موجودة في ضمير الأغلبية الصامتة في السودان، ولكن من يستطيع أن يقدح زنادها!! من يستطيع أن يدل هذا الشعب على الكنز المخبوء تحت جداره؟؟ من يفجر في هذا الشعب القوى الكامنة في قلبه وفي عقله !! ليت شعري من يدل الشعب السوداني، على ذلك الأمل الدفين ، الذي ما زال حيا متوهجا في ضميره!!
ماهي النهضة الروحية؟ وما هي الثورة الفكرية؟
وهل صحيح أن بذرة كل ذلك موجودة في ضمير الأغلبية الصامتة في السودان؟
ثورة مصر ثورة عظيمة، ولكنها ليست نموذجا و لاقدوة يقتدي ويهتدي بها الشعب السوداني
قبل أن نحاول الإجابة على الأسئلة السابقة، فلا بد أن ننوه بأن ثورة مصر ثورة عظيمة ،ولكنها ليست ثورة بالمعنى الحقيقي للثورة الفكرية والنهضة الروحية، وإنما هي هبة شعبية، أسقطت حكومة عسكرية وهي بذلك ليست النموذج ولا القدوة التي يهتدي ويقتدي بها الشعب السوداني.
سبب ذلك ، يرجع إلى أن الشعب السوداني قد سبق الشعب المصري، وسائر الشعوب العربية الأخرى، في هذا المجال مرتين: مرة في أكتوبر 1964 ، ومرة في إبريل 1985 ، حيث تمكن الشعب السوداني الأعزل من إسقاط نظام الفريق عبود العسكري، وإسقاط نظام المشير نميري العسكري، وتمتاز الهبتان الشعبيتان السودانيتان على الهبة المصرية، بقلة عدد الضحايا، إذ لم يسقط في ثورة اكتوبر 1964 ، إلا شهيدها الأول القرشي، وشهيدها الثاني بابكر عبد الحفيظ، هذا فضلا عن أن ثورة أكتوبر ، إتبع فيها الشعب السوداني أسلوب الإضراب المدني الشامل، وتلك درجة متقدمة من درجات الوعي السياسي .
ولكن الشعب السوداني ، وقف حائرا، لايدري ماذا يفعل وإلى أين يتجه، بعد إن إنجاز تلكما الهبتين العظيمتين، مثلما يقف الشعب المصري اليوم، ومثلما يقف الشعب التونسي.
ولا بد أن الشعب السوداني ما زال يذكر في أعماق أعماقه، كيف تمكن آخرون ، في غمار ربكة تلك الحيرة ، أن يسرقوا الثورة، وأن يزيفوها لتحقيق أغراضهم السياسية والطائفية والمذهبية.
لعل هذا هو السر في عدم تحرك الشعب السوداني ضد حكم المشير البشير، حتى هذه اللحظة، فضمير الشعب السوداني الحي، ومخزونه الفكري الخلاق، وحاسته السياسية المتقدمة، تتطلع إلى شئ كبير، وإلى أمر جلل، وإلى ثورة جذرية، فكأنه لا يريد أن يتحرك ويقدم تضحياته في طبق من ذهب، ليسرقها أناس لا يختلفون عن الإنقاذ، إلا قليلا...
كأن الشعب السوداني لا يريد أن يقدم أفراده قرابين في مذابح الجماعة، لأن الثورة القادمة ليست ثورة جماعية، يساق فيها الناس سوق السوام، وإنما هي ثورة فردية!! إنها ثورة فكرية!! إنها ثورة الأفراد الأحرار!! ثورة البنائين الجدد الذين يبنون السودان الجديد، على أساس مدنية جديدة، تقوم على التدبر والتفكر والتذكر والتأمل... تقوم على القلوب السليمة والعقول الصافية.
ما هي النهضة الروحية؟ وما هي الثورة الفكرية؟
وهل صحيح أن بذرة كل ذلك موجودة في ضمير الأغلبية الصامتة من الشعب السوداني؟
أرجو من القراء الكرام، ان يتأملوا مليا في قوله: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" عبارة " ونفخت فيه من روحي" تعني فيما تعني، أن روح الله موجودة وجودا أبديا، في كل إنسان، كما أن عبارة: " فإذا سويته" تشير إلى أن تسوية الإنسان المادية في الهيكل البشري، تظل تسوية مستمرة دائمة ، لأن الفعل الإلهي لا يتناهى ... إقرأ مرة أخرى : "فإذا سويته"
والتسوية تقع في منطقة وسطى بين بداية قاعدتها الخلق في الماء والطين، وقمتها الإعتدال في أعلى عليين، كما هو واضح من قوله تعالى :" الذي خلقك فسواك فعدلك"... بمعنى آخر، فإن قمة التسوية المادية، تعانق الروح الإلهي المنفوخ في الهيكل البشري، وبذلك يقوم الوزن بالقسط، بين المادة والروح، في إعتدال شامل.
ذلك الإعتدال الشامل لكل صور الوجود ، المنظور منها وغير المنظور،والمبين في قوله تعالى: " الذي خلقك فسواك فعدلك* في أي صورة ما شاء ركبك" وإنما تسنى للإنسان ركوب كل صور الوجود، بفضل روح الله المنفوخ فيه، ذلك الروح الذي ملأ المكان وزحم الزمان، وإن صم عنه غلف الآذان... إقرأ مرة أخرى، ببطء شديد : " ونفخت فيه من روحي"
كلمة الثورة، أصلها ثار بمعنى تحرك في قوة وشكيمة وهيجان، وهو صاعد إلى أعلى، ومن هنا سمي الثور ثورا، ويتضح المعنى اللغوي لأصل كلمة الثورة من قول شاعر العرب بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
هذا المعنى اللغوي يستقيم مع المعنى العرفاني المخبوء في قوله تعالى: " فأثرن به نقعا* فوسطن به جمعا" أي أن مثار نقع التسوية، يلتقي بالله في مقام الجمع، بفضل نفخ الروح، في وسطية وإعتدال، لأن الجميع من لله: "جميعا منه"، ويكون ذلك في سرعة فائقة، تقدح موريات النار المقدسة، وتشعلها قبسا جذوة، في ليل الفكر، حتى تشرق شمس صبحه: " والعاديات ضبحا* فالموريات قدحا* فالمغيرات صبحا"
الثورة الفكرية التي نتحدث عنها تعني التغيير الجذري الشامل الذي يقوم على طفرة ووثبة، في حركة سريعة مستقيمة عديلة، في قوة ومضاء، تقفز بها بشريتنا من محدودية الجسد وظلمة طينه، إلى إطلاق الروح ومشارق النور، في إستواء موزون، يستوفي به الإنسان سماء الروح، من غير تفريط في أرض الجسد، وهذا هو معنى تأويل القرآن، الذي يستوفي المعاني ، دون أن يفرط في المباني، أعني يفيض على الكلمات من دقائق المعاني ما لم يكن مألوفا ومعروفا في اللغة، ولكنها تستقيم وتتسق ، مع مباني الكلمات: " وأوفوا الكيل، إذا كلتم، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ذلك خير وأحسن تأويلا"
تأمل مليا قول الله تعالى: " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين * " ومن كل شئ خلقنا زوجين، تشير إلى صراع ثنائية الأضداد في مرحلة التسوية، عسى أن نتذكر روح الله المنفوخ فينا... فإذا اشرق روح الله فينا، تذكرنا وطننا القديم، في جنان الرحمن، ثم فررنا إلى ربنا في حركة وجدانية مستقيمة، عبرنا عنها بالثورة الفكرية... الا تشعر في كلمة "ففروا" معاني الوثبة في حركة سريعة، وكذلك حركة الفكر، فإنها أسرع من سرعة الضوء، ويمكنك أن تلاحظ ذلك في الأحلام، إن كنت لا تزال حالما.
أما إذا ثبت الفكر من جولانه السريع، بين الماضي والمستقبل، فإنه يكون أثبت من الجبال : "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة"... وقديما قال السيد المسيح: " تزول السماوات والأرض، ولكن كلمات ربي لاتزول"
وغني عن البيان أن السيد المسيح نفسه كلمة من كلمات الله، لثبات عقله في اللحظة الحاضرة : " إن الله يبشرك بكلمة منه إسمه المسيح عيسى ابن مريم" وما إتفق لعيسى إبن مريم، يمكن أن يتفق لأي عبد أنعم الله عليه،لأن عيسى عليه السلام قد كان مجرد مثلا ضربه الله لبني إسرائيل، بسبب إكتمال نعمة الله في عقله : " إن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل".
ولكن بني إسرائيل، لم يفهموا المثل، لأنهم ما حملوا معاني التوراة ، وإنما حملوا كلماتها : " مثل الذين حملوا التوراة، ثم لم يحملوها، كمثل الحمار يحمل أسفارا" ... فأرجو الا نكون نحن المسلمين، مثل أسلافنا اليهود، نحمل كلمات القرآن، ولانحمل معانيه، وهذا أمر ليس ببعيد، بل إن الله قد حذرنا من هذا المصير: " الم يأن للذين آمنوا، أن تخشع قلوبهم لذكرالله ومانزل من الحق، ولايكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم"
وبالمثل، فإن جميع الأنبياء الكرام قد كانوا أمثلة طيبة، ضرب الله لنا بها الأمثال : " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون" ويدرك هذا، كل من كان عندالله في جميع أوقاته وأحواله: " إن مثل عيسى عند الله، كمثل آدم" فعيسى كلمة طيبة، ضرب الله بها مثلا، وإبراهيم كلمة طيبة ضرب الله بها مثلا، ومحمد كلمة طيبة ضرب الله بها مثلا، وقل مثل هذا في سائر الأنبياء، حتى تأتيك من نفسك الذخائر بالتلقي عن المثل الأعلى، الذي هو الله العظيم: " وله المثل الأعلى في السماوات والأرض"
ولكننا في حالة غفلتنا، لا نرى ذلك ومن هنا جاء قوله تعالى: " ألم تر كيف ضرب الله مثلا، كلمة طيبة، كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء" على سبيل التقريع، لأن الآية تعني ألم تر نفسك التي هي كلمة طيبة، لأنها ذرة ثابتة في تراب الأرض، تم خلقها وتسويتها في إعتدال صعد بها في السماء، بفضل روح الله المنفوخ فيها: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون" فإذا أبصر كل واحد منا، روح الله المنفوخ فيه، فقد وقعت الثورة الفكرية، في حقه، وهذا هو معنى قولنا، ان الثورة الفكرية، هي ثورة فردية.
الروح هو المستقر، والتسوية هي المستودع
فماهو المستقر وما هي المستودع؟
تأمل مليا قول الله تعالى: " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون" النفس الواحدة هي النفس البشرية، المنبثقة أزمانها وأكوانها من الحضرة الإلهية العظيمة ... من الله صدرت النفس البشرية الواحدة، وإلى الله تعود، وهذا هو معنى قوله: " إنا لله، وإنا إليه راجعون"
النفس البشرية، فيها ماهو مستقر، والذي وردت الإشارة إليه بقوله: " ونفخت فيه من روحي" وفيها ماهو مستودع، وردت الإشارة إليه بقوله : " وإذا سويته" ... وإليك بيان المستقر والمستودع.
المستقر
المستقر، أصلها اللغوي قر بمعنى ثبت وسكن، والمعنى العرفاني للمستقر هو الثابت الساكن الصامت الذي ينتهي فيه كل شئ، ومن هنا كان ثابتا وصامتا وساكنا غير متحرك، بل غني عن الحركة، لإمتلائه، ولوجود كل شئ فيه، وهذا هو روح الله المنفوخ فينا ، وهذا هو الله رب العالمين: " إلى ربك يومئذ المستقر" .
ونحن لا نشعر بوجود المستقر فينا، أعني لا نشعر بوجود الله فينا، ولا نرى الله، بل لانحس بروحه المنفوخ فينا، إلا إذا استقرت عقولنا في اللحظة الحاضرة، إستقرارا ثابتا ساكنا... إقرأ: " ولكن انظر إلى الجبل، فإن إستقر مكانه، فسوف تراني" وإنما تستقر عقولنا في اللحظة الحاضرة، بفعل روح الله المنفوخ فينا : " فلما رآه مستقرا عنده، قال هذا من فضل ربي" فضل ربي يعني فضلته وبقيته، أي روحه المنفوخ فينا: " بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ".
وأس الرجاء في قوله: " وما أنا عليكم بحفيظ" إذ بذلك ترفع الوصاية النبوية، في حق كل من شعر بأن الله هو الحفيظ، وان روح الله المنفوخ فيه، يرعى ذلك038 الحفظ ، ابد الآبدين، دون أن يتأثر العقل البشري، بما لحقه من ظلمة الطين، ونقص الأرض : " قد علمنا ما تنقص الأرض منهم، وعندنا كتاب حفيظ" وعندنا كتاب حفيظ بحفظ الله: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"... ولكن اين يحفظ الذكر؟ يحفظ في صدور الذين اوتوا العلم: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" .
كل من تأمل في كل ما ذكرناه، وجده محفوظا في كل آيات القرآن، ومستقرا بها في مكان عال، يشهده المقربون من الأبرار في كل لحظة: " كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين* وما أدراك ما عليون* كتاب مرقوم * يشهده المقربون"
هذا المكان المستقر، هو المكان العلي، المشار إليه بقوله: " ورفعناه مكانا عليا" عليا ، إشارة إلى الصعود بحركة الثورة نحو الروح، حيث الإشراق: " واذكر في الكتاب مريم، إذ إنتبذت من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت من دونهم حجابا، فأرسلنا إليها روحنا، فتمثل لها بشرا سويا"
بشرا سويا، إشارة إلى إكتمال التسوية في مكان سوى، لانخلفه نحن، ولاتخلفه أنت أبد الآبدين، من دقة إستوائه، عندما يحين وقت بلوغنا موعده: " موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى".. مريم إشارة إلى كل نفس عذراء طاهرة، تمثل بها الروح، ولكننا نجهل هذا الروح، لقلة علمنا: " ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ولوجود حجاب الهيكل البشري بحواسه الخمس وعقله المقيد بحدودها، والمشار إليه بقوله:" فاتخذت من دونهم حجابا".
ومن البشائر العظيمة، أن هذا الحجاب يزول، عندما يزيد علمنا القليل، بالنور الذي يقذفه الله في العقول، التي أنعم الله عليها بلقاء الروح، الذي هو من أمر الله : " يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده" والروح من أمر الله، كما هو واضح من هذه الآية، وكما هو واضح مماتقدم: " قل الروح من أمر ربي"
وامر الله ، يعني نظامه القائم بدون قوائم، وبدون أسباب، ولا يتحرك بعوامل خارجية، لأن كل شئ مودع فيه... وخلق الله يعني نظامه القائم بقوائم وأسباب تظهر كأنها مودعة فيه : " الا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين" " ولقاء عالم الأمر ، بعالم الخلق، هو موضوع الدين، وهو موضوع الثورة الفكرية.
ويكون هذا اللقاء بالإلقاء النوراني المتواتر،عن طريق الإلهام و"الدراية"، وليس بتكرار الكلمات و" القراية" : " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا" ... وتكون الواردات في هذا المقام، ساطعة دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة... وإلى ذلك المقام الرباني ، وردت الإشارة بقوله: " كونوا ربانيين، بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون" وتعليم الكتاب وحفظ كلماته، مقدمة لدراسة الكتاب، ودراسة الكتاب تعني تأويل الكتاب بتجاوز كلماته، والعبور إلى حضرة القدس، إذ ان الدرس هو الإهلاك، كما هو واضح من قولهم الطلول الدارسة، وتعليم الكتاب ودراسته هو موضوع جذوة تأويل القرآن المبسوط خبرها في غير هذا المكان.
وسبب آخر من أسباب جهلنا بالروح، هو أن النفس العذراء، عندما تحمل أنوار الروح، يسطع شعاعها ، في مكان قصي عن نظر العقول القواصر: " فحملته، فانتبذت به مكانا قصيا"... هذا المكان البعيد، هو أقصى مكان في مدينة العلم ، حيث تستوي علوم جميع المرسلين لوحدة الأصل المعلى: " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال ياقومي، اتبعوا المرسلين" أي اتبعوا جوهر رسالات المرسلين، و لا تتبعوا مظهرها،لأن الجوهر واحد، والمظهر مختلف.
وكل من بلغ هذا المكان العالي في سماء الروح، مكن الله له في أرض النفس: " ويسألونك عن ذي القرنين، قل : سأتلوا عليكم منه ذكرا* إنا مكنا له في الأرض، وآتيناه من كل شئ سببا" ذي القرنين إشارة إلى كل فرد من النوع الإنساني، إذ أن في كل واحد منا قرن الروح حيث المستقر بلا أسباب، وقرن التسوية حيث المستودع المسبب فيه كل شئ باسبابه.
والتمكين في الأرض إنما يتسنى لكل من رضي بالله، فرضي الله عنه جزاء وفاقا: " وليمكنن لهم دينهم الذي إرتضى لهم" والرضا هو أساس بنيان الدين : " أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان"... والتمكين في الأرض، قد كان حظ القلة من الأنبياء والأولياء ، والمأمول أنه سيكون حظ الناس جميعا، بمحض منة الله وإرادته: " ونريد أن نمن على الذين إستضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمة ، ونجعلهم الوارثين* ونمكن لهم في الأرض" وهذا هو معنى الثورة الفكرية.
والتمكين في الأرض، يعني أن تكون للسماء مكانة في الأرض، أو قل أن ترتفع الأرض مكانا عليا، حتى تصير سماء... ولن تبلغ الأرض هذا المبلغ الرفيع، إلا إذا تعلم سكانها كلام الله، وامتلكوا المقدرة على تأويله، وهذا ما إتفق لنبي الله يوسف: " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ، ولنعلمه من تأويل الأحاديث".
ما اتفق ليوسف الصديق، يجوز في حق كل المحسنين، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك، كما هو مجلو ومبسوط في الآية السابقة ، والآية التي تليها ... إقرأ: " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، ولنعلمه من تأويل الأحاديث ، والهف غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لايعلمون* ولما بلغ أشده، آتيناه حكما وعلما، وكذلك نجزي المحسنين".
وهذا هو السر في أن الملك عندما سمع كلام يوسف في التأويل مكنه في الأرض في التو وفي الحال: " فلما كلمه قال : إنك اليوم لدينا مكين أمين" و كلمة "الملك" تعني في مستوى آيا ت الآفاق ملك مصر، ولكن كلمة " الملك" تعني في مستوى آيات النفوس، الله العظيم، حيث تعلم النفس أنها لا تملك شيئا، فقد زالت أوهام الآفاق: " يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله" ... يومئذ، هو كل يوم نعلم فيه علم يقين، أن الملك لمالك الملك وحده، وغني عن البيان، ان التأويل هو الملك، لأن التأويل هو كلام الله، في حق من علمه الله: " رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث"
بقي أن تعلم ان الرسول الكريم محمد، قد قال بالقرآن عندما تمكن بقوة من عرش قلبه : " إنه لقول رسول كريم* ذي قوة عند ذي العرش مكين" فسالت الحكمة من لدن الله، وفاض العلم من قلب النبي ، فتلقاه لسانه الشريف : " وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم"
التمكين مشتق من مكن بمعنى قوي ومتن ورسخ، والمكان مشتقة من كان كونا وتكوينا، وكل من كان له في السماء مكانة كان له في الأرض تمكين، وأهل السودان يقولون للولي الكامل: " عندو في السما مرق وفي الواطة عرق" أي عنده عمود في السماء ، وجذور في الأرض.
بهذا الفهم، فإن التمكين، لايعني إستيلاء بعض الناس على وظائف الدولة وإمكانياتها عن طريق الغدر، ثم تقديم أهل الولاء، على أهل الكفاءة، مع التجاهل التام لمبدأ مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات.
يتبع ...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.