ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أسرار إستمرار كارثة الإنقاذ لأكثر من عقدين من الزمان!!
نشر في سودان موشن يوم 04 - 04 - 2012

هنالك أسباب كثيرة ومتعددة لبقاء وإستمرار كارثة نظام الإنقاذ الذى جثم على صدر الشعب السوداني لما يزيد على العقدين من الزمان،
منها ما هو متعلق بقدرات وإمكانيات الإنقلابيين أنفسهم، والحركة الإسلامية التى أتت بهم الى سدة الحكم فى المقام الأول، ومنها ما يتعلق بقدرات وإمكانيات القوى السياسية المعارضة لهم، ومنها كذلك ما يتعلق بموقف الشعب السوداني نفسه من الصراع الدائر أمام أعينه لما يقارب الثلاث وعشرين سنة بالتمام والكمال.
سنحاول فى هذا المقال تناول أهم العوامل التى أفضت الى المحنة التى يعيشها الوطن وكذلك السودانيون، داخل وخارج البلاد، وسنحاول كذلك إبداء بعض المقترحات، لكيفية الخروج من هذا المأزق بأقل الخسائر الممكنة.
أعتقد أن أول العوامل التى مكنت لإنقلاب الإنقاذ هو إستهانة قادة المعارضة بقدرات وإمكانيات القوى التى قامت بتنفيذه. كلنا يذكر جيدا التندر والإستخفاف الذى قوبل به الإنقلاب فى أيامه الأولى. لقد كان هنالك إعتقاد سائد فى أوساط العديدين بأن هذا الإنقلاب لن يستمر لأسابيع، أو لأشهر معدودة فى أحسن الظروف.
لم يدرك هؤلاء القادة حينها بأن الأسلوب الذى تم به تنفيذ الإنقلاب يختلف كليا عن أساليب الإنقلابات التى سبقته حيث أنه لم يتم عن طريق القيادة العامة للقوات المسلحة، على الرغم من أنه قد تم سرقة إسمها ليعلن من ورائه البيان الأول إمعانا فى التضليل، ولكنه تم عن طريق مجموعة متآمرة من الضباط كانت ترتكز على أسلحة هامشية داخل الجيش، كسلاح الموسيقى والسلاح الطبي، وقد شارك فيه ما لا يزيد على ثلاثمائة جندي نظامي فقط لا غير.
أما بقية الكوادر التى شاركت فى التنفيذ فقد كانت تنتمي الى تنظيم الجبهة الإسلامية القومية. لقد تم تنفيذ الإنقلاب فى ليلة كان يقضيها السيد الصادق المهدي، ومعظم أركان حكومته، فى مناسبة إجتماعية فى ضواحي العاصمة!!
لقد وصلت إستهانة قادة الأحزاب المعارضة الآن لنظام الإنقاذ بإمكانيات وقدرات الجبهة الإسلامية درجة لا يمكن تصديقها. من منا يمكن أن يصدق بأن السيد الصادق قد توفرت لديه معلومات مؤكدة عن قيام الإنقلاب من أحد ثقاته الذى كان يتبوأ رتبة مرموقة داخل الجيش فى ذلك الوقت، ولكن السيد الصادق إستبعدها تماما، وإستهان بها لدرجة أنه لم يتخذ حتى الحد الأدنى من الإجراءات و الإحتياطات التى يمكن أن تحمى نظام حكمه من السقوط، كإعلان حالة الطوارئ داخل المؤسسة العسكرية،على سبيل المثال.
أما ثاني العوامل فأعتقد أنه يتمثل فى طبيعة الإنقلاب نفسه حيث تم التخطيط له وتنفيذه بواسطة تنظيم سياسي عقائدي له إمكانيات مادية وبشرية هائلة بحكم إرتباطه بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذى كان يتخذ من مدينة جنيف السويسرية عاصمة له فى ذلك الوقت.
إن قرار الإنقلاب قد أتخذ هناك وقد كان السودان من ضمن خمس دول مرشحة للتنفيذ، وقد إختاروه ليشكل ضربة البداية نسبة لهشاهشة النظام الديمقراطي الذى جاء بعد نضال مرير ضد دكتاوتورية عسكرية أخرى. لقد وفر التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الدعم المالي، والمادي، والبشري للإنقلاب الوليد.
هل يمكن للشعب السوداني أن ينسى المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذى تم تأسيسه فى سنوات الإنقاذ الأولى ليكون مظلة لإستقدام قادة الإرهاب فى العالم، بما فى ذلك أسامة بن لادن، و الأموال التى أدخلوها للبلاد من خلاله، والتى تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، لدعم الدولة الرسالية الوليدة.
العامل الثالث الذى ساعد فى ترسيخ أقدام الإنقلابيين هو وضوح رؤيتهم حول ماذا سيفعلون بالسودان وشعبه. تمثلت تلك الرؤية فى "إعادة صياغة الإنسان السوداني" من خلال تسييس الدين، وتديين السياسة، وذلك عن طريق آليات الدولة الدينية التى سيؤسسونها على أنقاض الدولة المدنية التى عرفها السودان وشعبه منذ عهد الإستعمار الإنجليزي المصري.
وبالفعل فقد أسسوا وزارة التخطيط الإجتماعي، لأول مرة فى تاريخ السودان لبلوغ هذا الهدف، والتى تولاها السيد على عثمان محمد طه، العقل المدبر لإنقلابهم المشؤوم.
إنني أعتقد بأن العامل الرابع يتمثل فى مفهوم الكتيبة الإستراتيجية الذى ربطه البعض بقرار السيد نافع على نافع بتأسيسها مؤخرا. إن مفهوم الكتيبة الإستراتيجية قديم قدم الإنقاذ نفسها، ولكن لم يلتفت إليه الناس إلا بعد أن أخذ الطابع العسكري الإرهابي الذى دائما ما يميز أعمال وأفعال ومواقف السيد نافع.
لقد كون قادة البدريين الكتائب الإستراتيجية منذ توليهم زمام الأمور فى البلاد وذلك بهدف واضح وهو إفشال الإضرابات الفئوية والتى يمكن أن تقود فى نهاية المطاف الى إعلان الإضراب السياسي العام، السلاح المجرب لشعبنا فى الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية العسكرية. بمعني آخر إذا ما أضرب المهندسين، على سبيل المثال لا الحصر، فإن مهمة الكتيبة الإستراتيجية تتمثل فى توفير طاقم من المهندسين يتولون إدارة المرافق الحيوية التى تمس حياة الناس مباشرة، كقطاع الكهرباء، حتى لا يحقق الإضراب أهدافه ويخرج الناس الى الشوارع منددين بإنقطاع الخدمات الضرورية.
أتذكرون ماذا تم أثناء إضراب الأطباء الشهير فى الشهور الأولى لحكم الإنقاذ؟ أتذكرون كيف أنه قد تم "إستيراد" الأطباء الملتزمين بتنظيم الحركة الإسلامية من جميع بقاع الأرض، وبالأخص من المملكة السعودية ودول الخليج العربية حتى يمكن تقديم الخدمات الضرورية للمرضى، وبالتالي إفشال إضراب نقابة الأطباء؟
هذه هي المهمة الأولى للكتائب الإستراتيجية وليس المهمة العسكرية المتمثلة فى ضرب القوى المعارضة دون أدنى رحمة، أو شفقة، أو خلق. يوجد الآن ما لا يقل عن أربع كتائب عسكرية موزعة على أرجاء العاصمة المثلثة يتمثل هدفها الأول فى ضرب المواقع الحيوية والإستراتيجية، بما فى ذلك الكباري، حال نجاح أي تحرك سياسي أو عسكري للإطاحة بدولة البدريين.
هل لكم أن تربطوا هذا الإعتقاد بما ظل يكرره قادتهم، وبالأخص مصطفى عثمان إسماعيل، وفى بلاهة نادرة الحدوث، عن "كبارينا، وكهربتنا، وطرقنا...الخ" وغيره من قول سخيف. وبالفعل فقد نجح هؤلاء الأبالسة فى تحقيق هدفهم المقصود، حيث أن نظامهم كان سينهار قبل سنين عددا لو تم التعامل مع الإضرابات بأسلوب الحسم العسكري فقط ،ولم تتوفر هذه الكتائب المهنية للتصدى لها، وهو أسلوب أكثر نجاعة من البطش الأمني فقط فى إجهاض الإضرابات.
أما العامل الخامس فيتمثل فى تحطيم جهاز الدولة الذى ورثه قادة الإنقلاب تماما وإستبداله بجهاز دولة إنقاذي خالص فى جميع قطاعاته العسكرية والمدنية، وعلى جميع المستويات. هذا ما يفسر المجزرة التى إرتكبها هؤلاء الأبالسة فى حق الخدمة المدنية و المؤسسات العسكرية حيث أحالوا مئات الآلاف من خيرة كفاءات الخدمة المدنية وضباط الجيش والشرطة الى الصالح العام بدرجة عالية من الكفاءة يحسدهم عليها مؤسسو الدولة البلشفية، وكاتب "الدولة والثورة" نفسه،
حيث إتخذوا من كتابه دليلا لتنفيذ هذه الخطة الجهنمية، وإن تم ذلك تحت شعار "التمكين" الذى أسسوا له تحت شعارات إسلامية زائفة. لقد إرتكب هؤلاء الأبالسة هذه المجزرة دون أدنى رحمة أو شفقة أو مراعاة لعدم قطع الأرزاق التى يحث عليها الدين الإسلامي الحنيف الذى يتاجرون به لتحقيق مآرب دنيوية رخيصة.
يتمثل العامل السادس فى نهب هؤلاء الأبالسة لثروات ومقدرات وأموال الشعب السوداني وصرفها على منتسبيهم والمؤلفة قلوبهم وبالتالي أصبح الإنتماء لأحد مؤسساتهم الهلامية، بما فى ذلك المؤتمر الوطني، أحد سبل كسب العيش بالنسبة للكثير من الشباب من الجنسين. لذلك أصبح إستمرار هذه المنظمات مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم، وسيدافعون عنها لأنهم بذلك يدافعون عن وظائف يتوقف عليها معاشهم ومعاش أسرهم.
ولكن هنالك جانب آخر لهذه المعادلة لا يجب إغفاله فى خضم الصراع مع هؤلاء الأبالسة وهو أن هذا الجيش العرمرم من موظفي مؤسسات الإنقاذ سوف يتحول فى اللحظة الحاسمة لتغيير النظام الى الطرف الأقوى الذي سيشكل بديلا له، لأنهم أصحاب مصالح وليسوا أصحاب مبادئ!
أما العامل السابع لإستمرار كارثة الإنقاذ فهو غياب الرؤية الواضحة لأحزاب المعارضة، والذى تمخض عنه غياب برنامج الحد الأدني الذى سيوحد جهودهم فى الإطاحة بهذا النظام الفاسد المستبد، وبالتالي ضعف الأساليب التى سينتهجونها للإطاحة بالنظام، وإهتزاز موقفهم منه والذى نتج عنه تكتيك "كراع فى المركب، وكراع فى الطوف" الذى قاد الى مشاركة أبناء السادة الميرغني والمهدي فى قمة هرم السلطة،
ومشارك الحزب الديمقراطي "الأصل" مشاركة كاملة الدسم فى الحكومة. هذا ناهيك عن التفكك والإنشطار الذى أبتليت به أحزاب المعارضة حتى كادت أن تصبح كالأحزاب الأميبية لدرجة أصبح معها الحزب الأقدم يكني نفسه ب"الأصل" حتى يمكن التفريق بينه وبين بقية الأحزاب المنشطرة عنه. هذه أحد أساليب هؤلاء الأبالسة لإضعاف حركة المعارضة، حتى يتمكنوا من إحتوائها فى نهاية المطاف.
وفوق هذا وذاك لا يجب أن نغفل العامل الثامن المتمثل فى إبتزاز وإرهاب قادة المعارضة الذى تنوع بين إعدام بعضهم الذى إستشهد ليلة عيد الفطر المبارك، وسحل الآخرين، كما حدث للشهيد على فضل، وتعذيب الآخرين فى بيوت الأشباح، وقتل البعض أمام منازلهم، كما حدث للشهيدة عوضية عجبنا. إن هؤلاء الأبالسة لن يتورعوا عن اللجوء الى أكثر الأساليب قذارة لإرهاب وإذلال، بل وإعدام، خصومهم السياسيين حيث أنهم لن يحدهم عن ذلك واعز من دين، أو ضمير، أو أخلاق، ما دام ذلك سيقوي من قبضتهم الأمنية والسياسية، وبالتالي الإستمرار فى حكم الشعب السوداني بقوة الحديد والنار.
إعتقد أن هذه هي أهم العوامل التى أدت الى إستمرار كارثة الإنقاذ حتى دخلت عقدها الثالث وهي جاثمة على صدر شعبنا الأبي المغلوب على أمره حتى وقتنا الراهن. إذن ما هو المخرج من هذه الكارثة؟ وهل يوجد أمل فى الخروج من هذا النفق المظلم؟ أعتقد أنه يوجد أمل كبير فى إنهاء هذه الكارثة، وفى الخروج من هذا النفق المظلم، وفى الإطاحة بدولة الفساد والإستبداد إذا ما توفرت شروط معينة يتمثل أهمها، فى إعتقادي، فى الآتي:
أولا: أن يفيق قادة أحزاب المعارضة من الوهم الذى عشعش فى رؤوسهم لسنين عددا ألا وهو إمكانية تفكيك نظام الإنقاذ من خلال التفاوض المباشر معه ومحاولة إقناع قادته بذلك. إن هذا الأسلوب هو أفضل إستراتيجية يمكن إعتمادها لإطالة عمر النظام مهما كانت براعة المفاوضين من قادة المعارضة. وبالتالي يجب التخلى عن أساليب الجهاد المدني التى لا تسنده قوة حقيقية مجربة لمواجهة هؤلاء الأبالسة، والتى لن تورثنا سوى الندامة.
ثانيا: إمتناع أحزاب المعارضة عن المشاركة فى سلطة الإنقاذ، وبأي شكل من الأشكال، وفى أي مستوى من المستويات، وسحب كافة ممثليها من أجهزة النظام، وبالأخص سحب أبناء السادة الميرغني والمهدي من مؤسسة الرئاسة، وخروج الحزب الإتحادي الأصل من الحكومة، وسحب جميع وزرائه على جميع المستويات.
ثالثا: الإتفاق على رؤية سياسية موحدة تتمثل فى ضرورة الإطاحة بدولة الفساد والإستبداد، وبأسرع وقت ممكن، إذا ما كنا نطمح فى بناء دولة مدنية ديمقراطية مستدامة.
رابعا: الثقة بجماهير شعبنا الصنديد والإتفاق على برناج حد أدني يتمثل فى بند واحد وهو-إعلان الإضراب السياسي العام الذى سنفذه الشعب، كبديل لإضرابات التجزئة والقطاعي، بإعتباره السلاح الذى جربه شعبنا من قبل للإطاحة بدكتاتويتين عسكريتين.
خامسا: ترك الخلافات الشخصية والحزبية جانبا، ووضع حد للتشظي الحزبي، والإرتقاء فوق المصالح الشخصية و الحزبية الضيقة، وتوحيد الجهود لتحقيق هدف واحد وهو وضع حد لكارثة الإنقاذ، وبأسرع ما يمكن.
هنالك مؤشرات عديدة تدل على ضعف هذا النظام، وإمكانية تفككه، وبالتالي إمكانية الإطاحة به بأقل الخسارة الممكنة، يتمثل أهمها فى التالي:
أ-الإنشقاقات التى بدأت تدب فى جسم الحركة الإسلامية، وفى صنيعتها السلطوية، والتى بدأت تظهر فى العلن فى شكل صراعات بين أفراد أوتيارات. إن أكثر ما يميز هؤلاء الأبالسة هو قدرتهم وبراعتهم فى إدارة صراعهم الداخلي بأسلوب سري يشبه الى حد بعيد أسلوب المافيا، حيث تصل فى بعض الأحيان الى تصفية بعضهم البعض دون أن يظهر ذلك الى العلن إلا فى شكل يبدو وكأنه أسلوب عادي مقبول فى نظر المراقب العادي. لذلك فإن بروز هذه الصراعات الى العلن لهو دليل إنشقاقات خطيرة بينهم وهي حتما ستضعفهم، وتشتت قواهم بما يمكن لقادة المعارضة إستغلالها على الوجه الأمثل للإطاحة بهم.
ب- إستخدام القوة المفرطة على الأفراد و الجماعات، بما فى ذلك إطلاق الرصاص الحي على المدنيين العزل أمام منازلهم، هو دليل خوف وذعر وليس دليل قوة، كما يتراءى للبعض. إن هذه الحالة تقف دليلا على أن الأنظمة الدفاعية للنظام سوف تنهار بأسرع مما يتوقع الكثيرين حالة مواجهتها بأساليب فاعلة وقادرة على شل حركتها، ويأتي فى طليعة تلك الأساليب التحرك الجماهيري المنظم و المستمر الذى لا يعرف الخوف أو الوجل، مسنودا بإضراب سياسي شامل، لن تنفع معه كتائبهم الإستراتيجية، مهما تعددت أسمائها ومسمياتها.
ج-تهريب أموال قادة الدولة الرسالية الى الخارج تقف كأحد الشواهد ليس على مدى خوفهم وذعرهم فقط، وإنما كذلك على مدى صحة قراءتهم لمجريات الأمور، وتقديرهم السليم لمآلاتها. فإذا كان "البدريين" أنفسهم قد إقتنعوا بقرب نهاية نظامهم وبدأوا يفكرون فى كيفية 'المخارجة‘ الشخصية، فما بال قادة المعارضة لا يستغلون هذه الظروف ليصعدوا من نضالهم للإطاحة بدولة الفساد والإستبداد؟
إنني لعلى قناعة تامة بأن السر الأكبر لإستمرار هذا النظام الفاسد المستبد لأكثر من عقدين من الزمان لا يتمثل فى قوته الذاتية فقط، وإنما يتمثل فى الضعف الذى ينتاب مواقف قادة أحزاب المعارضة وتشرذم أحزابهم، وبالتالي فقدان الرؤية السليمة والبوصلة السياسية التى تدلهم على أفضل الأساليب نجاعة للتصدي لمجرمي الدولة الرسالية وكنسهم الى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليهم.
ابراهيم الكرسني
4/4/2012م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.