الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أفريقيا تحقق أسطورة «إلدورادو» بموارد أخرى

بعد طول معاناة، وبعد سنوات وعقود طويلة من الزمن الحديث، بات الوعد يدق أبواب أفريقيا التي طالما كابدت – كما هو معروف – من مغّبة الإهمال بل والاستعلاء فضلا عن التركة الفادحة المتخلفة عن عصور السيطرة الاستعمارية التي تزامنت مع إنجازات الشمال الغرب أوروبي في مجالات التطور الرأسمالي متلازما مع الانقلاب الصناعي، وهو ما دفع تلك الأطراف الأوروبية إلى التماس الخامات الثمينة والمتاحة، فضلا عن الأسواق الشاسعة والمفتوحة، وخاصة في أصقاع القارة الأفريقية التي عانت شعوبها من تلك السيطرة الإمبريالية إلى أن حان موعد استقلالها في عام 1960.
وعلى مدار السنوات الخمسين من عمر ما بعد الاستقلال عصفت بأفريقيا أيضا تيارات عاتية ومتغيرات عاصفة ما بين الانقلابات العسكرية أو نشوب النزعات الانفصالية والخلافات العِرقية إلى حد الحروب الأهلية – الدموية في كثير من الأحيان. إلا أن هذا الكتاب الذي عكف على تأليفه اثنان من الاختصاصيين الفرنسيين في ميدان السياسة والتنمية والتحول الاقتصادي، صدر أخيرا كي يرسم صورة مغايرة لأفريقيا حيث تستند إلى عوامل واعدة وموضوعية في آن معا، وتبشر بأوضاع أفضل لشعوب القارة وتحولاتها الاقتصادية وفي مقدمة هذه العوامل العنصر الديموغرافي الكفيل بأن يضيف إلى سكان أفريقيا نحو مليار نسمة على مدار الفترة المقبلة، فضلا عن ما أصبح معروفا على المستوى العالمي من احتواء أرض أفريقيا على موارد معدنية ذات احتياطيات غزيرة، وفي مقدمتها الكوبالت واليورانيوم ثم البترول.
في دنيا السياسة الدولية كانوا يطلقون على أستراليا وصفا أقرب إلى مرارة الطرافة يقول: أستراليا هي القارة الموجودة، هناك، فقط، وبمعنى أنها قارة لا يكاد يأبه بها أحد، لا في العير الدولي ولا في النفير العالمي كما قد نقول. وكل ما هنالك أنها قارة أضيفت إلى خارطة البسيطة بمجرد أن اكتشف وجودها، مجرد وجودها، الملاح الإنجليزي المغامر الكابتن "جيمس كوك" (1728-1779) دون أن يقصد إلى ذلك كما تقول المصادر التاريخية، وقصاراه أن كان يجوب مياه العالم ومحيطاته على متن سفينته "أنديفور" إلى أن اكتشف سواحل أستراليا ومن بعدها نيوزيلندا في 1776.
ثم اكتملت هذه الدراما بأن لقي الكابتن "كوك" حتفه اغتيالا لفرط قسوته على يد سكان جزر هاواي، لتبقى أستراليا، بوصفها القارة التي.. هناك.. مجرد هناك، وثمة قارة أخرى، لا يقتصر وجودها بداهة على حكاية، ال،"هناك" وإنما ظلت موجودة بل وبارزة الوجود، على الأقل في مضمار الوعي والتطور التاريخي على اختلاف عصوره نتحدث عن أفريقيا.
ولقد حملت القارة المذكورة أوصافا ومسميات عديدة فهي القارة "السوداء"، أو "السمراء" في إحالة تنبو أحيانا عن الذوق السليم إلى لون البشرة السائد بين ربوعها، رغم أن الإحالة غالبا ما تشير بالذات إلى سكان أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى.
وأفريقيا أيضا هي القارة "العذراء" كما كان يسميها أصحاب الاتجاهات الرومانسية من مفكرين أو جغرافيين أو مكتشفين، أو حتى طامعين، وبمعنى أنها بحاجة إلى مزيد من التعرف عليها واستكشاف آفاقها ومحاولة الاطلاع على ما لا تزال تطويه أركانها وزواياها من أسرار.
والمعنى أيضا أن أفريقيا تحوي من الموارد والامكانات الطبيعية، الجغرافية بل والبشرية، ما لا يزال مطلوبا ارتياده واستثماره.
يشكل سكانها نحو 10 في المئة من سكان عالمنا وتضم أكثر من 50 كيانا سياسيا، وتموج بتيارات عفوية، ظاهرة وكامنة من حركات ودعوات وديناميات تجسّد حالة التطلع إلى التحرر السياسي والتنمية الاقتصادية ومواجهة تركة بغيضة وبالغة الفداحة تخلفت على أرض أفريقيا من جراء منظومة الاستعمار التي كان قد شهدها أيام القرن التاسع عشر، حين أصبح هذا المدّ الإمبريالي يمثل أعلى مراحل التطور والشره الرأسمالي على نحو ما ألمح يوما الزعيم الروسي "فلاديمير بوتين".
وبمعنى أن كان على دول غرب أوروبا، بعد أن دانت لها مقاليد الثورة الصناعية في القرن 19 من خلال تطوير الماكينة وتسخير طاقة البخار أن تلتمس خارج حدود الغرب الأوروبي آفاقا مستجدة، إما على شكل ركائز وثروات طبيعية تمثل خامات المواد الأولية المطلوبة حُكما لتزويد وإدارة عجلة الصناعة الحديثة، أو من أجل التماس أسواق شاسعة ومفتوحة وبغير منافسة لترويج فوائض السلع المصَّنعة وشبه المصنعة الناتجة عن تلك الصناعات.
اتساع مد الاستعمار
المهم أن تبلورت هذه الاتجاهات الطامعة في أفريقيا إلى حد بلغت ذروتها السياسية في انعقاد المؤتمر الشهير الذي استضافته العاصمة الألمانية – برلين، في عهد "أوتو بسمارك" مستشار ألمانيا الحديدي كما كانوا يسمونه، وكان ذلك في عام 1883، ويومها حمل المؤتمر، ولا يزال يحمل في متن التاريخ، عنوانه المقيت الذي لا يخلو بداهة من دلالة وهو: مؤتمر التسابق (أحيانا التكالب) على أفريقيا.
والمهم أيضا أن أسلم هذا التكالب إلى استشراء ظاهرة المد الاستعماري الذي لم تنج من مخالبه كل أرجاء القارة سواء باستعمار إنجلترا مصر والسودان وتونس في فترة معاصرة لانعقاد مؤتمر برلين، أو باستعمار فرنسا – الثقافي بالذات – لأصقاع غرب أفريقيا التي مازالت أسيرة لمنظومة الثقافة والأعراف الفرنسية التي تحمل اسم "الفرانكفون" أو استعمار إنجلترا أيضا الممتد إلى أصقاع شاسعة بدورها من شرق أفريقيا، ناهيك عن الممتلكات السابقة لكل من البرتغال وإسبانيا في موزمبيق وأنغولا وغيرهما، فما بالنا بآفة الاستيطان الاستعماري التي ظلت مخيّمة على أرجاء مناطق الجنوب الأفريقي وحتى عقد التسعينات من القرن العشرين.
مع هذا كله، فلا يزال من علماء السياسة ومفكري الاقتصاد من يطلق على أفريقيا الوصف التالي: القارة التي لم تُستثمر بعد.
وهذا الوصف الذي اختاره أكاديمي اختصاصي هو البروفيسور "جون غازفنيان" الأستاذ بجامعة أكسفورد في دراسته التي نشرها في عام 2007 (وقدمت "البيان" عرضا تحليليا لها فور صدور الكتاب) وبصورة أدق، فالأستاذ الجامعي المذكور اختار أن يشير إلى "عذرية" أفريقيا من باب حيوي ومحوري على وجه التحديد وهو: البترول.
وفي العنوان الفرعي لكتابه المذكور يورد العبارة الدالة التالية: التسابق على بترول أفريقيا.
وبديهي أن كان يشير ومنذ تلك السنوات الفاصلة الخمس إلى تسابق – أو تكالب عالمي هذه المرة، لا على استعمار أراضي أفريقيا ولا إخضاع شعوبها، السوداء أو السمراء أو ذات البشرة الحنطية – القوقازية كما يقول التصنيف المعتمد في الأدبيات السياسية الأميركية، بقدر ما كانت الإشارة ولا تزال إلى أن أفريقيا تحوي موارد أكثر من واعدة من حيث الغزارة في الحجم والعمر الأطول في الاحتياطيات ومهاودة التكاليف من حيث أجور العمالة الوطنية المتاحة، أو من حيث سهولة الكشف والتنقيب والاستخراج وطرق التوصيل من المنابع والمصادر إلى أرجاء العالم الأربعة أو من حيث هذه العوامل التيسيرية مجتمعة على السواء.
حانت اللحظة السانحة
وفي كل الأحوال، فسواء كان التركيز على وعود النفط الأفريقية، أو على بكارة الموارد الأخرى التي لاتزال مبشرة بين ربوعها وأصقاعها، فها نحن بإزاء كتاب أحدث، صدر في الفترة القريبة الماضية، ويرى أن أفريقيا وقد طال ظلمها واستطالت فترات معاناتها سواء من جراء النفوذ الخارجي أو التخلف الداخلي – ما برحت – في تصور الكتاب الذي نلقي عليه لمحات ضوء في هذه السطور تعيش – لحظة تبشر بالخلاص أو بقدر لا يستهان به من هذا الخلاص، وباختصار شديد: حانت لحظة أفريقيا.
هذا هو عنوان كتابنا الذي تعاون في تأليفه اثنان من الباحثين الاختصاصيين.
الأول هو "جان ميشيل سيفيرينو" المفكر الفرنسي المتخصص في الشؤون الإدارية والمالية وفي قضايا التنمية فيما وراء البحار.
والثاني هو "اوليفييه راي" الخبير الباحث بوزارة الخارجية الفرنسية وقد عمل بدوره مسؤولا اقتصاديا عن إدارة الشرق الأوسط وأفريقيا في الوكالة الفرنسية للتنمية بعد أن تخصص في هذا المجال في كبرى جامعات فرنسا وانجلترا وأميركا.
حانت لحظة أفريقيا. بمعنى أصبحت الفرصة سانحة أمام القارة التي عاشت – على نحو ما ألمحنا – سنوات بل عقودا طويلة من المعاناة ومن التعرّض للاستغلال من حيث الموارد والإمكانات المادية، وأيضا من الاستعباد إلى حد القهر والاسترقاق من حيث البشر والشعوب.
ويكفي مثلا أن يستعرض الباحث، أي باحث منصف ما لاقته شعوب الكونغو من عسف واستغلال شبه وحشي أيام الاستعمار البلجيكي لتلك المنطقة، التي كانت ومازالت من أغنى بقاع الكرة الأرضية بموارد غاية في الخطورة وفي مقدمتها أفضل أنواع الماس وأهم موارد الكوبالت واليورانيوم.
ولقد استطال أمد هذا الاستغلال خلال الحقبة الاستعمارية التي خضعت فيها الكونغو لسلطة العرش البلجيكي ولاسيما مرحلة "ليو بولد الثاني" (1835-1909) التي أجاد تصوير مظالمها وفظائعها بدقة درامية واحد من أعلام الأدب الإنجليزي في العصر الحديث، وهو الروائي البولندي الأصل "جوزيف كونراد" في روايته الشهيرة بعنوان "قلب الظلام".
مع ذلك، وفيما كان القرن التاسع عشر هو ذروة المأساة لأفريقيا، فقد جاء استهلال النصف الثاني من القرن العشرين ليومئ إلى انبلاج ظروف كانت تبشر، مجرد تبشر، بالأمل بالنسبة للقارة السوداء أو العذراء، أيا كانت تسميتها.
عام 1960 يطلق عليه بالتحديد وصف تاريخي بحق وهو: عام استقلال أفريقيا.
شهد العام المذكور مدا عارما من نيل العديد والعديد من أقطار وشعوب أفريقيا استقلالها عن دول الاستعمار الغربي، واجتاحت هذه الموجة أصقاع القارة من غربها في غانا (نكروما) أو غينيا (أحمد سيكوتوري) أو السنغال (ليوبولد سنغور) إلى وسطها وشرقها في تنزانيا (جوليوس نيريري) وزامبيا (كينيث كاوندا) وكينيا (جومو كينياتا) فضلا عن الجزائر (بن بيلا وهواري بومدين) في عام 1962. بالإضافة إلى أقطار أفريقية أخرى.
50 سنة من الاستقلال
لكن على امتداد السنوات الخمسين الفاصلة بين مرحلة الاستقلال وبين المرحلة الصعبة الراهنة، عانت القارة خلال تلك الحقبة من انقلابات في نظم الحكم ومن إصابة الشعوب الأفريقية، وخاصة فئة "الإنتلجنسيا" المثقفة، المبدعة في مجتمعاتها من مشاعر الإحباط وخيبات الأمل إزاء تبدد الوعود والآمال التي طالما أحاطت بفرحة وإنجاز الاستقلال الوطني.
وفيما صدرت دراسات شتى كي تعبّر عن هذا الإحباط، فإن كتابنا – وقد أصدره خبيران فرنسيان لا ينتميان بداهة إلى أي جنسية أفريقية – يؤكد على نحو ما استخلصه محللو هذا الكتاب حقيقة جوهرية توصل إليها المؤلفان من خلال الإمعان في تدارس "الحالة" الأفريقية وهي: أن القرن الحادي والعشرين سوف يكون حقبة أفريقيا، صحيح أن القارة ظلت خاضعة لاستهانات شتى من جانب أطراف متعددة، وهناك من كان يضفي عليها أوصافا ونعوتا بالغة السلبية ومنها ما يلي: أفريقيا قارة: خاوية، ريفية، فقيرة، بدائية، ومنسية من جانب العالم، الخ.
حقائق جوهرية
لكن ها هي فصول كتابنا التي بلغت 23 فصلا تأتي كي تسجل عبر صفحاتها التي زادت على 350 صفحة عدة حقائق جوهرية فيما يتعلق بالقارة الأفريقية ويمكن أن نلخصها بإيجاز شديد على النحو التالي: تزايد السكان الحالي في أفريقيا يبشر باتساع قدرة وإمكانات الموارد البشرية، خاصة أن سكان أفريقيا سيكون معظمهم في سن الشباب بمعني سن الفتوة وقدرة العمل في مقابل شيخوخة سكان الشمال الأوروبي واليابان.
عجلة النمو في أفريقيا بدأت تدور بنشاط ملحوظ: صحيح أن العجلة يشارك في دورانها أطراف شتى، في صدارتها الصين على وجه الخصوص، ولكن أصبح الأفارقة على وعي بضرورة أن لا تتم المشاريع الإنمائية على أساس طرف يعطي وطرف يتلقى، بل أن كثيرا من مشاريع التنمية تتم الآن في إطار شراكة إنمائية بين الطرف الأجنبي وبين الأطراف الوطنية صاحبة المصلحة الأصلية، وهو ما يؤدي إلى توطين التنمية وتجذير أصولها في التربة الوطنية الأفريقية ذاتها.
أفريقيا – كما يقول الفصل 11 من هذا الكتاب – تبدو الآن وكأنها قد "فتحت التيار" الكهربائي أو استخدمت مفتاح تشغيل الحاسوب الإلكتروني، وبمعنى أن شرعت تأخذ بأسباب وتقنيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أي أنها تتحدث الآن لغة القرن الواحد والعشرين.
لا عجب إذن أن يخلص مؤلفا كتابنا إلى ظاهرة قد لا تخلو في تصورنا من طرافة حيث يختاران عنوانا للفصل الحادي والعشرين من الكتاب يقول: محاولات التقّرب من أفريقيا.
بل يشير أيضا إلى أنها محاولات التودد من القارة السمراء، إلى حد الغزل والتشبيب، وفي هذا السياق بالذات يوجه المؤلفان خطابهما إلى دول الغرب أو دول الشمال أو حتى دول الشرق (الآسيوي – الأقصى) المتقدمة. وتتمثل توجهات ومفردات هذا الخطاب فيما يلي:
لقد فات على كل الأطراف (المتقدمة) في عالمنا أن تنتبه إلى ظاهرة اليقظة وبدء الانطلاق في قارة لن تقبع في انتظارنا بعد ذلك، وثمة ديناميات فاعلة بقدر ما أنها واعدة ومبشرة باتت تؤثر على كل نواحي الحياة في أفريقيا ما بين الجانب الديموغرافي إلى حركة الاقتصاد، وما بين المسار السياسي إلى عوالم الثقافة والجوانب الروحية، صحيح أن أفريقيا مازالت تواجه مشكلات عديدة لكنها أيضا بانتظار حقائق وتغيرات واعدة في معظمها.
وعلى سبيل المثال: أفريقيا بانتظار إضافة نحو مليار نسمة إلى سكانها وهي الآن على وشك أن تجتاز هذه النقطة المتوسطة من تلك الزيادة التي لم تشهدها البشرية من قبل، وتلك زيادة ستكون في غاية القيمة إذا ما أمكن تحويلها من كمّ إلى كيف، أو من حجم متزايد إلى قيمة مضافة.
وفي عبارة موجزة يكاد كتابنا يخلع على أفريقيا – الوعد والمستقبل، مصطلحا مازال له تأثيره في مسارات التاريخ والسياسة العالمية والمصطلح هو: إلدورادو هي الأرض الأسطورية الموعودة على نحو ما تحادثت به الثقافات الإسبانية، وهي أرض الذهب الإبريز التي طالما راودت أحلام المغامرين – المستعمرين الإسبان- وهم يرتادون تخوم "الدنيا الجديدة" في أصقاع قارة أميركا اللاتينية منذ القرن السادس عشر.
ولم يكن مصادفة أن تعمد مجلة "الايكونومست" البريطانية إلى استخدام المصطلح نفسه، لكن عند حديثها عن بشائر اكتشافات النفط في قارة أفريقيا (عدد 7/4/2012) وربما يكون الفرق هو أن الإلدورادو ، أو البشريات الذهبية هذه المرة، لن تكون مجرد أحلام تمليها الأساطير، بل بات الحديث ينصّب، كما يؤكد كتابنا، على أن إلدورادو الأفريقي يستند إلى حقائق واقعة وإلى وعود يمكن عمليا تحقيقها، خاصة وقد حانت لحظة أفريقيا، وأصبحت الفرصة تدق أبوابها على نحو ما يؤكد مؤلفا هذا الكتاب.
تأليف: جان ميشيل سيفيرينو وأوليفييه راي
عرض ومناقشة: محمد الخولي
المصدر: البيان الاماراتية 7/6/2012م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.