مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    شاهد بالصور والفيديو.. تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن أم درمان.. شاب سوداني يصعد أعلى الأبراج العالية ويهدد بالسقوط إذا لم يزوجوه من حبيبته "عبير"    شاهد بالفيديو.. المطرب والممثل أحمد الجقر يهدر ركلة جزاء في إحدى مباريات كرة القدم والجمهور يسخر: (كورة حبة وتمثيل حبة)    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تحكي معاناتها بعد زواجها من "دعامي" طافت معه حتى الحدود السودانية التشادية وتعرضت للضرب منه ومن أصدقائه في حضوره    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    القنصل حازم مصطفى يجتمع بلاعبي سيد الأتيام بالمنتخب في جدة    جان كلود يُسجّل هدفًا رائعًا ويقود بوروندي لانتصار ثمين أمام تشاد في تصفيات أمم إفريقيا    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    حتى لا نخسر ما كسبناه    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



منهج نقد الذات.. في القرآن والسنة

تمنى جمع من القراء الفضلاء: بسط القول في هذا الموضوع من حيث إنه غائب منهجيا عن أذهان الكثيرين ومعارفهم، وإن حياة المسلمين المعاصرة أحوج ما تكون إليه في جوانبها كافة.. وهذه أمنية وافقت عزم الكاتب على بسط الموضوع وإشباعه وتأصيله للأسباب الآنفة.
ولسبب آخر جد جوهري ومهم.، وهو: إزالة وهم قد تمدد في أذهان أناس من هنا وهناك وهو أن نقد الذات (بضاعة غربية) بحتة خالصة، أي ليس للإسلام والمسلمين في ابتذارها وتأصيلها سبق ولا دور..
وهذا وهم ضخم تتوجب إزالته لئلا يأتي يوم يقال لنا فيه مثلا : إن الوضوء والتوحيد الخالص والإيمان بجميع الأنبياء والكتب التي نزلت عليهم (مستورد غربي)!!: ليس للإسلام فيه سبق ولا نصيب!!
ولقد تهيأ السياق الآن لبسط المعرفة في منهج نقد الذات في القرآن:
الحقيقة المعرفية الإيمانية المجلوة المستقرة في عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي أنه (معصوم في البلاغ) عن الله جل ثناؤه: «وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى»، وأن النبي إذا اجتهد برأيه قبل نزول الوحي فالعصمة ألا يُقَر على خطأ (كما في تحريم العسل: «يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك»، وكما في قصة ابن أم مكتوم: «عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى...»..
وفي هذا التعريف الموضوعي المنير للعصمة: مفاهيم معرفية منهجية متعاضدة:
أ البرهنة على أن القرآن من عند الله، لا من عند محمد، فالاستدراك على النبي جاء من خارج الذات، لا من داخل الذات.
ب التوكيد على (بشرية) النبي بحسبان هذه البشرية حقيقة واقعية لا مراء فيها من جهة، وتفاديا للوقوع في تأليه النبي من جهة أخرى.
ج التوكيد على أن من دون النبي من الناس (وكل الناس دونه) لا يحق لأحد منهم أن يدعي ما ليس للنبي نفسه. فإذا كان هذا هو حال الاستدراك القرآني على النبي المعصوم، فليس لأحد كائنا من كان أن يدعي لنفسه ما ليس للنبي من العصمة والارتفاع فوق مستوى الاستدراك.
د ترسيخ قاعدة الاستدراك والتصويب كل بحسبه فالله وحده عز وجل هو الذي يستدرك على رسوله ويصوبه. أما غير النبي من الناس الصحابة فما دونهم فالمنهج هو أن يستدرك بعضهم على بعض: بشرطَي: العلم والنصح.
في القرآن نقد وتصويب لسلوك المسلمين الأوائل.. ومن ذلك:
أ «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم».. فمن مضامين هذه الآية: أن يوجه المسلمون النقد والتصويب إلى أنفسهم قبل كل شيء.. وهذا (منهج عملي)، بمعنى أنه إذا صح البناء الذاتي، فإن أمر التحديات الخارجية يهون أو يتراجع كثيرا.
ب «ولا أقسم بالنفس اللوامة»، أي النفس التي تنتقد ذاتها وتلومها دوما.. نقل ابن كثير عن الحسن البصري قوله في تفسير هذه الآية : «إن المؤمن والله لا نراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟.. ما أردت بأكلتي؟.. ما أردت بحديث نفسي؟.. وإن الفاجر يمضي قدما قدما ما يعاتب نفسه».
ج «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا. ها أنتم هؤلاء جادلتم الله عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا».
هذه الآيات نزلت في جماعة من المسلمين: سرق أحدهم درعا فخشي ربعه من الفضيحة فألصقوا التهمة بيهودي، فجاء الوحي الأعلى ببراءة اليهودي، وبانتقاد التواطؤ على تبرئة المتهم واتهام البريء!
د في القرآن منهج كامل في (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) والأمر والنهي يتضمنان بالضرورة نقدا وتصويبا، إذ إن الموضوع يتعلق هاهنا بوجود (خطأ ما) ينبغي نقده وتقويمه وتصويبه.. ويمكن القول: إن الخطأ هو (المنكر)، وإن (الأمر بالمعروف) هو التصويب البديل، أو النقد الإيجابي.
ه إن نقد (الآخر) يتوجه إلى المسلم نفسه إذا تلبس المسلم بخطايا الآخر.. وهذان مثلان ساطعان:
أولا: «ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به»، فالمسألة منهج يتبع، لا أمنية تتمنى، ولو اكتفى المسلمون بالأماني لحاق بهم ما حاق بأهل الكتاب من جرائر الاكتفاء بالأماني في العلاقة بالله، والتأهب للقائه سبحانه.
ثانيا: «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون».. فهذه الآية نزلت في اليهود، لكنها تنطبق على المسلمين ولا بد إذا تفرقت قلوبهم، وضمر أو غاب عقلهم كما هو حال المسلمين اليوم.. فنقد (الآخر) ينصب على المسلمين إذا هم فعلوا فعله، وسلكوا سلوكه.
و في أُحُد، حاقت بالمسلمين الهزيمة أو المصيبة بتعبير القرآن بعد جولة النصر الأولى، فارتاع المسلمون وتعجبوا أيما عجب، فجاء الوحي يرد ما جرى إلى (المسلمين) أو بعض المسلمين الذين خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم».. هذا نقد صارم صريح مباشر موجه إلى (الذات المسلمة) وليس إلى خالد بن الوليد مثلا الذي كان يقود كتائب الشرك يومئذ!.. ومن تمام المعنى النقدي هاهنا إثبات حقيقة: أن الوحي لم (يتستر) على ما جرى بحجة الخوف من شيوع روح الهزيمة في الميدان العسكري، والحياة المدنية، ولا بحجة أن الأعداء سيستغلون ذلك ويوظفونه لصالحهم.. لا.. لا لم يكن هناك شيء من التحفظ والكتمان، بل أعلنت الحقائق كما هي: «إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون».
هذا هو منهج القرآن في نقد الذات، وهو منهج اتبعه النبي بلا ريب وبيّنه وفصّله تفصيلا.. ومن وجوه هذا البيان والتفصيل:
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أعلى الناس صوتا في نقد المفاهيم والسلوكات الخاطئة:
أولا: كان أعلى الناس صوتا ضد التشدد والغلو والتنطع:
أ قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».
ب وقال: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم».
ج وقال: «هلك المتنطعون.. هلك المتنطعون.. هلك المتنطعون» والمتنطعون هم المتشددون الخارجون عن منهج اليسر: جهلا، أو هوى من عند أنفسهم.
ثانيا: كان النبي أعلى الناس صوتا ضد (العنف):
أ قال: «من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق، حرم حظه من الخير».
ب وقال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه».
ج وقال: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف».
د وقال: «من سل علينا السيف فليس منا».
ثالثا: لم يخدع النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد (المظاهر الدينية)، ولا ب(الكميات الهائلة للتدين) بل حاكم كل مظهر وكل سلوك ذا صورة دينية إلى المنهج الديني الحق وأعمل (معيار النقد) لكل سلوك ديني في عصره.
كان هناك من يتدين على نهج منحرف، والنبي بين ظهرانيهم وهم (الخوارج) الذين ظهرت جرثومتهم الأولى على يد (ذي الخويصرة).. كان هؤلاء (متدينين) في كم العبادة وصورها بشهادة النبي لهم، حيث قال: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية».
عجيب!! تالون للقرآن صوّامون قوّامون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية!
لماذا؟
لأن (كم) العبادة الضخم ولا صورتها البادية تغني عن صحة المنهج.
ولذا وجه النبي سهام النقد الصارم إلى هذا النوع من العبادات الخادعة: انتصارا للمنهج، ونقدا لكل سلوك زائغ: ولو ارتدى زي الدين، وتسربل بمظاهره!
صور من تطبيقات نقد الذات المسلمة (تمحيص السنة نموذجا)
(ميراث النبوة) موقر مهيب رفيع المقام مصون الجناب، ومع هذا التوقير والمهابة والرفعة والصون، فإن العقلية المسلمة نظرت إلى هذا الميراث ب(عين ناقدة) حازمة: لا مكان فيها للعاطفة والاسترخاء والخوف والوسوسة والجفول والإغضاء.. والباعث على هذه النظرة الناقدة الفاحصة هو: تعظيم ميراث النبوة نفسه والجهاد لأجل صونه وحمايته من أن يختلط به ما هو مقحم فيه، أو مدسوس عليه: لهذا السبب أو ذاك.
ومن مجموع مباحث النظرات الناقدة المغربلة الموثقة تكوّن(منهج علمي) قوامه: النقد المنصوب الميزان أبدا، البيّن الآليات الفنية: المفردة والمركبة، وهو منهج لا نظير له - البتة - في توثيق تراث الأمم: الديني وغير الديني.
وهذا المنهج الفريد: متعدد المجالات والحقول التي تلتقي كلها في توثيق ما يستحق التوثيق، ، واطراح وتوهين كل ما ينبغي اطراحه وتوهينه - بعلم راجح وأمانة فائقة-.. ومن هذه الحقول:
1- (علم الإسناد)، أي العلم بسلسلة رجال الإسناد بالتوثيق من ترجمة كل منهم: قوة وضعفا.. ثقة وعدم ثقة.. جرحا وتعديلا.
وهذا علم تصعد نشأته إلى عصر الخلافة الراشدة. فقد سنّ أبوبكر رضي الله عنه سنة التثبت من الراوي، إذ لم يقبل من أحد الصحابة حديثا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يشهد معه غيره بأنه سمعه - كذلك - من النبي.. ومشى على المنهج نفسه عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - إذ رد حديث أبي موسى الأشعري حتى أتاه أبو موسى بمن شهد معه على صحة الحديث.. ولزم الفرز نفسه علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - حيث كان يستحلف الراوي حتى يستوثق من صدقه وأمانته، وذلك لأن هؤلاء الخلفاء العظام كانوا على علم بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».. وهذا الحديث من دلائل، ومن نور النبوة الذي امتد بسناه بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى، وهو سنا أضاء الطريق لعلماء السنة الذين قضوا أعمارهم الشريفة في حفظها وتوثيقها وتنقيتها: بنقد الأكاذيب والأباطيل والدس والوضع والتدليس.. وفي أهمية الإسناد يقول الشافعي:«مثل من يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل ربما احتطب في حطبه أفعى».. ومن التطبيقات(الإسنادية) على أحاديث نسبت للنبي، قولهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنما هلكت بنو إسرائيل حين حدّث فيهم المولَّدون أبناء سبايا الأمم فوضعوا الرأي فضلوا».. ففي سند هذا الحديث رواة منهم الضعيف: كابن صالح.. ومنهم المتهم بالكذب: كالكلبي.. (ثم في الحديث نزوع عنصري يحط من قدر المولّدين، فليس هذا الحط من معايير الإسلام قط، وإلا فإن جمهرة العلماء الكبار الذين خدموا السنة هم من غير العرب).
ومن هذه التطبيقات: نقد ما ورد في بعض كتب الفقه من أحاديث ضعيفة أو موضوعة.. يقول ابن تيمية: «ومنها قولهم: (نهى النبي عن بيع وشرط) فإن هذا الحديث باطل، ليس في شئ من كتب المسلمين، وإنما يروى حكاية منقطعة.. ومنها قولهم: (نهى عن قغيز وطحين).. وهذا أيضا باطل».. ثم يقول في موضع آخر:«قولهم قال النبي: (لو كانت الدنيا دما عبيطا كان قوت المؤمن منها حلالا). هذا ليس من كلام النبي، ولا يعرف له إسناد.. ومما يروونه: أن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم مع أبي بكر كنت بينهما كالزنجي الذي لا يفهم). وهذا كذب ظاهر لم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث، ولم يروه إلا جاهل أو ملحد.. ومما يروونه عنه أيضا (الشيخ في قومه كالنبي في أمته). وهذا ليس من كلام النبي».. انتهى كلام ابن تيمية.. وعن الحديث الأخير - المفترى على النبي - يقول الإمام النووي (موضوع لا أصل له).
وفي الإسناد يجهر العلماء الثقات ب(الجرح) في الرواة المجروحين: جهرا متحررا متطهرا من كل مجاملة ومداهنة وخفوت، ومن كل عدول عن واجب (التسمية) و(التعيين).. مثلا: من الرواة المجروحين (غزوان بن يوسف المازني العامري البصري). ولقد تناوشته بالاسم سهام النقدة الأيقاظ من حراس السنة، فقال البخاري: سكتوا عنه.. وقال أبو حاتم: متروك الحديث.. وقال ابن حبان: منكر الحديث.
2- ومن هذه العلوم(علم علل الحديث).. ومن تعريفات العلة: وجود سبب خفي قادح في صحة الحديث، مثال ذلك أن يكون السند ظاهره الصحة، ولكن فيه من لا يعرف بالسماع عمن روى عنه، أو أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع عنه، ولكن لم يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواه عنه بلا واسطة فالعلة أنه لم يسمعها منه. وفي هذا الفن الأصيل مراجع مترعة بالنقد القوي السافر - غاية السفور -. من هذه المراجع (العلل ومعرفة الرجال) لأحمد بن حنبل. و(العلل المنقولة عن يحيى بن معين). و(العلل) لابن المدين. و(كتاب العلل) للبخاري.. و(كتاب العلل) لمسلم بن حجاج.
3- علم (الأحاديث الضعيفة والموضوعة).
بتطبيق منهج الإسناد والتعليل - مثلا - ظهر علم نقدي جديد موسع وهو: العلم بالأحاديث الضعيفة والموضوعة واستقرائها وإحصائها - قدر الإمكان - وكشفها للأمة المسلمة لكي تأخذ دينها من صحيح السنة، ولكي تحرر معرفتها الدينية وتطهرها تطهيرا من الأحاديث التي نسبت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقلها.. ومن مراجع هذا الفن النقدي الرائد(الضعفاء الصغير) للبخاري. و(الضعفاء الكبير) للعقيلي. و(الكامل في ضعفاء الرجال) لابن عدي. و(الضعفاء والمتروكون) لكل من النسائي والدارقطني. و(ضعيف الجامع الصغير). و(سلسلة الأحاديث الضعيفة) لناصر الدين الألباني. و(الموضوعات) لابن الجوزي. و(الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) للشوكاني.
هذه نماذج من(النقد العلمي) الصارم لميراث النبوة: ابتغاء تنقيته مما علق به من دس وتدليس ووضع وافتراء.
وميراث النبوة مصون الجانب، موقر المقام - بلا ريب - كما تقدم، ومع ذلك تناولته عين التوثيق العلمي بالنقد - المنهجي والتطبيقي -.. وهذا من البراهين العلمية التي تزيد الإيمان بالسنة النبوية. فهذا المنهج العلمي الدقيق والحاسم في تصفية الحديث النبوي من الشوائب - أية شوائب -: يسقط كل مقولة تحاول إثارة الريب حول صحيح السنة.. وبسقوط هذه المقولات والإرجافات: يربو الإيمان بالسنة، ويسطع نوره في العقل والضمير سطوعا ينقل المسلم من موقع (الاعتذار) إلى موقع (الاعتزاز).
وإذا كان النقد العلمي الحق الصدوق النزيه قد تعامل بهذا المنهج الصريح مع ميراث النبوة ذته، فإن ما دون ميراث النبوة خضع لهذا النقد: بداهة.
ومن ذلك: نقد الأخطاء في تفاسير القرآن.. ثمة تفاسير للقرآن الكريم، احتشت ب(الاسرائيليات) الخرافية المذمومة التي وردت في قصص الأنبياء، ونشأة الكون وحركته إلخ.. ولقد تناول علماء التفسير هذه الاسرائيليات وخرافاتها وأوهامها بالنقد الجرئ المبصر الأمين.. ومن هؤلاء العلماء: ابن كثير.. وأبوبكر بن العربي.. ولقد قال الأخير: «فأعرض عن سطورها بصرك (أي الاسرائيليات)، وأصم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا».
والحق أن تاريخنا العلمي كله يمكن وصفه بأنه(إنشاء واستدراك ونقد):
أ- فقد استدرك الليث بن سعد على الإمام مالك بن أنس، وقد عاشا في عصر واحد.
ب- واستدرك ابن حزم وانتقد جمهرة من العلماء الأعلام، ولولا عبارته الجارحة، لأصبح نقده واستدراكه منهجا كاملا متقبلا في هذا الفن.
ج- واستدرك ابن القيم على شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي - على حبه له -!!.. فقد ألف ابن القيم كتابه (مدارك السالكين) لشرح كتاب (منازل السائرين) للهروي، والتنويه به، ومع ذلك فقد أعمل ابن القيم معيار النقد في بعض ما قاله الهروي وأخطأ فيه.. يقول ابن القيم:«ليته لم يستشهد بهذه الآية في هذا الباب، فإن الاستشهاد بها على مقصوده أبعد شاهد عليه، وأبطله شهادة، وليته اختار لهذا الباب اسما أحسن منه موقعا، شيخ الإسلام حبيبنا، ولكن الحق أحب إلينا منه».. ولا نحسب أن الهروي يضيق بمثل هذا النقد. إذ كان هو نفسه يمارس النقد ولا يساوم عليه.
على أنه لا ينبغي أن يستدرك على العلماء إلا عالم ذي علم راجح، وإخلاص مكين، وأسلوب رفيع.. فهذه أسس معتبرة للنقد المعتبر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.