الهلال يتجاوز الفلاح عطبرة بثلاثية نظيفة ويصعد الى الصدارة مؤقتا    حكم قضائي بسجن وتغريم الناشط دسيس مان لهذا السبب – تفاصيل القضية    مروي في ذكريات الأستاذ عبد الكريم الكابلي ومذكراته .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك    حول إستاطيقا الجّسد .. منظور إكسيولوجي .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن    الحَوَاريون الواردة في القرآن الكريم .. سودانية مروية اماً واباً .. بقلم: د. مبارك مجذوب الشريف    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    المريخ مكتمل الصفوف أمام السوكرتا    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    "الاستئناف" يؤيد الإعدام في حق مدانين بقتل "لص"    النيابة تأمر بعدم تشريح جثة ابنة مسؤول توفيت غرقاً    تقارير: هازارد يجبر ريال مدريد على استشارة كبار الأطباء    سجلات سوداء لبرشلونة خارج ملعبه في الأدوار الإقصائية من دوري الأبطال    شاب يسدد طعنات قاتلة لصديقه    فيلود يطالب باكرم والبرنس الجديد    الحج والعمرة تنفي فرض رسوم اضافية على الوكالات    اتفاق بين الحكومة وقادة مسار دافور حول ملف الخدمة المدنية    الشيوعي يوافق على طلب حمدوك مساعدة الأمم المتحدة    اختفاء 7 مليون من وزارة المالية بالخرطوم    العاملون بكنانة ينفذون وقفات احتجاجية تضامناً مع المفصولين    (الصحة) تتقصى حول (8) أجانب مُشتبه بإصابتهم (بكورونا)    حميدتي يؤكد التزام (الدعم السريع) بحماية المدنيين والعمل وفقاً للقانون    كرار: من يتهم الأحزاب باختراق الجيش فليقدم الدليل    في حضرة الكروان عبد العزيز المبارك وذكريات من هولندا... بقلم: عادل عثمان جبريل/أم درمان/الواحة    مهاجر سوداني في مالطا: الوضع هنا نسخة عن ليبيا بالنسبة لي!    الفاتح جبرا .. بقلم: حنك بيش !    (الصحة) تتقصى حول (8) أجانب مُشتبه بإصابتهم (بكورونا)    إسرائيل تكشف عن حالة إصابة ثانية ب"كورونا"    العراق.. واشنطن تحث علاوي على حل الخلافات مع الزعماء السُنة والكرد    الخطوط الجوية القطرية: سنخضع الركاب القادمين من إيران وكوريا الجنوبية للحجر الصحي    وزارة الصحة السعودية: ننسق مع الصحة الكويتية لعلاج المواطن السعودي المصاب بفيروس "كورونا"    اتّهامات متبادلة بين الموارِد المعدنية وشركات القطاع بشأن إنتاج الذهب    ابرز عناوين الصحف السياسيه الصادرة اليوم الاثنين 24 فبراير 2020م    أمير تاج السر : من يمنح الجوائز الأدبية؟    ضد تبديل العملة مع "تعويم الجنيه": ولنبدأ فعلياً في ضرب "الاقتصاد الموازي" الذي تسيطر عليه الرأسمالية التي نشأت في العهد البائد .. بقلم: نورالدين عثمان    ما بين الشيخ الاكبر والسلطان ... حكايات تتكرر بين بلة الغائب وآخرون .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    الظواهر الصوتية غرض أم مرض؟ .. بقلم: إسماعيل عبد الله    الرئيس الألماني يزور السودان الخميس المقبل    بعض قضايا الإقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة .. بقلم: صديق عبد الهادي    يؤتي الملك من يشاء .. بقلم: إسماعيل عبد الله    ثم ماذا بعد أن بدأت الطائرات الإسرائيلية تطير في أجواء السُّودان يا فيصل محمد صالح؟ .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    خواطر حول المجلس التشريعي، الدعم السلعي، وسعر الصرف .. بقلم: أ.د. علي محمد الحسن    فيروس كورونا .. بقلم: د. حسن حميدة - مستشار تغذية – ألمانيا    استراحة - أن شاء الله تبوري لحدي ما اظبط اموري .. بقلم: صلاح حمزة / باحث    في ذمة الله مذيعة النيل الأزرق رتاج الأغا    هجوم على مذيع ....!    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مقالات: الحقوق السياسية للأقليات بين النظامين الإسلامي والعلماني

بقلم د. إبراهيم محمد آدم شعبة العلوم السياسية- كلية الاقتصاد جامعة جوبا- السودان
أما الأفغان فبعد أن أبلوا بلاءاً حسناً في قتال المحتلين السوفيت تفرقوا أيدي سبا تتقطعهم وتنهشهم خلافاتهم المذهبية والعرقية فهؤلاء سنة وأولئك شيعة وهؤلاء بشتون وأولئك طاجيك أو أزبك والصراع هنا أيضاً تذكيه صراعات أغلبية وأقلية. وتحاول الدوائر السياسية والمنظِّرون للشأن السياسي من العلمانيين والمنادين بالنظام الإسلامي حل مشكلة الأقليات كل من وجهة نظره الخاصة، وتبحث هذه الورقة في ذلك في ضوء التجارب التاريخية والمعاصرة.
مقدمة:
بدأ مفهوم الدولة بدولة المدينة وكانت المدن منتشرة في جبال اليونان وأوديتها وسواحلها وفي الجزر الغربية منها ولجميع دول المدينة نظماً اجتماعية ودينية واحدة وتعود نشأتها إلى أصل واحد ومساحتها صغيرة ويبلغ عدد سكانها في المتوسط ثلاثمائة ألف نسمة تقريباً وكانت تتكون من ثلاثة طبقات هي طبقة العبيد ولا تتمتع بحقوق المواطنين والتزاماتهم، طبقة الأجانب المقيمين وكانوا يزاولون التجارة والحرف ولا تسمح لهم القوانين المحلية باكتساب الجنسية الإغريقية، ولا يشتركون في الحياة السياسية ويمتازون على العبيد بأنهم أحرار، وطبقة المواطنين ويحق لها المشاركة في الحياة السياسية. وبهذا فإن أرسطو يعتبر صلاحية الفرد للمنصب دليلاً على أنه مواطناً في الدولة ( غالي 2004م ).
تطوَّر مفهوم الدولة بعد ذلك عند أفلاطون في بلاد الإغريق، كما أضفى عليها الفكر الروماني مفهوماً قانونياً وأخلاقياً واجب الاتباع، أشار اللاهوت المسيحي إلى قانون الطبيعة عند وصفه للدولة، توسّعت الدولة من دولة المدينة إلى الأمبراطورية في عهد الإسكندر المقدوني.
في العهد الإسلامي بدأت الدولة بدولة المدينة بعد أن بلغ المجتمع الإسلامي مرحلة الدولة حيث لا يكتمل المجتمع الإسلامي إلا بوجود سلطة شرعية تحفظ الدين وتطبّق شرائع الله كما جاءت في الكتاب والسنة ( إمام 2000م ). تاريخياً يعتبر نيكولا ميكافيللي أول من استخدم دولة في كتابه الأمير ( ميكافيللي 1982م ) وبعد ذلك برز مفهوم الدولة القومية ذات السيادة، وتعد معاهدة وستفاليا 1648م بمثابة إعلان تاريخي لميلاد الدولة الأمة رغم أنها قد تبلورت قبل ذلك التاريخ إلا أن المعاهدة قد أوجدت البنود القانونية لتكريس شرعية الوجود والاعتراف المتبادل بترسيم الحدود.
بعد ذلك جاء التعريف التقليدي للدولة بأنها مجموعة من البشر يقطنون بصفة دائمة في منطقة محددة وينظمون أنفسهم من خلال حكومة مركزية ويتمتعون بالاستقلال عن القوى الخارجية.
هذا المفهوم يعني إن كل من يقطن الرقعة الجغرافية لدولة ما مواطناً فيها له كافة الحقوق وعليه كل الالتزامات والواجبات ولم تتحدث تلك التعريفات في ذلك التسلسل التاريخي عن الفرق بين حقوق وواجبات الأغلبية والأقلية ولهذا يلزم تعريف الأقلية قبل الحديث عن تلك الأدوار ونتائجها.
معنى الأقلية:
ظهر مفهوم الأقلية بظهور الدولة الأمة التي تعني اشتراك الأمة التي تتكون منها الدولة في الخصائص السياسية، الاجتماعية، الثقافية والقانونية، ولما لم تكن الدولة قد أسست على مجموعة عرقية تشترك كلها في الانتماء إلى أصل واحد فمن الطبيعي وجود بعض المجموعات التي لديها خصائص مختلفة عن بقية شعب الدولة خاصة في العالم الثالث حيث تكونت الدول بناء على التقسيم الاستعماري الذي بني على مصالح الدول المستعمرة ولم تراع فيه الحدود السياسية انسجام المجموعات اللسانية أو عدم تجانسها مما ولّد إحساساً بالغالبية والأقلية بين شعوب تلك الدول ولهذا ارتبط مفهوم الأقلية بالثقافة الغربية عندما استخدم للتعبير عن الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم أو يعتبرهم الآخرون في مجتمع يستطيعون في إطاره تطوير سلوكهم الثقافي الخاص. والأقلية بهذا المفهوم الغربي ليست مجرد أقلية عددية، ولا هي الأقلية السياسية، وإنما هي أقلية لها هوية ثقافية مختلفة عن الهوية السياسية لأغلبية المجتمع الذي تعيش فيه ولهذا فهو مصطلحاً محملاً بالمعاني العنصرية والأثنية.
مفهوم الأمة:
كما سبق ذكره فإن معاهدة سلام ويستفاليا قد وضعت حد للحروب الدينية الداخلية في أوروبا ونشأت بموجبها ما عرف بالدولة الأمة التي يمكن أن تضم مذاهب وأديان مختلفة وتتحد في الولاء السياسي وقد تلازم ذلك مع مفهوم السيادة الذي عبّر عنه ميكافيللي وحين بودين وتوماس هوبز نظرياً قبل أن يتجسّد سياسياً.
أما في الإسلام فإن الأمة تجمّع بشري ناتج عن التفاعل بين الإنسان والرسالة المنزَّلة، وهو لذلك تجمُّع عقدي فكري يتميز عن أي تجمع طبيعي عضوي يقوم على أصرة الدم والنسب، كالأسرة أو القبيلة أو القوم. فبينما تتحد الرابطة الأسرية والقبلية والقومية بالتماثل بالشكل الكلي أو العرقي أو اللساني يتميّز الانتماء للأمة بوحدة القصد والفكرة والتوجّه وهذه تشمل بعض قواسم مشتركة لمفهوم الأمة في المساقين الإسلامي والعلماني الغربي.
كما إن الإسلام يستخدم لفظ أم للدلالة على الجماعة البشرية، أي جماعة بشرية حيث يقول تعالى ( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ) " الرعد 30" ومن الأمثلة على الجماعة المكانية أو الجغرافية المتحيِّزة في إقليم معيّن قوله عز وجل ( وقطعناهم في الأرض أمماً منهم الصالحون دون ذلك ) " الأعراف 160" بل نجد بعض الاستخدامات القرآنية التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة في معناها عن مفهوم الجماعة ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ) " الرخرف 22".
الأقليات في النظام الإسلامي:
يعتبر الإسلام دين ودولة، مجتمع وأمة، اجتماع وحضارة ونظام. وتحوّلت آياته إلى ممارسات وتطبيقات وتاريخ ومعاملات، ولم يقف عند حدود الآيات التي تتلى في الصلوات، ولا النظريات والفلسفات، لقد حرر الضمير الإنساني من الإكراه الديني، وحررت فتوحات دولته الشعوب من القهر والطغيان والاستبداد ونقلتهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ورغم ذلك ترك لمواطني تلك الدول حرية الاعتقاد والتديّن ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )، ولم يكره فرداً أو فئة على اعتناقه ( لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرشد من الغي ).
إن التراث الإسلامي الديني، الحضاري واللغوي لم يستخدم مصطلح الأقلية بالمفهوم الغربي له وإنما عرف فقط بالأقلية العددية في مقال الأكثرية، وارتبطت القلة في الإسلام بالصلاح بينما ارتبطت الأغلبية بغيره كما في الكثير من الآيات القرآنية ( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) " هود 17" ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) "البقرة 243"، ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) "الأعراف 187".
في المفهوم الإسلامي كذلك ارتبط مفهوم بالصفات الإيجابية ( وقليل من عبادي الشكور ) "سبأ 13" ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) "البقرة 249"، ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) "ص24".
إذن المعنيان لا يستخدمان إلا للتمييز العددي وإن العبرة بالمعايير التي تجتمع عليها الأغلبيات أو الأقليات وينظر الإسلام دائماً إلى الجوامع لا إلى الفوارق فالإنسانية كلها خلقها الله من نفس واحدة ثم شاء لها التنوع والاختلاف إلى ذكران وإناث، شعوب وقبائل، وألسنة ولغات وقوميات، ألوان وأجناس، ملل ونحل وشرائع وأديان، ومناهج وثقافات وحضارات في إطار الإنسانية الجامعة.
الوحدة الإقليمية في المفهوم الإسلامي هي دار الإسلام التي تسيطر عليها عقائد الإسلام وقوانينه، وهي وحدة إقليمية لأنها تقوم على رقعة جغرافية محددة، ولكنها تختلف عن الدولة القومية في إنها لا تقوم على جنسية محددة، وهذا لا يمنع أن تتطابق حدودها مع حدود انتماءات قومية بعينها كأن تكون الدولة مكونة من قومية واحدة أو قومية غالبة، لأن القومية لا تتعارض مع الإسلام، ولكن الدولة الإسلامية لا يسعها أن تكون مجرد دولة قومية، تقوم فقط على الانتماءات والولاءات، وإنما تقوم على الإسلام والولاء له، وهو بمثابة القومية والجنسية في هذه الحال مع احتفاظ جميع الأقليات بحقها في الدولة.
إن تعبير الدولة أو النظام السياسي الإسلامي يشير إلى البنية السلطوية التي تهدف إلى تنظيم الحياة السياسية وفقاً لمباديء الوحي الإسلامي، وبالتالي فإن مصطلح " الدولة " على عمومه يشمل مختلف البني السياسية التي برزت تاريخياً لتنظيم الحياة السياسية للمجتمع المسلم وتبقى مسألة نعت الدولة بصفة "الإسلامية" مسألة تحديد قواعد للشرعية السياسية في التصور الإسلامي (صافي 1998م).
يمكن أن تتطابق حدود الدولة الإسلامية مع الحدود القائمة للعالم الإسلامي الآن، فهذه الحدود كما سبق شرحه قد أوجدتها الدول الاستعمارية الأوروبية ففرقت بين وحدات كانت في الأصل ولايات في الدولة الإسلامية ولكن هذه الحدود وإن كانت مصطنعة فليس هناك بد من الاعتراف بها كأمر واقع تترتب عليه كافة الحقوق والواجبات وطالما أن الدولة التي تقوم في نطاقها تقوم بحق الإسلام وتنهض برسالته ( وقيع الله 1998م).
نجد كذلك أن أصول الكتاب والسنة منذ عهد دولة المدينة كانت تعالج قيام دولة إقليمية، لا تطابق حدودها حدود الملة، وإن قضايا الموالاة، النصرة والهجرة طرقت جميعاً في هذا السياق، كما إن الدولة الإسلامية تتألف من المؤمنين المتوطنين في الأرض التي تمكَّن فيها ومن هاجر إليهم يستضعف فيها المسلمون وانتفت فيها حرية التديّن فيحق لهم أن يخرجوا من أرضهم وينحازوا إلى غيرهم من المؤمنين في أرض يسود فيها الإسلام، ولكنهم يؤثرون وشيجة الدين على رابطة التاريخ والطين ويستقبلون إخوانهم وينصرونهم، فبالهجرة والانحياز والإيواء والنصرة تعلو القيم الشرعية على القيم الوضعية في بناء الدولة.
اتبعت الدولة الإسلامية النظام الملي وهو نظام يعطي الجماعات الدينية المتواجدة ضمن حدود الدولة الإسلامية استقلالية إدارية وقانونية مقابل احترامها للسلطة العليا للدولة الإسلامية وإعلان ولاءها للدولة الإسلامية، وتكفَّلت الدولة الإسلامية بالدفاع عن الجماعات الدينية ضد أي عدوان خارجي، ولعل أكثر المعطيات التاريخية تفصيلاً للعلاقة الملية والسلطة المركزية تلك التي توفرها المصادر التاريخية الخاصة بالدولة العثمانية التي شهدت تطوراً واضحاً في البناء الإداري وتبلوراً واضحاً للنظام الملي، فقد لجأت الإدارة العثمانية إلى اعتماد مبدأ التسامح الديني تجاه الجماعات الملية الخاضعة لسلطتها، وسمحت لها بالاحتفاظ بقياداتها المحلية وقوانينها الخاصة بها وتجنّبت التدخل المباشر في تنظيم شؤونهم (صافي 1998م).
استمرت الإدارة العثمانية عقب توسع سلطانها في بلاد الشام والعراق ومصر والحجاز باتباع نظام إداري في المناطق الإسلامية شبيهة بالنظام الذي اتبع في منطقة البلقان وشرقي أوروبا فاحترمت الاستقلالية الإدارية والقانونية لتلك المناطق الجديدة. إن النظام الملي في البلقان ونظام الإدارة المحلية في المناطق الإسلامية التي خضعت للدولة العثمانية يعكسان نموذجاً هاماً للإدارة السياسية التي تعطي قدراً من الاستقلالية للقيادات المحلية في إدارة مناطقها.
سمحت هذه السياسة لمجموعات قومية وعرقية ودينية مختلفة بالتعايش السلمي والتعاون الاقتصادي والعسكري، والانفتاح الثقافي والفكري، وحالت دون تسلط جماعة قومية أو عقدية أو مذهبية على الجماعات الأخرى وفرض لغتها أو قوانينها الخاصة أو أعرافها أو تقاليدها على جماعات سكانية مغايرة، إن سياسة عدم الخوض في الشؤون المحلية الخاصة سمة مميزة للحكومات الإسلامية المتعاقبة على مدار التاريخ.
تميز المجتمع والدولة الإسلامية في العصر الحاضر بالتنوع في الديانات وكذلك الفلسفات والمذاهب في الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي بينما ضاقت حضارات أخرى بالخلافات المذهبية الضيقة حتى داخل الدين الواحد فقامت الحروب الدينية التي امتدت لعدة قرون، والتي أُبيد فيها 40% من شعوب وسط أوروبا وذلك فضلاً عن مآسي محاكم التفتيش الحجر على العلماء والمفكرين ووصفهم بالكفر والزندقة بل وإعدامهم وبلا جرم سوى استنارتهم.
وفيما يتعلق بمصطلح أهل الذمة فإن هناك ظروفاً تاريخية معينة تمثلت فيما يدور على تخوم تلك البلاد من حروب مع النصارى وغيرهم، وبزوال تلك الظروف استمرت الدولة الإسلامية في الدفاع عن الحقوق والحريات العامة لمواطنيها أياً كان انتماؤهم العقدي، على اعتبار أن حق المواطنة في دولة الإسلام مضمون لكل من رغب فيه وعهد بمقتضياته بعيداً عن كل ضروب الحيف والتسلط. غير أن أدبيات المفكرين المسلمين ودراساتهم في الفقه الدستوري والإسلامي لا تزال محدودة مما يقتضي إشاعة ما تضمنته نصوص الإسلام وأدبياته وعلمائه ودراساتهم، ما حفل به تاريخ الحضارة الإسلامية من تجربة طويلة ورائعة من التسامح مع الغير واعتماد الحوار والحجة فيصلاً فيما اختلف فيه ( الغنوشي 1993م).
وخير مثال للتعامل الإسلامي الحضاري مع غير المسلمين الأقباط في مصر الذين يرفضون إطلاق مصطلح الأقلية بالمفهوم الغربي عليهم فهويتهم القومية والثقافية والحضارية بل وحتى الأصول العرقية هي ذاتها هوية الأغلبية المسلمة وأصولها حيث قال الأنبا موسى أسقف الشباب بالكنيسة الأرثوذوكسية المصرية " نحن كأقباط لا نشعر أننا أقلية لأن ليس بيننا وإخواننا المسلمين فرق اثني، لأننا مصريون يجري فينا دم واحد من أيام الفراعنة من جهة الهوية العربية فنحن نحيا العربية لأنها هويتنا الثقافية والثقافة الإسلامية هي السائدة الآن وأي قبطي يحمل في الكثير من حديثه تعبيرات إسلامية، يتحدث بها ببساطة ودون شعور بأنها دخيلة بل هي جزء من مكوناته " (عمارة 2003م).
الأقليات في الدول العلمانية:
العلمانية هي جملة التدابير التي جاءت وليدة الصراع الطويل بين السلطتين الدينية في أوروبا، واستهدفت فك الاشتباك بينهما، واعتماد فكرة الفصل بين الدين والدولة بما يضما حيد الدولة تجاه الدين ويضمن حرية الرأي، ويمنع رجال الدين عن اعطاء آراءهم صفات مقدسة ( العيسمي 1986م). هذا التعريف يظهر العلمانية بمعنى إقامة الحياة العامة بعيداً عن الدين، كما تحولت في طبيعتها المتطرفة إلى حرب ضد الدين نفسه، وهذا هو سبب وصفها باللا دينية رغم أن بعض دعاتها يقولون أنها لا تعارض الدين وإنما تكتفي فقط بإبعاده عن مجالات الحياة الواقعية والسياسية والاجتماعية والفكرية، بينما ترك للناس حرية التدين الفكري الاعتقادي (قطب 1988م).
هذا المفهوم نشأ نتيجة للاستبداد الذي مارسته الكنيسة باسم السلطة الدينية أو الحق الإلهي للملوك لكي تضفي الطبيعة الدينية على السلطة الدينية أو لتمزج بينهما، ولتنزع عن أذهان الناس أي تفكير في حقهم في الرقابة والمحاسبة، وفضلاً عن عزل هؤلاء الحكام أو الثورة عليهم، لأنهم ليسوا نواباً ولا وكلاء عن العامة وإنما هم يحكمون بالحق الإلهي أو نيابة عن سلطة السماء (عمارة 1988م).
كما أن الكنيسة فرضت نظريات علمية معيّنة عن شكل الأرض وطبيعة الكون وقالت عن هذه النظريات أنها مقدسة لأنها كلمة السماء، من خرج عليها فهو كافر يستحق الحرمان، فلما أثبت فساد هذه النظريات قامت الكنيسة تحرق العلماء وتعذبهم وتقتلهم بتهمة المروق عن الدين (قطب1988م).
كما سبق ذكره عن مفهوم الأقلية ارتبط بالمفاهيم الغربية التي سادت بعد أن دانت السيطرة للبلاد الأوروبية باستعمار دول العالم الثالث وطبعت أوروبا الدول القومية الجديدة التي منحتها الاستقلال بعد ذلك بالنموذج الأوروبي في السياسة والحكم.
إلى جانب ذلك نجد أن ثلث أعداد المسلمين تقع في أقطار غالبيتها غير إسلامية، كالهند والصين والبوسنة والفلبين، وغيرها وهي قد تكون مضطهدة أو مستمتعة بحقوقها الدينية والسياسية والاقتصادية، وعلى الدول الإسلامية يقع واجب نصرة تلك الأقليات حين اضهادها، وعلى تلك الشعوب واجب الموالاة للدول الإسلامية ولو على حساب الدول القومية التي تضمهم، فالجماعات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة مثلاً عليها الدفاع عن القضايا العربية وما الهجمة والحملة الشرسة التي يشنها اللوبي الصهيوني ضد مصالح الدول الإسلامية وتشويه صورة المسلمين في أمريكا خاصة أحداث 11 سبتمبر 2001م إلا حلقة في مسلسل استهداف تلك الجماعات.
تتفاوت هذه الأقليات في مقدار تأثيرها، كما تتأرجح أحجام تأثيرها طبقاً لعوامل القوى التي تتمتع بها تلك الوحدات. يمكن لتلك المجموعات باختلاف دولها الأصلية أن تتفق على تنفيذ الحد الأدنى من المصالح المشتركة للشعوب الإسلامية وأن تقيم تحالفات بين روابطها وجمعياتها لتتقوى ضد الجماعات الأخرى ولمقابلة تكتل الدول الأوروبية ضد الدول والقوميات الإسلامية كمساندة الدول الأرثوذكسية لصربيا وصرب البوسنة ضد المسلمين، ومناصرة القبارصة اليونانيين وتطلعهم نحو اليونان في مواجهة تطلع القبارصة الأتراك نحو تركيا.
وبينما تتمتع الأقليات الغربية في العالم الإسلامي بحرية العبادة والاحتفال بالمناسبات الرسمية وفقاً لدياناتها فإن الكثير من الأقليات الإسلامية في الدول الغربية غير معترف لها بممارسة حقوقها بالتمتع بالعطلات مثلاً في المناسبات الدينية أو حتى أداء الشعائر أثناء ساعات العمل الرسمية بل أصبح الانتماء للدين الإسلامي أو العالم العربي في حد ذاته سبة لأعضاء تلك الأقليات لأن مفهوم القومية كما سبق ذكره ووفقاً للنموذج الغربي يعني تقمص كافة خصائص تلك الأمة بما في ذلك الدين أو العيش في ظل حقوق غير معترف بها.
عانت أوروبا الكثير من ظلامات القرون الوسطى فانعكس ذلك تضييقاً على الأقليات والمذاهب ولكن العصر الحديث يبدو أكثر اعتدالاً حيث أصبحت الاهتمامات أكثر شمولية وازداد ارتباط العالم بشكل متزايداً بوسائل الاتصال والاقتصاد والسياسة، ولكن النظر الثاقب لهذا الاهتمام يوضح أن هناك تقسيماً أيديولوجياً من نوع آخر ومن وجهة نظر غربية، فالتاريخ الحديث ليس تاريخ للعالم وإنما امتداداً للهيمنة الأوروبية عبر العالم المعاصر، وحيث أن العصر الحديث هو الحلقة الأخيرة في السلسلة التاريخية يفسّره بعض مفكرو الغرب بأنه تقدم في اتجاه الحضارة الغربية (صافي 1998م). وينظر الفرد الغربي إلى الدين بازدراء وهو يخرج من قوقعته المسيحية فيصف أي مظهر من مظاهر الدين بأنها عودة إلى القرون الوسطى رغم أن المسيحية الصحيحة بعيدة كل البعد عن ما تم في تلك الفترة من دجل ومظالم.
الأقليات بين الشراكة السياسية والمشاركة:
مرت المجتمعات البشرية بعدة مراحل هي مجتمع الجمع والالتقاط، المجتمع الرعوي، المجتمع الزراعي، الصناعي الحديث، وبديهي أن الإنسان لا يعيش إلا في جماعات متقاربة وبالتالي كانت تلك الجماعات وكان انتماء الإنسان الأول للقبيلة والتي مثلت الوحدة السياسية الحاكمة وفق أعراف وتقاليد محلية تختلف من قبيلة لأخرى ثم كانت المرحلة الثانية هي ظهور الطوائف الدينية وهي أرقى من الانتماء القلبي لأنها تضم أكثر من قبيلة تشترك في ديانة واحدة ثم أتت بعدها دولة المدينة وتطورت إلى اتحاد عدة مدن سياسياً وبظهور الدولة الأمة أو الدولة القطرية ضمت هذه القبائل في كيان واحد بغض النظر عن قلتها أو كثرتها العددية فأصبحت هناك مشكلة أقليات يمكن أن تترك ظلال سالبة على مسيرة الدولة إذا لم تتمتع بحقوقه الدستورية.
عانت بعض الأقليات الكبرى في بعض الدول أيضاً نقصاً في المشاركة السياسية والإهمال الاقتصادي كما في ساحل العاج التي تتميز بالتنوع العرقي حيث توجد بها أكثر من ستين مجموعة عرقية وتسود جنوب البلاد الثقافة الأطلنطية المسيحية الغربية وشمالها الذي تعيش فيه عرقيات الماندي تغلب عليه الثقافة الإسلامية وكدأب الاستعمار في تقوية مجموعات على حساب الأخرى تسيد أصحاب الثقافة الغربية المسيحية واستدلوا على زمام الأمر في البلاد ( ALFATMY 2004 ).
إن الحزب الديمقراطي العاجي بزعامة الرئيس هوفويت بوانجيه قد سيطر حتى على الإدارات الصغرى في البلاد مما أدى إلى صعوبة إيجاد حزب منافس، كما أن الحزب في حملاته يستقطب أحياناً مجموعات عرقية بكاملها فيصبح الفرد عضواً فيه بموجب انتماءه العرقي أو المكاني، وكانت هذه وسيلة لكسب جماعات كبيرة ولكنها أدت لاحقاً إلى تفكك الدولة وأصبح الحزب وزعيمه رمزاً للوحدة الوطنية ومن يعارضهما يهدد وحدة الأمة.
ورغم أن حكم بوانجيه قد حقق في أول الأمر تمازجاً دينياً عرقياً ودينياً إلا أن سلفه هنري كونان بيدي قد زرع بذور نزاع عرقي في عام 1995م عندما أدخل مفهوم العاجية، وهذا استخدام لإنكار المواطنة العاجية لمنافسه الرئيسي اليسانس كوتارا وإبعاده من الانتخابات التي أجريت في ذلك العام، وقد أصر بيدي على إن كوتارا وهو مسلم من شمال البلاد على أنه من بوركينا فاسو ومنذ ذلك التاريخ حدثت هجمات متزايدة على المواطنين من مناطق التداخل مع دول الجوار ودخلت البلاد في أزمات سياسية أدت إلى تمردات عسكرية أفقدتها الاستقرار وهددتها بالفناء وأصبحت الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية بعد رحيل بوانجيه تبني في الجنوب، الحزب الديمقراطي العاجي يتركز ثقله في مناطق أثنيه بولي في وسط البلاد وهو موطن الرئيس الراحل بوانجيه، أما التجمع الجمهوري بزعامة اليسانس كوتارا فينشط في شمال البلاد ذو الأغلبية المسلمة ( ALFATMY 2004 ).
النظامين الإسلامي والعلماني تصادم أم تكامل:
طبقت التشريعات الإسلامية المساواة في الحقوق والواجبات بين مواطني الدولة منذ أربعة عشر قرناً من الزمان ثم جاءت مباديء الثورة الفرنسية مستلهمة تلك التجربة وسارت على تلك المواثيق والإعلانات العالمية الحديثة التي تنادي بتلك المباديء.
ومن أمثلة ذلك في التاريخ الإسلامي إن جيش الفتح حرر كنائس مصر من الاحتلال والاغتصاب الروماني لا ليحولها إلى مساجد للمسلمين بل ليردها للنصارى اليعاقبة يتعبدون فيها، كما أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع نصارى نجران قد بلغ قمة الذروة في التعامل مع دور العبادة إلى الحد الذي نص على أن مساعدة الدولة لغير المسلمين في بناء دورهم لعبادتهم هو جزء من واجبات الدولة وجاء في ذلك الميثاق " ولهم إن احتاجوا في مرمة بيعهم وصوامعهم أو شيء من مصالح وأمور دينهم، إلى رفد من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها، أن يرفدوا لي ذلك ويعاونوا، ولا يكون ذلك ديناً عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم ووفاء لعهد رسول الله، وموهبة لهم ومنة رسوله عليهم (عمارة 2003م).
ثم يتوج هذا الميثاق بنود هذه الحقوق بالنص على كامل المساواة بين المختلفين في الدين والمتحدين في الأمة الواحدة والملتحمين في الرعية المتحدة للدولة الإسلامية، ولأن الوحدة لا تتحقق إلا بولاء كل أبناءها لها وانتماءهم جميعاً إلى دولتها ولمقومات هويتها وأمنها الوطني اشترط هذا العهد على نصارى نجران أن يكون الولاء خالصاً والانتماءكاملاً للدولة والأمة الإسلامية.
ويزيد من سمو هذا الإنجاز الإسلامي تعميم التطبيقات الإسلامية لهذا المنهاج، وهذه المباديء على الديانات الوضعية أيضاً، فلم يقف المسلمون بهذه الثورة الإصلاحية في العلاقة بالآخر عند اليهود - أهل التوراة- والنصارى- أهل الإنجيل فقط، وإنما عمموها لتشمل المجوس والهندوس. وعندما فتح المسلمون فارس وأهلها مجوس يعبدون النار ويقولون بالهين أحدهم للنور والآخر للظلمة سن فيهم الخليفة عمر بن الخطاب ما يسن على أهل الكتاب، وساد هذا التطبيق على امتداد تاريخ الإسلام في بلاد الديانات الوضعية من فارس إلى الهند والصين حيث تمتع أهل هذه البلاد لا بحرية الاعتقاد فقط بل بحرية مناظرة علماء الإسلام في مجالس الخلفاء أيام مجد وقوة الدولة الإسلامية. (عمارة 2003م).
أما بالنسبة للنظم الغربية وتعاملها مع أصحاب الديانات الأخرى فإن وقائع التاريخ الوسيط والحديث تؤكد حقيقة التوترات الطائفية بسبب الغوايات الاستعمارية لبعض أبناء الأقليات الدينية، وهناك واقعة دالة على ذلك أثناء الغزوة التترية، عندما استقوى نصارى دمشق بالقائد التتري "كتبغا" وكان نصرانياً فانحازوا للغزاة ضد المسلمين وتحولوا إلى أداة إذلال واضطهاد للمسلمين في ظل الاحتلال التتري. ولقد تكرر مشهد الغواية والخيانة في العصر الحديث عندما جاء نابليون بونابرت على رأس الحملة الفرنسية لغزو مصر 1798م وألقى حبال الغواية لأبناء الأقليات الدينية ووقع في حبال هذه الغواية نفر من أقباط مصر، خانوا أمتهم وطائفتهم وكنيستهم. قادهم المعلم " يعقوب حنا 1745- 1801م وكوّنوا فيلقاً قبطياً تزيا بزي الجيش الفرنسي، وحارب المصريين وأذلهم لحساب الفرنسيين، وكان صنيع نابليون مع هذه القلة الخائنة أن جعل لهم نصف عضوية ديوان المشورة، والسلطة العفلية في الجهاز المالي والإداري، ولقد فوّض نابليون الجنرال يعقوب أن يفعل بالمسلمين ما يشاء حتى تطاول النصارى من قبط مصر ونصارى الشام على المسلمين بالسب والضرب، ولم يبقوا للصلح مكاناً وصرّحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين ( عمارة 2003م ).
كان السقوط في شراك الغواية الاستعمارية من أكثر أسباب التوتر الطائفي تأثيراً في الفترات العارضة التي شابت فيها هذه التوترات تلك الوحدة التي حققها الإسلام مع الآخر الديني في الأمة والدولة ومقومات الهوية الوطنية والحضارية على امتداد تاريخ الإسلام.
يتضح مما سبق أنه بينما حفظ الإسلام لأصحاب الديانات الأخرى كل حقوقهم حتى عند الانتصار عليهم وفتح بلادهم وسيطرة الدولة الإسلامية نجد أن النظم الأخرى وعلى مدار التاريخ تعمل على هضم الحقوق الأساسية للأغلبية المسلمة وتؤلب عليهم الطوائف والأعراق الأخرى من أجل إثارة الفتن وبسط سلطانه على البلاد التي احتلتها وكانت نتيجة ذلك توترات عرقية انفجرت في لبنان وأفغانستان والعراق والسودان وأخرى قابلة للانفجار وفقاً للتوقيت الذي تحدّده الدول الاستعمارية حسب أولوياتها وجداول مصالحها.
مستقبل الأقليات في ضوء الوضع العالمي:
شهد العالم الثالث وبخاصة الدول الإسلامية منه تهديداً خطيراً عبر قيام الغرب بإذكاء الصراعات بين الأقليات والاتجاهات الجغرافية في البلد الواحد فكانت النتيجة انهيار دول بأكملها مثل الصومال التي تعد نموذجاً للدولة الأمة بالمفاهيم الغربية حيث تنحدر كل قبائلها من أصل واحد فاختلفت التقسيمات الداخلية كالعشائر والبطون واستعرت الحرب بينها داخل وخارج البلاد أما الأفغان فبعد أن أبلوا بلاءاً حسناً في قتال المحتلين السوفيت تفرقوا أيدي سبا تتقطعهم وتنهشهم خلافاتهم المذهبية والعرقية فهؤلاء سنة وأولئك شيعة وهؤلاء بشتون وأولئك طاجيك أو أزبك والصراع هنا أيضاً تذكيه صراعات أغلبية وأقلية.
شهدت نهاية القرن العشرين أيضاً تصاعداً ونمواً في ظاهرة القوميات الصغرى التي أصبحت تبحث عن مكان لها تحت سماء السياسة في بلادها واستخدمت الدول الكبرى هذه النزاعات لتحقيق مصالحها فساندت طائفة دون الأخرى فكانت نتيجة ذلك حروب عديدة في أفريقيا كما في رواندا وبورندي والكنغو الديمقراطية وشهدت العديد من البلاد الأفريقية حركات تمرد ضد الدولة المركزية على أساس الشعور بهضم حقوق الأقليات وإن اصطبغت تلك الدعاوى أحياناً بصبغة سياسية لإخفاء مطالب ذات أصل عرقي كما في السودان، موزمبيق، أنغولا، نيجيريا، ساحل العاج وغيرها إضافة إلى أقليات أجبرت قسراً لرفع السلاح حماية لأفرادها وهويتها المهددة بسلطة واستبداد الأغلبية في قارات أخرى كما حدث في إقليم كوسوفا والبوسنة والهيرسك في أوروبا.
وتحاول الدوائر السياسية والمنظِّرون للشأن السياسي من العلمانيين والمنادين بالنظام الإسلامي حل مشكلة الأقليات كل من وجهة نظره الخاصة فالحل العلماني يتمثل في استبعاد المرجعية الدينية من السياسة والدولة والدستور والقانون ومشروع النهضة وبالتالي تطبيق النموذج الغربي الذي حل بعد الصراع بين الكنيسة والدولة. أما الحل الإسلامي فهو كيفية التعامل مع الآخر، والآخر قد حوّله الإسلام إلى جزء من الذات، ذات الدين الإلهي الواحد، في ظل المرجعية الإسلامية الواحدة، وكان لهذا الحل الفضل في إنقاذ الديانات الأخرى عبر أربعة عشر قرناً من الزمان هي عمر الدعوة الإسلامية وحفظت حقوقها في وقت لم تكن فيه الدول التي تسمى بالعالم الأول اليوم ذات وجود على الخارطة السياسية ولم تظهر حينها مواثيق حقوق الإنسان والمرأة والطفل ومواثيق محاربة التمييز وفقاً للنموذج الغربي إلى وقت إعداد هذه الدراسة كما اندمجت بموجبه الأقليات في الدولة الإسلامية وأصبحت تتمتع بكافة الحقوق ونالت ما تستحق من مكانة.
تطبيق النظام العلماني في الدول الإسلامية بدعوى حماية حقوق الأقليات معناه التغوّل على حقوق الأغلبية وطمس لهويتها وإرثها الحضاري وهذا يولد الغبن ويثير الشقاق ويتجافى حتى مع القيم الديمقراطية التي ينادي بها الغرب وتدعو لاحترام خيارات الأغلبية.
إتضح مما سبق أن النظام الإسلامي قد أثبت نصاً وممارسة الحقوق الأساسية للأقليات عبر عهوده المختلفة من دولة المدينة على أيام النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وإلى عهد الخلافة الراشدة ثم الدولة العثمانية، وعندما انتهت الخلافة الإسلامية بنهاية الدولة على كل المستويات التشريعية والتنفيذية في مركز الدولة أو تقسيماتها الإدارية ولم تضع القوانين شرطاً الانتماء لعرقية بعينها للانتخاب والترشيح.
النظام الغربي أيضاً على المستوى النظري بنى الأهلية الانتخابية على شروط عامة توفر للكثير من مواطني الدولة وجعل الالتزام بدستور الدولة هو الفيصل في ممارسة الحقوق السياسية.
كما استبان أيضاً إن الأقليات تتمتع بحقوقها الثقافية والدينية طالما لم تتعارض مع حقوق وحريات الآخرين ولكن رغم صحة الأبعاد النظرية للحقوق السياسية إلا أن الكثير من الأقليات في العالم تعاني نقصاً في الحقوق ربما بسبب أن من يتأهل للفوز بقيادة البلاد هو صاحب الأغلبية وأدى ذلك إلى إثارة الكثير من النزاعات والحروب الطائفية والعرقية التي سبقت الإشارة إليها مما يتطلب إصلاحات كبيرة في النظم السياسية وإعطاء الأقاليم والمناطق ذات الخصوصية حقها في الحكم الذاتي وممارسة كافة الحقوق المشروعة دون تعارض مع حقوق الأغلبية.
المصادر والمراجع:
1. الغنوشي، راشد- حقوق المواطنة - حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي- هيردن، فيرجينيا- الولايات المتحدة الأمريكية- 1993م.
2. العيسمي، شبلي- العلمانية والدولة الدينية- دار الشروق الثقافية العامة- بغداد- 1986م.
3. إمام، زكريا بشير- في مواجهة العولمة- مركز قاسم للخدمات والمعلومات وخدمات المكتبات- الخرطوم- 2000م.
4. جونفرايد، كونزلن- مأزق المسيحية والعلمانية في أوروبا- تقديم محمد عمارة- نهضة مصر- 1999م.
5. صافي، لؤي- العقيدة والسياسة، معالم نظرية عامة للدولة الإسلامية- المعهد العالمي للفكر الإسلامي- هيردن، فيرجينيا- الولايات المتحدة الأمريكية- 1996م.
6. عمارة، محمد- حرية الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي- مجلة إسلامية المعرفة- السنة الثامنة- العدد 31-32 شتاء 2002م وربيع 2003م.
7. عمارة، محمد- الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية- دار الشروق 1988م.
8. قطب، محمد- مذاهب فكرية معاصرة- دار الشروق- 1988م.
9. غالي، بطرس- مدخل إلى العلوم السياسية- 2004م.
10. ميكافيللي، نيكولا- الأمير- ترجمة فاروق سعد- دار الآفاق الجديدة- بيروت- 1982م.
11. وقيع الله، محمد- مداخل دراسة العلاقات السياسية الدولية- مجلة إسلامية المعرفة- العدد الرابع عشر- السنة الرابعة- 1998م.
12. Fanny Aballa Elfatmy- An Introduction to the Political Conflict in Ivory Coast- University Of Juba Centre for Peace and Development Studies- 2004


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.