شاهد بالفيديو.. مواطنة سودانية تنهار بالبكاء فرحاً بعد رؤيتها "المصباح أبو زيد" وتدعوه لمقابلة والدها والجمهور: (جوه ليك يا سلك)    (لوبوبو وإن طال السفر)    بعد العودة إلى التدريبات.. هل ينتهي تمرد رونالدو أمام أركاداغ؟    شاهد بالفيديو.. الجوهرة السودانية يشعل المدرجات ويفتتح مشواره الإحترافي بالخليج بصناعة هدف بطريقة عالمية    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني بالدعم السريع يعلن انشقاقه عن المليشيا ويعترف: (نحن من أطلقنا الرصاصة الأولى بالمدينة الرياضية)    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بحوث: الاجتهاد الجماعي ومجمع الفقه الإسلامي في السودان


بقلم أ.د. عبد الرحيم علي محمد إبراهيم
برزت في هذا العصر الحاجة الى الاجتهاد الجماعي، وهو نوع من تكامل المعارف وضم الجهود والموازنة بين الآراء، وحتى يخرج الاجتهاد الفقهي ثمرة نظر شامل من جميع الوجوه، وترجيح بين المتعادلات من المصالح والمفاسد.. وتحقيقاً لفكرة الاجتهاد الجماعي فقد نشأت في زماننا هذا مجامع للفقه الإسلامي في كثير من بلاد الاسلام، وما هي إلا منابر يجتمع فيها أهل الفقه والاجتهاد ليورد بعضهم على بعض، وليضم فيها الرأي الى الرأي والقول الى القول ثم يكون من ذلك اجتهاد جماعي تكون حجيته أقوى من حجية قول الفرد. وقد رأيت أن أقدم نبذة عن الاجتهاد الجماعي، وعن مجمع الفقه الاسلامي في السودان من حيث تكوينه واختصاصاته والمسائل التي عرضت عليه وأردت بذلك عرض نموذج من النماذج التطبيقية للاجتهاد الجماعي المعاصر
{mostoc}
الفقه هو فهم المسائل وتحريرها أولاً ثم توجيهها وبيان موقعها من التشريع من حيث الجواز او المنع او الاستحسان او الكراهة او سواها.
وقد كان فقهاؤنا وعلماؤنا الأوائل يشترطون في الفقيه المجتهد شرائط لا تكاد في زماننا تتوفر لأحد، فقد تشعبت العلوم وتفرعت وتباعدت سواحلها، وتعددت مواردها، فلو أراد طالب علم أن يلم إلماماً كاملاً بما يستجد في فرع من فروع اللغات او مذهب من مذاهب التربية وعلم النفس لتعذر عليه، فضلاً عن فروع الطب او الأحياء والنبات، وكثير من ذلك ربما لزم الفقيه في حال الإجابة على بعض المسائل التي يستلزم فهمها وتحريرها إلماماً بهذه العلوم او بمبادئها العامة على الحد الأدنى.
لقد كان البحث في قضية من قضايا الطهارة يستدعي بين يدي الفقيه عدّة مسائل تتعلق بعلم وظائف الأعضاء او الفسيولوجيا؛ ليدرك ما هو معتاد وما هو غير معتاد، وما هو مرضي وما هو عرضي، ليكون ذلك فرقاناً له في بيان السلوك الواجب اتباعه في كل حالة من الحالات المختلفة.
ولا شك أن المجتهدين من علمائنا كان أحدهم إذا عرضت له مسألة ورأى أن النظر فيها لا تكتمل أدواته إلا بالإلمام بمسائل أخرى عديدة، انصرف ليتعلم تلك المسائل العلمية في مصادرها، أولاً، ثم يورد على المبحث الفقهي كل شاردة من مسائل العلوم الأخرى المساعدة ليتناولها بعد ذلك من جميع جوانبها.
وقد ساعد الفقهاء الأوائل على ذلك المنهج الموسوعي أمران:
أولهما: تفرغ كامل للعلم وصبر عليه وزهد في كمالات الحياة، أعانهم على صرف الأوقات في البحث والنظر دون التفات الى مشاغل اكتساب الرزق والتوسع في مطالبه.
ثانيهما: ان أنواع العلوم كانت محدودة ومعدودة بحيث يطمع المجتهد أن يلم بكثير منها، إذا امتد به عمر، ولم تكن المستجدات العلمية قد تسارعت وتكاثرت على النحو الذي نراه في هذا العصر.
ولقد وجدت علي سبيل المثال في كتاب ابن رشد " بداية المجتهد ونهاية المقتصد" في باب (كتاب الديات فيما دون النفس ) هذه الفقرة
"الأشياء التي تجب فيها الدية فيما دون النفس هي شجاج وأعضاء، فنبدأ بالقول في الشجاج . والنظر في هذا الباب في محل الوجوب وشرطه وفي قدره الواجب وعلي من تجب ؟ ومتي تجب ؟ ولمن تجب؟ فأما محل الوجوب فهي الشجاج أو قطع الأعضاء، والشجاج عشرة في اللغة والفقه:
أولهما الدامية وهي التي تدمي الجلد
ثم الحارصة وهي التي تشق الجلد
ثم الباعضة وهي التي تبضع اللحم : أي تشقه
ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم
ثم السمحاق وهي التي تبلغ السمحاق وهو الغشاء الرقيق بين اللحم والعظم ويقال لها: الملطاء بالمد والقصر
ثم الموضحة وهي التي توضح العظم : أي تكشفه
ثم الهاشمة وهي التي تتهشم العظم
ثم المنقلة وهي التي يطير العظم منها
ثم المأمومة وهي التي تصل أم الدماغ
ثم الجائفة وهي التي تصل إلي الجوف
وأسماء هذه الشجاج مختصة بما وقع بالوجه ومنها الرأس دون سائر البدن، واسم الجرح يختص بما وقع في البدن ، فهذه أسماء الشجاج "(1)
ففي هذه الأقسام دليل علي معرفة دقيقة بأنواع الشجاج وأغوارها في الرأس، وهو من علم التشريح. ولا شك أن العصر الأول - عصر الازدهار الإسلامي - كان من سماته العالم الموسوعي، فلم يكن مستغرباً أن يكون احدهم فقيها ، طبيباً ، فلكياً, فيلسوفاً، لغوياً، شاعراً، متصوفاً، يشتغل بالكيمياء، وسيستخرج الدواء من الأعشاب. وعسي أن يكون من بين علمائنا الحاضرين من يحسن ذلك كله، ولكنهم قليل، فليس هذا بزمان العالم الموسوعي، إذ لا نتصور طبيباً يستطيع في هذا الزمان متابعة البحوث المستجدة في فروع الطب فضلاً عن الإلمام بمستجدات المسائل الفقهية أو الفلسفية أو متابعة المذاهب الإنسانية والدينية. وليس المانع من وجود العلماء الموسوعيين هو عجز في علماء عصرنا أو انشغال عن العلم والتحصيل، ولكن مزاج العصر مال إلي التخصص الدقيق والي تشقيق العلوم إلي فروع صغيرة بحيث يتمكن العالم الاحاطة بدقائق المسائل في فرعه، ثم متابعتها واستقصائها. و لا يزال أهل الاختصاص المعاصرون في قلق مستمر و إشفاق أن يكون قد صدر في المنشورات بحث مما يتصل باختصاصهم، يفوت عليهم الإلمام به، ولا تزال المؤتمرات العالمية تجمع المختصين لتبادل المعلومات والمناظرة في المسائل المستجدة ليطمئن الواحد منهم إلي مبلغه من العلم وموقفه في المتابعة.
ومن هنا برزت الحاجة الى الاجتهاد الجماعي، وهو نوع من تكامل المعارف وضم الجهود والموازنة بين الآراء، وحتى يخرج الاجتهاد الفقهي ثمرة نظر شامل من جميع الوجوه، وترجيح بين المتعادلات من المصالح والمفاسد.
وأصل الاجتهاد الجماعي في الإجماع وهو مصدر من مصادر الفقه الاسلامي معروف، ويقوم على الشورى بين الفقهاء ولكن الإجماع قد يشترط فيه إجماع أهل العلم، أما الاجتهاد الجماعي فينعقد بالأكثرية، وتحقيقاً لفكرة الاجتهاد الجماعي فقد نشأت في زماننا هذا مجامع للفقه الإسلامي في كثير من بلاد الاسلام، وما هي إلا منابر يجتمع فيها أهل الفقه والاجتهاد ليورد بعضهم على بعض، وليضم فيها الرأي الى الرأي والقول الى القول ثم يكون من ذلك اجتهاد جماعي تكون حجيته أقوى من حجية قول الفرد فهو بمثابة الإجماع وإن كان إجماعاً لا يلزم، لأن اجتهاد العلماء الأفذاذ تبقى حجيته ووزنه، ولا يحجر على جمهور المسلمين أن يأخذوا بقول عالم مجتهد وإن خالف قوله اجتهاد المجمع او المجامع ففي ذلك توسيع على المسلمين، وأكثر المجامع تصدر عن تقريب وتوفيق بين الآراء المتعددة، وقد يخالف بعض أعضائها الرأي الذي يصار اليه ولكن العبرة بغلبة الآراء وبما يكون عليه أكثر أهل المجمع.
وقل أن تنظر هذه المجامع الفقهية في الأمور التي سبق البحث فيها، وتتلمذ فيها المحدثون على الفقهاء السابقين، بل أكثر نظر المجامع في النوازل من القضايا التي أحدثت بسبب التطورات التقنية والعلمية، او الاقتصادية او الاجتماعية.
فمن هذه القضايا المعاصرة مشكلة الاجهاض وهي قضية قديمة ولكن الجديد فيها شيوع الظاهرة واضطرار بعض الناس اليها، وتنوع وسائلها.
وكذلك مشكلة استزراع الاجنة، واستئجار الأرحام ومثل هذه القضايا التي يصدق عليها قول بعض الأولين (يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور) إن هذه القضايا وأمثالها لا يصلح لها إلا اجتهاد جماعي، يلتقي فيه، رأي الفقيه العالم بالمقاصد الحافظ للنصوص، المتمرس في استنباط الأحكام، مع رأي المختص الذي يعين الفقيه في فهم المسألة وفي تحديد وتحرير الموضوع.
فإذا اخذنا مسألة الإجهاض مثلاً فإنها تشتمل على مسائل عديدة منها ما يدخل في تفسير النصوص وأدواته واللغة والتراكيب ومعارضة النصوص بعضها مع بعض. ومنها ما يدخل في علوم الحياة كتحديد الزمن الذي تنفخ فيه الروح، وهل نفخ الروح هو بداية الحياة أم أن الحياة سابقة لنفخ الروح، ومتى تبدأ حرمة النفس المحرمة بالآية (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم واياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون). (2) هل النطفة والعلقة داخلة في هذا، أم أن حرمة هذه النفس تبدأ بعد أن ينشأ خلقاً آخر (ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) (3)، وفي كل هذه المسائل الفرعية يكون علم الأجنة هادياً للفقيه بما يقدمه من جواب على هذه المسائل، وإذا قيل إن الإجهاض جائز اذا خيف على حياة الأم، فمتى يكون الخوف على حياة الأم متحققاً ومتى يكون مظنوناً؟ وأي تلك الأحوال يجوز معه الإجهاض وأيها يمنع فيه؟
هذه مسألة أوردناها على سبيل المثال لبيان التداخل بين العلوم، وكون عالم الأجنة في هذه القضية محتاج اليه مثل الحاجة الى عالم النصوص وفقيه اللغة.
ومثل هذه المسألة موضوع الهندسة الوراثية فهو موضوع يصعب تصوره ابتداء من دون شرح المختصين به وبيانهم لفوائده ومضاره ومخاطره، وقد يلزم لفهمه والحكم فيه تشاور كثيف مع مختصين في علوم النبات والأحياء والحيوان، إذ أن الهندسة الوراثية امتدت تطبيقاتها الى جميع الميادين.
وليس هذا مقام التوسع في هذه القضية أو غيرها وإنما سيقت مثالاً للقضايا المعاصرة التي هي ثمرة للمخترعات العلمية المعاصرة، والتي أوجبت بطبيعتها المركبة، أن يكون النظر فيه بتشاور وحوار بين أهل الاختصاص الفقهي والاختصاص الفني.
و لذلك فقد كان تكوين المجامع الفقهية في كثير من البلدان مؤلفاً من اختصاصات مختلفة متباينة.
وقد رأيت أن أقدم نبذة عن مجمع الفقه الاسلامي في السودان من حيث تكوينه واختصاصاته والمسائل التي عرضت عليه وأردت بذلك عرض نموذج من النماذج التطبيقية للاجتهاد الجماعي المعاصر.
نشأ مجمع الفقه الاسلامي في السودان بقانون أجازه المجلس الوطني في عام 1998م، وأصبح بذلك وريثاً لمجلس الإفتاء الشرعي الذي كان قائماً بهذه الوظيفة في اطار محدود، ولكنه كان ايضاً نمطاً من الفتوى الجماعية الصادرة عن مجلس لا عن شخص واحد كما هو الحال في نظام المفتي الذي تعمل به كثير من البلدان، وكان معمولاً به في السودان.
وقد نص قانونه على أنه هيئة مستقلة لها شخصية اعتبارية(4)، وقد عين رئيس هذا المجمع من بين علماء السودان البارزين، وهو بالإضافة الى رئاسة المجمع يشغل منصب المستشار لرئيس الجمهورية في شؤون التأصيل، وأفاد الجمع بين الوظيفتين في إيجاد علاقة عضوية بين المجمع، كهيئة مستقلة، وبين رأس الدولة الذي يحتاج الى فتوى العلماء واجتهادهم في كثير من الشؤون المستجدة من قضايا الدولة والحكم، وقد يطلب رئيس الدولة رأي المجمع او يبادر المجمع بالنصح وإبداء الرأي.
شكل المجمع من اربعين عضواً جُلهم من كبار الفقهاء وعلماء الأصول واللغة: وضم في عضويته بعض الأطباء وعلماء الطبيعة والفلك وأستاذ في علم الحيوان وآخر في الهندسة وبعض المختصين في علم الاقتصاد وعلم النفس،وقانونيين.
وقد رُوعي في تكوين المجلس تنوع الاختصاصات العلمية مع كون هؤلاء الفنيين لهم إلمام حسن بالعلوم الاسلامية وإن لم يبلغوا درجة التخصص فأكثرهم يحفظ القرآن عن ظهر قلب ويحفظ الحديث، ويلم بمسائل الفقه الإسلامي إلماماً جيداً.
واجتماع هؤلاء مع الفقهاء المتخصصين في علوم الشريعة أضاف حيوية لاجتماعات المجمع، وولد كثيراً من التساؤلات والإيضاحات، ومن المفيد أن أبيِّن أن المجمع لم ينقسم فيه الرأي أبداً بين أهل الفقه وأهل العلوم فيكونوا فريقين متباينين، بل تختلف الآراء عادة على أساس الاجتهاد الفقهي وعلى أساس فردي أكثر الأحيان.
ومما يعين على الجمع بين أصحاب المشارب المتباينة في المجمع أن رئيس المجمع وهو الشيخ البروفيسور أحمد علي الإمام ممن يجمعون بين طريقة المشايخ ومنهجهم المعروف وبين التأصيل المعاصر على طريقة الجامعات الأوروبية، فهو شيخ وابن شيخ تلقى التعليم على والده، وكان من أهل الفتوى المتقدمين، ثم تخرج في جامعة إسلامية، ولكنه التحق بعد ذلك بجامعة بريطانية، وتخرج بشهادة الدكتوراه، فالمجمع الفقهي بعضويته ورئاسته جمع بين المنهجين المؤثرين في حياتنا المعاصرة ومجتمعاتنا أشد التأثير، الأصيل والمعاصر.
نص قانون المجمع على أن يعمل المجمع على تنفيذ أهدافه بكل الوسائل المتاحة المناسبة وحدد اختصاصاته التي نورد منها:
1 اعتماد الأسس والوسائل الموضوعية والعلمية لإصدار الفتاوى والتوجيهات والتوصيات.
2 إجراء البحوث والدراسات في المسائل المعروضة لبيان الحكم الشرعي فيها.
3 تشجيع البحث العلمي في النوازل، والتعاون مع جهات الاختصاص في الجامعات والمراكز العلمية والمجامع الفقهية في الداخل والخارج.
4 التنسيق مع أجهزة الرقابة الشرعية والمؤسسات والهيئات المالية للتعاون معها في مجالات البحث وتوحيد الفتوى.
5 التوجه الأمثل لجهات الاختصاص بالخيارات الفقهية والمبادرة بتقديم المقترحات التي يراها مناسبة لأجهزة الدولة.
6 المساهمة في تأصيل القوانين بالتنسيق مع الجهات المختصة.
7 يصدر المجمع الفتاوى والتوجيهات والتوصيات في أي من المسائل شريطة أن لا تكون:
أ معروضة أمام المحاكم المختصة.
ب فصلت فيها المحاكم.
يتكون مجمع الفقه الإسلامي من خمس دوائر هي:
1 دائرة الأصول والمناهج.
2 دائرة شؤون المجتمع والثقافة.
3 دائرة الشؤون الاقتصادية.
4 دائرة الشؤون الدستورية والقانونية.
5 دائرة العلوم الطبيعية والتطبيقية.
1 تختص دائرة الأصول والمناهج بالآتي:
أ تبحث الأصول الكلية التي تنطلق منها الأمة لتحقيق مقاصدها.
ب البحث في أصول السياسات وأصول الأحكام.
ج أصول المناهج التربوية والإعلامية والاقتصادية والسياسية ... الخ، وذلك تجلية للمنطلقات والمقاصد في كل شأن من شؤون الفرد والدولة والمجتمع.
2 تختص دائرة الشؤون الدستورية والقانونية بالآتي:
أ مسائل الأقضية القانونية المختلفة.
ب علاقات الدولة مع غيرها من الدول والمنظمات الدولية.
ج الإفتاء في مسائل العبادات والأحوال الشخصية للمسلمين.
2 تختص دائرة الشؤون الاقتصادية بالآتي:
أ دراسة المسائل المتعلقة بإدارة الاقتصاد على هدى الشريعة الاسلامية.
ب شؤون المعاملات المالية الإسلامية والحقوق الدولية.
ج شؤون المصارف والشركات والعلاقات الاقتصادية الدولية.
د كل المسائل والأقضية والموضوعات المالية.
4 تختص دائرة شؤون المجتمع والثقافة بالآتي:
أ دراسة تنظيم المجتمع على هدى الشريعة الإسلامية.
ب توجيه حركات الجماعات والسكان والعشائر والقبائل وشؤون الأسرة والمرأة ورعاية الطفولة.
ج تأصيل الشأن الثقافي وما ينشأ من متغيرات وأقضية متحددة في هذا المجال ويدخل في ذلك التفاعل الثقافي والإعلامي مع غير المسلمين.
5 تختص دائرة العلوم الطبيعية والتطبيقية بالآتي:
أ الفقهيات التي تنشأ من تنزيل العلوم على الواقع وآثار الثقافات المعاصرة على سلوك الناس.
ب فقهيات التداوي والتدبير الحضري والسكني وفقهيات التغذية واللباس الى آخر ذلك.
ج تقويم الكشوف العلمية والحث على توظيف نتائجها لخدمة الإنسان وتسخير قوى الطبيعة واستنباط طاقاتها وترشيد استخداماتها لتحقيق مقاصد الشرع.
د تأصيل العلوم الكونية الأساسية وتبرئتها مما خالطها من رؤى إلحادية زائفة وفلسفات مادية بائدة.
ه بحث التراث الإسلامي في مجال العلوم الكونية وإبراز إسهامات العلماء المسلمين وتطويرها.
سبق قيام المجمع نوع من الاجتهاد الجماعي تمثل في مجلس الإفتاء الشرعي، وبلغت الموضوعات التي اصدر فيها فتوى او ناقشها مائة وخمس وستين في مسائل جدولة الديون لحكومة السودان والفوائد المترتبة عليها وحكم التأمين التجاري ومسائل التلقيح الصناعي وزكاة المرتبات والأجور وزكاة الشركات المملوكة لحكومات أخرى ومسألة إنشاء مبان للزكاة من مصارفها ... الخ.(7)
تعددت الموضوعات التي ناقشها المجمع معروضة عليه من الجمهور او ابتدارا من بعض أعضائه. ولقد تنوعت القضايا فمنها ما كان في الأمور المصرفية أي فقه المعاملات، ومنها ما تعلق بالأهلة ومنها فتوى حول الفياجرا (عقار مشهور) ومنها مبلغ الدية المقررة في القتل الخطأ، ومنها مسألة حول المسجد الأقصى والعمليات الاستشهادية ... ومنها شرعية الذبح في المسالخ الحديثة.
وقد رأى المجمع أن يكون لجنة مختصة للنظر في فتاوى الأحوال الشخصية لكثرة المسائل المعروضة من الجمهور ولكون الفتوى فيها ميسورة على أهل الاختصاص من العاملين في مجال القضاء الشرعي، وقد عرض على هذه اللجنة حوالي 1520 استفتاء أكثرها يدور حول الطلاق والزواج والنسب والتبني(9).
وحول المجمع كثيراً من المسائل الى الدوائر المختصة لتدرسها وتفتي فيها مباشرة.
وفيما يلي بعض الفتاوى التي عرضت على اجتماع المجمع وأفتى فيها:
دار حوار طويل بين الأعضاء حول الأخذ بحساب الفلك في إثبات الرؤية، وقد اعترض بعض أعضاء المجمع بأن حساب الفلك ليس قطعياً، واستدل بالاختلافات التي تقع بين الفلكيين، وذهب الى أن الرؤية المذكورة في حديث رسول الله (ص): (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) هي التي يجب أن تعتمد. لكن أكثر الاعضاء ومنهم المختصون في الدراسات الفلكية والطبيعية، أكدوا أن حساب الفلك مضبوط ضبط الساعة التي يحسب بها الشروق والغروب وأن نسبة الخطأ في الحساب قد لا تعدوا ثانية في ملايين السنين.
وقد قرر المجمع ما يلي:
1 بما أن المطلوب شرعاً هو إثبات بداية الشهر ونهايته فقد اقر أن الأخذ بالحساب الفلكي ضروري لتقدير إمكان الرؤية او عدمها.
2 مع أن الأخذ بالحساب ضروري إلا أنه لا يغني عن تحري الرؤية سواء كان ذلك بالعين المجردة أو من خلال آلة بصرية مساعدة للنظر.
3 في حالة عدم إمكان الرؤية وفق الحساب الفلكي فلا يدعى المسلمون لتحريها وينبغي على اللجان المعنية بإعلان ثبوت الرؤية ألا تجتمع ابتداء لاستقبال أي شهادة او أخبار عنها.
4 إذا اعلنت دولة ثبوت الرؤية بشهادة وكان الحساب ينفي إمكان الرؤية في تلك الليلة لاستحالته فلكياً فإن ذلك الإعلان مردود وتلك الشهادة لا تعتمد.
5 إذا كانت الرؤية ممكنة وفق الحساب كان إثباتها ممكناً بشهادة عدلين اثنين او بشهادة عدل واحد رجلاً كان أو امرأة.
6 الخبر المعلن عن رؤية الهلال يؤخذ به مثلما يؤخذ بالشهادة إذا كان مصدر الخبر جهة مسؤولة في دولة اسلامية وكانت الرؤية ليلتئذ ممكنة بالحساب.
7 إذا ثبتت الرؤية المتفقة مع الحساب في أي بلد فإنه يجب الأخذ بها في كل البلدان التي يجمع بينهما ليل واحد من حيث أن المسلمين أمة واحدة وأن نقل خبر الرؤية ميسور في هذا العصر لحظياً.
ناقش المجمع مسألة العمليات الاستشهادية ودار حوار حول المسائل التي تشتمل عليها القضية، ومنها قتل من لا يقاتل من الصبيان والنساء ومنها أن يقدم المرء على قتل نفسه، لينكي عدو الاسلام، وقد أصدر المجمع فتواه في هذه المسألة على النحو التالي:
الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على رسول الله الأمين إمام المتقين وقائد المجاهدين، وبعد:
ففي اجتماع رؤساء ومقرري دوائر المجمع الذي انعقد في مساء يوم الثلاثاء (15 صفر 1422 ه 8/5/2001م) بمقر المجمع بالخرطوم، صدرت الفتوى الخاصة بحكم العمليات الفدائية والاستشهادية، ونصها ما يلي:
(الاصل أن كل ما يفعله المجاهد بقصد إغاظة العدو والنيل منه من الإحسان المستحب، وأن كل ما يرهب أعداء الله ورسوله والمسلمين مطلوب.
فمن كان قاصداً الاثخان في العدو، والنيل منه، واغاظته، وإرهابه، مبتغياً وجه الله تعالى ومرضاته، فهجم على عدو كثير أو ألقى بنفسه فيهم ولو غلب على ظنه أو تيقن أنه مقتول او ميت، فهذا جهاد وعمل استشهادي مشروع قام عليه الدليل الشرعي وفهمه الصحابة والسلف رضي الله عنهم وعملوا به. وفيه تتحقق مصالح عظيمة له وللأمة منها:
1 أنه طلب للشهادة.
2 أنه يجرئ المسلمين على العدو ويحرضهم.
3 أنه فيه النكاية بالعدو.
4 أنه يضعف نفوس الأعداء فيروا أن هذا صنيع واحد منهم، فكيف جميعهم!
والله ولي المتقين وناصر المجاهدين .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين).
في شأن الميقات المكاني لأهل السودان
أفتى المجمع بجواز الإحرام من جدة للحاج أو المعتمر من السودان والواصل الى جدة جوا او بحراً بشرط عدم تجاوز جدة من غير إحرام إذا كان قاصداً مكة.
دار حوار حول المصطلح، واستحسن بعض العلماء تسميته بتوليد النقود لأن المصارف تنشئ وسائل دفع مالية دون رصيد من النقود الحقيقية للعملة لديها.
وقد قدمت ورقة للمجمع من أحد علماء الاقتصاد يرى فيها عدم جواز هذا الأسلوب من أساليب التعامل المصرفي.
وقد أورد عليه علماء آخرون بعض الملاحظات وأجيب عليه ببحث مناظر ودار نقاش طويل حول المسألة من حيث المصالح والمفاسد ومن حيث الضرورات العملية.
1 إن نظام الاجتهاد الجماعي ضرورة من ضرورات العصر بسبب التخصص الدقيق وبسبب أنواع القضايا المركبة التي يستلزم النظر فيها، إلماماً بكافة وجوه المسألة.
2 إن مؤسسات المجامع الفقهية هي وجه من وجوه الاجتهاد الجماعي ملائم لزماننا وفيها كثير من الفقه الحي المتطور.
3 المجمع الفقهي في السودان خطوة متقدمة في إتجاه الاجتهاد الجماعي وربط الاجتهاد بعمل مؤسسات الدولة الاسلامية وبقراراتها لتكون منضبطة بالفقه الاسلامي.
4 التنسيق بين المجامع الفقهية المنتشرة يقوي عملها، ويزيدها حيوية ويعين على التقريب بين مذاهب المسلمين واجتهادات علمائهم.
----------------------------
(1) مدير معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، رئيس لجنة شؤون المجتمع والثقافة بمجمع الفقه الاسلام(2) الأنعام / 151.
(3) المؤمنون / 14.
(4) انظر قانون مجمع الفقه الاسلامي.
(5) قانون مجمع الفقه الاسلامي لسنة 1998م، الفصل الثاني، المادة 5.
(6) الهامش غير واضح؟
(7) خليفة البكر الحسن، الاجتهاد الجماعي في السودان، مجلة الفقه الإسلامي، العدد الأول 1422 ه / 2001م، ص 41.
(8) مجلة مجمع الفقه الاسلامي، مختارات من قرارات المجمع، ص 309 324.
(9) المرجع السابق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.