لا تتنازل أبدا عن ثوبها السوداني الذي يميزها في كل مكان تعبره... فخورة هي الى حد الاعتداد بهذا الثوب، وبهذا المعلم البارز في هويتها السودانية الإفريقية العربية، لكنها في قلب افتخارها ذلك لا تنسى أن تتحدث عن ذلك المكان العميق الذي تأتي منه في ذلك الجزء الغربي من السودان.. إقليم دارفور. http://www.youtube.com/watch?v=hvKRZFcBUJA قبل 15 عاما وصلت السيدة هدى سليمان إلى واشنطن في رحلة كانت مجهدة في تفاصيلها المكانية المتعددة المحطات وفي طموحها وأحلامها والرغبة الكبيرة في تحقيق الذات بأفضل الأشكال الممكنة. وصلت السيدة السودانية وهي مطالبة بشق طريق البدايات واحتماله بكل تكاليفه المعروفة سلفا بالنسبة لمهاجرة تصل أميركا لتوها. كافحت المرأة بصغيرها في مسار شاق وحسنت من تعليمها وجعلت من تكوينها مساعدا لاقتحامها سوق العمل بشروط ومفاتيح واشنطن ورسمت بذلك معالم حياة جديدة لها ولعائلتها على ضفاف نهر البوتوماك بالعاصمة واشنطن. لكن هدى وهي تحقق ذاتها واستقرارها هنا فيما وراء الأطلسي كان الحراك في إقليم دارفور قد بلغ مداه الأقصى ولاحت في الأفق ملامح أزمة سياسية وأمنية في الإقليم الذي بات لاحقا مضطربا بامتياز. تحول الصراع السياسي إلى حالة حرب كاملة بين قبائل الإقليم في ما بينها وبين القبائل وقوات الحكومة المركزية القادمة من الخرطوم لدعم طرف من أطراف النزاع على حساب طرف آخر. كبرت الحرب وجاءت على معالم الحياة في الإقليم بالكامل وتحولت البلاد الآمنة إلى ساحة اقتتال وموت يومي في ظل إصرار معلن من طرفي النزاع على الاستخدام الأقصى للقوة العسكرية. تحول الأهالي الآمنون إلى مشردين في صحارى الإقليم الواسعة وهجرت عائلات وقبائل في اتجاهات شتى ووجد العالم نفسه بصدد أكبر مأساة إنسانية كما قال عنها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حينذاك. في كل خطوة من خطوات اتساع الأزمة هناك كان الوجع يكبر في قلب المرأة أكثر لكن سؤالا بداخلها ظل يطاردها في نهاية كل مساء... ماذا يمكن أن أفعل لأهلي هناك وأنا أنعم هنا في واشنطن بفرص الحياة الآمنة والسهلة فيما تواجه ملايين النساء الكثير من صور التشرد والضياع والموت في كل لحظة وبكل الأشكال نتيجة لنقص أو حتى انعدام كل مقومات الحياة في مخيمات اللاجئين التي أقيمت على عجل في بعض مناطق الإقليم أو على مناطق الحدود المشتركة مع الدولة المجاورة تشاد. http://www.youtube.com/watch?v=hvKRZFcBUJA طرحت هدى الفكرة على شريكاتها في الانتماء إلى الإقليم وإلى الوطن الأم السودان هنا في منطقة واشنطن الكبرى وتدحرجت الفكرة من مجلس إلى آخر قبل أن تأخد على عاتقها تأسيس مجموعة العمل التي حملت لاحقا شعار " أميركيات لأجل دارفور". تقول فكرة المشروع قبل أن ترسم خطواتها العملية على أرض الواقع بإقامة حلقة وصل بين نساء الإقليم من خلال مدهم بالمواد الأساسية لصناعة حقائب النساء وإعادة إرسالها إلى واشنطن على أن تقوم النساء النشطات بيبعها للأميركيين وجمع ريعها وإعادة إرسال المبالغ المحصلة إلى النساء في المخيمات. وجدت النساء اللاجئات في الفكرة ضمانا لأمنهن وسلامتهن الشخصية لأن في ذلك تحصين لهن من مخاطر التعرض لجرائم الاغتصاب الفردي والجماعي في حالة مغادرتهن المخيم وفي ذلك أيضا حفظ لكرامتهن من الاستغلال من أي طرف من الأطراف وتأمين لبعض الدخل الذي يساعد في تحسين حياة النساء الأمهات وأطفالهن خاصة الرضع منهم. تقول لي هدى إن النساء اللاجئات يتعرضن إلى أبشع أنواع الاغتصاب عندما يغادرن المخيمات بحثا عن الحطب أو الفحم في الغابات لتحضير الطعام لأطفالهن وفي المبالغ التي ترسل لهن من أميركا تأمين لحاجتهن من الحطب والفحم. في ذلك المساء كانت الريح تعصف بكل شيء في واشنطن.. مشغولة هي المدينة بزهوة الاحتفال بالعام الجديد. في تلك الأثناء ارتفع صوت نسوي غنائي يحمل في تفاصيله ذلك الشجن البعيد المقيم عميقا في ذوات أصحابه القادمين من تلك الديار البعيدة جدا لكنها مقيمة في القلب دائما. ارتفع الصوت بإيقاعه وغنت الفنانة السودانية سميرة أحمد من ذلك التراث الغني جدا والممتد في ذاكرة المكان ورحلت بالقلوب في اتجاه ذلك الوطن الذي يتكرر قدره باستمرار بالدخول إلى حرب جديدة بعد الخروج من كل حرب سابقة. وثوبها الزاهي الألوان يسبقها رحبت بي وبفريق التصوير وقالت في هدوء: في هذا المساء نعمل على أن نجمع أكبر قدر من التبرعات لكن هذه المرة لدينا هدف أسمى نريد أن نحققه. نهدف إلى جمع المبالغ المالية التي تساعد النساء الدارفوريات على الخضوع إلى الفحوصات المبكرة للتأكد من خلوهن من الإصابة بسرطان الثدي وكذلك مساعدة أولئك النساء اللواتي تأكدت إصابتهن بهذا الداء. .. ولأن التحدي أكبر في هذه المبادرة استعانت هدى بوجه آخر من بنات دارفور هي الفنانة التشكيلية ميمونة البنجاوي، دارفورية أخرى قدمت للعالم نموذجا جديدا من أزياء الحفلات والسهرات والمناسبات العامة من خلال رسم لوحاتها الفنية فوق الثوب السوداني وتحويل هذا الأخير إلى لوحات تجوب العالم وتحقق الرواج لرمز المرأة السودانية ولفت انتباه سكان العواصم الكبرى إلى أزمة الإقليم المضطرب. ميمونة تعرض أثوابها من خلال نسا ء ويافعات سودانيات متطوعات يشاركنها الفكرة والطموح في خدمة نساء وأطفال الإقليم وتبيع أثوابها في مزادات علنية على أن يعود العائد بالكامل إلى النساء المصابات بسرطان الثدي في المخيمات. في زاوية من قاعة العرض استذكرت معي ميمونة ذلك الزمن الجميل الذي لايزال يقيم في ذاكرتها عن الإقليم وكيف كانت دارفور حينذاك رمزا للخير بين أبناء السودان ورمزا للكرم بين أهله وسكانه، وتقول إنها تشعر الآن بواجب أخلاقي كبير وهي التي لا تزال تحتفظ بكل ذكرى صغيرة من زمن طفولتها في الإقليم خاصة أن كثيرا من أفراد عائلتها لا يزال يعيش في أجزاء مختلفة من دارفور حتى الآن. بفخر لا تخطئه العين في عيون هدى وميمونة يتحدثان عن ذلك الإنجار الكبير الذي تحقق من وراء سعيهن لإقامة مجموعة مدارس للأطفال في المخيمات منذ بدء الحرب هناك العام 2003. نجحت نساء دارفور في أميركا في جمع المبالغ الكافية لإطلاق مدارس للأطفال في المخيمات ونجحن أيضا في تأمين رواتب المعلمين والمعلمات من خلال تبرعات الأميركيين المؤمنين بالقضية الانسانية في مخيمات دارفور ونجحن كذلك في إقامة مركزين لخدمة النساء في معسكري "أبو شوك "و"كساب". وأكثر من ذلك نجحن في تأمين مساعدة نوعية قدمتها جهات خيرية أميركية بتأمين تعلم الدرفوريات استخدام الطاقة الشمسية في الطبخ وفي ذلك تأمين لهن من مخاطر التعرض مرة أخرى للاغتصاب في غابات الإقليم هن يعشن رحلة البحث عن الفحم والحطب. تقول هدى وميمونة إنهما حريصتان على تقديم وجه آخر في أميركا وكل العالم من خلال عملهن التطوعي والخيري.. وجه يرفض الصورة النمطية للمرأة الدارفورية اللاجئة في المخيمات والمعرضة للاضطهاد في كل لحظة والمحتاجة إلى المساعدة للاستمرار على قيد الحياة بمعية أطفالها. هدأت الموسيقي في ذلك المساء لكن أصوات أنين معاناة ملايين النساء الدارفوريات لا تتوقف عن الانطلاق باتجاه السماء سؤالا للرحمة والسلام والعيش في أمان، لكن تلك السماء تفتح مزيدا من أوجه الرحمة عندما تعيش ميمونة وهدى في واشنطن بأجسادهن لكن قلوبهن لا تتوقف عن النبض لأجل نساء دارفور. الحرة http://www.youtube.com/watch?v=hvKRZFcBUJA