عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الثلاثاء" 28 يونيو 2022    الحراك السياسي: وزيرة العمل تكشف عن قائمة تحرّم"61″ عملاً على الأطفال    خضراوات تصبح مغذية أكثر إذا تم طهيها.. تعرف عليها    القبض على متهم قتل اخر بجبرة    مكافحة المخدرات توقف متهمين وبحوزتهم (260) حبة ترامادول    الخرطوم.. ربط تقديم الخدمات بتطعيم (كورونا)    غارزيتو يطالب المريخ بمستحقات بقيمة 300 الف دولار    توقيف شبكة تصطاد المواطنين عبر صفحات الفيسبوك    شاهد بالفيديو.. صراخ وشجار بين طالبات سودانيات بإحدى الجامعات ظهرن وهن يتسابقن ويتنافسن على التصوير مع الفنان "الشبح" ومتابعون: (لو حضرتن وردي كان عملتن شنو؟)    شاهد بالفيديو.. نجمة الترند الأولى في السودان "منوية" تظهر وهي تستعرض بسيارتها (لاند كروزر) الجديدة التي قامت بشرائها بمليارات الجنيهات وصديقتها تهتف لها (والله شيخة براك)    شاب سوداني يبعث باستشارة مثيرة ويطلب الحل السريع (شقيقة صديقي تراودني..تقابلني بقميص النوم وتطلب مني النوم معها علماً بأنها تسكن لوحدها وزوجها مغترب فماذا أفعل؟)    بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يوثق اللحظات الأخيرة من حياته قبل أن يلقى حتفه عطشاً في صحراء العبيدية وهذه وصيته لأسرته    (8) مباريات في الممتاز اليوم .. المريخ يسعى لتقليص الفارق و الهلال لمصالحه جماهيره    نهاية مثيرة للدوري السعودي.. الأهلي يهبط إلى الدرجة الأولى والهلال يتوج بالكاس    اسمها (X) : بعد كورونا وجدري القرود.. مخاوف من جائحة جديدة    بعد حادثة إعدام جنوده.. ما خيارات السودان للرد على إثيوبيا؟    السودان: يجب التوصل إلى تفاهمات حول سد النهضة    المحكمة تحسم طلب "الحصانة المطلقة" لشهود دفاع قضية الشهيد محجوب    الحرية والتغيير: إعدام الأسرى السودانيين من قِبل إثيوبيا جريمة حرب ومُخالفة للاتفاقيات الدولية واعتداء غادر    قرارات إجتماع اللجنة القانونية وشئون الأعضاء برئاسة الشاعر    سعر صرف الدولار في السودان ليوم الإثنين مقابل الجنيه في السوق الموازي    المحكمة توجه تهمة خيانة الأمانة لوزير في العهد البائد    فلوران مدرب غير مقنع    الآلية الثلاثية تلتقي المؤتمر الشعبي    أبل تعد ل"طوفان" من الأجهزة الجديدة    السعودية تؤكد التعاون والتنسيق مع السودان لخدمة الحجاج    القبض على قاتل شاب بطوبة (انترلوك) في جبرة    (الادخار) يمول مشروع الأضاحي ل5000 من العاملين بشمال دارفور    عمومية جمعية اعلاميون من أجل الأطفال تختار مكتبها التنفيذي    مستشار البرهان: التحرّكات ضدّ السودان ستتحطّم بصخرة إرادة الأغلبية الصامتة    كابتن المريخ أمير كمال يخضع لعملية جراحية    فريق صحي أممي بالفاشر يطالب برفع نسبةالتطعيم لكورونا ل 50٪    نمر يتفقد الحالة الصحية للأم التي أنجبت أربعة توائم بالفاشر    إعادة تسجيل 63 قطعة أرض إستثمارية بالمناقل بإسم حكومة السودان    "آبل" تستعدّ لإطلاق أكبر عدد من الأجهزة الجديدة    متقاعدو الخدمة المدنية بغرب كردفان يطالبون بزيادة رواتبهم    ارتفاع طفيف في أسعار النفط العالمى اليوم    ضبط حشيش بقيمة 5 مليارات جنيه بالنيل الأبيض    بتكلفة تجاوزت( 45 ) مليون جنيه الزكاة تعلن عن تمويل مشروعات إنتاجية وخدمية ج.دارفور    المنسق القومي لمهن الإنتاج: 80% من إنتاج الحبوب يتم عبر القطاع المطري وصغار المزارعين    الشيوعي: 30 يونيو ستحدث تغييرًا بشكل أو بآخر    احتفال بلندن تكريما لدعم السُّلطان قابوس الخدمات الطبية بالعالم    ماكرون يُكلف إليزابيت بورن تشكيل حكومة بداية يوليو    بعد اكتمال المبلغ…(كوكتيل) تنشر كشف باسماء الفنانين المساهمين في المبادرة    بالفيديو: تويوتا تعدل واحدة من أشهر سياراتها وتجعلها أكثر تطورا    السودان.. ضبط"مجرم خطير"    جانعة العلوم الطبية تنظم حملة توعوية لمكافحة المخدرات    التشكيلية رؤى كمال تقيم معرضا بالمركز الثقافي التركي بالخرطوم    ضجة في أمريكا بعد قرار المحكمة العليا إلغاء حق الإجهاض.. بايدن يهاجم وترامب: "الله اتخذ القرار"    تقارير تطلق تحذيرًا عاجلاً..تسونامي يهدّد مدن كبرى بينها الإسكندرية    زلزال قويّ يهزّ جنوب إيران ويشعر به سكان الإمارات    وصف بالفيديو الأجمل هذا العام.. ميادة قمر الدين تطلب حمل شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة تفاعل مع أغنياتها والشاب يقبلها في رأسها    إيلا يعلن تأجيل عودته للسودان    تأبين الراحل إبراهيم دقش بمنتدى اولاد امدرمان    صلاح الدين عووضة يكتب: الحق!!    احمد يوسف التاي يكتب: حفارات المتعافي واستثمار حميدتي    عثمان ميرغني يكتب: الرأي الأبيض.. والرأي الأسود    جدل امتحان التربية الإسلامية للشهادة السودانية.. معلّم يوضّح ل"باج نيوز"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عودة الي لقاء (الراقص!) و(الطبال!)
نشر في السودان اليوم يوم 03 - 11 - 2016


بسم الله الرحمن الرحيم
عودة الي لقاء (الراقص!) و(الطبال!)
كمدخل يحمل طابع الملهاة المأساة، يأتي لقاء البشير حسين خوجلي، كتتويج لما يسمي الحوار الوطني، او كخاتمة سعيدة تستحق الإحتفاء بعد أن أسدل الستار علي الحوار أعلاه! وكأن الجدوي من الحوار، تحريك حالة الشلل والتردي التي تلقي بظلالها علي الداخل وتحكم أحواله ومساراته، بنوع من الحراك المشهدي ذي الطابع الإحتفالي، علي دارج عادة الإنقاذ في التغطية علي خيباتها، بمزيد من إبتداع القضايا الإنصرافية وإلحاقها بمهرجانات البهرجة الإحتفالية! ولا بأس من بث أغاني الحماسة وبعض الرقصات والوعود الجوفاء والشعارات الهلامية والأماني السراب، لزوم ما لا يلزم. وعليه لا يصبح الحوار لغة سياسية ووسيلة حضارية، او مقاربة موضوعية تتعاطي مع الخلاف والمختلفين، عبر آلية تفاهمية وروح توافقية، تفضي لحلول عملية لإستعصاءات حقيقية، وذات انعكاسات اقل ما توصف بانها كارثية. والحال كذلك، يصبح غياب المعارضة الرئيسية وتغييب القضايا الأساسية بل والمصيرية، هو في حقيقة الأمر فعل لاغٍ للحوار من أساسه! وهذا في حال لم تصبح صناعة الحوارات الوهمية، سمة شمولية وعدة إستبدادية، وتاليا احد آليات الخداع الإنقاذية في معاركها الوجودية من أجل البقاء. في هذا المعني، يصبح مدار عمل وانجاز الإنقاذ، ليس خدمة المواطن او رفعة الوطن، ولكن كسب المعارك ضد المعارضين، من أجل السيطرة علي الحكم عضوضيا. بمعني آخر، صيانة حقوق المواطن وتلبية إحتياجاته، تنزاح الي الهامش او ما يفيض عن حاجة وسائل الحماية وإحتكار الإمتيازات. من هذا المنظور فقط، يصبح للحوار جدوي وللمتحاورين ضرورة وللقاء أهمية! أي تلميع وجه السلطة الإستبدادي وطلاء واجهتها الإنقلابية وتجميل تاريخ البشير المشين. وهذا بدوره يقودنا للإعتراف بأن الإسلاموية السودانية أولت الإعلام (كسيطرة علي الوعي الوطني تشويها وتزييفا، وإغداقا للأموال او إستثمارا في الأبواق ووسائل الدعاية!) أولوية قصوي، وما حسين خوجلي وزمرته من المطبلاتية، إلا حصاد لذلك الزرع، او أحد الأذرع الإسلاموية الظاهرة حينا والمستترة أحيانا، حسب الدور المطلوب أداءه ومتطلبات كل مرحلة. ولا ينفي ذلك، عدم وجود خلافات او تضارب وصراع مصالح، داخل مكونات الإسلاموية السودانية بصفة عامة، او مطبخها الإعلامي بصفة خاصة. ولكنه يؤكد أن الإسلاموية جوهريا، هي مرض عضال او إدمان للتسطيح والتبسيط والمرواغة من وجهة سياسية، والنهب المنظم لموارد الدولة من ناحية إقتصادية، وإحتكار مركز الريادة من جهة إجتماعية! وتاليا الإسلاموية أداة إستثمار طفيلية ووسيلة سلطة تحكمية، أكثر من كونها مشروع فكري او سياسي او اقتصادي، يعتمد قراءة واقعية، او يستهدف قضايا حقيقية، او يستوعب متطلبات عصرية، او يكترث لوسائل ديمقراطية ومرجعية دستورية في تعاطيه مع الشأن العام. وعليه، مهما اختلف الإسلامويون إلا أنهم يلتقون في كونهم إسلامويين! أي لا تجري عليهم سنة التغيير والتبديل، او القدرة علي إحداث تحولات جذرية في طريقة تفكيرهم وتدبيرهم ونظرتهم للمصلحة العامة، تقطع مع تلك الأدوات والمناهج والتربية الإستبدادية، التي نالوها مبكرا علي يد شيخهم الترابي (والأصح شيطانهم او عراب التنظيم كما يطلق عليه!) وتاليا، الإسلامويون محكومون بإعادة إنتاج نفس الأخطاء وتكرار ذات سيناريو الفشل، ولكن بأساليب ومظهر ولغة جديدة، تواكب تبدل المصالح وتغير موازين القوي! ويستوي في ذلك الأكاديمي (المفكر!) والمجاهد ورجل الأعمال والطالب.
إذا صح أعلاه، يصبح تصميم اللقاء التلفزيوني وتمليك حسين خوجلي دفة إدارته هو شئ طبيعي، بل اللاطبيعي أن يكون عكس ذلك. أي حسين خوجلي هو الشخص الأنموذج لإذاعة هكذا لقاء، اريد له ليس تلميع البشير فقط، كما أشار البعض بصدق، ولكن كذلك تلميع الإعلام الإسلاموي، كمؤسسة ومفاهيم ومصالح متعددة. وهو ما يتجسد بدوره في شخص حسين خوجلي، الذي يقوم بدور الناقد الحريص علي الإسلاموية السودانية، من أجل الحفاظ علي مصالحها/ه! ولا يصدف أنها مصالح تتعارض جذريا مع المصلحة الوطنية؟! والأخيرة في حال لم تقبع خارج دائرة إهتمامهم، فإنها تتضاءل لدرجة التلاشي عند حضور الإسلاموية كديمومة بقاء في السلطة، وبغض النظر عن ما يسببه هذا البقاء من دمار للدولة وهلاك للمجتمع. بمعني آخر، حسين خوجلي يمثل أفضل صانع ألعاب (بلغة كرة القدم) إسلاموي! أي بمثابة هيثم مصطفي (افضل صانع العاب سوداني من وجهة نظري) في فريق او كتيبة الإعلام الإسلاموي. ولذا لن يصعب عليه تمرير الأسئلة المساعدة علي الأجوبة السهلة والمطلوبة مسبقا! والتي تمكن حتي شخص متواضع القدرات كالبشير، من الظهور بمظهر المالك زمام المبادرة وناصية الكلم، او تجعله يصول ويجول علي مسرح الرجل الواحد.
ورغم أن هذا اللقاء أوسعه البعض نقدا مبرحا عن حق وحقيقة، إلا أن ذلك لا يمنع التوسع في بعض النقاط، تأكيدا لرداءة الوجبة وكم السموم المدسوسة داخلها؟!
أولها، فرية أصبحت لازمة في كلام البشير، وأتي حسين خوجلي ليؤكد بداهتها، وهي ان الشعب احتمل الحكومة وصبر عليها ومنحها أبناءه وماله وتجربته وإخلاصه؟! وعندما وجد البشير الطريق ممهدا أمامه عبر كاسحة ألغام حسين خوجلي او موجته الطويلة، حاول أن يركبها او يؤكد صدقيتها وهو كذوب، بإيراد نص ديني ليقع في المحظور. وذلك ليس لأن النص حمَّال اوجه، او سلاح يستطيع إستخدامه كل متجرد من الأسلحة، وفي كل ساحة من ساحات المواجهة فقط! ولكن لأن ترديد او إعتماد النص الديني، يُستخدم وكأنه يغني عن حقيقة الواقع او في مقدوره تغيير إلزامية الوقائع او تغييب الحاجات او القفز علي المطالب؟! بمعني، مرجعية النص الديني ليست إجابة، ولكن الصحيح هي تعبير عن العجز من تقديم إجابة، او هي إلتفاف علي حقيقة غياب المشروع بالتوازي مع الرغبة في التسلط ونيل الامتيازات والتميُّز المجاني! وعليه، النص الديني خارج سؤال التنمية وبناء الدولة وتحديث المجتمع، كأولويات أساسية لا تقوم حياة عصرية من دونها. وأي مداورة علي هذه الحقيقة الموضوعية الفاقع بداهتها، تؤول الي إصرار علي تربيع الدوائر! وتاليا الحياة خارج العصر، والأصح فرض حياة القرون الوسطي علي القرن الحديث، السابق لها بقرون ضوئية علي مستوي القيم والسلوك والخبرات الإنسانية. وهذه التخاليط او التخاريف ليس واحدة من الخصال الإسلاموية المفارقة، ولكنها منبع تهمة المتجارة بالدين التي تلصق بهم عن حق! غير انها تبيح لهم تبرير المفاسد والمظالم والإنتهاكات في حق الآخرين والوطن. ولكن تأكيدا لفرية هذه المقولة المجانية يجب تعريضها للفحص؟ فعندما يتحدث البشير وطباله حسين خوجلي، عن مسالة صبر الشعب السوداني، فكأن هنالك مساحة حرية أمام هذا الشعب ليعبر عن رايه صراحة؟ وهذا ما ينفيه جملة وتفصيلا، قانون الإرهاب القائم والملازم وجود النظام كظله! والذي يمنع التجمهر والإضراب وكل وسائل التعبير عن الراي والمطالب بالطريقة السلمية، إلا من خلال قوانين يستحيل الإيفاء بمتطلباتها، وإلا أُفرغت الوسائل والمطالب من مضمونها؟ اي الأصل في التعبير والمطالب هو المنع، معبر عنه بعلو كعب القوانين والأجهزة الأمنية، بالتزامن مع تدني قيمة المواطن ومكانته، او هو خائن وعميل حتي يثبت العكس؟! والأهم من كل ذلك، عدم توافر البيئة الديمقراطية، التي لا تحمي حقوق الإنسان من الإنتهاك فحسب، وإنما تتيح للمواطن حق الترشح، بل مراقبة ومحاسبة المسؤول، وقبل ذلك خضوع الأخير لمجموعة قوانين ونظم، تحد من طغيانه وتجبره وتحيله الي مجرد موظف في دولاب عمل الدولة. وبعيدا عن التجريد، فالجميع يعلم ما أصاب طلاب الجامعات وهم يعبرون سلميا عن مطالبهم او أفكارهم، لدرجة تحوُّل بيئة الجامعة لساحات معارك تستخدم فيها الأسلحة البيضاء والنارية، وذلك بفضل طلاب الإتجاه الإسلامي وأجهزة الأمن المساعدة، وغالبا تحت بصر او تواطؤ إدارة الجامعة! ومعلوم سلفا بدخول الإرهاب والعنف الساحة يتم طرد العلم والفكر والحرية مباشرة منها، ليحل محلها الخوف والإكراه والإنصراف للشؤون الخاصة (التفرغ للخلط كقضية مصيرية!). والحال كذلك، اي جدب و تصحر يمكن أن يصيب مجتمع الجامعة أكثر من ذلك؟ وعلي هذا المنوال قس، ما تعرض له المشاركون في هبة سبتمبر وكجبار وأمري وبورتسودان..الخ، وهذا دون الحديث عن مأساة دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، كمسلسل قتل يومي ومتواصل، وغيرها من الإنتهاكات التي ظلت تُمارس ضد المواطنين العُزَّل كشئ طبيعي، او فعل قانوني في شرعة الإنقاذ اللاشرعية منذ مقدمها الإنقلابي. وعموما مرد كل ذلك كما أسلفنا غياب البيئة الديمقراطية، التي تكفل كل الحقوق ليس للمظلومين ولكن حتي الظلمة ورغم تلوث ايديهم بالجرائم وصحائفهم بالموبقات! وفي غياب هذه الأخيرة وكما هو حادث منذ إنقلاب الإنقاذ او بسببه، لا مكان لصبر مواطن او مصابرة مواطنة او غيرها من التطمينات السلطوية اللفظية، والتي تعلم قبل غيرها مدي كذبها ومغالطتها لحقائق الواقع المغبون او العامر بعسف السلطة وتجبرها.
أما حكاية تقديمهم أبناءهم وأنفسهم وأموالهم للدفاع عن مشروع الإنقاذ، فهذه مقولة او فرية ترقي لدرجة التزوير الصراح؟ وعلي العموم الوصف الأخير لا يعتبر منقصة في عرف الإنقاذ وأتباعها، وطرحه هنا من باب التمييز وليس الذم (وهل لجرح بميت إيلام؟). فالمعلوم أن حرب الجنوب تم تحويلها من صراع سياسي مطلبي الي صراع ديني عقدي، علي يد الإسلامويين؟ علي اعتبار هذا التحويِّل يخدم الأيديولوجية الإسلاموية من جهتين، فهو يمنحها هوية وشرعية من ناحية، ويعطي طاقة لنهج التعبئة الذي يسييرها من ناحية مقابلة! والحال هكذا، تم خداع كثير من أغرار الطلاب، من خلال إغراء بالجنة والنعيم الأبدي في الآخرة، والبطولة بنصرة الدين في الدنيا؟ أي تمت أسطرتهم الي مجاهدين وحماة للدين وغيرها من وسائل التجييش وغسل الأدمغة، وتاليا تحولهم الي عجائن طرية، يسهل الزج بها في حمأة المعارك السلطوية الإنقاذية الإسلاموية، دون تساؤل او إستنكار؟! وهو اسلوب في مجمله قائم علي الغش والمكر والخداع؟ ويتحمل جزء كبير من وزره، برامج ساحات الفداء (اسحاق احمد فضل الله) والمدح المجاني للدبابين الذي تولي كبره حسين خوجلي بصفة خاصة (بهذه المناسبة كنت وما زلت أجد صعوبة في الربط بين نعومة ودعة ود خوجلي وما يفترض انها خشونة وشراسة تميز الدبابين، أفتونا في هذا يا إنقاذيين! وإحتمال المحافظة علي الرخاء تحتاج لمتحمسين أشداء، والله واللصيقون بود خوجلي أعلم!). أما الأسلوب الثاني فموجه أساسا لغير الإنقاذيين المخدوعين، ويعتمد بشكل حصري علي آلية التجنيد الإلزامي، وكم شهدنا مآسٍ يتفطر لها القلب، من قبض وإختطاف الشباب من الطرقات (ولسوء الحظ أحد الضحايا من معارفي، واعلم يقينا بساطته ورقة حال اسرته وحاجتهم له بوصفه الأكبر بين اخوته. واكاد اجزم أنه لا يعرف الفرق بين انواع الاسلحة، ناهيك أن يشارك في معارك او يعي شيئا من رطانة الجهاد! وأكثر ما أذكره عنه ولعه بكرة القدم وتعصبه لنادي الهلال، علي عكسنا أنصار الأحمر الوهاج الذي انطفأ بريقه وفقد نكهته، مع الوالي ومزمل ابوالقاسم وغيرهم من الطفابيع والنكرات الإنقاذية، التي تكاثرت كالفطريات في كل المجالات!). وكذلك تهديد صبيان بالكاد انتهوا من تعليمهم الثانوي، بحرمانهم من دخول الجامعات إلا بعد أداءهم الخدمة الوطنية (التعبير الملطف عن قسرهم علي خوض معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل! بل علي العكس غالبا بعد دخولهم الجامعة ونضوج وعيهم، سيقفون ضد السلطة الإرهابية، وهذا في حال لم ينضموا للحركة الشعبية او العدو اللدود صراحة!). فهل بعد كل ما ذكر أعلاه، كنماذج مبتسرة من تاريخ كارثي، ومعبأ بالظلم والإعتداءات والإنتهاكات المادية والمعنوية في حق المواطنين، يمكن الحديث عن تقديم النفس وبذل المال لنظام فاشي كالإنقاذ؟؟
ومن جانب آخر، تؤكد ميزانية الدفاع والأمن لهذه المنظومة الإرهابية، أن الثقة والود مفقود ليس من جانب السلطة في الجماهير فقط، لكن وهو الأهم من جانب الجماهير في السلطة ذاتها (ودليل هذا غير تأسيس منظومات متخصصة في الحشد، هو اسلوب التحشيِّد الجماهيري الذي يعتمد الإرهاب عبر تسجيل الحضور والإنصراف للطلاب والموظفين من ناحية، والعزف علي أوتار العاطفة الشعبية سواء بتوظيف المقدس او عبر إثارة مخاوفها من شركاء الهوامش داخل الوطن، وهو عين ما تستثمر فيه صحف عنصرية كالإنتباهة والصيحة وصحفي معتوه كالطيب مصطفي، مما يعكس تواطؤ الدولة واجهزتها!). أي لا تتورع الإنقاذ ومن اجل البقاء في السلطة قسرا، عن اللعب بالنار وتهديد تماسك المجتمع بالتفكك، والدفع به الي تخوم الصراع والحروب الأهلية المهلكة؟! أما حكاية شعب متميز وذكي وغيرها من النعوت العاطفية، فهذه مجرد ضحك علي الذقون لا ينطلي علي احد؟ مع العلم أن ما يحتاجه الشعب ليس المدح والإطراء، ولكن تلبية إحتياجاته ومنحه حقوقه كاملة. وقبل ذلك، محاسبة الجنرال والإقتصاص منه علي سجل الجرائم المدونة علي أجساد ورفاة وذاكرة الضحايا، وتستبين معالمها علي عوالم الخراب البارزة علي أطلال البلد اليباب.
أما الفرية الأخري التي تحتاج بدورها لفحص آخر، فهي الإستهداف الخارجي الذي يتعرض له الوطن! وبغض النظر عن بديهية العلاقات الدولية المبنية علي المصالح والصراع ولا مكان فيها للعواطف الساذجة والشعارات الحماسية الفارغة، ورغم أن هذه الفرية مصدرها الوسواس القهري الذي يلازم الأنظمة الإنقلابية، انعكاسا لغياب الشرعية، والأصح تعديها علي الشرعية، بوصفها أنظمة همجية، لا يزعجها شئ بقدر الشرع والشرعية والنظام والإنضباط والمرجعية! إلا أنها فرية تخدم غرضين أساسيين، فهي من ناحية تبيح التمادي في إستخدام العنف، عبر تبني قانون للطوارئ مفتوح علي الإستمرار او غيره من القوانين التعسفية والأعراف البالية، التي تسمح بممارسة العنف من غير ضوابط او خارج القانون العام، ولكن من خلال إستخدام أدوات الدولة وأجهزتها؟ ومن ناحية أخري، تسمح لها برهن مصالح الدولة للخارج، مقابل حماية مصالحها الخاصة في الداخل وعلي رأسها بقاءها في السلطة، ولو علي حساب ممارسة إنتهاكات واسعة المدي، ضد حقوق وكرامة مواطنيها في الداخل؟ ولمعالجة هذا الخلط والإرتباك او التناقض البيِّن، فهي تلجأ لتبني خطاب دعائي عدائي حماسي جماهيري ضد الخارج وغالبا في الهواء الطلق، والذي لا يبرح أن يُذريه قبل ان يجف حلق مطلقه، في الوقت الذي يتم فيه ممارسة خذلان وتواطؤ جبان وتقديم تنازلات لا تملك حق تقديمها، كسلوك فعلي وبرَغماتي خبيث ولكن بعيدا عن أعين الجماهير او من وراء ظهرها (تغفيلها) وذلك داخل دهاليز السلطة المظلمة وبين قياداتها المهزوزة؟ والدليل ان الانقاذ ومنذ ميلادها الأغبر أعلنت خطاب العداء ضد الجميع، وإنتهاءً بتسليمها مصالح البلاد للجميع كذلك، اي أقوياء الخارج وضعفاءه؟! وهذا بالطبع دون الحديث عن الدبلوماسية الصبيانية التي تخدم هذا النهج الإستسلامي، لدرجة تحولت الدبلوماسية نفسها لمشاريع تجارية وإستثمارية خاصة، أقل ما توصف به أنها فضائح دولية (وشيل حال بين العالمين!). وفي هذا الإتجاه يمكن إدراج مطاردة البشير الدولية، التي ألقت بكلكلها علي الدبلوماسية المتردية أصلا! إضافة الي ذلك، خلط مصالح/مخاوف البشير (هروب/حماية من المحاكم الدولية) بمصالح الوطن، من خلال تصوير المطالبة بمحاكمته، كإجراء عدلي طبيعي يتسق مع المعاهدات الدولية، بإستهداف مصالح الوطن العليا؟ وتاليا إثارة فرية الإستهداف الزائفة كلما أثيرت قضية محاكمته. بمعني البشير (الاسد النتر!) اصبح يتكئ علي فرية الإستهداف كوقاية من المحاكم الدولية! أي إتخاذ سلامة الوطن ومصالح المواطنين كدروع حماية؟ والحال كذلك، يستحيل علي شعب رهين في دولة مختطفة، أن يوصف بأنه صابر او يقدم روحه وماله فداء للإنقاذ! فهكذا لغو حديث، او حديث غير مسؤول بالمرة، لا يمكن أن يصدر إلا عن رئيس متردٍ في الفشل، وجوقة صحفيين ساقطين بامتياز. لا يتورعون جميعا عن التزييف والتحريف ونشر الفتن وشر الأعمال! وتاليا ليس في جعبتهم ما يقدمونه للمواطن والوطن سوي الكوارث والمحن.
ثانيا، حديث البشير عن السيد الصادق المهدي وتقريظه له، لا أعتقد انه يضيف له شئ، بل الراجح انه يخصم منه كل شئ، وذلك علي عكس ما يظن البشير حسب منطوقه. أما مبارك المهدي وأبناء الصادق المشاركين في الحكومة، فلا أعتقد أن الكلام فيهم او الحديث عنهم يفيد قضية وطنية من أي ناحية. أي هم إختاروا أن يكونوا صغار، ولذلك قدرهم أن يظلوا صغار! وعليه، وجودهم بعيد عن المعارضة لن يسبب لها ضرر، ووجودهم داخلها لن يكسبها دعم. وبما أن حضورهم لن يسعد أحد وغيابهم لن يشعر به أحد، أي هم من يصح وصفهم، توابع او هوامش او زوائد دودية (مساعد ياي) في أحزابهم السياسي، وتاليا في العمل السياسي بصفة عامة؟ ولذلك هم أسهل وارخص من تستثمر فيهم حكومة كالإنقاذ، قائم نهجها علي شراء الخصوم والمختلفين! وليس الندية في محاورتهم او إشراكهم في الشأن العام والسلطة كمستقلين، مما يعني تغيير قوانين اللعبة السياسية بحيث تخدم حالة الإستقلال.
وكذلك حديثه عن الترابي الذي وصفه بشيخه (وكم أزري هذا الشيخ الثمانيني بالمشيخة كمبني ومعني ومكانة! لدرجة اصبح مجرد ذكر اللفظ يثير الضيق واحيانا الإشمئزاز في الوجدان السليم؟) وهو يقصد بذلك تملق الشعبيين؟ ولا يمكن بحال إهمال طريقة السؤال الإيحائية من طرف ود خوجلي، والتي مهدت بدورها لتلك الإجابة! وفي الحقيقة هي كسائر طرق ونوعية الأسئلة المطروحة، التي تجعل أسنانك تصطك من الغضب وعيونك تبحلق من الدهشة، وهذا في حال لم تشك في سلامة أذنك او نعمة بصرك! وبكلمة واحدة هي اسئلة متعبة للحواس ومستفزة للإحترام (ومسكين بل وصبور من إحتمل مشاهدة مثل هذا اللقاء! وأشك ان معارض مجازف حضره، نام ليلته هانئا او لم يتقلب في الفراش كالملدوغ او كمن خسر رهانه وتجارته). وتحدث البشير فُضَّ فوه، عن كونهم سودانيين عندما يختلفون يمكن ان يزعلوا من الآخر ولكن لا يكرهونه (وهكذا فرية بلغاء سنأتي لها لاحقا عندما يتحدث عن موقفه من ياسر عرمان والحلو وغيرهم!) المهم، مجمل حديثه عن الترابي هو تسويق لروح التسامح التي يتصف بها، وكيف حيَّرت البعض وأثارت إنزعاج البعض؟! أما حديثه العاطفي الذي يحاول أن يستجدي به الإسلامويين، عسي ولعل يكسبهم الي صفه بعد الجروح والرضوض التي أصابت العلاقة بين الطرفين، وجعلت الحذر المكتوم والمتبادل يحكم تلك العلاقة! وذلك عبر توسل بركات الشيخ المقبور، والذي حسب قول البشير أنه ذكر، أننا علي وشك الرحيل عن الدنيا، ويجب توحيد الحركة الإسلامية قبل الرحيل؟! وهكذا حديث أخير إذا صدر عن أي شخص آخر غير الترابي، يمكن أن يتقبله المرء ولو بتحفظ؟ او يشعر بنوع من عودة الضمير المصاحبة لدنو الأجل. أما أن يصدر عن شخص كالترابي، لم يُعرف عنه يوما أنه يعني ما يقول او يضع إعتبار لقوله او مستمعه! وكذلك من دون حيثيات او إستحقاقات تدل علي صدقية لا يصدف أنها معدومة، كالإعتراف بالأخطاء ورد الإعتبار للضحايا وطلب السماح من الشعب قبل الإسلامويين، وهم بشكل او بآخر شركاء في الجرم. فهذا ما لا يمكن تصديقه، وهذا غير أن الترابي كوعي وسلوك لا تسعه، لا المراجعة ولا الإعتذار ولا الإعتراف، ولا غيرها من القيم والسلوكيات، التي لا تنبت في صحاري الغرور والترفع، ولا قدرة لها علي مقاومة زحف، غرائز حب السلطة ورغبة التسلط، الراكزة في وعي ونفس وجوانح الشيخ الترابي. اي الترابي ضحية لشهوة حب السلطة وجنون التسلط، قبل أن يضحي بالدولة والمواطن وآدميته، ويوردها جميعا موارد الهلاك؟! وعليه كل المؤشرات تدل، إن صدق قول البشير، أن هذه المقولة الأخيرة، ماهي إلا واحده من حيَّل الترابي التي لا يعدمها جرابه او يستنكف عن توظيفها، في سبيل الوصول الي السلطة! ولو كان في قبره متسع للحيَّل لما تأخر في إقتناصها؟! وهذا في تقديري ما خرجنا به من تجربة إستندت علي الحيِّلة، لتورِّثنا حصاد الهشيم.
ونأتي الآن لفرية عدم الكراهية التي حاول البشير أن يدسها او يمررها داخل اللقاء، بطريقة تلقائية ليسهُل إبتلاعها؟ وإلا ماذا نسمي موقف البشير من عرمان تحديدا، والحلو وعقار وجبريل وعبدالواحد وغيرهم بصفة عامة، وهو يصف السيد الصادق المهدي بأنه اكبر منهم؟! وعطفا علي ذلك، هنالك موقفه الخاص تجاه عرمان، حتي بعد توقيع إتفاقية نيفاشا وعودة الأخير الي الداخل ومشاركته السلطة! بل تجاوز في موقفه ذاك، دارج علاقات السودانيين الإجتماعية، التي تتسامي علي الخلافات السياسية؟! وكأن عرما ضرته إذا جاز الوصف، او يصارعه علي ميراث في حوش بانقا؟! بل ماذا نسمي حديث الغرباوية الذي نسبه له شيخه الترابي ولم يُكذِّبه، بل دوام علي منادته بشيخه كما سلف (تبا للشيخ وحواره إذا كانت هذه لغتهم المتداولة خلف الأبوب المغلقة!) وكذلك تحقيره للدكتور علي الحاج عندما يرد اسمه! وأيضا تلفظاته الإستحقارية في حق الحركة الشعبية. وعلي ذات النهج، ماذا نسمي ما يقوم به قريبه الطيب مصطفي، وهو يوظف صحف كاملة لبث العنصرية ونشر الكراهية ورعاية الفتن، وتقسيِّم المواطنين في الداخل الي درجات بناءً علي العرق والدين. وبما أنه المُقسِّم، مؤكد سيحتل مركز الصدارة؟! ولكن في الحقيقة من الظلم بمكان رد الأمر للبشير وحده، فالعنصرية والتعالي الأجوف عملة رائجة لدي الجماعات الإسلاموية، إن لم تكن ثقافة متجذِّرة في بنيتها، او أقلاه كأحد روافد مكوناتها. بمعني، فكرة الجماعة الإسلاموية في حد ذاتها فكرة عنصرية، وتاليا تقسيمية لبني البشر! والحال كذلك، فهي تضع الامتيازات لدي فئة معينة من الناس؟ وعليه يستحيل عليها عمليا المساواة بين الناس، او ضبطها وهي تتعالي علي الضوابط. وما البشير إلا تجلي لهذه الظاهرة بوجهها السافِر، نسبة لضعف قدراته وقلة حيلته ونضوب مخزونه المعرفي، وتاليا صعوبة مداراة مشاعره كالترابي مثلا؟! بل لماذا نذهب بعيدا، الا يجسد حسين خوجلي نفسه النموذج المستتر لتلك العنصرية النتنة، التي تتخفي خلف إبتسامته المستهترة المتعالية وروح المرح والظرف التي يتظاهر بها، وينفذ من خلالها لتمرير أسئلته التي تفوح منها روائح التمييز بين الناس والتنظيمات والجهات، بدلالة شخصنة القضايا عبر سؤاله عن إختطاف عبدالواحد وجبريل ومناوي لقبائل الفور والزغاوة، وإستتباعه بسؤال إستفهامي عن عرمان وكأنه نتنياهو؟ بل مجمل آراء حسين خوجلي الإعلامية ترتكز علي فرية، أن البلد ملك للعرب والمسلمين، وتاليا تؤول ملكيته الحصرية للحركة الإسلامية، الناطق الرسمي والممثل الشرعي لهما. وعليه، يصبح الآخرون مجرد ضيوف في حضورها البهي الطلعة، وبما فيهم اليسار بكل تاريخه وإرثه، ناهيك عن حركة ترفع لواء السودان الجديد وتطالب بإشراك اهل الثقافات والسحنات والجهات الأخري في امور دولتهم و إدارة شؤونهم الخاصة، او حركات تطالب بعدالة توزيع السلطة والثروة كإستحقاق مواطنة. ويتضح ذلك ايضا، ليس خلف البسمات البراقة والكلمات الرقيقة التي تتستر علي المكر والإستعلاء فقط، ولكن صراحة في طريقة الأسئلة المفخخة والطروحات الشمولية العامة، التي درج ود خوجلي طوال تاريخه الإعلامي علي رعايتها والترويج لها. والحال هكذا، ليس مستغرب ان يتبني حسين خوجلي طرح إصلاح الحركة الإسلامية وتصحيح أخطاءها! وكأن أخطاءها من النوع السهل الذي يمكن إصلاحه او تجاوز عثراته، وليس خطأ بنيوي يطال النظرية قبل التطبيق والشعارات قبل الأفراد والأساليب قبل الممارسات، وهو ما توَّلد عنه مشروع مارشال إسلاموي، ولكن لبناء وتأسيس حالة من الفساد والدمار غير المسبوق او المتصور. وهو ما يستدعي بدوره طرح الحركة الإسلامية (كأيديولوجية وأدوات وممارسات، أو بوصفها إيديولوجية تراوح بين الطفولة والإنحراف، او بكلمة واحدة كحضور داخل الوطن) جانبا! وإستبدالها بمشروع جديد، يتيح لكل الأفراد المشاركة علي قدم المساواة، في كل الحقول والأنشطة. وهذا ليس إقصاء لها كما قد يظن البعض، ولكن تصحيح لأوضاع كارثية وقطع الطريق أمام إعادة إنتاجها، كآل البوربون في كل مرة. واعتقد ان تلك المدافعة او المرافعة السالفة، من جانب ود خوجلي، ليست لأسباب سياسية او فكرية او ثقافية عامة، او يحتضنها ويحتفي بها بصورة مجردة! ولكن في الغالب لأسباب خاصة؟ تتمثل في انه إستثمر ويستثمر في هذه الأوضاع الكارثية، التي تسمح بالإحتكار وتمنع المنافسة وتبيح التجاوزات وتمقت الشفافية! وتاليا عادت عليه بمنافع وأفضال كثيرة، ليس أقلاها إمتلاك قناة فضائية وصحيفة يومية وإحتمال غيرها (الكثير المثير الخطر!). هذا علي المستوي المادي الذي جعل الحفاة العراة، يمتلكون الضياع والعقارات ويتنافسون علي امتلاك الزوجات والمنقولات في الداخل والخارج، ولكن من غير مبررات او مجهودات او مردود علي الإقتصاد الوطني يفسر هذه الإنقلابات؟! المهم، غير هذه النعم المادية الإنقاذية المستحدثة، التي يرتع فيها ود خوجلي، او يخوض فيها مع الخائضين. هنالك المستوي المعنوي الذي تتيحه له منظومة شمولية كالإنقاذ، ونقصد إعتقاده القيام بدور هيكل لدي النظام الناصري او ما يشتهي ان يكونه، او أقلاه تلبسه الحالة الهيكلية، كهرم إعلامي صنعته الدعاية الناصرية بقدر ما روج لصنمها؟ وبتعبير آخر، تركيبة حسين خوجلي تلاءم، وضعية البوق الكبير لدي الأنظمة الشمولية، والذي يضخم فضائلها القليلة او المعدومة ويغطي علي رذائلها العلنية والكبيرة، وقبل ذلك يبرر لتسلطها وبقاءها الأبدي؟! ولا يستدعي ذلك بالضرورة إلتصاقه بالحاكم، ولكن بحاسته الإعلامية وقرون إستشعاره الشمولية، يدرك إتجاه الرياح ويعلم شارة القيادة وتلميحاتها! ومن ثم يسرع الي مطبخه الصحفي لإعداد وجبة شهية تلبي مزاج وطلب الباب العالي، ولا بأس من إبراز بعض النقد الشكلاني العام، لزوم البهارات والمشهيات، لتوسيع دائرة الإنتشار والقبول وزيادة درجة المصداقية؟!
ومن جانب آخر، لماذا لا ينفذ ياسر عرمان او غيره مشروع السودان الجديد؟ وهل صحيح أن مشروع السودان الجديد ملك لياسر عرمان او جون قرنق، رغم جهودهم غير المنكورة في إنتاجه والترويج له؟ أم هو ملك للرأي العام، قبله المواطنون او تركوه او أضافوا له او حذفوا منه، شأن كل فكر او مشروع سياسي؟ كما أن العبرة ليست بالمشروع المطروح من كل فصيل، ولكن العبرة بتوافر البيئة الديمقراطية، التي تساعد علي إنتاج المشاريع وتسمح بالتحاور والتداول حولها والمنافسة السلمية بينها، ومن ضمنها الضمانات الدستورية والمؤسسات الدولتية الصلبة والهيئات المستقلة التي تراقب تنفيذها وتحمي ظهرها من التعدي والإنكشاف (خضوع المؤسسة العسكرية للدستور!). وعموما هي بيئة حجب ظهورها وترقية أحوالها، إنقلاب البشير القمعي من ناحية، وتبنيه للأيدويولوجية الإسلاموية المقصية إن لم تكن النافية للآخرين والإختلاف من ناحية مقابلة! وهي نفس البيئة الإرهابية الفاسدة التي سمحت للبشير، بوعيه الضحل وكسبه العدمي، أن يضع المعايير والمقاييس والشروط لأهلية فلان وكفاءة علان، بل وصلاحية المشاريع ومقبولية الطرح وجدوي الحوار! وكأنه فرعون هذا الزمان الذي لا يُرِي الناس إلا ما يَري، ويا لها من رؤية تحاكي عمي البصيرة وغواية الضلال وتعميم العقم.
ثالثا، رؤية البشير لموضوع التهميش، هي أيضا رؤية فطيرة ومستهلكة بل ومضللة، وتنبع من مركز المركزية، ولا تستنكف أن تعاقب الهامش علي تهميشه، بدل من تعديل ميزان الدولة المائل ضده، تاريخيا (سياسيا وإقتصاديا وثقافيا وإجتماعيا) وحديثا تنمويا! بل وتمُن عليه بتمليك بعض أفراده سلطات ومناصب مركزية، لا يصدف أنها شكلية وتخدم المشروع الأساسي الذي يصب في مصلحة ليس المركز فحسب، ولكن الجماعة المسيطرة عليه بصورة أخص، وتجسيِّدها الأسوأ حديثا، يتمثل في الإسلاموية السودانية؟ وهذا غير أنها تعيد صياغة أبناء الهامش في السلطة، ليصبحوا أكثر مركزية من أبناء المركز المتعصبين ذاتهم؟ أي متطرفين في مركزيتهم وإنقطاعهم عن جذورهم وتنكرهم لأُصولهم! الشئ الذي ولَّد ما يمكن وصفه بصناعة التاريخ الخاص، او إنتحال تاريخ جديد يثبت إنتماءهم للمركز (وحقيقة كل تاريخ الهويات أعتقد انه منتحل او هو في جوهره إستراتيجية نفاذ للامتيازات المتمركزة حول هويات محددة او عريقة في إصطناعها وإنتحالها وإكسابها صفات أسطورية تؤهلها للسيادة والسيطرة!) ولكن الأغرب أن المركز نفسه لا يقدم ما يستحق الإحتفاء به او الإنتماء إليه؟ والدليل مركزيته المتجاوزة للهامش والصانعة للهوامش، ومترتباتها السلبية او الإجحافية علي كل الصعد المذكورة آنفا. ولا يُدهش أنها مركزية قائمة علي دعائم، أقل ما توصف به أنها أوهام، او متعلقة بأوهام لا تقدم أي شئ إيجابي، علي مستوي التقدم الإنساني المادي منه والمعنوي؟ وبتعبير صريح هي عنجهية فارغة المراد منها السيطرة علي السلطة والثروة لا غير. وتبريرها لذلك أن دينها ولغتها وعرفها هي الأفضل وعلي الدوام! وتاليا يحق لها السيادة الي قيام الساعة. اما مرجعيتها في ذلك فهي رؤيتها لذاتها؟ في هذا المعني، من لا يعتقد أن دينه ولغته وعرفه..الخ أفضل من غيره، وإلا لتركها غير مأسوف عليها، ولو أطر في ذلك لتغيير جلده! أما النتائج المترتبة علي هذه الرؤية الشوفينية في حالة الإصرار علي فرضها، بتوسل السلطة/العنف، فهي الحروب الأهلية والدولية المفتوحة علي الفناء؟! والحال كذلك، إن لم يكن ما ذكر أعلاه هو العنصرية المولِّدة للتعصب والعنف والتهميش وإقصاء الآخر، فما هي العنصرية إذن؟ وما ضررها وآفاتها علي البشر وفرص الحياة علي كوكب الأرض.
المهم، أكثر ما يتبدي تسطيح البشير ومحاولته تعميم هذا التسطيح، يتجسد في نظرته المخلة لمشكلة الجنوب، التي ربطها حصرا بقضية السودنة، بل وبرر الإجحاف الذي طال الجنوب والجنوبيين، بإيراد أسباب يعتقد أنها موضوعية؟ وهو لا يعي الظروف والملاىبسات والتعقيدات التي ترافق إعادة بناء الدول، وخاصة إشكالات الظلم والتهميش التي تطال أحد مكوناتها. ألم يسمع البشير بآليات التمييز الإيجابي، لمعالجة المظالم والإنتهاكات التي تتعرض لها جهة او عرق او دين؟ والغرض من ذلك تبرئة النفوس من الأحقاد والإحن، كارضية اساسية لبناء اي لحمة وطنية مفترضة او حقيقية. والإبداع الحقيقي أن لا يؤثر هذا التمييز علي أداء جهاز الدولة او الرؤية التنموية الشاملة؟ وبتعبير بسيط الإنسان هو الأولوية، وتاليا هو مقدم علي كل إعتبار. كما ان مشكلة الجنوب يرجع جزء اساس منها لخيانة العهود والمواثيق (وكم بح حلق الجنوبين بذكر هكذا حقائق جارحة لذمة السياسيين في الشمال؟). وقبل ذلك إحترام خصوصية الجنوب، وتخليصه من مكانة العضو المريض والميئوس منه التي فُرضت عليه، وإنسانه من الدرجة الدنيا التي اُلصقت به؟! وهو الأمر الذي لو تم حسب وجهة نظر الإخوة في الجنوب، الذين يتميزون علي رصفاءهم في الشمال بسعة وبعد النظر (ومرجع ذلك ليس العرق او قدرات خاصة ولكنه التواضع!) لكان حال الدولة غير الآن. وعلي العموم، مثل هذه النظرة التسطيحية لهي اكثر ظلم، من واقع الظلم الحقيقي الذي قبع فيه الجنوب وإنسانه منذ الإستقلال (والذي للأسف يبدو انه إنتقل من ظلم الأبعدين الي قهر الأقربين، ولله الأمر من قبل وبعد). وهذا غير أن هذه النظرة التسطيحية والتبريرات الفطيرة للمظالم والإنتهاكات، ترفع الذنب عن من إقترفوه وتهدر قيم المحاسبة والمراجعة والإعتذار؟ الشئ الذي يساعد علي تكرار الأخطاء وإنتاج المظالم بصورة دورية، والأسوأ من ذلك الدخول في حلقة الإنقلابات والإستبدادات المفرغة، اي تدوير نفس الأفكار والبرامج والمناهج والأفراد، التي تسببت في كل هذه الكوارث.
رابعا، رغم أن الأسئلة مطبوخة وغالبا تم إعلام البشير بها قبل وقت كافٍ، وتمليكه نوعية الإجابات، بدلالة عدم تناسل الأسئلة من داخل الإجابات، وهو ما افقد الحوار خصوبته، وجعله كاسئلة الإمتحان الشفهي، الذي لا يضيف جديد للسائل وإستطرادا المتابع، ناهيك عن إلقاءه الضوء علي قضية محددة او كشف الغموض عن وقائع ملتبسة او مس جوهر هموم المواطنين! إلا ان طابع الأسئلة يُشعرك وكأنه أكبر من حجم البشير، وأحيانا يتلبس طابع المدح أكثر من إستفهام السؤال؟ وإلا ما رايكم في نوعية هكذا اسئلة، سيادة الرئيس هنالك تساؤلات مشروعة حول الحوار، وواحدة من هذه التساؤلات المشروعة أن الرئيس بحكم التجربة والفكرة والنظر الداخلي والخارجي بما يجري في السياسة والأخطار حولها، رأي ان المخرج التاريخي للشعب السوداني في قيادات المستقبل، ورأي ان الحل في الفكاك من قيد الأحزاب الي رحاب الجماهير، هذه بعض مقولات المراقبين، الي أي حد هذا الزعم الحميد صحيح؟
من يُصدق أن هكذا سؤال بما يشبه المدح، يمكن أن يوجه لشخص مكث في سدة السلطة لمدة تزيد عن ربع قرن، وان سيادته مطارد من قبل المحاكم الدولية علي ذمة قضايا جنائية؟! وأن ما يسميه المخرج التاريخي هو في حد ذاته تهمة وليس إبتكار حلول؟! علي اعتبار أن مشكلة الحكم والورطة التي يقع فيها الوطن والمواطن، هي من صنع البشير ورهطه تحديدا؟ إلا إذا كانت فلسفة البشير في الحكم، هي صناعة المآزق والورطات ومن ثم إعلان نيته معالجتها؟! مع العلم أن فرية تجديد الدماء ودفع الشباب الي المقدمة، هي كلمة حق اراد بها البشير باطلا او مصلحة شخصية؟ فهو ومن خلال عزف هذه المقطوعة الشبابية، تخلص من عناصر الجماعة الإسلامية، التي يشكك في ولاءها او تشكل خطر عليه، لصالح عناصر المؤسسة العسكرية والأمنية، والتي يثق فيهما بقدر أكبر، بحكم الروابط المهنية وتقارب القدرات الذهنية والأساليب التخطيطية. وهذا في حال لم يخلق أجهزة أمنية وأجسام وجيوب عسكرية، تتضارب مصالحها، بحيث تكون رقيبة علي بعضها البعض، قبل أن تراقب الجماهير وتقمعها؟ أي القضية كلها، إعادة توازن في مسالة السلطة، بحيث تؤول كل السلطات الي يد البشير، وبما يسمح له التحكم في كل خيوط اللعبة! وهكذا وسائل لعب ليست دلالة ذكاء، ولكن الراجح أنها أحد دوافع وتمويهات غريزة البقاء. وليس سرا أن لغرائز البقاء ذكاءها ووسائل دفاعها الخاصة، بل غالبا هي تعمل بصورة لا إرادية، ويستوي في ذلك الإنسان والحيوان؟ في هذا الإتجاه، المسالة ليست لها صلة لا بالشباب ولا بتداول السلطة ولا عدم حزبية او ريادة وطنية او غيرها من القراءات (الحسين خوجلية ومراقبيه؟!) المتفاءلة. خصوصا والبشير كما كررنا أكثر من مرة وكرر غيرنا، أصبحت قضية المحكمة الجنائية تلعب الدور الأكبر، في تشكيل قراراته وتركيز سلطاته، بل وشكل انفعالاته؟! والمؤسف أن ود خوجلي يعلم ذلك وأكثر منه، بحكم إلتصاقه بالسلطة وإطلاعه علي خباياها! ولكن ماذا نقول في نوعية الأسئلة ذات الأغراض والرغبات القريبة والبعيدة المدي؟!
أما إذا اردتم المزيد من هكذا أسئلة تعظيمية تفخيمية علي وزن المكانة الرئاسية، وليس موجبات الحقائق الموضوعية او سلامة الرسالة الإعلامية؟ فهاكم هذا النموذج، أنت قلت سيادة الرئيش، أن الذي حدث في القاعة من آراء، جريئة وسابقة لخيال كثير من المعارضين، أنت اطلقت كلمة أنا أعيدها للجماهير، بأنك اقسمت وقدمت اعترافا امام الناس، انه مهما حدث ومهما وثق وكتب واتفق عليه الناس من الاحزاب والمقاتلين والعائدين والمفكرين، انت ملتزم به. وحقيقة البعض يعتقد انك كنت فارس هذا التيار الوحيد وانت تركب علي صهوة الحصان الابيض، والآخرون حتي من حزب المؤتمر الوطني صامتون إما إستغرابا او حياءً او ترقبا. الي أي حد يمكن أن تقرأ ما حدث؟ والأغرب أن البشير نفسه يبدو أُحرج نوعا ما، من هكذا تفخيم غير مستحق ولا يصدق (يعني ود خوجلي كتر المحلبية شوية في سعيه للخروج عن النص الي جني المكاسب الخاصة!). وهو لا يدري ان السؤال بهذه الكيفية هو علامة إستبداد وليس دلالة ديمقراطية او قدرات قيادية؟! ولذا حاول البشير أن يعكس صورة مغايرة، تتركز حول المؤسسية المزعومة التي يدار بها حزب المؤتمر الوطني، مع إن القاصي والداني يعلم أن هذه المسميات والأجسام داخل كيان ما يسمي بالمؤتمر بالوطني، هي هياكل شكلية وظيفتها الأصلية تزيين جيد المؤسسة الرئاسية! وتاليا لا دور ولا أهمية فعلية لها، ما عدا أن تأتمر بأمر البشير وتنفذ رغباته وسياسته حصريا وفوريا. والجميع يتذكر إتفاق نافع عقار في أديس أبابا، والذي ألغاه البشير بجرة خطبة نارية في مسجد بكافوري! وعموما نحن غير مطالبين بإيراد أدلة رغم توافرها، ولكن العكس هو الصحيح، أي المؤتمرجية مطالبون بتقديم بيِّنة واحدة تؤكد أن البشير يستجيب لقرارات المؤتمر الوطني وليس العكس، وبصورة أدق قرارات إكراهية ضد البشير؟ وأرجو ألا يكون الدليل من شاكلة إجبار البشير علي إعادة إنتخابه؟! لأن هكذا دليل غير أنه أقرب للنكتة السخيفة التي يرفض (شفع الروضة) التلهي بها، إلا أنه يمثل سردية ممجوجة وحجة مستهلكة وتبرير ساذج للتشبث بالسلطة (والكنكشة في القصر!). أي يعبر تحديدا عن طبائع الإستبداد وهوس المستبدين ومرض السلطة، أكثر من أي شئٍ آخر.
أما قصة إلتزامه بما يتفق عليه المتحاورون مهما كان، فهذا بدوره إستخفاف أنكي وأمر، ليس لأن الحوار كله يدور حول نقاط وقضايا تكاد تكون مقتولة بحثا وجدلا، وكذلك معلوم قبل الحوار ما ستتوصل إليه مداولاته ومطاولاته وثرثراته من نتائج وخلاصات ومقررات، ولا كذلك لانه حوار من نوع المنولوج الداخلي او حديث النفس كما وصفه البعض بدقة متناهية فقط، ولكن لأن الضامن للحوار هو البشير كفرد مطلق السلطات او مرجعيته النهائية؟! وأسئلة ود خوجلي لا تفعل أكثر من تأكيد هكذا بديهة دكتاتورية؟! مهما تلبست أثواب السبق والفروسية والجرأة وغيرها مما يعلم ود خوجلي، أنه يجد صدي إيجابي في نفس البشير او هارون الرشيد لا ادري، مع الإعتذار لهارون الرشيد كصاحب قدرات ومواهب قيادية وذوق أدبي رفيع.
والنقطة الأخيرة، تتعلق بقوله أن مرتبه لا يكفي، والتي أثارت إستفزاز وغضب الكثيرين عن صادق إنفعال، ولكن قبلها أنوه الي أن مصدري لما ذكر أعلاه وما سيرد أدناه، هو الصحف بشكل أساس! وأيضا كمدخل لهذه النقطة، أشير الي أن البشير، لضعف اُسلوبه وخلو قاموسه من التعبيرات الدبلوماسية حمَّالة الأوجه، كانعكاس لفقره السياسي وإستطرادا إفلاسه القيادي. كثيرا ما يسبب الحرج لمناصريه ويدخلهم في دروب ضيقة وورطات لا داعٍ لها، تجعل اللبيب يحتار في كيفية الخروج منها او من تبعاتها، او غيرها من المطبات والتفوهات المضرة بصورته وموقفه قبل الآخرين او النظام، مما يجعلنا نضعه في مرتبة الأشخاص أعداء انفسهم! وهكذا وضعية حماقة، تحتاج بدورها لنوع من الإعلاميين الشرسين والمبرراتية العتاة الضالين (ذوي الأعين القوية والجلود التخينة ومدمني الجدل البيزنطي، أي النوعية المغالطة الموصوفة في التعبير الشعبي بأن عينه في الدومة تقول نيمة! أمثال ربيع عبد العاطي وثقيل الظل أمين حسن عمر وغيرهم من الكوارث الإنقاذية التي أبتلينا بها؟!). وأعتقد أن مصدر هذه الفرية (مرتبه لا يكفيه لمقابلة مصروفاته، وهي ما كانت تستلزم دهشة تعبير يااااااراجل! علي لسان ود خوجلي المبلوع) هو نوع من الإستجداء الرخيص لتعاطف المشاهدين! بمعني البشير يشاركهم فقرهم ومعاناتهم، ولذا عليهم الصبر عليه وعلي نظام حكمه، أليس هو رجل بسيط وابن مزارعين، وقبل ذلك أمير المؤمنين وقدوته عمر بن الخطاب؟! ونحمد الله ونشكر فضله، علي أنه لم يخلع عباءته وجلبابه وسرواله أمام المشاهدين، ليريهم الحزام او البطان الذي يحيط به خصره الناحل من شدة الجوع؟! أما حكاية ان له مزرعة لزيادة دخله، فهذه رواية تصلح للتندر في امسيات الخرطوم الخالية من البهجة والمسرة، او في الحقيقة هي أسوأ من أن يحتملها القلب المحزون والجسد المكدود لغالبية المواطنين، وهم يكدحون طوال يومهم من أجل لقيمات يقمن أودهم! وذلك ليس لأن بها مخالفة دستورية صريحة، وهو اصلا دستور لا يستحق الإحترام! أي لا يملك قدرة الدفاع عن ذاته، ناهيك ان يحمي حق عام او يفصل بين السلطات او ينظم دولة او يحافظ علي مكانته السامية (مفصل علي مقاس السلطة بقدر قابليته للتعديل مزاجيا/مصلحيا، شأن دستور كل طاغية!). ولكن لأن المزرعة التي يتحدث عنها البشير، مقصود بها الراحة والترويح عن النفس وحياكة المؤامرات (وإحتمال حاجات تانية حامية البوني!). والمثير للحزن والإستياء أكثر، أن ثقافة إمتلاك مزارع علي أفخم مستوي، وتحوي ما لا عين رأت وأذن سمعت او خطر علي بال محمد احمد الأغبش، إجتاحت كل قادة وكبارات رجال الإنقاذ، ومن لا يملك مزرعة واحدة يمتلك إثنين او أكثر! وكلنا نتذكر أن علي عثمان طه بعد مغادرته القصر الرئاسي ذهب الي مزرعته مغاضبا، بل وأقام فيها الإفطارات الرمضانية لشباب الحركة الإسلامية، مما يدل علي أنها مزارع شبيهة بميادين سباق الخيل، من ناحية المساحة والترف الأصيل؟! بتعبير آخر، قادة الإنقاذ وأعضاء الصف الأول او نادي الكبار، يعيشون معيشة الملوك والأباطرة، علي حساب قوت وعلاج وحاجات الفقراء الأساسية، والذين يزدادون عددا وفقرا وبؤسا ومرضا كل يوم؟! وكل هذا غير إن حديث البشير عن مرتبه، هو حديث غريب في حد ذاته، حتي لو قصد به الظهور بمظهر البساطة والزهد لإستثارة العطف او التخفيف عن الفقراء، حسب منسوب وعيه المتدني! وذلك لأن تصريحه بفقره يمثل إعترافا صريحا بفشله، وتاليا عدم أهليته للمنصب. وهذا في حال لم يستوجب هذا التصريح محاسبته وعقابه علي تعميم الفقر والعوز بين كل قطاعات الشعب السوداني. بمعني آخر، البشير بإعترافه بفقره، يبرر للفقر ووجود الفقراء، ليس كنتائج للسياسات الخاطئة التي تعهدها منذ إنقلابه، ولكن الأسوأ لجهة عدم توقع بذل أي جهود لإزالة اسباب الفقر وتزايد الفقراء! والحال كذلك، فمن يفكر في الخلاص من الفقر إذا كان رئيس دولته فقيرا! وعليه، هذه لا تمثل دعوة للصبر المفتوح علي الفقر الدائم فقط، ولكنها وصفة مجانية لنشر العطالة والفلس والذل والحاجة، وكل عاهات المجتمع المريض والدولة الفاشلة. كما أن المصدر الأدهش في حديث المرتب، يتمثل في أنه ليس هنالك من يجرؤ علي تحديد مرتب للبشير، او يساءله عن حاجته سواء من المال او غيره! بل الواقع والوثائق التي تتري علي المشهد الإعلامي الإلكتروني، تحدثنا بلسان فساد مبين، بأن العصابات المحيطة به، كلما شعرت برغبته في شئ عاجلت بتلبيته قبل أن يرتد إليه طرفه، بل أحيانا تسبق رغباته، وهذا في حال لم تخلق هي الرغبات والحاجات وتوهمه بأهميتها، ودافعها في ذلك قضاء مآربها الخاصة! الشئ الذي جعل البشير نفسه يصبح اُلعوبة يتلهي بها صبية القصر المنحرفون؟! ولكن هذا لا ينفي أنه يُسائِل ولا يُسائَل يُعطِي ولا يُعطَي، خصوصا أموال وحزائن الدولة طوع بنانه (فانهار الموارد تجري بين يديه، وانَّي رحلت سحابة التصديقات والتجاوزات والتسهيلات، فخراجها او نصيب عائلته منها لا محالة آتيهم آمنين مطمئنين!). ولكن من جانب آخر، يمكن أن نقبل حجة البشير ان راتبه لا يكفي منصرفاته، علي ضوء مزحة حسين خوجلي (بأن البشير راجل مرتين!) وهي مزحة يعلم ود خوجلي درجة مصداقيتها؟! لأنه بحساب نفقات وصفقات وامتيازات زوجة البشير وداد، فهذه لا يكفيها لا مرتب البشير ولا فهد بن عبدالعزيز! مما يذكر بزوجة الهارب زين العابدين بن علي الثانية ليلي الطرابلسي، وما عاثته هي وأفراد عائلتها من فساد في الإقتصاد التونسي، لتصبح واحدة من أسباب ثورة الياسمين.
في الختام، الشعب السوداني سواء في الداخل او الخارج، لا يحتاج لمعرفة البشير او غائب عنه تمثيليات حسين خوجلي من علي قناة أم درمان! وعليه هذا اللقاء او العرض الأخير، بكل نفقاته المترفة وإعداده وتجهيزه بكل وسائل الجذب والإبهار، لا يقوي علي إنكار حقيقة أن البشير قبل كل شئ هو قائد إنقلابي، وتاليا حكمه الي زوال بوصفه غير شرعي. وأنَّ ما يسمي حوار وطني او إنتهاء فعاليته، لم يفعل أكثر من قطع الطريق علي الحوار الحقيقي و الوطني الجاد؟ وعليه، زيادة الإستعصاءات إستعصاء والأزمات أزمة والتردي الشامل مكيال! وتاليا فتح المجال أمام كل الإحتمالات للتخلص من هذا الوضع غير المحتمل.
آخر الكلام
كفي بالدولة السودانية رهقا والمواطن تعاسة، أن يقودهما عسكري مفلس ومتهور كالبشير (آل سيادة الرئيس آل، بئس الرئاسة وساءت مصيرا؟!)
خارج النص (تهنئة/فرحة)
يحمد لمدير جامعة الخرطوم موافقته علي إرجاع الطلاب المفصولي
Name عبدالله مكاوي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.