كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مع العلامة عبدالله الطيب!!(في انتظار أن يصحو التعايشي، ويصعد الشيخ صديق أحمد حمدون المنصة!)
نشر في سودانيات يوم 08 - 09 - 2013

(الكرتوم ده واللاااهي أكبر دار للمسنين في العالم كلووو)!!
هكذا قالت جريزلدا، زوج العلامة ولكن لم قالتها؟، ولم صفقت القاعة كلها؟، فلها حكاية وقصة طويلة، مطوية في متن هدا المقال المتواضع، الوصفي، فلنستغفر الله، ونرفع الكف، كي نعان في صلاة الوصف، وما أصعبه،
(مثل نطق الخرطوم)، وكم يرهق نطق حرفي (الحاء، والخاء) العجم، فقد حكت رحالة انجليزية زارت القدس في القرن التاسع عشر (مهما هصرت لساني تحت حنكي، غلبني أن أنطق الهااا)، وهي تقصد الحاء. قالت بأنها هرست لسانها، تحت حنكها، وحين لم تستطيع نطقه، هرسته بأصبعها أيضا، (أي لسانها)، ثم من جوف حلقها أخرجت الهواء قويا، عسى ولعلى تصنع ايقاع حرف الحاء،، فخاطبها السماع ب"هااااااء بينة.
يقال بأن نطق كلمة ( مدينة الحصاحيصا)، كان له شأن عظيم، في كشف أهل القرن الافريقي الكرام، من الأحباش، والارتريين، حين تشابهت الملامح، بيننا، وبينهم، حد وقع الحافر للحافر، (فتأملوا سني أكسوم الغابرة، حتى النقعة وسوبا القديمة؟ ولكنه الجور نحو الأيام الخوالي، ولكن "الضل/الظل، ما بندفن"، كما قال شاعرنا الشعبي، المخضرم، ود الرضي، فلندفن تشابه المحيا والفم والأسارير، بيننا، وبينهم، أن كنا بقادرين) ولم يبقى سوى حد الحاء، فاصلا بيننا، وبينهم، حين كان نميري ثم من بعده هؤلاء، يحرمون شعبهم، وزوارهم من دول الجوار، من أكل خشاش الأرض السمراء الواسعة، فغضب الله عليهم، واغلق مصنع نسيج "الهسهيسا"، ليوم الناس هذا، لم يطعمونهم ولم يتركونهم يأكلون من خشاش الأرض، "ولكم في القصاص حياة، يأ اولى الألباب" فقد حبس أهل القرن في معسكرات، وحبس أهل البلاد، في بيوتهم، بلا وظائف، أو داخل البلاد، بلا تأشيرة خروج، فقط للحروب والصفير والصراخ في مواكب النصر المزيف داخل البلاد، مثل تلك القطة، المكلومة (لم تطعمها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض)!!...
ويا هسهيسا، حفظك الله من شر غاسق إدا وقب... وما أكثر الظلام حتى في كبد الظهيرة، في بطنك أيتها المدينة النيلية الطيبة، فقد كسى عرقك أجسادنا بالدمور والدبلان، وتعرقت صدور فلاحيك، في عرض البلاد، وطولها، بما نسجته أكف رجالك، وأنامل نسائك، فشكرا لأهلك العطالة اليوم، في استراحة محاربين، لفجر أبلج، عادل، حنون، وطيب، سيشرق لا محال، "وعلى نطقها جنت الحصاحيصا، على أهلها، وزوارها الكرام، البررة...
في انتظار أن يصحو التعايسي، ويصعد الشيخ صديق أحمد حمدون إلى المنصة:
قدم عريف الحفل، وهو ضليع في اللغة، برنامج الجلسة الأولى، أي كلمة كانت تأخد تشكليها، رفعا، وضمة، وسكون، وشعرت بأنها، أي اللغة، لها الحق، أن تفتن الشعراء في البدء (التلاعب اللفظي، لأكثرهم، حتى يرتعوا بعد حين في لغة المعنى الكامنة)، مثل تلاعب ألفاظ، (فقست بيضة الدجاجة البيضاء، عن كاميرا ملونة، بها ثلاث صور لدودة، وكلب جائع، وطوة في قلبها زيت يغلي ومح بيضة، من علم البيض، وهو في بطن أمه، الحلم والخوف والكابوس؟)!!..
العود أحمد، فدنياوات الحكي، عن العلامة كثر، أخرجني عريف الحفل، كعادة من يسرح، طبع فيني، وعدت له، دون أن تفوتني كلمة، أظن البرق يعطي سرعته لومض السرحان، فتحوم في أفاق مالذ وطاب لك، وترجع، ولم يفتك شئ، (فللوقت سرعات، كثر)، مثل المائة سنة للحمار، واليوم الواحد للطعام ( كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ" سورة البقرة، أية، 259، فما أعجب مشي الوقت، لحمار وشراب في آن، مائة سنة، تساوي يوما، أو بعضه" كانت الدراسة الأولى، كما قلت، هي إضاءة في سيرة عبدالله الطيب، وزواجة الميمون، "من شرق يحن للغرب"، السيدة جريزلدا، يقدمها البروفيسور عبدالقادر محمود، وتعقبها مداخلات، ثم ورقة "سيرة عبدالله الطيب من منظور أدبي، يقدمها الإستاد مصطفى الصاوي، وفي البدء آيات من القرآن الحكيم يتلوها عليكم الشيخ صديق أحمد حمدون..
خلفي تجلس شابات، صغار، أظنهن من جامعة الخرطوم، والظن إثم، وهن خير دليل للأنقطاع المعرفي بين الأجيال، كانت أحداهن، تتلفت يمنة ويسرى، في أنتظار أن يصعد الشيخ، المقرئي، الشهير صديق أحمد حمدون المنصة، وهو المتوفى قبل أن تولد، حيث رحل إلى قصر قبره عام 1985م، كانت تراقب رجل عجوز، بجلباب أبيض، كان يبحث عن كرسي، في مؤخرة القاعة، وحسبته المقرئ المبارك، وأظنها امتعضت لتأخره في الصعود، "قد تكون على موعد، أو موطنها ببعيد عن الجامعة "بعد تصفية سكن الجامعة القريب كي لا يعود هناك تجمع، ووقت فراغ للفكر والتأمل والمعارضة، بل يبدد الوقت في الطريق من/إلى الجامعة"، حتى علا صوته الحنون، القروي، وهو يتلو آي الذكر الحكيم، من تسجيل قديم له، رحل بنا صوته المحب لما يتلوه، للتفسير البسيط، الذي طال قلوب وعقول وعقود، من عمر بلادي، تفسير العلامة مع تلاوة الشيخ، ثنائي نغم روحي، للفلاح والتربال والأمي في اصقاع بلادي الكبيرة مآلا "الصغيرة حالا" بكيدهم..
جرى الحدث، لنكتة، طريفة، وقد تكون واقعة جرت، فما أعجب حال بلادي، عن زيارة بعض طالبات البلاد، لمتحف (بيت الشيخ عبدالله التعايشي)، في أمدر، وبعد أن تجولن في البيت الكبير، همست طالبة في الطابق الثاني (لبيت الطين)، وسألت أختها "الشيخ التعايشي نائم ياربي" لأنها لم تجد الشيخ التعايشي، في قصره، كي يكرمهن، ويجيب على اسئلتهم، وللحق كلاهما حي، الشيخ صديق حمدون، والتعايشي، وكل بطريقة حي في خواطر العباد، وارشيف التاريخ، ومختبرات الدرس والفحص في كليات العلوم والتاريخ والأدب.
أين الزهد في بيت عبدالله التعايشي؟ وأين الشجاعة؟ فهناك دولايب، وأسرة، وممتلكات، وغرف، حتى بلغة اليوم باذخة؟ أما الدرع الحديدي، المنسوج لحماية الأمام، فقد قال عنه المفكر السوداني، أستاذ محمود محمد طه حين زاره (مهدي وخواف)، لأن المهدي يرى الله، في كل شئ، ويطالعه يقينا اسم الله "الحافط"، وهو من يحفطه، بل يرى العالم سلاما، كله، فهو رسول محبة، وجمال وليس دروع، وسيوف وكلاب (من قال لو لا الكلب لدخل اللص فقد أشرك)، خرجت الفتاة السعيدة من القصر الطيني، دون أن ترى الشيخ عبدالله التعايشي..
أظنها قطعية مقصودة، ولو بمكر العقل الباطني لحكامنا، وسلاطين الثقافة، أي وزرائها الكرام، ما بعد الاستقلال، صرنا (منبتين)، فلا أحد يعرف جماع، ولا التجاني، ولا أستاذ محمود محمد طه، ولا نقد، ومن هم أبطال التاريخ الحديث، ورجالاته، وقعت وصاية ما، على كاهل الشباب، في ألا يعرف تاريخه كما هو، وليس كما يسطر المؤرخ الملتوي، أتركوهم والتاريخ، فلهم عقول، مثل ما لكم، أن لم تكن أعمق وأعقل، كي لا نفتن كل يوم في تصور للهوية، أو توزيع للثورة، والسلطة، كما يجري الآن، لاعلاقة لها بالواقع المعاش...
بل صار العسكر الجدد، يمنعون تأمل ما جرى في زمان العسكر الأقدم منهم، (أياك أعني، فأسمعي ياجارة، والجرح لا يزال يندلق من زمن عبود، ومايو، كما الآن، فليس التاريخ سوى لحظات تمسك ببعضها، وأي لحظة ولو حدثت قبل عاد، تؤذي، وتورث أكاذيبها، أن لم تفند، وتراجع وتصحح، وقيل ( أي خطأ يقع، لا يورث حكمة في النفس، يتكرر، ويعيد نفسه مرارا) وها نحن، (كأننا يا سعد لا رحنا، ولا جئنا)، محلك سر، فأتركوا الشباب وتاريخهم، يفحصوه، ويدرسونه، بمهل، وصدق، بعيدا عن الوصاية، والأكاذيب الكبيرة والصغيرة، والتي وقع فيها أغلب المؤرخين، فصارت لنا هويات بلا هوى وعشق، بلا ليلى، ومات شباب نضر، بحروب سنها الأجداد، وهم لا ناقة لهم فيها ولا بعير، تسن القبور السكاكين، وتشعل الحرب، وتدفع الأرحام أطفال يشتد عدوهم في أتون البغض والكراهية، وفي ريان شبابهم، تدفعهم تلكم القبور التي بين الجماجم، للموت، وكأن الماضي هو السيد، فلنضع الحصان أمام العربة، كي يقود فرس المستقبل الحياة، وليس ماضيها، فالخيال أمير الغد، وليس الذاكرة المهترئة، وهو لاشك، (أي الخيال الحليم، النقي، المنشد للحق)، سيقطف حتى من الماضي، من يصلح للغد، أن لم يكن غد، هاجر للماضئ، كبعض العبقريات الإنسانية، التي تسبق وقتها، ودوما، تسجن، وتذبح على رؤوس الأشهاد، ولنا في تاريخنا، ما يغني عن المثال، بل نقتل أكثرهم بالأهمال، والسخرية، وهم أحياء.
ليت الشيخ صديق حمدون أعتلى المنصة، فهو حي في صريحه المعمور، وليت التعايشي استقبل البنات هاشا باشا، رغم وعورة تاريخه، وملابساته، فاتركوهم وشخصه، فلو عاتبوه فلهم الحق، ولو قالوا أن كان منك بلا خطيئة، فليرمه بحجر، فأهل مكة، أدرى بشعابها، ولكن أياكم أن تنصبوا لهم موازين الكره، والحب بأيديكم، فما حك جلدك مثل ظفرك..
العود أحمد، نرجع لظلال العلامة:
كنت خمسة سويعات في حضرة العلامة، كانت في قاعة الشارقة، زوجته السودانية الانجليزية، كانت هناك، وكانت خير برهان، لجمال وتنوع هدا الرجل الفريد، وصفية قريبته، جاءت من التميراب، ورجال من بلاد نجيريا، وأصحاب من سلطنة عمان، فقد كان العلامة حرا، يصلح أن يكون نموذجا للشخصية السودانية، النظيفة، المتواضعة، السمحة، التي طمستها في أخر العقود السنوات العجاف، إسلام الأفاق، وليس النفوس، وحتى في الأفاق مظهرها، حين كان الدين في وطني يعنى بالداخل، بالباطن (نفسي يا متعالي، تبقى تحت نعالي، مدعنة وطايعالي)، أو في حكمة العبيد (الدقة صدرو شيطانو قدرو)، ولكن أنحرف الدين من بواكير العباسين، وقبل الامويين، حتى صار دين فقه، وليس دين تربية وسلوك، وغرف من أغوار النفس، وما أغناها، ولكن، ولكن، في تلكم النفوس كان الله حاضرا، حتى في الاختلاف، فلا أنزعاج من تجلياته في الشر والفضيلة (أقام العباد فيما أراد)، ولكن، جاء أقزام الدين، وأبطال الدنيا، فسرقوا الدين باسم الدين، فشحموا، وكنزوا، وسافروا سياحة " للنفس، لا لله)، في بلاد العالم، والشعب جائع، ويدرس ابنائهم في أعتى جامعات الكوب، ولكن الله هو المعلم يا هؤلاء، خلق الانسان، علمه البيان، سيتعلم انباء الشعب، ولو في الفقر والأمية، (عمق احساسك بي حريتك، يبقى ملامح في دريتك)، وتلقى مرادك والفي نتك، ونية الشعب حياة حرة كريمة، عادلة، جميلة،....
لله در الحديث عنه، يأبى إلا أن يجر النفس، لحديث هنا، وهناك، فقد كان هو يفكر بطريقة دائرة، كما عهدنا، حين يحكى في المدياع والتلفاز، حديثه ممتع، يحلق ويشرق ويغرب، دون ملل، كم كنت أحب مجرد نقطه للأحرف، للكلمات، للجمل، أحسه بين لسانه كحلوى، يتدوق الكلمات العربية كأنها بلحة بركاوي (قيل بأنه يحبه)، لأنه يعرف فصلها، وأصلها، ومشتقاتها، وبناتها، وقدراتها اللفظية، وجرسها، ورمزيتها، ومن أي صوت أو طبيعة استقت (مثل زقزقة العصافير)، قال، وقيل بأنها استلت من صوت التغريد زالزقزقة، فصارت نعت، وكلم، وصفة معا، فما أسعدها، أقصد العصافير، صارت تتلكم لغة عربية فصيحة (زقزقة)، وكم شدني في كتابه الفريد (أظن اسمه قد ينفر غير الأكاديمي)، المرشد في فهم أشعار العرب، ولكنه أعظم كشكول للشعر العالمي والجاهلي والافرنجي والشعبي، وأعظم تداعيات في شأن اللغة، وأجمل خواطر شخصية، أحسه كتبه بحروف العبقري الذي يكره حتى أصنام المناهج، فيخرقها بعلم وتأويل، للأعمق، أسمعه يتحدث عن "الضمة، والسكون، والكسرة"، في شأن التنوين، والتشكيل، فيقول أنها أصوات كي تعبر عن حالتنا، في القوة، والبأس والإنكسار، واللطف، بل يقول بأن الكسرة وليدة الأنوثة، وتعابير الحياة الهشة، والضمة وليد شئون الحرب، الصغيرة، والكبيرة، كتاب ممتع بحق، وجرئ في مادة صارمة..
كم كنت أحب قصص الأحاجي السودانية، للأطفال، (رغم عنفها حينا)، ولكن فيها سحر وخيال وتوظيف للهجة السودانية في بناء الحكم، والزجل، والجناس بصورة بلغية فطرية، وأكاد أجزم بأن قصة (أخدر عزار)، فيها إرهاصات الحلم بالتلفاز، والفيسبوك، لدى جدودنا العظام، فالحلم هو السراج الدي يضئ للأدكياء طريق الغد، ووقائع الغد، فقصة أخدر عزاز، فيها مرآة، حين تنظر لها يراك الساحر ولو كنت في الوقاق واقع، ويتابعك، بل تحضر له، (ألم يأتي ميسي، وشكسبير، وجوليا روبرتس، إلى غرفنا؟ أليس تلكم هي بركة التلفاز، وكم أمتعنا بموهبته الفدة؟ شكرا للخيال، وليته يجد (أي الخيال)، الأذن والقلب الواعي، الصاغي، كي يحيله واقعا معاشا، فلم يخلق الخيال ترفا، ولكنه الغد، (في لبوس وهم وغيم، وضوء في الضمائر)،، وهناك من يقبض الضوء لأنه مادة، ويوقفها، (في مراكز بحث، أو ثقافة تشجع الإبداع، بكل طيفه)، وهناك من يصيبه الوهن، من الخيال، بل يكفره، ويزجره (كجزء من الشعوذة، والتنبوء بالغيب)، ورحم الله عباس ابن فرناس، عاش ملوما مدحورا، (حتى أنصفه الأخوان رايت)، أما قصة (رين يارين)، وهي عن "الطبل الكبير"، ومن أي جلد خلق؟ فأترككم لقراءتها، كي تدركوا من أي جلد شدت طبلتها، وليت من ينقر عليها ألا يكون أشترا (ما دنب جلد الطار، لو دقوا فيه شتر)،؟ بلى ما دنبه، وما أكثر النقرات الشتراء، على طبول أعلامنا، وعقولنا، وليتنا نعيد صياغة تلكم الاحاجي التي جمعها العلامة، من أصقاع بلادي، ووسطها، ونعيد قراءاتها، وصياغتها لطفل اليوم، على هدى قيم السلام، والمحبة، والتعاون.
ما أوسع بحره، والشئ بالشئ يذكر:
كان العلامة، رجل متدين، تزوج أفرنجية، ويصادق السكارى، والدروايش، ويدخل بارات لندن مع صحبة دون استياء، وتزوج ببريطانية، أسكنها الدامر ثلاثة أشهر كرام، وهي أعجبت بالبلاد والعباد، ورسمت بلون ريشتها جمال سمرتنا، وتراثنا، وأساريرنا، كان هناك معرض لها، خارج القاعة، وصور له، له تشع من عينيه النجابة والدهاء الطيب.
في المعرض، المواز لحلقات الدرس، للفنانة جريزلدا، تعجبت من سر العادة، فينا، فكم رسمت أشياء وزوايا، في حياتنا، نمر بها مرور الكرام، لعمى العادة، وصمم التعبير، ولكنها هي فتنت بها، فتنة قيس وليلى، فرسمت كل شئ بدهشة، البروش، الصلاة، قعدة البن، وجبر الخاطر في العرس والمرض، نساء حول مريض، أو عريس، كأنها مثل قيس، حين أصر، بأن زيارة قبر ليلى، نسك من مناسك الحج، والعمرة، وقد صدق...
تواضع عظيم، معبار؟ أم مقاس؟..
حكى ساعي البريد، العامل مع العلامة، حكايات لطيفة، وجميلة، تظهر بأن الدكتور والعلامة لم يتأثر بأفرنجية الغرب، وكبريائهم كما رأينا في بعض مثقيفنا، أو حتى بنمط تعاملها "البارد"، في حرارة تعالمنا اليومي، الشعبي، بل حوى علمهم، ولم تزل نفسه نقية، وابية، كعادة أهله في الدامر، وبقية سرب المدن، في بلادي..
حكى بأن العلامة أحضر له قماش، وقال له أنه مستعجل، (مدعو لحفل مساء اليوم)، كي يفصله، ويمضي به للخياط، وأحضر العلامة معه "معبار"، أي جلابية كي يخيط القماش بحجمها، وقال للساعي:
شيل معاك المعبار دي،عشان يخطيها بحجمها
فقال له الساعي: ده مقاس، ما معبار
قال العلامة: لا، معبار..
فرددت، لا مقاس
معبار..
لا مقاس، هكدا حاججه.
فقال له العلامة: (خلاص أمشي وديها الخياط، وتعال علمني اللغة العربية بعدها)..
فضجت القاعة بالضحك، كما حكى عن (شاي لي سيادتو)، فقل في بدء أمري، في أول يوم حضرت للعمل، قال العلامة لعاملة القديم اعمل شاي لي، ولي سيادتو، فلم أحضر الشاي، ظلتت جالسا، وخاطبني العلامة، لم لم تشرب الشاي، قلت له منتظر "سيادتو"، فقال لي : أنت سيادتو، كما حكى عن نفر كريم يأتي لمكتبه، ويلطب من الدكتور شاي، لبساطة ملبسه، وظنوه مجرد عامل، وكان يصنع لهم الشاي بكل أريحية وسعادة، مسكنة، جعلت النبي العظيم، يمتناها، أللهم أحييني مسكينا، وأمتني مسكينا، وأحشرني مع زمرة المساكين، فالسمت المسكين، يحث ويشعر أي انسان قربه بالأمن، ولن تجد حرجا، أن تطلب منه مساعدة، ولو أن يدفر معك سيارتك، أو يحمل معك شوال ثقيل للدار، تلك هي بطولات المسكنة، قضاء حوائج الناس...
فاللهم، أحشرني مع زمرة المساكين.
إن العبقري عبدالله الطيب، كان سيكون بطل الإمتاع والموانسة، فحديثه العذب، الشامل يسحر مستمعه بما فيه من رنّة جرس ولطف حكاية وبساطة حكي وعشق للحياة ونزواتها وبركتها، فأدب المؤانسة أدب قديم، ليته تمادى وأسرف في كتابته النثرية. وللحق، خسرنا روائياً عظيماً، يملك مقدرات مذهلة، حرمنا منها بانشغاله بشعر، لا أرى له جدوى، بل ليت فرَّغَ وقت كتابته للحكي، والنثر، أو حتى الحكي الشفوي. ما أعذب لسانه، وقلبه!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.