حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أوراق تهران
نشر في الأحداث يوم 05 - 05 - 2012

تهران في أيام صيفها الحار . . أكتب اسمها كما يكتبه أهلها: تهران وليس «طهران». تعج أوراقي الشخصية بكثير مما عشته في تلك السنوات دبلوماسياً في سفارة بلادي أوائل تسعينيات القرن الماضي، غير أني أتخيّر لك عزيزي القاريء ما قد يشحذ تفكيرك، وما قد يعينك على إدراك بعض جوانب من سياسات بلادنا..
موسم الصيف يناسب زوّار البلاد القادمين من الشرق الأوسط. تهران بعد نيروزها تتباهى بحسنها مثل فاتنة جذابة المحيا، فإنك تجد الربيع ربيعاً والصيف بحرارته العالية يزيد سماحة المدينة بأندائها، فهي تناديك لتفرح وتفتح صدرها لزوارها في حبور. دعانا السفير إلى مأدبة عشاء مع زائر قادم من مصر هو الأستاذ فهمي هويدي. كنت أعلم أن السفير على صلة ودودة بالأستاذ محمد صادق الحسيني، وهو صحفي إيراني الهوى وملمٌ بالشئون العربية وبالشأن السوداني بوجه خاص. في سنوات لاحقة شغل السيد حسيني وظيفة مستشار رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران الدكتورمحمد خاتمي (رئيس الجمهورية من 1997 إلى 2005). برغم علاقة السفير السوداني- ولنسمه ع. م. س.- بالأستاذ الحسيني فقد ارتبت قليلا لدعوة عشاء لم أكن أتوقعها من السفير ومع ضيفٍ ليست لنا به علاقة، لا على المستوى الشخصي أو الرسمي، وإنْ كنا من متابعي كتاباته منذ زمن، وهو من أوّل الكتاب العرب الذين كتبوا عن الثورة الإسلامية التي قادها آية الله روح الله الخميني (قدس سرّه)، وهيَ في ساعاتها الأولى. قدم السفير الدعوة لي، وأنا الرجل الثاني بالبعثة، وكذلك للملحق العسكري، أقول لم تكن الدعوة متوقعة بحكم ما آلت إليه العلاقات السودانية المصرية من أحوالٍ يرثى لها الداني من أهل السودان والقاصي من أهل مصر، ونعرف عن الأستاذ هويدي انتماءه لمصر ولكن أيضا تعاطفه مع التيارات الإسلامية في المنطقة، حسب تقديري الشخصي وقتذاك..
( 2 )
تداعينا في الساعة المضروبة إلى بيت سفير السودان في ضاحية «زعفرانية». جئت أنا من سكني في وسط المدينة بالقرب من دوّار «واناك»، أميالا طويلة حتى أصل إلى مقر سكن سفير السودان في «زعفرانية». صديقي الملحق العسكري، يأتي من حيٍّ أبعد: «شهرِكَ غارب».
جلسنا إلى الأستاذ فهمي هويدي في صالون سفير السودان. المكان فخمٌ بثريات عتيقة محلاة بكريستال نادر، يتدلى كاللآلئ من سقف أبيض، وتحت أرجلنا سجاجيد فارسية منسوجة من صوف وحرير غاليين . . كانت الإضاءة في أخفت حالاتها والثريّات نصفها مطفأ ولا أعرف سببا لذلك، لكن كنا نتوقع دائما أن ينقطع التيار الكهربائي لسبب أو آخر، إذ لم تستقم الأمور في قطاع الكهرباء في العاصمة، منذ سنوات القتال الطويل مع العراق. في منزل السفير موتور احتياطي يعمل بالكاز لاشعال الإضاءة عند الاضطرار .
دار الحديث بداية حول تداعيات انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي، بحسبانه الحدث الأكثر دوياً، والأبعد أثراً على الصعيد الدولي في تلكم الأيام. أشار الأستاذ هويدي إلى ضرورة النظر بموضوعية لكل ما هو إيجابي ولكل ما هو سلبي، في ظاهرة التفكك. الإيجابي في رؤيته، يتمثل في تراجع المواجهة الفكرية السابقة بين الإسلام والفكر الماركسي. ولكننا نرى من ناحية أخرى أفول الشيوعية بمعسكرها وذيولها مما وضع التيار الاسلامي في مواجهة مباشرة مع الغرب، بل ومع مجمل الفكر العلماني، وهي المواجهة الآخذة في الإستعار هذه السنوات الأخيرة. ذلك وجه سلبي سافر، وهو من بين أهم تداعيات تفكك الاتحاد السوفيتي في نظر هويدي. هذا التطور الأخير، يفسر ما يحدث في الجزائر (1993) حين تآمر الغرب وآثر العالم الصمت أمام إجهاض ارتقاء حركة الإسلاميين في الجزائر، والذين جاؤوا عن طريق صناديق الاقتراع. الديموقراطية التي تؤدي إلى صعود إسلاميين غير مرغوبة في نظر الغرب المتوجس.
لا يرى هويدي كبير اختلاف بين الذي وقع في الجزائر وما يجري في مصر وقتذاك. قال الأستاذ هويدي إنّ حسني مبارك من جيل تربّى على نمطٍ غربي، وكانت تربيته بعيدة جداً عن التأثيرات الإسلامية. في مصر تيارات وصحافة راسخة وذات سطوة، وهنالك مناطق نفوذ ولوبي يهودي وتيارات ذات أثر وسطوة، والمرجّح أن الغرب يدرك خيوط اللعبة، ويعمل على التحكّم فيها. أقرب مثال هو ذلك الاتفاق الذي أبرمه مبدئياً وزير خارجية مصر (عمرو موسى عام 1993) مع وزير خارجية إيران علي أكبر ولايتي، في قمة اندونيسيا الإسلامية، لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران، وهي علاقات توقفت ليس فقط بسبب الخلاف حول شارع في قلب تهران يحمل اسم قاتل الرئيس السابق أنور السادات، ولكن بسبب الحملات العنيفة ضد الإسلاميين في مصر. شارع «الإسلامبولي». لكن سرعان ما تنبه اللوبي والتيارات المناوئة في الأوساط الصحفية في القاهرة، فجرى نسف الاتفاق في مهده من قبل أن يخرج صداه من جاكارتا. لربّما كانت هذه إحدى محطات الخلاف بين وزير الخارجية المصري ورئيسه المتقلب المزاج، حول ملف العلاقات الإيرانية. لم يحترق ذلك الاتفاق فحسب، بل زاد التوتر إلى أبعد مدى، وقررتْ القاهرة سحب السفير المصري من تهران دفعة واحدة بعد ذلك. جرى تصعيد في خلافات البلدين، واتهمتْ مصر ايران بدعم الإسلاميين وتدريبهم لقلب نظام الحكم في مصر، وامتد الاتهام في خيط إضافي الى السودان كذلك، فيما الحملة الغربية والأمريكية تتصاعد وتدمغ كلا من ايران والسودان بالشروع في إنشاء حلفٍ أخضر مقدس، يشكل نوعاً من التهديد لأصدقائهم في المنطقة. اشتعال النيران أغرى البعض لصبِّ زيتٍ إضافي .
في تلكم الجلسة في حي «زعفرانية» في قلب تهران، أنصتنا لرؤية هويدي الثاقبة لطبيعة ما يدور في السودان بعد 1989، وقال عنه إنه بدا استثناءً في المنطقة.. نشازاً في خارطة المنطقة. ليست حلايب هي لبّ المشكلة، ولكن خوف النظام المصري من تزايد تأثير الإسلاميين المدعومين من الخرطوم، يشكل تهديداً غير مرغوب، وكابوساً مزعجاً لا مناص من تحجيم أثره. ركب القذافي في ليبيا الموجة، متوجّساً حذرا، وإلى الغرب منه الجزائر وتونس والإسلاميين يتوترون فيهما. كان القذافي يذكّر الغرب أنه يمكن أن يكون عوناً في محاصرة الإسلاميين. ليبيا تخشى من عدوى الإسلاميين أنْ تعبر إلى تخومها.
( 3 )
بدتْ لي الأمسية في بيت السفير، أشدّ حرارة من كل أمسيات الصّيف التي عرفت في طهران. السفير السوداني سيّد الجلسة، آثر أن يوجز رؤيته في محاضرة طويلة، آمل أن لا يكون في اختزالي لحديثه الذي جاء مبسطاً، ما قد يضرّ بمقاصده، فقد قال: إنّ مصر لا تدرك جيداً عمق العلاقات مع السودان. تستهدف المؤامرة عزل السودان عن مصر، عبر إثارة مخاوفها من تنامي أثر إسلامييّ السودان في المنطقة وفي مصر بوجه خاص. يدرك الجميع أن التيار الإسلامي الموجود في السودان جاء في الأصل من مصر. الطلاب الذين درسوا في جامعات مصر، هم مَن تأثروا بالفكر الإسلامي وعادوا به إلى السودان. جهد السفير السوداني ليؤكد أن السودان لن يختلف مع مصر حول رقعة صحراء لا قيمة حقيقية لها (يقصد حلايب)، فيما كل أراضي السودان القابلة للزراعة، تنتظر من يستثمرها، وأول من يتوقع أن يتقدم هم المصريون. أضاف السفير متحدياً: أن على من يعرف أمكنة معسكرات للتدريب ليأتي ويدلنا عليها. إنهم يحاصرون السودان الآن بحجّة أنه يرعى الإرهاب ويصدّره، كما يدَّعون أنّ النظام في الخرطوم لا يحترم حقوق الإنسان. يدّعون أن هنالك معسكرات تدريب لإرهابيين، ونحن نتحدى من يملك الدليل أن يقدمه. السودان يدرك أن مصر تعلم أنه لا يوجد دليل على هذه الاتهامات. نحن نتمنى أن يبدأ حوار جاد بين مصر والسودان، فلا نرى أن ما بين البلدين يمكن أن يصل إلى حواف الإقتتال. من بين كل البلدان العربية مصر أقربها إلينا. أشار السفير إلى الحوار الذي بدأ في مصر بين النظام والإسلاميين . يلاحظ في حديث السفير لهجة تحدٍ مطمئنة ، إذ حتى ذلك العهد (1993)، لم يظهر في الساحات السودانية لا بن لادن ولا كارلوس!
لم يبدِ الأستاذ هويدي تعليقاً مباشراً حول ما تفضل بشرحه السفير ع. م. س.، لكنه تحدث بتواضعٍ جم عن دوره ككاتب وكصحفي في طرح مبادرة للحوار بين الإسلاميين والنظام في مصر، ولقد بدأ ذلك الحوار بالفعل على نحوٍ هاديء، حسب قوله، ولكن للأسف نسفتْ أجهزة الإعلام والصحافة في مصر تلك المبادرة .
قال هويدي:
- أنا لا أملك إلا قلمي المتواضع، ولا أملك صفة رسمية من أيّ نوع، تخوّل لي اقتراح حوارٍ أو إجراء وساطةٍ من أيّ نوع، إنْ هو إلا اجتهاد شخصي، غير مسنود برعاية من جهة أو مرجعية تتبناه. أقول لكم برغم ذلك: أنا على استعداد للتحاور مع كل صاحب رأي وكل صاحب موقف.
( 4 )
مع مرور الساعات الثقيلة والمليئة بالتوتر، زاد إحساسي أنّ الجلسة مرتبة ومُعدّ لها، وأنّ ما مِن دورٍ لي أنا الدبلوماسي المهني ولا من دورٍ ربما للملحق العسكري، إلا أجر الجلوس شهوداً للتوترات الماثلة والحوار الساخن والانفعالات المنظمة. الرَّجل الذي ظلّ ملتزماً بالصمت معنا طيلة الجلسة، هو الأستاذ محمد صادق الحسيني. لكنه بادر بطرح سؤالٍ يحمل إيحاءا لما سيرد من إجابة ومن تساؤلات .
سأل الحسيني الأستاذ هويدي عن آخر زيارة له إلى السودان بعد الإنقاذ، وهو قد يكون سؤالاً بريئاً وقد يحمل دعوة مبطنة لهويدي واستدراجا له ليفتح موضوعات حساسة، تفسر غيابه عن زيارة الخرطوم. كنتُ أحسّ أنه سؤال معدّ له وكأنّ الأستاذ هويدي كان ينتظره.
اهتبل الأستاذ هويدي كما توقعت فرصة الردِّ، ودلف يتحدث عمّا في خاطره، وربما قصد أن يبعث عبر حديثه في تلك الجلسة، رسالة يمليها بكل وضوح لمن يمثلون حكومة الخرطوم في تهران. قال هويدي:
- أقول لك يا صديق أن لا شيء يحول بيني وزيارة السودان، لكنّي أشير إلى واقعة بعينها جعلتني أتردّد في القيام بزيارة إلى السودان، وذلك بسبب إقدام النظام الإسلامي في الخرطوم على إعدام ثمانية وعشرين ضابطاً، بعد نجاح الإنقاذ في الاستيلاء على السلطة بأشهر قليلة.
ألقى بهذه الملاحظة ورمق الملحق العسكري، بما يفهم منه: إيّاك أعني فاسمعني !
ابتسم الملحق العسكري، وانبرى على الفور مدافعاً عن هذه الواقعة. قال الملحق العسكري :
- لقد اطلعت على مقال الأستاذ الكبير فهمي هويدي في الصحف، عن محاكمة هؤلاء الضباط قبل سنوات، غير أني رأيت أنّ كثيراً من الحقائق لم تكن متاحة للأستاذ هويدي..
قاطعه الأستاذ هويدي:
- لكن بكل المقاييس الإنسانية، فإنّ إعدام هذا العدد الكبير من الضباط، وبتلك العجلة التي نفذت بها الأحكام آنذاك، لا يساعد على التعاطف معكم، وكان ينبغي أن تعملوا على توفير كل مقومات العدالة في مثل هذه الحالات..
- لكنها كانت بالنسبة لنا واضحة كل الوضوح . هي مواجهة بين الإسلام والإلحاد!
صعق الأستاذ هويدي لهذا التبرير التبسيطي، وردّ بانزعاجٍ واضح:
-لا . لا . لا يجب أن يكون الأمر مبرّراً بهذه السهولة، إذ الخلافات في الرأي والفكر لا تعالج بقرارات التكفير. هذا باب لو فتحناه ستكون عواقبه كارثية. لربّما لو نظرنا فيما حولنا لرأينا الشيعة يعتمدون ولاية الفقيه، فهل من خالفه يكون قد تمرَّد على ولايته حكماً، وبالتالي يكون قد خرج من الملة فيهدر دمه؟؟ إنّ الأمر عند السنة غير ذلك. إن الخلافات عند السُّنة كثيرة ومتعددة، ولكنها لا تفضي إلى الحكم بإخراج حامل الفكرة من الملة. علينا أن نفرّق بوضوح بين الفكر الإسلامي والإسلام..
ألقى هويدي بملاحظته المهمة وكاد جوّ الجلسة أن يتوتر. .
( 5 )
بدا على الملحق العسكري ضيقٌ من المحاصرة التي أحسّ أنها قد أعدّت بحذق، وكان عليه أن يستميت في الدفاع عن محاكمة الضباط وإعدامهم، فقال:
- لقد كان الموقف عندنا أشبه بموقف الرّسول (صلعم) من يهود بني قريظة..
انفعل الأستاذ هويدي مجدّداً وقال مقاطعاً:
- كلا ! ليس هنالك من وجه شبهٍ بين الموقفين. الظرف مختلفٌ جدّاً عن الظرف عندكم. رأينا النظام في السودان وقد سيطر على الأمور، ورسختْ توجهاته الإسلامية. لا ليس ثمّة وجه شبه يا عزيزي..
تخندّق الملحقُ العسكري وراء انفعالٍ مماثل:
- رأينا التهمَ وقد ثبتتْ عليهم جميعاً بكل القرائن والأدلة. إنّ الإعتراف سيد الأدلة ولقد ثبت ذلك بوضوح، فماذا كان يمكن أن نفعل ..؟
- لابدّ من أن نقرّ بكل صدقٍ أنّ مقوّمات العدالة لم تتوفر لهذه المحاكمات، والأمر كله تمّ بعجلة شديدة كما تعلم. لقد التقيتُ الشيخ الترابي في الجزائر بُعيد المحاكمات بقليل وناقشته باستفاضة في ملابسات المحاكمات، ولقد كنتُ صريحاً معه، وصارحته بأن تلك الإعدامات تشكل خطئاً فادحاً كان يمكن تجنبه. إنّ الإسلام لا يقرّ مثل هذه المحاكمات. قلت للشيخ إني أقول ذلك من منطلق الحرص على تجربة الإسلاميين في السودان، وأنا قلبي معها وأتمنّى لها النجاح، غير أنّ المسألة ليست هي من باب «انصر أخاك ظالماً ومظلوما». كلا! إني أعتمد النّصح منهجاً وأضع إصبعي على مواطن الخطأ حتى يمكن تداركه مستقبلا .علينا أن نقرّ بأخطائنا..
انبرى الملحق العسكري دون أن يتمعن مليّاً في قول الأستاذ هويدي، فقال:
- إنّا نصحناهم فلم يرعووا، وكان على العدالة أن تمضي إلى نهاياتها..
ضحك هويدي ووجّه حديثه ممازحاً الحسيني:
- هكذا العسكر يا صادق، دائماً يهددون.. !
ابتسم الحسيني ابتسامة الحائر، ولكن انبرى السفير ليخرج الحوار من دوائر الاستعصاء والمواجهة الانفعالية :
- ليكن حديثنا مجدداً حول ضرورة التمهيد لحوارٍ بنّاءٍ، وأن السودان لا يزال ينتظر أن تعي مصر دورها الكبير مع السودان. إنّ على النظام في مصر أن يواصل الحوار مع الشباب المسلم وأن لا يتعامل معهم بانفعال وشدة ..
أمّن هويدي على أن الشباب المسلم في مصر الآن، في حالة هيسترية والعنف كما نعلم يولد عنفا أكثر. إن كان هؤلاء الشباب يتعاملون بنوع من الانفعال والعنف يبقى علينا أن نرى الجانب العقلاني في تصرفاتهم. إن الظاهرة بكاملها يمكن أن تخضع لحوار متمهل ، وأن أبواب الحوار يجب أن تفتح. .
ترى ، كيف نستوعب مثل هذه الحوارات ونستخلص الدّروس والعبر، بعد نحو عقدين من الزمان..؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.