(عجيب أمرك يا سودان)، تلك العبارة التي التقطها الإسلاميون من ركام تقلبات الحياة وهم يتفحصون وجوه الشهداء فتطل من نوافذ الذكريات حالة شديدة اللمعان للشهداء أبو دجانة، وعوض عمر، والمعز عبادي، وعلي عبد الفتاح.. ووالدة الشهيد مازن مصطفى وهي تزغرد يوم استشهاد ابنها وتنظر في عيون الشيخ الترابي والرئيس البشير، ومن ثم تدفع بولدها الآخر (نزار) مهراً للوطن.. في ذات اليوم يعلّق الدكتور الترابي بتهكم على اتفاق الميرغني وقرنق بالقول «ما كنت أحسب أنني سأعيش حتى أرى زعيماً إسلامياً يضع يده في يد جون قرنق»، وبعد سنوات من ذلك المشهد العجيب تتغير حالة الطقس السياسي وترتبك القافلة بمفاصلة رمضان الشهيرة، التي شقت صف الإسلاميين، فيصبح الترابي معارضاً للحكم ويوقع مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية بجنيف في مطلع فبراير من العام (2001)، التي وقع عليها من الحركة الشعبية باقان أموم وياسر عرمان، ومن المؤتمر الشعبي عمر إبراهيم الترابي والمحبوب عبد السلام كاتم أسرار الشيخ، فتثور عاصفة في وجه الدكتور الترابي وحزبه بحسبان أنه خان المبادئ ووضع يده في يد الحركة الشعبية المدعومة من الغرب الصليبي الذي يستهدف المشروع الحضاري ورموزه ومؤسساته، كما كان يتردد في ذلك الوقت. بعدها يذهب الشيخ الترابي إلى السجن تحت عاصفة من الذهول، ويصعد محمد الأمين خليفة إلى منبر مسجد جامعة الخرطوم مدافعاً عن الاتفاقية ثم يمضي هو الآخر من المسجد مباشرة إلى السجن، وبعد جولات من المفاوضات المرهقة تكتمل دورة نيفاشا، ويوقع نائب رئيس الجمهورية الأستاذ علي عثمان محمد طه ورئيس الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق على اتفاقية السلام الشامل التي توقف على إثرها نزيف، وانجلى غبار المعركة. لم يكن ثمة أحد يتوقع حدوث ذلك السيناريو، ولم يكن أحد يتوقع أن تمضي الشراكة في أفق قاتم ومنعرجات وخلافات متجددة حتى أطلق الترابي وصفه الشهير للعلاقة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية «شريكا نيفاشا سجينان في زنزانة واحدة». في وقت تعج فيه الساحة السياسية السودانية بالتكهنات ويطغى عليها الغموض والضبابية والتساؤلات القلقة عن مستقبل البلاد، وقد اقترب موعد أهم استحقاق تشهده منذ استقلالها قبل أكثر من خمسين عاماً. فما الذي يمكن أن يحدث في حال اختار الجنوبيون الانفصال وتكوين دولتهم المستقلة؟ ما الذي يمكن أن يحدث ساعتها بخصوص العرض المشهود؟ وما هو مصير الممثلين والأبطال والضحايا؟ وهل صحيح أن الإسلاميين الذين قاتلوا من أجل الوحدة لن يسمحوا بحدوث ذلك الانشطار الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى كما يرى البعض؟ ما الذي يمكن أن يفعلوه ووزير الخارجية الدكتور لوكا بيونق يؤكد أن الطرق على طبول الوحدة في الشمال سيحمل الجنوبيين على التصويت للانفصال؟ كيف يفكر المؤتمر الوطني للخروج من ذلك النفق؟.. حالة من القلق بدأت تمسك بخناق قادة المؤتمر الوطني لدرجة تحفزهم لحزم حقائب السفر باتجاه الجنوب بعد تذوق (الكعك) الذي لا يعلم أحد كيف سيكون طعمه، وتجييش الطاقات للعمل ميدانياً للوحدة، وهي رحلة شاقة ربما تواجه بمصاعب وعراقيل كثيرة بحسب المراقبين، ولكن هل يمكن أن يفضي جهد اللحظة الأخيرة إلى إحراز هدف تاريخي؟ في كل الأحوال يبدو أن المؤتمر الوطني الذي هو الممثل الرسمي للحركة الإسلامية في السلطة اليوم مسته عاصفة من العتاب دفعت الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الدكتور الطيب زين العابدين إلى إطلاق صافرة الإنذار والتأكيد على أن سياسات نظام الإنقاذ فارقت الأطر النظرية والإستراتيجية ذات المنظور الوحدوي، كما رسمتها الحركة الإسلامية بغية تقنين ودسترة أسس التعامل مع الشأن الجنوبي، مفارقة كاملة. ويضيف زين العابدين أن الحركة الإسلامية تنكّبت طريقها فوقفت بالسودان على مشارف الانفصال في حين كانت الوحدة هي المرام! أما حرم نائب رئيس الجمهورية الشيخة فاطمة الأمين فهي تمضي في اتجاه مغاير تماماً لم يسلكه الساسة وهو الطرق على مسألة التقارب الديني والزمني بين ملّة عيسى عليه السلام وملّة محمد صلى الله عليه وسلم. الشيخة فاطمة أوضحت في منتدى الحوار حول مشروع الوحدة الوطنية الذي نظمته أمانة الفكر والثقافة بالاتحاد الوطني للشباب السوداني أن القرآن الكريم يفتح باباً للحوار بين الشمال والجنوب، ويحث على العمل المثمر في الجنوب من أجل مرضاة الله وليس من أجل الوحدة، وتضيف أن الله خلق البشر من نفس واحدة وأن قضية الوحدة لا تخرج من الإطار الديني الذي يدعم التقارب والحوار والتعايش مشيرة إلى أننا في السودان نعيش في منعطف تاريخي مهم يحتاج بشدة إلى إعمال المنهج الرباني، وأردفت أن الشمال مشحون بأفكار الوحدة بينما الجنوب مشحون بأفكار الانفصال، ورسمت الأمين العام لمنظمة البر والتواصل الشيخة فاطمة الأمين صورة مأساوية للواقع في الجنوب، وقالت إن قارورة مياه الصحة في رمبيك تكلف مبلغ (25) جنيهاً، وأضافت أن التعويل على العمل الإنساني ودعم مشروعات التنمية والمبادرة بالروح الطيبة لامتصاص التوترات هي الأجدى، وقالت في تأملاتها إن الله بعث محمداً بعد (12) ساعة من إرسال المسيح بمفهوم الزمن الحقيقي في كتاب الله، مما يعني التفارب المعنوي والوجداني، وأضافت أن مريم هي الوحيدة التي سميت سورة باسمها وقالت إن المسيحيين مسلمون، وحق علينا أن نجادلهم بالحسنى ولا جدال أحسن من العلم، وأشارت إلى أن خلق الله في الكون متجدد ومتنوع وأن التنوع هو أساس الحياة، وطالبت الشيخة فاطمة بمنح الجنوبيين أكثر من 50 % من الثروة والسلطة وتسيير القوافل إلى جنوب السودان بمعدل أكثر من قافلة في الأسبوع تطعم الطعام وتقر السلام وتمد أواصر القربى، وطالبت أيضاً برد الأمر لرسالة السماء التي تقر العطاء واحترام الغير، وقالت الشيخة فاطمة إنها لا تريد أن تنافس السياسيين بالعمل الخيري الذي هو مقدمة للسلام الحقيقي والاستقرار، ونبهت الشباب لمساعدة السياسين للعمل وإقرار الوحدة والعدالة، وكشفت أن الأستاذ علي عثمان يعلم بمبادراتها ورؤيتها التي لا تتناقض مع رؤيته ولكنها أكدت أنها لا تحب أن تعمل مع السياسيين وإنما تتحرك بدوافع إنسانية ودينية تستلهم القيم الفاضلة من الشرائع السماوية. وقد طرحت الشيخة فاطمة مبادرتها التأصيلية وهي تنطلق من عمق إسلامي يحاول أن يعالج الآثار التي تخلفها المعارك السياسية، ولكن تظل الأيام حُبلى بالمزيد من الأحداث، وإن كان بعض قادة الحركة الإسلامية يعتبرون أنه لا يزال هناك متسع من الوقت للعمل إذا توفرت الإرادة الصادقة. ويعتبر الدكتور محمد محيي الدين الجميعابي أن الوحدة ممكنة دون أن تؤثر على المشروع الإسلامي، ويقول ل (الأهرام اليوم) إن المطلوب فقط تجديد قيادة الحزب والاستفادة من الكوادر القيادية المتمكنة لتفعيل وتحريك الشارع السوداني باتجاه الوحدة، وأضاف «إن قضية الجنوب أوصلتنا إلى ما أوصلتنا إليه فربما نمسي ونصبح على دولة منشطرة وهذه كارثة، وإذا انشق الجنوب تكون هذه واحدة من أكبر سوءات الإنقاذ التاريخية، تسلمت وطناً موحداً وسلمته مفككاً»، مطالباً بأن تعمل الدولة على إدارة حوار قوي للحفاظ على وحدة السودان التي قدم من أجلها آلاف الشهداء، على حد قوله. في نهاية العرض الذي يحاول أن يكتبه الدكتور الجميعابي بمداد أسود يمضي الطيب زين العابدين فيه إلى خلاصة أخرى وهي أن الحركة الإسلامية ستكون مسؤولة وطنياً وتاريخياً عن انفصال الجنوب وما قد يتبعه من تداعيات في ولايتيْ جنوب كردفان والنيل الأزرق وإقليم دارفور، وربما شرق السودان.. ولكن تظل الأسئلة معلقة إلى حين، حتى تستقر قوافل الإسلاميين على موقف أخير ليتبين على بصيرة من بكى ممن تباكى على الوحدة.