الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بكائية في زمان الانفصال (4-4)


• تمهيد للحظة البكاء
لا أعرف تحديداً كيف تصنع العين البكاء؟.. كيف تستدر ضرع الدموع؟.. كيف تسوقها من ذاك النبع الخفي فتهطل غزيرة مالحة، فتسيل على الوجه دافئة بعد أن تغسل الجفن ثم تثير الأنف فيسيل دمعاً لزجاً أشبه بمقدمات الرشح!! الدموع هذه أشبه بوضوء العين لصلاة الحزن الذي يصدّع الكبد ويحرق الفؤاد فيكون هذا التفاعل الكيميائي الرباني الذي أبدع صنع وعلم وظائف أعضاء الإنسان.
البكاء ليس فقط هذا الدمع الذي يسيل وإنما هو الوجع الوخَّاز الذي يصيبك فلا تملك إلا أن تشهر هذا الحزن بنشيد وهتاف البكاء الحزين.. عندها وبعدها يرحل عنك ثقل جثم على صدرك فتلجأ إلى الله راجعاً مسترجعاً مستغفراً، ولولا نعمة البكاء لانفجرت أفئدة واحترقت أكباد وغشي العمى العيون، وعشيت الأبصار وغشيت..
ورحم الله ابن الرومي الذي فلسف البكاء وعرَّف وظيفة الدموع يوم فقد واسطة عقد بنيه:
«بُكاؤكما يُشفِي.. وإنْ كان لا يُجدي..
فجودا فقد أُودي.. نظيركما عندي»..
هذا جَلَد في فقد وَلَد غلبت عليه رحمة البكاء..
ومالي استشهد بابن الرومي ولا أبدأ ببكاء المعصوم المجتبى الصامت يوم فقد ابنه إبراهيم:
«إنَّ العينَ لتدمع والقلبَ ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون»..
هذه التقدمة والتبرير لحالة البكاء التي جعلتني أكتب (بكائية في زمان الانفصال).. لا أكتبها طالباً سماحا - وإن كنت دائماً أرجوه - ولا اعتذاراً لضعف انتابني- ولمن اعتذر- عن رحمة تجعلني أبكي!.. ألم يستعذ الرسول صلى الله عليه وسلم من عين لا تدمع!؟.. وكيف لا أبكي وقد يبكي الناس جميعاً لفراق أخ أو ابن أو حبيب أو والد أو أُم؟.. وربما يبكي آخر لفراق قرية أو مدينة أو مدرسة أو فريق كرة قدم.. فكيف لا أبكي لفراق جزء عزيز من وطني بتره حق تقرير المصير، فقرر بتر (صُلب وأرجل السودان) باختيار الانفصال، ليصبح السودان جزئين: شمال قديم، وجنوب جديد ليصبح دولة..
أي عين ترى خارطة السودان بشكلها الجديد وقد حجب الانفصال فيها رؤية السوباط والزراف وبحر العرب، ولا يصيبها مرض فقد مناعة البكاء وتكلُّس الكبد وتصلُّب الفرح..
أي كبد لا يصدعها رؤية جوبا وقد قررت أن لا يدخل حدود دولتها الجديدة أبناء الشمال إلا وقد حصلوا على تأشيرة الدخول؟!..
ألا يعيد مثل هذا الشرط تأشيرة الدخول للمناطق المقفولة؟.. في زمان المفتشين الإنجليز..!!
لقد كنا نتحدث عن أن السودان تحدّه تسع دول.. ودولة الجنوب الجديدة تحجب عنا جواراً لبضع دول!! ألا يثير هذا الحنين لمناحة يبكيها كل نحاس ونائحة وثاكلة!!..
نعم أبكي.. «وليست النائحة كالثاكلة».. وأبكي لأني شريك أصيل في ما حدث ويحدث..
ربما يقول قائل ممن لم يرحمهم الله بنعمة الدموع.. ذوي الأكباد الصخر: «إنما تبكي الحبَ النساءُ»، وما ينبغي للرجال البكاء.. وهؤلاء (غُلف) القلوب.. غلاظ الوجوه هاجرت من شفاههم صدقة الابتسام.. «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة»، وأنا أبكي متصدقاً في حق وطن كما تبسّمت في وجهه دوماً وهو وطن واحد متَّحد..
أطلتُ البكاء مبرراً هذه (البكائية) التي هي في واقعها استرجاع للزمن الجميل في حقبنا التاريخية المتعددة.. قصدت أن أطوف فيها مثل أُمِّنا (هاجر) لا أبحث عن ماء وإنما أبحث عن رفقة تشاركني هذا الفقد الجليل.. لهذا بكيت بعد أن أبلغت نبأ الانفصال لسلاطين وملوك السودان.. أقمت سرادق هو فسطاط السودان القديم كله، واستدعيت ملوك نوباتيا.. والمقرة وعلوة.. وأقسمت على مجيء ملوك كرمة وملكات مروي.. وملوك الفونج وسلاطين المسبعات، والثلة المجيدة من سلطنات دارفور.. وعرجت على سواكن وأبطال كسر المربع الذهبي ولبّى دعوة الحضور المهدي وخليفته الشهيد.. واحتضنت باكياً فرسان اللواء الأبيض وقادة مؤتمر الخريجين.. ووقفت مع قادة مؤتمر جوبا والمائدة المستديرة، واتفاقية أديس أبابا.. ودخلت البرلمان لأشهد لحظة إعلان الاستقلال المقترن بوعد (الفدريشن).. وطوّفت على «اتفاقية أديس أبابا»، ومؤتمر الحوار الوطني واتفاقية نيفاشا، ومصرع جون قرنق.. ثم الأعوام الانتقالية كاملة الصعود والهبوط... و...
هل مثلي أطالوا البكاء؟.. أم كان لنبأ الانفصال عندهم شأنٌ آخر!!
هذا ما ستفصح عنه جهيراً هذه البكائية، غير أنه يلزمني أن أوضح وأؤكد.. وأنا أكتب هذه «البكائية» أني لا أتنصل مطلقاً عن مشاركتي الفاعلة في صنع القرار السياسي؛ وزيراً ومستشاراً، وشاهداً حاضراً على اتفاقية نيفاشا.. ومشاركاً فاعلاً في تنفيذ بنودها وصياغة قوانينها وراضياً رضاءً حقيقياً عن أن يختار أبناء الجنوب حق تقرير مصيرهم، وملتزماً بقرار الانفصال الذي أصبح يقيناً.. لكني أملك حق أن أبكي واحتضن تاريخ وطني وأبلّغ هذا الحزن بهذه المقالات التي لا أبرر فيها مشروعية للحزن، وإنما ضررة يقتضيها هذا الحدث و«هذا أضعف الإيمان».
{ الصفحة السابعة:
شهر يناير هو الشهر الأول في التقويم الميلادي، والمحرم هو الشهر الأول في التقويم الهجري، و«....» هو الشهر الأول في التقويم القبطي، و«....» هو الشهر الأول في السنة الإيرانية.. هذه المقدمة محاولة للتقعر وتأكيد المعرفة، واقعاً هي أقل من الوسط، الذي يعنيني هو الحديث عن شهر «يناير»، وهو ما يطلق عليه أيضاً «كانون الأول»..
وبقصد أو لا قصد فقد تقرر أن يكون اليوم الفاتح فيه - كما يقول أهل الكتاب الأخضر- هو يوم إعلان الاستقلال رسمياً..
وأصبح يوم 1/1/1956م يوم إعلان الاستقلال!! وتبع ذلك أن أصبح تاريخ 1/1/... يرتبط بعيد ميلاد ملايين من أهل السودان الذين أصبح لهم هذا التاريخ يوم مولد.. (كاذب) و(مزوّر)، وبذلك يمكنك أن تعرف أن صاحب هذا التاريخ إما أنه ولد في قرية ليست فيها «قابلة قانونية» أو شخص خاف أن يرفض دخوله المدرسة لأن سنه أكبر مما تطلب المدرسة.. أو يريد الالتحاق بالعمل ويريد أن يحسب له عمر نهاية الخدمة، وقد بلغ واقعاً السبعين، وملف خدمته يقول إنه في الستين فقط!! أو... ستجد عدة أسباب لذلك.. وتحدث أيضاً عدة مفارقات لهذا التقويم، فقد سبق أن ذهب أربعون طالباً جامعياً في رحلة إلى سوريا، وفوجئ موظف الجوازات بمطار دمشق أن الأربعين وُلدوا في يوم واحد هو 1/1.. وساورته شكوك غليظة في أن هناك تزويراً، ولكن الأستاذ المرافق نجح في تفسير الظاهرة ودخل الفوج دمشق آمناً مطمئناً..!!
أعود ثانية لشهر يناير، وأعود ليوم إعلان الاستقلال.. لا أقصد 19/12/1955م وإنما أعني يوم رفع العلم والبداية الرسمية لإعلان ميلاد دولة السودان الموحَّد المعروفة «بجمهورية السودان» التي تقع بين خطي الطول (....) و(....)، وخطي العرض (....) و(....)، وتحدها شمالاً مصر والجماهيرية، وغرباً تشاد وأفريقيا الوسطى، وشرقاً إثيوبيا وإريتريا، وجنوباً كينيا ويوغندا وزائير.
هذا التوصيف الجغرافي يعنيني تماماً.. لأنه سيختلف تماماً إذا ما...!! - لم أشأ أن أكمل العبارة.. سوف أفعل صاغراً في نهاية حديثي - والذي يهمني أيضاً أن ذاك الإجماع الذي خرج به الاستقلال قراراً لأمة جامعة كان شرطه الرئيسي منح الجنوبيين حكماً ذاتياً.. الحكم الذاتي هذا لم يتم تعريف له يحدد معالمه، وبيّن حدوده ويوضح سلطاته.. وابتلع الكل هذه (الكبسولة) الغامضة.. ولهذا لم تستطع الحكومات المتعاقبة تفكيك طلاسم هذه العبارة (الحكم الذاتي).. بعضهم أسماها (الفدريشن)، وبعضهم أسماها (الحكم الإقليمي)، وآخرون قالوا إنها الفدرالية والذين كانوا قد أخضعوا العبارة لمزيد من التفكر والتأمل والدراسة، قالوا إنها الفدرالية، غير أنهم جميعاً لم يتفقوا فعلاً على منح أي خيار من تلك الخيارات لأبناء الجنوب.
كان اليوم الأول من شهر يناير وقد ازدانت ساحة القصر بالثريات والإعلام والبشر الذي غطى وغمر كل الوجوه يعلن أنه قد بدأت مرحلة (التعمير) بعد أن أنجزت مرحلة (التحرير)..
كان ذلك الإجماع وقد وقف في الساحة بين الحضور من أبناء الجنوب... و... و... ووقف معهم معانقاً ومصافحاً من أبناء الشمال الجغرافي ... و... و...، ومن شرق السودان... و... و...، ومن غرب السودان... و... و...، ومن وسط السودان... و... و.... و... و...
وقد طووا «شكلاً» جراح حوادث الجنوب، وبعض جراح حوادث «أول مارس»، وظن حتى المتشائمون أن قد تأمنت وحدة السودان.
ثم اشتعلت الحرب ثانية!! وبدأت أصوات تطالب بالوعد «المخلوف»، وتمَّت عدة محاولات..
اتفاقية أديس أبابا وجدت تعريفاً لكلمة «الحكم الذاتي»، ووقعت الاتفاقية لتطبيق «الحكم الإقليمي».
ومضت سنوات عشر تطبّق هذا الحكم، ثم اشتعلت الغابة من جديد على يد الحركة الشعبية قاصدة تحرير السودان!!
«تحرير السودان» عبارة هي أشدّ غموضاً ورمادية من كلمة «الحكم الذاتي»، «تحرير السودان» مِنْ مَنْ؟ وتحرير مَنْ مِن الآخر؟! ولكن العبارة وجدت تفسيراً جزئياً وهو ما تحقق في اتفاقية «نيفاشا»، وظل الشريك الجنوبي يعمل تحت شعار «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وهنا تظهر جلياً مقاصد العبارة.
وجهرت بالقصد على لسان مسؤوليها، وأصبحت العبارة تعنى فصل الجزء الجنوبي من السودان من خارطة السودان؛ لأن ذلك يعني لهم الاستقلال. والاستقلال يعني التخلّص من محتل أو مستعمر أو قاهر!!
يناير الذي شهد اليوم الأول فيه إعلان السودان الواحد الموحَّد، هو يناير نفس الشهر الذي يشهد فيه التاسع منه إجراء الاستفتاء على خيارين أصبحا خياراً واحداً هو الانفصال.
أذكر وأنا طالب في جامعة الخرطوم، وأنا «أحمر» المزاج، وأخضر «العود»، أن كتبت قصيدة أنعي فيها الاستقلال الناقص:
«يناير يا صرخة جوعان
آكل الوعد وشرب الصبر
مثل الناس الغبش
أكلنا الوعد.. وشربنا الصبر
يا فرحاً أفرحنا ليلات..
يا صرخة برق لا يمطر رعده
يا كلمة لص يسرق وعده»..
«لا أحتاج لكتابة بقية أبيات القصيدة المراهقة»..
ولكني أكتب اليوم وقبل أن يحل شهر يناير.. «بكائية في زمان الانفصال»، وقد أصبح «المزاج» بكل ألوان الزمن؛ الزمن الذي نثر على الرأس بعض ضوء من خيوط الشيب، وأصبح الساعد يشكو هشاشة ووهن العظام.
البرلمان ذاك تمّ استدعاؤه لأمر يقتضي دورة استثنائية.
فقط لجلسة «للتنوير» - تمَّ استخدام هذه الكلمة في أيامنا السابقة بشكل جعل كل اجتماع «للتنوير» -
وقام آخر الأحياء من أبناء ذلك البرلمان، وأحضر (Power Point) فيها بدت خريطة السودان، وتحدّها جنوباً «دولة الجنوب».
{ الصفحة الثامنة:
الجغرافيا تصنع التاريخ، والتاريخ والجغرافيا يكيّفان وضع الإنسان، فتجبره الجغرافيا على تحديد وسيلة كسب عيشه، ومن ثم تصنع تاريخه، وتحدد انتماءه لتلك الأرض التي تصبح له وطناً وإرثاً فيتعلق بها ويحمي ترابها ويفديها بنفسه وماله وولده، كانت تلك البقعة أو المكان مدينة أو قرية، تقع في الصحراء أو تستوطن الخضرة، تبعد أو تقرب من نهر، تحيطها الوهاد والجبال والرمال، أم يأتيها رزقها رغداً يسيراً فهو ارتضاها ولا يقبل لها بديلاً، يتشبث بترابها ولا يفرِّط في شبر منها، يتغنى بها ويموت فداءً لها..
«وطني وإن شُغلت بالخُلدِ عنه..
نازعتني إليه في الخُلدِ نفسي»..
هذا التنازع الغليظ بين خيار الخُلد في جنة وأزمة، والاستمساك بأرض ليس فيها من مقومات الحياة شيئاً؛ يجعل الخيار سهلاً في البقاء بتلك الأرض التي تمد لها الجنة لسان الدهشة والحيرة، وهكذا الإنسان!! غير أن ظروفاً قاهرة قد تنشأ فيكون البقاء في تلك الأرض أو المكان خياراً صعباً وقاسياً، ويبقى النزوح منها، نعم النزوح، وهي كلمة تعني الهجرة القسرية لمكان لا تختاره وإنما تجد نفسك تسكنه قسراً؛ إذ لا بديل، هذا المكان يطلق عليه «معسكر»، وتضاف إليه هوية فرضها قرار النزوح فتكتسب صفة «نازح»، وتتم التسمية «معسكر النازحين»، فهو لا يتحدث عن واحد من الناس، وإنما عن أناس كثير، أجبرهم أمر قاهر أن يتركوا أرضهم وزرعهم وجزءاً من أفئدتهم هناك، ويستقبلوا قدرهم نازحين مشردين.
عادةً ما تكون تلك المعسكرات في أطراف المدن القصية، وتكون البيوت فيها بدون بيوت!! (رواكيب)، (أكشاك)، (خيام)، (علب صفيح)، إلا وصف البيوت وتكون اللقمة فيها تفتقد مقومات ما يسمّى عند غيرهم (طعام)، والنوم عندهم أشبه بنوم المصاب بالملاريا؛ لأن (البعوض) هو وحده الذي يذكرهم بنعمة السمع..!!
من معسكر (ود البشير) في طرف أم درمان، ومن (بانتيو) في جبل أولياء، ومن (كرتون كسلا) في شرق النيل، ومن (كمبو) في (دوكة)، ومن.... ومن.... ومن.... من كل المعسكرات التي انتشرت في أطراف مدن الشمال، استقرت تلك المعسكرات.. قلتُ (استقرت)، وأعرف أن الكلمة لا تعني ما نعرف وإنما الكلمة الصحيحة (جثمت)، وأصبحت ملاذاً غير آمن لأولئك الذين شردتهم الحرب، وقرروا النزوح، واختاروا وبوعي كامل أن ينزحوا إلى الشمال، كانت الهجرة ل«كينيا» ممكنة، ول«يوغندا» متاحة، ول«زائير» قريبة، ولكن...!! الشمال وشمال السودان هو الأقرب والآمن والسلم، ولهذا نزحوا، ولهذا فضّلوا البقاء في المعسكرات بديلاً مؤقتاً للعودة إلى قراهم وأرضهم وترابهم.
كانت الأيام الأولى للنزوح قاسية وصعبة، ولكن دفء الشمال وأهله، وبساطة النفوس وكيمياء التواصل جسّرت الهوة بين ما كان هناك وما أصبح هنا.
كان الإحساس بكلمة «نازح» فادحاً ومؤلماً، ثم سرعان ما بدأت معالم الكلمة ووقعها على النفوس يبهت ويضعف ويتلاشى.
ثم بدأت اكتساب بعض الصفات والممارسات والمعاملات والتقاليد والعادات حتى تمّ قدر مهول من الانسجام مع الأرض والطعام والصفات.
وأصبحت كلمة «العودة» أشبه بكلمة «البقاء».. وتناسلوا وبدأت حميمية الانتماء..
في ضحى يوم من أيام العيد الكبير، ارتفع صوت من (مايكرفون) مثبت على عربة (بوكس): سارع بالتسجيل، مارس حقك في الاستفتاء، واحرص على حضور الندوة اليوم، باقان.. عرمان.. لوال.. أتيم.. وليد أبطال السلام.
ازدحم السرادق بالحضور، وبدأ الحديث (باقان)، ثم... ثم... ثم...، ولم تعد أذن قادرة على سماع مزيد.
إذن الأمر يعني هجرةً ونزوحاً جديداً..
وتساءلوا في حرقة قاتلة: كيف نترك البيوت التي شادها التواصل والحميمية في صدورنا؟ كيف يتم هدمها؟ كيف نستطيع اقتلاعها؟ كيف يصبح خيار أن نغادر الشمال نهائياً بكلمة «الانفصال»؟.. ولم نمارس أصلاً هذا الاختيار..!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.