أكثر ما يلحظه أي مراقب أو متابع لمبادرات أحزاب المعارضة أو قوى الإجماع الوطني التي ظلت تطلقها عقب كل أزمة تشهدها البلاد ويتبعها تصعيد عسكري، سواء في أبيي أو جنوب كردفان، يلحظ أنها كانت نظرية خلافاً لمبادرة نداء السودان التي أطلقتها هذه الأحزاب لاحتواء أزمة النيل الأزرق وتضمنت برامج ورؤية متكاملة للحل بجدول عمل يبدأ متدرجاً بطرحها لوقف إطلاق النار وإفساح المجال لتسهيل وصول الإغاثة للمتضررين والتحقيق المحايد عبر لجنة ذات استقلالية لمعرفة ما دار في الولايتين والاعتراف بالحركة الشعبية كحزب سياسي قائم، فكل هذا يمكن أن يجعل منها مبادرة متكاملة قابلة للطبيق ونزع فتيل الأزمة مع عمل جاد لإكمال ما تبقى من اتفاق السلام «الترتيبات الأمنية والمشورة الشعبية». وأول رد فعل إيجابي من قبل الحكومة تجاه المبادرة خلافاً للمبادرات السابقة جاء على لسان وزيرة الدولة بوزارة الإعلام سناء حمد في برنامج مؤتمر إذاعي بقولها إن مبادرة الأحزاب محل احترام وإنها تدعو إلى السلام، كما أن الحكومة تسعى للسلام، غير أن التمرد فرض عليها الوضع الحالي، وأبدت تأييدها لمطلب أحزاب المعارضة في أن تكون الحركة الشعبية حزباً سياسياً وفق قانون الأحزاب، فكل هذا وغيره مما ورد في حديث الوزيرة حول المبادرة يوحي بقبول الحكومة لها ضمنياً. غير أن د. الحاج آدم يوسف الأمين السياسي للمؤتمر الوطني - نائب رئيس الجمهورية - أبدى رفضاً لطلب المعارضة في مبادرتها بتكوين لجنة تقصي حقائق، وقال في حديثه ل «الأهرام اليوم» إن ما تطلبه المعارضة من تكوين لجنة لتقصي الحقائق لخلق أرضية لتعقبها خلافات، وقال هذه ليست لجنة تقصي حقائق وإنما هي لجنة عمل سياسي وإنهم في المؤتمر الوطني يرحبون بالعمل السياسي وقد دعوا القوى السياسية التي قالت برفضها لموقف التمرد، ودعت المتمردين إلى وضع السلاح، ويضيف: لكن القوى التي أجمعت حول ما سمي بنداء السودان أغلبها لم تقل كلمة واحدة حول ما جرى في النيل الأزرق ومطلوب منها أن تدين التمرد أولاً وما جرى في النيل الأزرق من مالك عقار والحرب التي أشعلها وبعد ذلك تكون مؤهلة لتصبح وسيطاً سياسياً بيننا وبين أي طرف آخر. ويمضي د. الحاج قائلاً «ونحن لا نقبل بأي حال من الأحوال أن تكون هناك وساطة سياسية بيننا وبين ما تبقى من الحركة الشعبية لأنه بذهاب الحركة الأم أصبحت جنوب كردفان والنيل الأزرق ضمن السودان الشمالي ولا نحتاج لوساطة سياسية، أما الحوار بيننا كأبناء للسودان فهو متاح ولا نخص جنوب كردفان والنيل الأزرق بمفاوضات خاصة». ويذهب العميد أمن «م» والخبير الإستراتيجي حسن بيومي إلى أن ما قامت به المعارضة من طرح في مبادرتها هو عملية (تسجيل موقف) لا تخدم الحركة أو الحكومة ولا تسهم في الحل لأن ما حواه بيانها في نداء السودان من مطالب غير منطقية وصعبة التحقيق وأرادت بهذه الخطوة تسجيل موقف من المقصورة التي ظلت جالسة عليها تتفرج على ما يجري. فيما جاء حديث د. علي السيد القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل حول هذه المبادرة مشابهاً لما قاله العميد بيومي، إذ وصف علي السيد المبادرة بأنها صرخة في واد غير ذي زرع باتجاه المؤتمر الوطني الذي يصم أذنه عن سماع أي نداء له، فضلاً عن عملية عدم الاحترام الذي يبديه تجاه كل ما يصدر من قوى المعارضة، ويضيف: هذا ما يجعل نداءها الذي أطلقته لا قيمة له وعليها أن تبحث عن بدائل لإنقاذ البلاد بعد توحيد صفوفها؛ أي قوى المعارضة، التي قال إنها ليست على قلب رجل واحد ما يجعلها عاجزة عن القيام بأي عمل يمكن أن يكون ذا أثر في الساحة وموازينها. ويرفض اللواء «م» فضل برمة ناصر القيادي بحزب الأمة وأحد القيادات المؤيدة والموقعة على مبادرة نداء السودان ما ذهب إليه بيومي وعلي السيد ويقول إن تسجيل المواقف والتلاعب بالألفاظ والمناورات قد انتهى وقته والبلاد الآن تعاني من أزمة حقيقية وهي تواجه «3» حروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، مؤكداً جدية المعارضة في مساعيها لعلاج الأزمة الذي رأى أنه يجب أن يبدأ بإيقاف الحرب التي ليست هي مسؤولية الحكومة وحدها وإنما كل الشعب السوداني، مشيراً إلى أن أكثر ما يميز مبادرة نداء السودان الآن أنها الوحيدة في الساحة وحوت الكثير من برامج العمل والحلول المتكاملة وأن الحكومة إن لم تقبلها فستذهب المعارضة في الطريق الضاغط لأن الوطن ملك للجميع وليس ملكاً للحكومة أو الأحزاب وفي حاجة لجهد أبنائه. وبعد.. هل تستجيب الحكومة لمبادرة (نداء السودان)، أم تصبح صرخة في وادٍ غير ذي زرع كما قال «علي السيد»؟ ثم هل «الحركة الشعبية» جادة في ممارسة العمل السياسي كحزب ديمقراطي منزوع السلاح، أم أنها لن تقبل بتسريح جيوشها عملاً بشعار (النجمة أو الهجمة)؟!