مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د.أمين حسن عمر :المدونة السياسة د. أمين حسن عمر المسألة الاقتصادية... سؤالات على باب الحيرة
نشر في رماة الحدق يوم 15 - 02 - 2018

هل حل المسألة الاقتصادىة اقتصادى قح أم تراه يحتاج محللاً سيكولوجياً بأكثر من حاجته مخططاً اقتصادياً؟ سؤال وما أكثر السؤالات الواقفة على باب للحيرة عليه رتاج منيع
آفة الاقتصاد هى غياب فكرة الاقتصاد عند العامة ربما الخاصة غالبهم، وفكرة الاقتصاد أن تنتج أكثر مما تستهلك لأن معادلة الرفاهية هي إنتاج واستهلاك وإدخار
رؤية الشعب لفكرة العمل الصالح وخبرته في إتقان ذلك العمل في منتوجاته المادية من أهم ركائز الفكر الاقتصادي
الأدب الشفاهي السوداني محتشد بالقصص والأمثال والحكم التي تعبر عن منظورات مختلفة لمفاهيم العمل والإنفاق والإدخار. ولاشك أنه من العسير إيراد قدر كاف للاستدلال ههنا، ولكننا نكتفي برؤيتين متناقضتين لهذه المفاهيم بين الشيخ فرح ود تكتوك ورؤية المنسدح حمد ود المنسدح المشهور بود أب زهانة
السؤال كثير الترداد هذه الأيام هو ما بال الاقتصاد؟ وكم هو جيد أن يبدأ الناس بالسؤال فإن الإجابة تابعة للسؤال، ولكن يجب أن يكون السؤال دقيقاً لتكون الإجابة على مقاسه دقيقة هي الأخرى . فهل يا ترى يعرف السائل كنه ما يسأل عنه؟ هل يعرف ما هو الاقتصاد الذي هو موضع السؤال؟ فأهل الفقه قديما قالوا الحكم على الشيء فرع من تصوره، فما هو تصور السائلين لما يسألون عنه؟ هل هناك تصور واحد لمعنى الاقتصاد في أذهان السائلين؟ لا شك أن غياب مفهوم محدد للاقتصاد عند العامة، وأحياناً عند الخاصة هو مشكلة الاقتصاد الكبرى لأننا إن كنا لا نتفق على فهم ما نواجهه فلن نتفق على كيفية مواجهة ما نواجهه.
معنى الاقتصاد لغة واصطلاحاً:
الاقتصاد في اللغة العربية هي حالة التوازن بين منزلتين أو وضعين. يقول أهل التفسير في تفسير(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكبير) المقتصد: هو المستوي الحال بين الحالين. وأصل القصد استقامة الطريق والاقتصاد على ضربين: أحدهما محمود على الإطلاق، وذلك فيما له طرفان: إفراط وتفريط كالجود، فإنه بين الإسراف والبخل، وكالشجاعة فإنها بين التهور والجبن فكأن القائل يقول إن الاقتصاد هي الاستقامة بين ضدين ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ الفرقان الآية 67 فمقامهم هو مقام الاستقامة بين التقتير الذي هو هو نقيض الإسراف وكلاهما مذموم.
أما إذا ذهبنا إلى قاموس اللغة الإنجليزية فإن كلمة اقتصاد لا تبعد النجعة عن معنى التوازن
economy
əˈkänəmē/
noun
1.
the wealth and resources of a country or region, especially in terms of the production and consumption of goods and services.
synonyms: wealth, (financial) resources; More
2.
careful management of available resources.
"even heat distribution and fuel economy"
synonyms: thrift, thriftiness, providence, prudence, careful budgeting, economizing, saving, scrimping, restraint, frugality, abstemiousness
"one can combine good living with economy"
الاقتصاد هو إذن التوازن بين موارد بلد ما خاصة فيما يلي الإنتاج للسلع والخدمات بين استهلاكها. أما المعنى الاصطلاحي للاقتصاد فهو إنماء الموارد واستخدامها استخداماً رشيداً لئلا تبدد بغير طائل. وعلى ضوء هذا الشرح المبسط يجدينا أن ننظر إلى الحالة السودانية في الاقتصاد أي إلى استقامة أهل السودان وتوازن أمرهم بين إنتاجهم واستهلاكهم، فإذا غاب هذا التوازن غاب معنى الاقتصاد في حياتهم. وأهل الاقتصاد لهم مقاربتان لتحليل الحالة الاقتصادية بنظرة جزئية ونظرة كلية أي تحليل كلي للوضع الاقتصادي لبلد ما وتحليل جزئي لسلوك الفاعلين في هذا الاقتصاد. والتحليل الكلي يهتم بالنظر للموضوعات الكلية مثل الدخل الوطني للدولة وحالة التشغيل العام والادخار الكلي والاستثمار الكلي والاستهلاك الكلي والمستوى العام للأسعار فهو ينظر للأحوال العامة للمجتمع والدولة ولا ينظر لظروف وشؤون الأفراد أو الوحدات المكونة للمجتمع والدولة مثل السلوك الاستهلاكي لفرد أو أسرة أو مؤسسة فهو يقصد إلى التوصل للمعالجات الكلية والسياسات الكلية المالية والنقدية لتدبير الاقتصاد الإجمالي للمجتمع أو الدولة. بيد أن الكلي والجزئي يتداخلان ويؤثران في بعضهما البعض، ويختلف المحللون هل تؤثر الأوضاع والسياسات الكلية أكثر أم تؤثر السلوكيات والممارسات الجزئية أكثر؟ بمعنى آخر هل يمكن لسياسات اقتصادية صحيحة أن تؤتي أكلها في مناخ ممارسات وسلوكيات اقتصادية غير سليمة؟ ومن الجهة الأخرى هل تجدي السلوكيات الاقتصادية السليمة للأفراد والعائلات والمؤسسات في إصلاح الوضع الاقتصادي مع تبني سياسات مالية ونقدية غير سليمة؟
أس المشكلة أهو في الاقتصاد الجزئي أم السياسات الكلية؟
اقتصاد بلد ما مثل الشجرة ينبت من البذرة إلى الشجرة. والبذرة ههنا هي عوامل الإنتاج التي هي الأصول والموجودات مثل الأرض والموارد المائية والنفطية والمعدنية، ولابد لهذه الأصول من قيمة مضافة هي العمل المبذول لإخراجها من حال الطبيعة إلى وضع المنفعة لكي تكون ملبية لاحتياجات الإنسان. وثروة كل بلد إنما تحتسب ليس بالموارد الطبيعية ولكن بالقيمة المضافة بالعمل الإنساني لتحويلها من مورد إلى منفعة. فالناتج الإجمالي لبلد ما الذي هو مجموع القيم السوقية للسلع والخدمات التي ينتجها بلد ما محلياً في سنة واحدة إنما هو في أفضل طرق قياسه حاصل جمع القيم المضافة للعمل في كل مرحلة من مراحل الإنتاج أو الخدمة. فالناتج الإجمالي هو طريقة لقياس نشاط المجتمع وفاعليته الاقتصادية في تعامله مع عوامل الإنتاج لتحويلها لسلع وخدمات في سنة واحدة. وهذا النشاط يطلق عليه مصطلح الإنتاج بينما يطلق على قيمة هذا الانتاج الدخل الوطني. وهناك ثلاثة طرق متداخلة لحساب الناتج الإجمالي، إما بالنشاط الانتاجي أو بقيمته السوقية أي الدخل الوطني أو بالإنفاق، وأفضل طرق قياسه هي الطريقة الأولي لأنها أكثر دقة ولأنها قياس للكدح الوطني لشعب ما لتحسين أوضاع حصوله على السلع والخدمات لتلبية احتياجاته غير المتناهية. فكل شعب يحصل على رفاهته أي مستوى تلبية احتياجاته بقدر ما ينتج وبقدر ما يحصل له من دخل وطني، يستخدم بعضه في جلب واستيراد سلع وخدمات من خارج البلد في غالب الأحوال، وفي هذه الحالة فلابد له أن يجلب ويستورد بقدر ما يصدر، وإلا مال الميزان التجاري الخارجي لغير صالحه، ما يعني أن هذا البلد يصبح مديناً إما ديناً خارجياً في شكل قروض سلعية أو نقدية أو ديناً داخلياً من خلال الاستدانة من النظام المصرفي أو القطاع الخاص . ولابد لهذا الدين من أن يوفى إما من خلال زيادة إنتاج السلع والخدمات وبيعها، أو خلال طبع النقود بغير مقابل لها من دخل حقيقي ناتج من سلع وخدمات تم إنتاجها بالفعل، وفي هذه الحالة فإن حالة التوازن بين النقود والسلع والخدمات تختل. واختلالها يعني ارتفاع أسعار السلع والخدمات بإزاء النقود.فالأصل أن النقود غطاء للسلع والخدمات وأنها تطبع بما يساوي قيمة السلع والخدمات. فكل جنيه تقابله نسبة معقولة من السلع أو الخدمات أو جزء منها، وكلما زادت الجنيهات وقل ما يقابلها من السلع والخدمات، ما يعني ما يسميه الاقتصاديون التضخم ويسميه العامة الغلاء.
آفة الاقتصاد غياب فكرته
آفة الاقتصاد هي غياب فكرة الاقتصاد عند العامة ربما الخاصة غالبهم، وفكرة الاقتصاد أن تنتج أكثر مما تستهلك لأن معادلة الرفاهية هي إنتاج واستهلاك وادخار. فدائرة الاقتصاد إنما تقوم على أربعة أركان: الدائرة الفردية والعائلية حيث العمل والاستهلاك وهي تحوز على أصول مثل الأرض وغيرها وتحصل على الريع والربح والفوائد وهي أيضاً تستهلك السلع والخدمات بما يحصل من أجور أو ريع وقد تدخر بعض مما تحصل ومن هذا الادخار، وأما قطاع الأعمال فهو قطاع الاستثمار، ثم يأتي القطاع الحكومي الذي يتحصل على الضرائب أو أي ريع من ممتلكات عامة ومن واجبه توفير الخدمات العامة الضرورية في مجالات الصحة والتعليم وتوفير البنيات الأساسية لتنشيط وتسريع حركة الاقتصاد، ثم يأتي القطاع الخارجي الذي هو تعامل الدولة الاقتصادي مع قطاعات الأعمال والقطاعات الحكومية خارج نطاق الدولة. وقطاع الأفراد والعائلات هو أهم هذه القطاعات فهو المالك الأساس لعنصري الأصول الرأسمالية والعمل . وسلوك هذا القطاع بإزاء هذين العنصرين هو المحدد الرئيس لنجاح الاقتصاد أو فشله، لا يقلل ذلك من مسؤولية القطاعين الآخرين قطاع الأعمال والقطاع الحكومي. وسلوك القطاع الأول خاصة في أبعاده الاجتماعية والثقافية المؤثرة على الاقتصاد هو ذات سلوك رجال الأعمال الوطنيين والقطاعات الحكومية الوطنية، فإن فلح قطاع الأفراد والعائلات فلحت القطاعات الأخرى وإن فشل فشلت القطاعات الأخرى، فإنما هما بعض من بعض. ومعادلة الفشل والنجاح معادلة سهلة فاقتصاد الأسرة الناجح هو اقتصاد يتكون من ثلاثة عناصر دخل كاف يوفره عمل ناجح، واستهلاك رشيد بغير تقتير ولا إسراف، وإدخار يوفر الأمان ويحقق فرصاً للاستثمار المباشر أو غير المباشر. والثقافة الاقتصادية وشيجة الصلة بالثقافة الشفاهية والمادية لشعب من الشعوب. فرؤية الشعب لفكرة العمل الصالح وخبرته في إتقان ذلك العمل في منتوجاته المادية من أهم ركائز الفكر الاقتصادي. وكذلك فكرة الشعب عن الإنفاق سواء كان استهلاكاً أو عطاء هي الأخرى من ركائز الفكر الاقتصادي. ومن أجل الإيضاح هل الإسراف في الإنفاق على النفس والعائلة والآخرين ممدوح أم متحفظ عليه أم مذموم في ثقافة ما؟ .هل تعبر عبارة (تلاثة أرادب غداه وتلاتة أرادب عشاه) عن ممدوح أم مذموم؟ من ناحية أخرى هل هو ممدوح أم محسود أم مذموم من يعيش في رفاهة على ريع مال موروث لا يضطره إلى العمل الشاق؟ لا شك أن الإجابات القطعية على مثل هذه الأسئلة ستكون مجانبة للصواب بغير بحث دقيق وعميق في التراث الثقافي والممارسات السلوكية السائدة في المجتمع والدولة والحكومة بإزاء فكرة العمل وفكرة الإنفاق وفكرة الادخار . وهو بحث ضروري لقياس الحال الراهن بإزاء فكرة الاقتصاد. فسلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات والحكومات إنما يرتكز على مستوى إيمانها بفكرة العمل وفكرة الإنفاق الرشيد وفكرة الإدخار.
اقتصاد الشيخ فرح واقتصاد المنسدح:
الأدب الشفاهي السوداني محتشد بالقصص والأمثال والحكم التي تعبر عن منظورات مختلفة لمفاهيم العمل والإنفاق والإدخار. ولا شك أنه من العسير إيراد قدر كاف للاستدلال ههنا، ولكننا نكتفي برؤيتين متناقضتين لهذه المفاهيم بين الشيخ فرح ود تكتوك ورؤية المنسدح حمد ود المنسدح المشهور بود أب زهانة . ولا شك أن كل التراث الشفاهي تعتريه المبالغة ربما الانتحال، ولكن ذلك لا يقلل من قيمته المعرفية . فالتراث الشفاهى إنما هو تعبير عن الثقافة الشفاهية العامة أكثر ما هو تعبير عن الأشخاص الذين تنسب إليهم الأقوال أو الأفعال.
ولا يحتاج أحد للتعريف بالشيخ فرح ود تكتوك الذي هو شخصية حقيقية حُكيت عنه حكايات وأمثال كثيرة وربما نُسج بعضها وأضيف إليه كما هو الشأن في التراث الشفاهي، لكن هذه الشخصية الصوفية الحكيمة تبدو متسقة وممدوحة لدى من تذكر لديه. فهو فرح بن عيسى بن قدور البطاحني الصوفي عاش إبان المملكة السنارية واشتهر بالتقوى والورع والحكمة والشجاعة أمام السلاطين. وما يعنينا في هذا السياق كثرة ما نسب إليه من أقوال ومن أمثال ذات اتصال بمفاهيم الكد والعمل والإدخار والإنفاق. وهي المفاهيم موضع الفحص ههنا وقد كان معاصراً للشخصية المقابلة ود أب زهانة . وتروى الحكايات تواصلاً بينهما. من أقوال الشيخ فرح في شأن العمل التي شاعت وانتشرت قوله في شأن الإبدار في العمل:
يا إيد البدري
قومي بدري
إتوضي بدري
صلي بدري
أزرعي بدري
حشي بدري
أحصدي بدري
شوفى كان تنقدرى
وقوله في مقام الكد والعمل رداً على بعض شيوخ عصره الذين يعتبرون العمل اليدوي ضعة ونقص منزلة:
أحفر الترس واطبق المحفار
وأرضى بالخدمة في النهار الحار
يرضي عليك الواحد القهار
ويقول في الرد على معاصره المنسدح ود أب زهانة في مقام الذم :
إت يا الفارع اللاك حارث ولا زارع
ومما ينسب إليه في الادخار:
الداير الغنا بيعمل حساب لي فقرو
والخايف الحساب يعمل سمح لي قبرو
كما نسبوا إليه:
كان ختيت خمارة دريشك المهانة والدناءة ابتعيشك (ما بتعيشك)
وفي ذات المعنى روى الراوي مخاطبته لمطمورة الذرة :
الخمري الداخرك لعمري
اتعشى بيك واصبح مشتهيك
أما الصورة المقابلة فهي صورة ود أب زهانة الذي اشتهر عنه المثل السائر ود أب زهانة يدين ويتبين وهي صورة أشبه بحال اقتصادنا اليوم في جميع قطاعاته.
تحكي الروايات الشفهية أن ود أب زهانة (المنسدح حمد المنسدح). كان شاباً وسيماً قسيماً فارع الطول أنيق المظهر ورث مالاً كثيراً عن والده الذي كان من الأثرياء المعدودين حيث كان يملك كثيرًا من المال وعديداً من قطعان الماشية والإبل . أما زهانة فهي أخته المكنى بها أبيه. وقد كان المنسدح فيلسوف اقتصاد الريع أي أن تكون صاحب ريع من أطيان أو قطعان ثم يكون عملك هو الاستهلاك والاستمتاع. وينسبون إليه أقوالاً في ذلك تبرر طريقته في البوهيمية السودانية القحة. قيل إنه كان يستيقظ من نومه ويفتتح يومه بالصلاة فلا تعلم إن كانت صلاة ضحى أم فجر، ثم يتناول عديداً من فناجيل القهوة وبعدها ينقل سريره إلى ناحية " ضلّ الضحى " فهو القائل للمثل السائر (نوم الضحى يطول العمر)
قد يصحو عند تراجع الظل متكاسلاً فتجهز له زوجته دابته فيركب عليها متجهاً لبيت زوجته الأخرى في طرف القرية
فيترجل عن دابته ويدخل (الراكوبة) ويجد (العنقريب الهبابي) معدًا مجهزاً لينام فترة القيلولة بينما تعد له زوجته القهوة " قهوة النهار " فيرشفها رشفاً حتى الفنجان السابع ثم يتناول الغداء ويضجع وهو يردد العبارة المشهورة التي صارت مثلاً (من تغدى تمدى ولو الحرب دائرة) ثم لما أفلس أصبح مثله السائر (إدين وإتبين) أو (الدين فوق الكتوف والأصل معروف ) وهو لا يحمل هماً للدين لأنه القائل (أكان كترت عليك الهموم إدمدم ونوم).
والعجيب في تراثنا المحكي الحي أنه شديد الإعجاب بالشيخ فرح وأنموذجه، ولكن ود أب زهانة ونمطه الريعي الاستهلاكي ليس عندنا بمذموم، بل إن غالب ممارستنا الأهلية والرسمية ليست تبعد النجعة عن أنموذجه السلوكي . فهل حل المسألة الاقتصادية اقتصادي قح أم تراه يحتاج محللاً سيكولوجياً بأكثر من حاجته مخططاً اقتصادياً؟ سؤال وما أكثر السؤالات الواقفة على باب للحيرة عليه رتاج منيع.
انتهى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.