بعد ساعة واحدة من وداع فريقه لدوري الأبطال.. نائب رئيس نادي الهلال "العليقي" يعلن استقالته وإعتزاله العمل الرياضي بتدوينة مؤثرة    «سلمان للإغاثة» يوزع (6800) كيس من الأرز في السودان    شرطة الرياض تضبط 7 مقيمين باكستانيين لممارستهم التسول    وفاة روبرت مولر المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي    تطور في حالة هاني شاكر الصحية.. تحسن كبير ويعود إلى مصر قريباً    أسرار الخبراء لشعر يبدو أكثر كثافة فوراً    شاهد بالفيديو.. الفنان محمد بشير يشعل حفل جماهيري في السعودية حضره جمهور غفير بالأغنية الشهيرة "بلبلة بلبلة"    استبعاد قائد الأخضر سالم الدوسري من معسكر جدة بسبب إصابة في الركبة    هزيمة الهلال السوداني.. نهضة بركان وصن داونز يكملان عقد نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا    شاهد بالفيديو.. الفنان محمد بشير يشعل حفل جماهيري في السعودية حضره جمهور غفير بالأغنية الشهيرة "بلبلة بلبلة"    آخرها سفاح التجمع.. أفلام منعت بمصر بينها عمل لعادل إمام والجندي    "لم تفارقه طيلة مرضه".. رسالة بخط عبدالحليم تنشر لأول مرة    صقور الجديان تواجه الأخضر السعودي في (فيفا دي) مرتين    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تعبر عن غضبها من ظاهرة خطف الأطفال لأموال النقطة من المطربين: (الأمهات بحرشوهم واتكلمت مع واحدة منهم)    السعودية تطرد الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة أعضاء في البعثة الدبلوماسية وتعتبرهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم    مناوي: تعيين أمجد فريد يعكس توجهاً لتجديد العمل السياسي في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. تحت مسمى "حق الملح".. سوداني يهدي زوجته أطقم من الذهب الفاخر تقديراً لوقفتها ومعاناتها في تجهيز مائدة رمضان    4 كلمات.. رونالدو يبعث برسالة لجماهير النصر    تنفيذي الخرطوم: توفر الوقود وغاز الطبخ وعمل المخابز والمواصلات خلال اليوم الرابع من عيد الفطر    عثمان ميرغني يكتب: كيف نصنع "النخبة" السياسية.    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأهلي المصري يعلن إعادة تقييم وهيكلة قطاع كرة القدم في النادي    "تمبور" يتحدّث عن خطوة الميليشيا بفتح جبهة جديدة    ريجكامب: علينا أن نتطلع للأمام رغم قسوة هذه الليلة. يجب أن نكون أقوياء وننظر إلى المستقبل    السوباط: استقالة العليقي مرفوضه وادعو الجماهير للتماسك    طهران ترد على تهديدات ترمب    خطوبة ملك أحمد زاهر من نجل الإعلامي عمرو الليثي    ابتكار يعيد الحياة لوظائف البنكرياس    دراسة تؤكد تأثير صحة الأب على الحمل والجنين أكثر مما كان يعتقد    الأطعمة فائقة المعالجة تقلل فرص الحمل لدى النساء    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د.النور حمد :الثورة السودانية على سياسة ما بعد الاستقلال
نشر في رماة الحدق يوم 19 - 02 - 2019

لا يبدو أن الهدف القريب للثورة الجارية الآن في السودان منحصرٌ في هدِّ الركائز، الاستبدادية، التي قام عليها حكم الإسلاميين، الممتد منذ عام 1989، وحسب. إذ يتعدّى الهدف، كما يظهر من حوارات الشباب التي عكست رؤيتهم، وتطلعاتهم، إلى تطلُّعٍ لمراجعة مجمل حقبة ما بعد الاستقلال. بل هناك، من الدلائل ما يشير إلى أن الثورة المستمرة، منذ 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018، تسعى، إلى ما هو أبعد، فقد أخذت هذه الثورة تستجمع طاقتها، منذ هبّة سبتمبر 2013. وكان العمل الأهلي، الطوعي، البذرة التي انطلقت منها. وقد كان حراك العمل الطوعي، هذا، حريصًا على استقلاليته. مقاومًا كل محاولات الحكومة احتواءه، والهيمنة عليه. كما كان خارجًا، أيضًا، عن القنوات الحزبية. يضاف إلى ما تقدّم، أن الشباب، خصوصا الفتيات، هم الذين يمثلون عنصره الأبرز، المسيطر.
يتمثل هدف هذه الثورة، قريب المدى، كما هو واضحٌ، من شعارها: "تسقط بس"، في تفكيك دعائم حكم الإسلاميين الذي انتهى في يد فردٍ واحد. أما هدفها، متوسط المدى، فيتمثل، وفقًا لقراءتي المشهد، في تغيير البنية المفاهيمية التي حكمت الممارسة السياسية في السودان منذ الاستقلال، وهي بنيةٌ تشكلت عبر القرون الخمسة الماضية، وتمثِّلها، في المجمل، مراكز السلطة، والثروة، في الوسط، والشمال النيلي، التي سيطرت على العمل السياسي، في السودان، منذ فجر الاستقلال.
أما الأهداف البعيدة لهذه الثورة، كما تعكسها الحوارات المكثفة التي دارت في الوسط الشبابي، في العقد الأخير، فيتمثل جانبٌ منها في الخروج من دائرة الإذعان للسلطات التقليدية، وتقويض السيطرة، شبه المطلقة، لكبار السن، على مقاليد الأمور. وكذلك، تفكيك بنية الثقافة الذكورية التي أنتجها الانقلاب، التدريجي، للثقافة السودانية، من المتريركية إلى البطريركية، الذي جرى، منذ أكثر من عشرة قرون. وربما أمكنني أن أضيف أن سؤال الهوية الذي شغل الساحة السودانية، في العقود الثلاثة الماضية، وما قبلها، قد بدأ يتنزّل، الآن، من سماوات التنظير، ليلامس أرض الواقع، فقد امتلك بهذه الهبّة الشبابية اللافتة، وباشتراك النساء فيها، بهذه الصورة الكبيرة، أرجلاً فعليةً، أخذ يسعى بها على أرض الواقع.
تدل المشاركة اللافتة للنساء، في هذا الحراك، أن التململ الذي ظل يعتمل تحت السطح، منذ قرون، بلغ نقطة الانفجار، بوصول "الحركة الإسلامية" السودانية إلى السلطة، فقد استهدف الإسلاميون النساء، بالقمع، وعملوا على قهر طيف الثقافات السودانية، وصبّ الجميع، في القالب السلفي، الوافد. أما الأسباب غير المباشرة، فيمكن تلخيصُها في انتشار التعليم، وتشكُّل فضاءاتٍ جديدةٍ، للمعرفة وللتثاقف، المفتوح، نتيجةً لثورة المعلومات. وقد نشأ، في السودان، في العقدين الماضيين، مجتمعٌ رقميٌّ، بالغ الضخامة، شديد الحيوية. وقد خرج هذا المجتمع الرقمي من قبضة الإعلام الحكومي، المتراجع، أصلاً، مساحةً وتأثيرا.
يعكس هذا الحراك الشبابي سعيًا إلى إعادة الثقافة السودانية إلى طبيعتها الأولى التي قُمعت، بتحالف السلطة والثروة، عقب وفود نمط التدين المؤسسي، الفقهي، السلطوي، مع الغزو الخديوي للسودان. أضعف الخديويون عبر 64 سنة من احتلال السودان، (1821 - 1885)، مراكز التصوف. وأتوا بنمط المؤسسة الدينية، الفقهية، التابعة للسلطة. وتجدّد هذا النمط نفسه، مرةً أخرى، في فترة الحكم البريطاني (1898 – 1956)، فحاربوا الطرق الصوفية، ورفعوا، من شأن المؤسسة الدينية، الفقهية، التي سبق أن شرعنت الاستعمار الخديوي، ووقفت إلى جانبه، ضد الثورة المهدية. وقد ورثت الأنظمة الوطنية، عقب الاستقلال، هذه الصيغة، وأصبح تحالف السلطة والثروة والمؤسسة الدينية هو الأيديولوجيا الحارسة لمصالح النخب المسيطرة.
لم يكن التوق إلى إقامة دولة دينية في السودان منحصرًا وسط الجماعة التي اصطُلح على تسميتها "الحركة الإسلامية السودانية"، وإنما شمل الأحزاب السياسية الأخرى، فمع فجر الاستقلال، ظهر مقترحٌ بتضمين لقب "الإسلامية" إلى مسمّى جمهورية السودان الوليدة. وقد اعترض على ذلك المقترح الساسة المسيحيون. وناصرهم، في الاعتراض عليه ساسةٌ مسلمون، بارزون، مدركون خطر تلك التسمية على الوحدة الوطنية، لأن السودان قطرٌ متعدّد الأديان والأعراق والألسن. وبالفعل، أُبعد ذلك المقترح. لكن، بقيت "الحركة الإسلامية السودانية"
"مثّلت فترة ما بعد الاستقلال نسقاً أو نموذجاً (برادايم) واحدًا، سماته الفوقية والعنف، والإقصاء العرقي، والجهوي، والجندري"
تراهن على نزعة "أسلمة" الدولة. واستطاعت، عقب ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت نظام الفريق إبراهيم عبود العسكري، أن تجرّ وراءها الحزبين الطائفيين، الكبيرين، (الأمة والاتحادي. وكانت أُولى، تعيُّنات ذلك الانجرار نجاح ما كانت تُسمى "جبهة الميثاق الإسلامي"، في إقناع الحزبين، الطائفيين الكبيرين، في الحقبة البرلمانية الثانية، 1965 - 1969)، بالموافقة على تعديل مادة الحريات، في الدستور، ما مكَّنهم، من حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه المنتخبين، من البرلمان. ثم تواصل الانجرار، بانخراط الحزبين الكبيرين، عقب ذلك، في مشروع كتابة ما سُمي "الدستور الإسلامي". وأوشك ذلك الدستور أن يُجاز، في مرحلة القراءة الثانية، في البرلمان، لولا أن قطع عليه الطريق انقلاب العقيد جعفر نميري، في مايو/ أيار 1969.
أثبتت مجريات السياسة السودانية، منذ فجر الاستقلال، أن لا وجود لفروقٍ جوهريةٍ، في التباس المفاهيم، وضبابية الرؤية، وضعف الإيمان بالحقوق الدستورية، وضآلة الشغف بالتحديث، وضمور القدرة على إدارة الدولة، بين جماعة الحركة الإسلامية والحزبين الطائفيين الكبيرين. كما أن الفرق بين هذين الفريقين وطيف أحزاب اليسار ليس كبيرًا، أيضا، فقد اشتركت كل هذه القوى الحزبية في النزوع إلى الوصاية والإملاء الفوقي، واتخاذ العنف وسيلةً للوصول إلى السلطة. قام الشيوعيون، في يوليو/ تموز 1971، بانقلابٍ عسكريٍّ على نظام نميري. وقامت الجبهة الوطنية، المكونة من حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي والجبهة القومية الإسلامية، بغزو مسلح للخرطوم، منطلقةً من ليبيا، بدعمٍ ضخمٍ من الرئيس معمر القذافي، من أجل اقتلاع نظام نميري. وقام الإسلاميون في يونيو/ حزيران 1989 بالانقلاب على الحقبة البرلمانية الثالثة. وقام البعثيون، في عام 1991، بالانقلاب، على انقلاب الإسلاميين. وهناك محاولاتٌ انقلابية كثيرة، وقفت وراءها مختلف القوى الحزبية.
مثّلت الفترة الممتدة منذ الاستقلال بكل طيفها السياسي، يمينه ويساره ووسطه، نسقا أو نموذجا (برادايم) واحدًا، سماته الأساسية الفوقية والعنف، والإقصاء العرقي، والجهوي، والجندري، إضافة إلى العجز، والفشل في تنمية موارد البلاد، وإدارة الدولة، بكفاءة. والثورة الجارية الآن إنما تمثل، فيما أحسب، محاولةً لاستيلاد نموذجٍ جديدٍ خارجٍ عن مجمل الإطار السابق. ولكن، ربما جاز القول إن ملامح هذا "البرادايم" الجديد، المنتظر، وأبعاده المفاهيمية، لم تتبلور بعد، بالمستوى المطلوب. كما لم يكتمل بعد تشكُّل القوة التنظيمية، الحاملة له، والقادرة على وضعه، مكان "البرادايم" القديم.
مما يميز ثورة الشباب السوداني، الجارية حاليًا، عن كل ما سبقها من ثورات، سلميتها الصارمة، التي تميزت بها، وما أبدته، حتى الآن، من طولٍ في النفس. ونرجو أن تحافظ على كليهما. وعلى الرغم من أن شعار الشباب، المرفوع، هو "تسقط بس"، إلا أن تحقُّق هذا الشعار ربما جرى على مراحل، فلربما لا يسقط النظام، سريعًا، بالضربة القاضية. ولكن، من الواضح جدًاًّ، أن هذا الحراك الشبابي جاء ليبقى. ويبدو أن الحكومة التي فقدت مساحة المناورة أصبحت تدرك أن هذه الهبَّة لا تشبه سابقاتها. يدل على ذلك تراجع القتل، وتغيُّر لغة الخطاب، ومحاولة تقديم بعض التنازلات، للشباب.
ولكن المرجح ألّا يقبل الشباب تنازلات النظام، الشكلية، هذه، فالنظام لم يفهم، بعد، طبيعة هذا الحراك. بل هو ليس قادرًا، أصلاً، على فهمها. يضاف إلى ذلك أن الشباب لن يرضى بتغييرٍ سياسي، تمسك فيه بزمام الأمور، القوى الحزبية، مرةً أخرى، مثلما جرى بعد ثورتي أكتوبر 1964، وأبريل 1985، فقد تخطت حركة الشباب، النموذج (البرادايم) القديم، برمته؛ حكومةً ومعارضةً، وأصبحت عينها مصوّبةً على أفقٍ جديد. ولكن، لربما اضطر الواقع العملي القائم، الآن، الشباب، للقبول بسيطرة الأحزاب، فترةً قد تطول وقد تقصر. ولكن يبدو أن هذه الثورة سوف تستمر، بصورةٍ ما، حتى بعد سقوط النظام. ومن الراجح جدًا أن تمتلك، عبر الصراع، الرؤية الاستراتيجية الشاملة، بكل مكوّناتها. وأن تمتلك التنظيم، والطاقة المتجدّدة التي تضمن لها الاستدامة التي تبلغ أن تجعل من الشباب قوةً انتخابيةً رئيسةً، تسهم، عبر صندوق الاقتراع، في تشكيل صورة سودان المستقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.