«أنا مستهدف.. أنا مقصود.. الكل يتحدث عني بسوء».. عبارات قد نسمعها من أشخاص يعانون من الشك المرضي «الضلالي» أو الوهام وهم أشخاص يبدون أسوياء، ولكن عادة الشكوك والظنون تكون متحوصلة ومخفية عمدًا ويمتازون بالمنطق والقدرة على التعبير.. وهذا النوع من الاضطراب السلوكي قد يؤدي في كثير من الأحيان للمشكلات في العمل والأصدقاء وعلى مستوى الأسرة وربما يظل الشخص صاحب ذلك السلوك أسيرًا لشكوكه وأوهامه التي قد تدفعه دفعًا للإتيان بتصرفات وأفعال لا تحمد عقباها على مستوى حياته وحياة الآخرين.. «البيت الكبير» قام باستطلاع وسط فئات تمّ اختيارها عشوائيًا لمعرفة كيفية التعامل مع مثل هؤلاء الأشخاص وهل لنا مساعدتهم لكسب ثقة الناس من حولهم.. كما ختمنا استطلاعنا برأي الطب النفسي.. التقينا بداية السيدة «آمنه. س» وبمجرد سؤالنا لها أطرقت برأسها هنيهة ثم قالت: أنا لدي أحد أفراد عائلتي يعاني من هذا المرض إن صح التعبير فمثلاً عندما نكون جلوسًا في المناسبات التي تجمعنا كأسرة واحدة نجده يكون منطويًا على نفسه ويتشاغل عادة بجهازه الجوال أو التحديق بمن حوله بالرغم من أنه يشغل منصبًا مرموقًا في عمله وكثيرًا ماتحدثنا معه في هذا الأمر لكنه يصر على أن الجميع يتحدث عنه بسوء وأنه شخص غير محبوب، وقد باءت كل محاولاتنا بالفشل في إقناعه بعرض نفسه على طبيب نفسي لكنه يصر على أنه مقتنع جدًا بأفكاره وأن إحساسه لا يخيب. «كمال الدين .ع .م» موظف بإحدى المؤسسات الإعلامية أفادنا بقوله: هذه الحالة يعاني منها الكثيرون خاصة في مجال العمل والطريف في الأمر أنهم يصدقون أوهامهم تلك ويعيشون أسرى لها ويتوجهون وفق ما تمليه عليهم شكوكهم وظنونهم ومن الصعب جدًا إقناعهم بخطأ معتقداتهم وأفكارهم. «س. ع» ربة منزل أجابت بقولها: لدي أخت تعاني من تلك الإشكالية فمثلاً إذا كنا جلوسًا كأفراد أسرة واحدة، ولم تكن هي معنا وأتت صدفة من الخارج وسكتنا نحن عن الحديث من باب الترحيب بقدومها أو لأي سبب آخر، سرعان ما تنفعل وتتهمنا بالحديث عنها بسوء، وقد حاولنا معها مرارًا وتكرارًا بإقناعها بحبنا لها، وأيضا نعاني معها حال دعوتنا لمناسبة ما في إطار العائلة حيث تفتعل المشكلات بدعوى أن الجميع يتحدث عنها بسوء وأنهم يكرهونها بدون مبرر، وقد يتطور الأمر حد إجهاشها بالبكاء.. ولم تنفع محاولاتنا المتكررة معها بإقناعها بعرض نفسها على اختصاصي نفسي فهي المتضرر الأول والأخير. ختامًا كانت وقفتنا مع الدكتور: ياسر المنصوري اختصاصي المخ والأعصاب والطب النفسي حيث أفادنا قائلاً: اضطرابات الوهام «الضلال» هي اضطرابات ذهانية يكون العرض الرئيس وربما الأوحد هو وجود وهام مع عدم وجود أي دليل على إصابة المخ إصابة عضوية فيخلو صاحبها من أي أعراض وجدانية عاطفية كالتي تميز اضطرابات المزاج الكبرى.. ويتماشى مزاجه غالبًا مع محتوى الوهام ففي حالة وهام العظمة يكون مبتهجًا وفي حالة الاكتئاب يكون حزينًا، وقد سمي هذا المرض عبر تاريخه عدة مسميات مثل «برنويا» للمرضى الذين يشكُون في الآخرين و«مينومينيا» أو الجنون الأحادي، وتظل أسبابه الحقيقية مجهولة، ولكن هنالك اعتقاد بأنه نوع من الفصام أو اضطرابات المزاج وبالعودة للدراسات الوراثية نجد أنها أثبتت أن اضطرابات الوهام مستقلة عن غيرها وبالنسبة لأسبابه ربما تكون للتنشئة الاجتماعية من عزلة وعدم تحقيق الذات وفرط الحساسية واللجوء للحيل الدفاعية الزائدة مثل الإسقاط والإنكار والمغالاة تساعد في تكوين الوهام وتقود لسوء الظن والشكك في العلاقات بين الناس ربما يكون بسبب النشأة في جو أسري غير مراتبط يكون فيه الأب بعيدًا والأم متحكمة وقاسية.. وليس من السهل إقناع المريض بضرورة العلاج لإعتقاده بأنه على صواب دائمًا، ولكن يمكن إقناعه بالتدريج بدءًا بالإرشاد والتوجيه الديني والعمل على كسب ثقته ومحاولة إخراجه لأرض الواقع فإذا فشلت كل تلك الأساليب يجب الإسراع بعرضه على طبيب أو اختصاصي نفسي حتى لا يتطور المرض للحد الذي يجعله ربما يؤذي نفسه.