وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الفريق أول الركن ياسر عبدالرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تأملات في رؤية مانديلا للحوار « و كلام ساكت لدكتور حيدر إبراهيم »..عبد الدائم زمراوي المحامي *
نشر في الانتباهة يوم 14 - 04 - 2014

كان أبي -رحمه الله كعامة الناس في زمانه لم ينل قدراً يذكر من التعليم , إلا أن تجارب الحياة عركته و أورثته قدراً من الحكمة و بعد النظر. و بحكم سن الشباب كنت كثيراً ما أدخل معه في مجادلات في كثير من الشؤون الحياتية , إلا أن هناك أمراً واحداً كان مثار نقاش طويل بيننا , فأبى رحمه الله كان يرى أن ترك شعر الشارب وافراً دليل على قلة العقل , وكنت أرفض ذلك بشدة ، لكن شاء القدر يوماً أن نلقى رجلاً بتلك الهيئة و قد تصرف تصرفاً فيه الكثير من السفه- ضعف العقل إلا و أجد أبي قد إلتفت إلي قائلاً «خد عندك».
إطلعت على مقال لدكتور / حيدر إبراهيم في صحيفة الراكوبة الإلكترونية و قد تصدر المقال صورة له فرأيت شارباً وافراً فتذكرت أبي و دعوت له بالمغفرة .
المقال تحت عنوان « السودان و القدر الساخر أو عقلانية الحلو - مر»
يمكن تلخيص جوهر المقال في عبارة موجزة إلا و هي « استهزاء و سخرية بالعقل السوداني » مطلق السوداني.
لكن لماذا سخر الدكتور صاحب العقل « الإنجليزي» من العقل السوداني؟
السبب حسبما ذكر الدكتور هو الدعوة التي انطلقت «للحوار الوطني» نعم والله هذا هو السبب ؟ دعونا نستهل بمقدمة صاحب « العقل الإنجليزي» ماذا قال ؟ قال «هذا مقال رسالة للداعين لحوار مستحيل و المهرولين يحسبون السراب ماءً و لرافضه يعوزهم البديل الفعال الذي ينسف دعوة حوار المستهبلين».
أرأيتم كيف جمع الدكتور الأطياف السياسية كلها من دعا و من شارك و من عارض ، وكيف فات عليهم أن هذا حوار مستحيل ، إلا أن رحمة الله الواسعة أرسلت إليهم الدكتور ليخبرهم بذلك.
لكن لماذا يبدو في نظر « المفكر العملاق » هذا الحوار مستحيلاً ؟
قبل الإجابة أرى أن أورد المناسبة التي ذكرها الكاتب لكتابة مقاله , قال: « لهذا المقال مناسبة قد تبدو غريبة و لكنها منطقية حسب ما نعيشه هذه الأيام و هي مرور 60 عاماً على صدور كتاب الصحافي البريطاني «انتوني مان» الذي جاء لتغطية انتخابات الحكم الذاتي عام 1953م».
هذا الصحفي حسبماً أشار الدكتور أصدر كتاباً من وحي رحلته للسودان اسماه Where God Laughed ,The Sudan to Day .
وتساءل د. حيدر ما الذي رآه الخواجة فأوحى له بهذا العنوان ؟ وهذه الفكرة؟ أجاب الدكتور «من الواضح أن طريقة الانتخابات التي جاء لتغطيتها أثارت اهتمامه . فهو لم يجد برامج حزبية أو مناظرات فأورد صوراً لرموز المرشحين المرسومة على السبورة أو مدبسة على جلابيب مواطنين لتوجيه الناخبين ». إذاً سخرية الصحفي الإنجليزي مما رآه في عام 1953م و اختياره عنواناً مستفزاً لكتابه شكل مناسبة عظيمة للدكتور للاحتفاء بها و إيرادها لتكون منطلقاً لإيراد سخرية جديدة من «العقل السوداني». لكن ألا يدل إيراد تلك الواقعة على ضعف الهمة الوطنية إن لم نقل سقوطها ، أليست هي محاولة يائسة و بائسة لطي الحقائق التاريخية و تزييفها ، هل نُسلم فعلاً بما قاله الصحفي الإنجليزي بحسبان أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، ألا تذكر وقائع التاريخ، دور الرعيل الأول و ما رافق قيام مؤتمر الخرجين من مناظرات و مطارحات ، ألا يذكر التاريخ أطروحات الداعين للاتحاد تحت التاج المصري و أولئك المنادين بشعار السودان للسودانيين ، ألا نذكر مذكرة الخرجين للحاكم العام و مطالبتهم بحق تقرير المصير.
عندما تكون الأمة تحت الاستعمار ، ما هو البرنامج الذي يعلو و لا يعلى عليه غير جلاء للاستعمار و إحلال للقوى الوطنية مكانه ، لقد كانت الفترة من 1953م و حتى إعلان الاستقلال فترة انتقالية هدفها الأساسي « السودنة».
أما أن الشعارات مدبسة على الجلابيب ، فتلك مسؤولية من؟ مسؤولية السودانيين الذين قدموا عشرة آلاف شهيد في صباح يوم واحد في كرري في ثبات قل نظيره و اعترف به العدو قبل الصديق، حماية لبلادهم و حرياتهم و عقلهم الذي يدرك عظمة و قيمة تلك الحرية .
هل هي مسؤولية شعب أُخضع بقوة السلاح الناري لإرادة و إدارة إنجليزية حاربت انتشار التعليم دون هوادة ورغم ذلك لم تلن الإرادة الشعبية، فكان ما كان من أمر التعليم الأهلي.
ألم يكن من الوفاء لدماء الشهداء التي سالت في كرري و غيرها و تضحيات الآباء و المؤسسين ، بل ألم يكن من الوفاء لقيم الحرية و المساواة و النضال ورفض الممارسات الاستعمارية، أن يُنتقد الصحفي الإنجليزي و كتاباته التي تجاهلت دور حكومته الاستعمارية، في تجهيل السودانيين و إذلالهم و سرقة خيرات بلادهم ، أم أن عقل الدكتور «الإنجليزي» مبرمج على حب أصحاب العيون الزرقاء.
أرأيتم كيف احتفل الدكتور بمرور «60» عاماً على صدور كتاب الصحفي الإنجليزي ؟ ثم استطرد الدكتور قائلاً سؤالي و حافزي لهذا المقال : هل ما زال القدر يضحك على ما يجري في هذه البلاد أم أنه صار ضحكاً كالبكاء!!؟ و لأن الدكتور محب للعقل «الإنجليزي » لم يفته شرف الإستشهاد به فقد قال لقد لاحظ «مان» تساكن المتناقضات لدى السودانيين. عود على بدء ، لماذا رأى الدكتور أن الحوار مستحيل كما أشرنا في صدر المقال؟
لقد أورد الدكتور أسباباً لذلك ، السبب الأول الذي ذكره أجمله فيما يلي «من البديهيات أن أي حوار مهما كان مجاله فلسفياً أو دينياً، مشروط بالحرية المطلقة و عدم وجود ما يهدد المرء لو عبر عن آرائه كما تدور في رأسه». بعد أن أورد هذا السبب عاد سيادة الدكتور ليبين لنا « تناقض العقل السوداني » فقال « ولكن عبث السودانيين و سخرية القدر منهم أنهم يتحاورون تحت ظل ترسانة القيود الأمنية و تحت سيطرة جهاز يظن أنه القضاء و القدر ......الخ».
ثم عاد مجدداً ليؤكد تناقض «العقل السوداني» فقال « وقد يرى السودانيون في الوضع الراهن، بعضاً من تفرد السودانيين الذي يميزهم عن بقية الناس ، فهم يمكن خلافاً للطبيعة أن يتحاوروا تحت رعاية أكبر امنوقراطية معاصرة و أكثرها قمعاً و تخلفاً».
ثم ما هي بقية الأسباب التي تجعل الحوار مستحيلاً يا دكتور يا صاحب « العقل الإنجليزي». قال سيادته ما يلي « من مقومات أي حوار الاتفاق حول حد أدنى من القضايا لتجنب ما يسمى بحوار الطرشان».
أرأيتم كيف كشف لنا سيادة الدكتور أسباب إستحالة هذا الحوار؟
ليت المناضل العظيم «مانديلا» كان حياً لأنقل له هذه «الفتوحات الإنجليزية » لابن إبراهيم و أشرح له كيف أخطأ خطأً تاريخياً وهو يحاور نظام دي كليرك العنصري في جنوب أفريقيا.
لماذا يا «مانديلا» حاورت نظاماً عنصريا ًيعتبر الجنس الأبيض أرقى مقاماً من السود؟ لماذا حاورت نظاماً يبطش بالأغلبية و يقمعها و يقتلها ،؟لماذا حاورت نظاماً يجعل للسود مدارسهم و مطاعمهم و أنديتهم و يجعل للبيض مثلها ؟لماذا حاورت نظاماً يقيم «كانتوانات» من الصفيح ليزدحهم فيها السود، بينما الأقلية البيضاء مترفة ؟ لماذا يا «مانديلا» حاورت نظاماً سجنك ورفقاء النضال «26» عاماً مع الأشغال الشاقة؟
ماذا كسبنا يا « مانديلا» من محاورتك لنظام «دي كليرك» هل جنينا إلا جمهورية تعترف أن البشر سواء أياً كان لونهم ، ألم تورثنا جمهوريتك ديمقراطية تعترف بحق الأغلبية، و مواطنة، و عيش مشترك بين كافة أطياف شعب الجنوب الأفريقي.
ألم ينتج عن حوارك للنظام العنصري يا منديلا- إن قبلت بما سميته الحقيقة و المصالحة، عوضاً عن المحاكمة و القصاص.
لكن عفواً «مانديلا» نم قرير العين أيها المناضل العظيم فقد أثنى « العقل العالمي» على شجاعتك و إنسانيتك ورجاحة عقلك و بعد نظرك و ترفّعك عن الثأر، لقد خلقت أيها المناضل العظيم واقعاً تفتخر به أفريقيا و غدا العالم يحتذيه مثلاً في قهر المستحيل.
للعجب أو للأسف لم ير الدكتور في القضايا التي طرحها رئيس الجمهورية، كمحاور للنقاش و التداول وهي قضايا السلام و الديمقراطية، و التداول السلمي للسلطة، و قضايا الاقتصاد ، و ما تدافعت به القوى السياسية المشاركة، من ضرورة تشكيل حكومة انتقالية، تشرف على إنفاذ ما يتفق عليه بشأن تلك القضايا، و تعد القوانين لانتخابات قادمة، و تشكيل آلية مستقلة لإدارة الحوار ، أو ما اشترطته القوى الرافضة، من وجوب تهيئة مناخ الحوار بإلغاء القوانين المقيدة للحريات و إطلاق سراح المعتقلين ووقف الحرب. لم ير الدكتور في اعتراف النظام القائم صراحة أو ضمناً -و إقراره بفشله في تحمل الأعباء لوحده، و سعيه مكرهاً أو قناعة لالتماس العون لإخراج البلاد مما هي فيه ، لم ير في كل ذلك إلا دليلاً على تناقض «العقل السوداني » و تهافته.
لا يأبه الدكتور كثيراً للآراء الصادرة من الجهات الإقليمية و العالمية، كالاتحاد الأفريقي و مجلس الأمن أو الدول الصديقة و الشقيقة، التي أشادت بالحوار بحسبان أنه منهج إنساني رفيع لحل النزاعات و الخلافات ، وحثت كافة الفرقاء السودانيين للمشاركة فيه.
كان المأمول و قد رفض الدكتور الحوار المطروح و عده مستحيلاً، أن يتكرم و يكتب لهذا الشعب المسكين روشتة علاج يتلمس بها طريقه نحو الخلاص ، ولكن ماذا سيقول الدكتور ؟ هل سيقول حاربوا النظام القمعي و أسقطوه ؟ لقد فعلنا و ما زلنا نفعل في جنوب كردفان و دارفور و لم نحصل من ذلك إلا على دمار و خراب للممتلكات و إزهاق للأنفس البريئة، أم نقوم بانتفاضة أخرى فقد جربنا و لم نستطع هذا البديل الفعال كما أشار ، مالي أرى الدكتور ضنيناً و بخيلاً برأيه الصائب كحال تلك الإعرابية التي خلدها الشاعر بالقول:-
قوم إذا إستنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار
فتمنع البول شحاً أن تجود به و لا تجود به إلا بمقدار
يبدو أن تناقض « العقل السوداني» قد شغل عقل الدكتور «الانجليزي»، فطفق ينقب في التاريخ عساه يجد شواهد على دعواه ، ثم أتانا كما فعل العالم «أرخميدس » من قبل قائلاً وجدتها وجدتها، و لفرحة العالم كان عارياً من ملابسه، أما الدكتور فمن المؤكد أنه كان عارياً من عقله.
أما الحادثة التاريخية، فقد ذكر الدكتور أن سبب غزو الملك بادي أبو قرون لمملكة تقلي إنما كان انتقاماً لصديق له، أسره ملك تقلي و تحادث معه بما يفيد عجز الملك بادي من الوصول إليه ، ثم بين أن الجيشين كانا يتقاتلان نهاراً و يكرم أحدهما الآخر ليلاً بحمل الطعام له ، ثم خلص الدكتور من هذه الحادثة للقول « هذه عقول حكام يستخفون بأرواح البشر حروب تندلع لأسباب تافهة و تتوقف لأسباب أتفه ، قوم يتقاتلون نهاراً و يكرمون أعداءهم مساءً و يعاملونهم كضيوف عقل مضطرب تتداخل فيه الأسباب و النتائج ، أو تختلف فيه المقدمات عن النتائج النهائية».
إن الأمانة التاريخية لتدعونا أن نتحقق أولاً من حقيقة الاقتتال و سببه ، ولقد علمتنا تجارب التاريخ كم من سبب ظاهر للحرب، خلافاً للأسباب الحقيقية المستبطنة في عقول القادة ، وكم من أسباب يُقصد بها ذر الرماد في العيون أو الإستهزاء أو السخرية من الخصوم.
لكن أياً كان الأمر فلن يجد منا الدكتور إلا إدانة لأي سفك لدم لأسباب غير مشروعة.
لكن السؤال هل اختص « العقل السوداني» و انفرد بتلك المزية و صارت حكراً و ماركة مسجلة له ؟ أم أن ذلك أمر أياً كان موقفنا منه شائع بين بني البشر على مر الحقب و الأزمان .
ثم ندعو الدكتور ليوضح لنا أسباب قيام الحرب العالمية الأولى التي أفنت الملايين و هدمت المدن ، بل لماذا نذهب بعيداً ، فليوضح لنا الدكتور ما هي الأفكار و الدوافع التي قادت القائد الألماني أدولف هتلر لقتل الآلاف من البشر من اليهود و غيرهم و دفعت ضمن أسباب أخرى لقيام الحرب العالمية الثانية بكل أهوالها و عذاباتها و ما عانته البشرية جرَّاء ذلك؟
الشعب أو الأمة يا سيادة الدكتور لا يحكم عليها فقط بمجرد تصرفات من حاكم مستبد باطش، حتى لو كانت له حاشية من المنتفعين و المنافقين و حارقي النحور.
إن حملة الدكتور على « العقل السوداني » لم تكتمل بعد فقد قال « يكشف مهرجان الحوار المنصوب
هذه الأيام عن عقل التناقضات و المفارقات الذي يثقل كاهل الإنسان لتاريخ طويل ، فهي تتساكن وتتعايش دون أن يحاول أحدهما طرد الآخر و لهذا ظللنا ننعم بهذا التفكير المشوش و الغرائبي الغارق في الغيبيات و الخرافات ولم يفلح التعليم الحديث و الاحتكاك مع الآخر في تغييره؟
أنظر إلى هذه التعابير الملتوية و المتوارية ، نسأل الدكتور ما هو التفكير المشوش و الغرائبي؟.
أرجو ألَّا يقفز الدكتور ليتهمنا بالإرهاب الفكري و مصادرة حقه فيما يعتقد ،لا ، لكن من حقنا و قد ساق كل تلك الإتهامات «للعقل السوداني» أن نعرف ماذا يقصد الدكتور بتلك العبارات الملتبسة.
وفي ذات استطراده عن « العقل السوداني» ختم الدكتور مقاله بأن وصف التفكير و العقلانية السودانية بالقول أسميتها « عقلانية الحلو مر، لأنها لا تستطيع أو لا تريد أن تحدد هل هو حلو أم مر و نحن الذين نقول كلام ساكت نجعل الكلام ساكتاً بسر حرف كن!!».
نعم « العقل السوداني» يا دكتور يؤمن بسر حرف «كن» لمليك جبار مقتدر ، هذا أمر لا شك فيه لدينا ، و التعليم الحديث الذي أشرت إليه و الاحتكاك مع الآخر لم يزد إيماننا بذلك إلا قوة و عمقاً ، لأننا نرى آيات ذلك في الآفاق و في الأنفس بل أن غيرنا ممن له باع أطول في العلوم الحديثة قادته معرفتة للإيمان بالمليك الجبار صاحب سر حرف «كن».
أما إيرادك لعبارتي «كلام ساكت» و «الحلو ، مر» للدلالة على تهافت و تناقض « العقل السوداني » فألتمس لك العذر في المقولة السائرة « من جهل شيئاً عاداه» فعبارة «كلام ساكت» أصلها «كلامك كالساكت» و لأن المثل يحسن فيه الإيجاز و السهولة فقد حذف الضمير و أداة التشبيه فصار «كلام ساكت» و هذه من درر « العقل السوداني» و هي ليست منبتة، فلها أصل شرعي و عقلي يشهد لها ، فالقاعدة كما قررها الفقه و القانون هي « لا يُنسب لساكتٍ قول ولكن السكوت في معرض الحاجة لبيان بيان» فالساكت لا رأي له في الأمر المطروح ، فأخذها العقل السوداني ووصف بها الكلام الذي لا قيمة له ، فجعل المتكلم و الساكت سيان و هو عين ما تفضلت به علينا. أما حديثك عن « الحلو , مر » و أن «العقل السوداني» لا يريد أن يحدد هل هو حلو أم مر ، فلا أجد مقولة تنطبق عليه أصدق من القول «إنما شفاء العيَّ السؤال» فقد خيل لك عقلك أن المر هو نقيض الحلو ، ولكن ليس الأمر كما ذهبت إليه ، فنقيض الحلو في العامية السودانية هو المسيخ و أظنك سمعت بالدعاء «تمسخ عليك عيشتك » «و المر» في اللسان السوداني بمعنى حادق أو لاذع , فهو شراب حلو لكنه لاذع المذاق ، وأحسبك قد سمعت قول بعضهم «شرابنا المر » و لو تدبرت قليلاً في مكونات هذا الشراب لأدركت الحكمة من وراء التسمية .
لكن أهم من ذلك كله أن يبين لنا سيادة الدكتور و هو الموصوف بأنه رجل أكاديمي و صاحب مركز للدراسات، المنهج الذي يسمح له أن يتبنى وصفاً « لعقل شعبٍ» إستناداً على عبارتين وواقعة تاريخية يتيمة إن صحت ، «شعب» يا سيادة الدكتور ليس كماً مهملاً ملقى على قارعة الحضارة البشرية ، بل فاعل أصيل شيّد حضارة قبل آلاف السنين تقف شاهدة عليها الأهرامات و الآثار في نوري و البركل و النقعة و المصورات ، ناهيك عن الممالك و السلطنات الأخرى التي سادت في طول البلاد و عرضها . هل هذا حقاً منهج علمي ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون كره فكري لطائفة اختلط مع إحن و غضب ربما كان وليد فعل ظالم من قِبل النظام. أياً كان الأمر فقد علمني معترك الحياة العامة، أن بعض المنظمات الطوعية و مراكز الدراسات تقتات على مصائب الشعوب و أزماتها ، ولذلك تحذر من أن يظهر في الأفق بريق أمل في حلها ، و إن قُدر له أن يظهر فسرعان ما تتناوشه بالأساليب التي خبرتها ، وأحسب أن وصف الحوار بالمستحيل، و شيطنة كل من يسعى إليه ليس ببعيد من تلك الأساليب.
* وكيل وزارة العدل السابق و قاضي محكمة الاستئناف الأسبق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.