السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



روزمين الصياد: كَنَائِنُ الْمَوْتِ .. هَشَاشَةُ الْعَسَلْ
نشر في النيلين يوم 05 - 10 - 2010


1،2
يستوقفك التكوين عند مداخل الحياة المتناثرة على جنبات الأفق وأنت تحاول التسلل إلى عمق الحرف حين يبادر بالدهشة الأولى نضارة وضياء. فبعد أن ارتحلنا عبر دهاليز اللغة النابضة بالعشق الممكن والناتئ من صخور الحلم صحواً سرمدياً يتواصل التدفق عبر صهيل الأرصفة لكون جديد تصنعه امرأة من حزن واستبرق فيتحول الشجن في لمحة التطلع البريء إلى حالة من الفرح الأنيق. هي روزمين الصياد تعود مرة أخرى تحمل في يدها اليسرى بستان حنين (إلى رجل قد يأتي) عند منتصف الحضور لتنقلنا عبر ممرات الصفاء لكنائن الموت التي لا تبقى على أغصان العطر إلا حين ترتشفها شفاه أميرات النحل لتخرجها شهداً نقياً كصوتها الشعري المتفرد وهي تجلس كملكة على عرش الفصول تصنع نبيذ العافية سلسلاً من شفاء. أما في يدها اليمنى فينساب البحر لشواطيء لا ترتوي إلا بعطش الشوق لنغمها الجميل.
إصدارة جديدة رائعة تجعلني أحتفي بها أيما احتفاء لأن أدب المرأة حين يتحدى غيوم البؤس في وطني يتطلع إلى زخم نابض بالعطاء. خمس وعشرون قصيدة يمثل كل حرف منها في إصدارة صغيرة في عدد أوراقها وكبيرة في إبداعها ومعانيها تجعلك تدرك منذ الوهلة الأولى أنك راحل للا ملتقى على صراط اليقين.
التهنئة من قبل ومن بعد لهذا التحدي البديع الذي وهبته لنا روزمين وجعلتنا نبتدر رمس الريح نتوءاً للخطايا فنلتقي هنا على مرافيء دمعة تهم أن تذوب في خد الوجع النبيل:
ريحٌ لَمْ يَرُقْهَا الْخَارِجْ
فَبَذَرَتْ رِمْسَهَا في رئَتِي الْيُسْرَى..
تُصَفِّقُ جُذُورَهَا بكَرَيَاتِ
دَمِيَ الطِّينيَّةِ..
تَمْتَصُّ حُرُوفًا مَائيَّةً
كُنْتُ أخْتَزِنُهَا لتَمُّوزَ الأخيرِ
لَمْبَاتُ النّيُون تَغْمِزُ
غَمْزَةً مَاكِرَةً ..
نَحْنُ مَنْ نَمْنَحُهَا أشْبَاحَ مَاضينَا
ثُمَّ نُصَفِّقُ لِمُعْجِزَةِ الْكهْرَبَاءْ
تَؤُوبُ الأوْعِيَةُ بِسَرَابِ الْفِرْدَوْسِ
إلَى نَهْرِهَا الْقَديم ..
الرَّاصِدُ لَمْ يَتَخَلَّقْ بَعْدُ
لُزُوجَةُ السّدفَة تَتَشَبَّثُ
بِجَفَافِ الأحْلامْ..
يَا تُرَى هَلْ سَتَبُوءُ
يَدِي بِشَيْءٍ إنْ مَدَدْتُهَا خَارِجًا ؟
أمْ هِيَ حَفْنَةُ الأزْهَارِ الْمُتَيَبِّسَةِ
وَأزيزُ سيَّارَةٍ فَارَّةٍ
مِنْ صُفْرَةِ الْغَابِ
إلَى حُمْرَةِ شَارَةِ الْمُرُورْ
ولئن تذوب في عطرها وتشتهيها بحواس سبع، يرفلك النهر في وادي من دماء:
لِكَيْ تُحِبّني..
يَكْفي بأنْ تَرَى نُتُوءَ الْخَطَايَا
عَلَى جِلْديَ الأمْلَسْ..
يَكْفي أنْ تَقْرَأَ قصائدي الَّتي أكتُبُ
في الطَّوْرِ غَيْرِ الْمَلائكيّ
مِنْ غَيْرِ أنْ تَتْلُوَ عَلَى رَأسِهَا الْمَحْمُومِ
آيَاتٍ طَارِدةً للشَّيَاطين ..
هي شياطين الوحي المقدس رؤى وعبق وردي وانبهار، فكل حرف يتحول لمطارات في شرايين الروح قطباً استوائياً وسلطاناً يشتهي وجوه النساء اللواتي لا يخشين طرح الأسى على رذاذ المطر. هو الدخول إليك عبر بوابة الشهوة لبلاد لايموت في الصباح نهرها المفترض يا امرأة دائرية وقدر محتمل:
أحْقِنُ أوْرِدَتي بالْحِبْرِ الأحْمَرِ
أقْضِمُ بَعْضًا مِنْ تُفَّاحَةِ جَوْفي
أعْلِنُ مَعْصيَتي،
وَصَبِّي
بَدَدِّي
أُطْرَد ..أُنْفَى..نَحْوَ نَوَاتي
وَأُخْلُدُ بسديمِ الْمُطْلَق
انْظُرُ حَوْلي ..
مَا زِلْتُ هُنَا.
فَرْدًا مِنْ مُجتَمَعِ السَّمَكِ الْمَيِّتِ
يَجْذِبُني الْقَاعُ،
يَرْشُقُني قنْديلُ الْمَاءِ الآسِنِ بالضَّوْءِ ..
الضَّوْءُ السَّاقِطُ مِنِّي فيهْ
أطْفُو بمشيئةِ عُشْبِ الزِّيفِ
ثُمَّ أَؤُولُ إلَيَّ..
هذه الأغنيات التي تنساب في صباح منمق برنين المساء تمتطي عذب الشهوة حين تصبح الحياة مفترقاً لظل يطول فينتفض الضوء خافتاً في عيون الأصيل ونحن نفترش أزيز الليل وهو يرنو لوقار النسق ومسرة تجعل النشوة ترتعش خضرة حين ينطلق العناق من سجن النوايا ألقاً مجسماً في مرايا العصر وردة ولهجة مستعارة من الطير والريح وحبوب اللقاح:
هَأنْتَ تَنْضَوِي إلَى ثُبَةِ التُّعَسَاءِ
وتُغَادِرُ رَصَانَةَ أصْدِقَاءِ السُّوءْ
غَيْرَ عَابيءٍ أنَّكَ تُعَرِّقُ في التُّرْبَةِ
الَّتي لا تَنْتَمي للْمَكَان..
ثُمَّ تُدْهَشُ..هَكَذَا ..فَجْأةً ..
إنَّ مَذَاقَ الثَّمَرِ يَتيمٌ !!
تَنْظُرُ للنَّهْرِ..
وَوَجْهٌ لا يَشْبَهُكَ،
يُحَدِّقُ فيكَ
يُقَهْقِهُ عُلُوَّ الصَّوْتِ كَمَا الْمَوْتْ ..
( فولكانوس ) يَهْديكَ كِتَافُكَ
عَصبًا مِنْ سَاقَيْك
وَحْدي..وَحْدَك ..
وَاحِدْ .. وَحيدٌ..
وَحْدَةٌ ..وَحْدَتي..
أوْحَد..وَحْدَويٌّ..
أنَا هُنَا رُغْمَ وَحْدَتي..
أوْرَاقيَ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ
وَالْمَاءُ يُكَابِدُ غَلْوَاءَ الْمَاءِ
وَلا يَبْتلُّ ..
حَرِيٌّ بِأَنَّا أنْ أحْيَا حُضُوري
أنَا قَدْ أتَيْتُ ..
هُمْ مَنْ تَأَخَّرَوْا ..
ثُمَّ تَعْدُو حَذْوَ النَّهْرِ
كَمَا الْهَارب مِنْك
لَكِن ! لا نَهْرْ ..
من يسترق النظر إليك يركض كالرمح بين البنفسج وقبور اللغة القديمة وانت تجددين في عيون الفتى كل عرى الخيال تجربة من غوص يفتح محارات البحر للآليء الغياب المتعمد عن نافذة البحر وهي ترتقبك عند الرحيل نخلة من رحيق:
مَوَدَّةٌ وَرَحْمَة ..
هِبَةُ السَّمَاءِ للشِّفَاهِ التَّائقَةِ
إلَى هَشَاشَةِ الْعَسَل..
مَا أُريدُهُ أكْثَرَ مِنْ هِبَاتٍ
قَدْ يَنَالهَا الْجَميعُ..
أُريدُ هِبَتَكَ أنْتَ..
حَتَّى تَبْتَلَّ النَّافِذَةُ
بِلُزُوجَةِ الضَّوْءِ
الغَيْرِ قابِلِ للإنْكِسَارْ ..
وَتَنْبَجِسُ عَنْ عَيْنِ الْعَتْمَةِ
شَمْسٌ أكْثَرُ رَأفَةً
بِقُلُوبِ الشَّمْعِ
لا لن تموت على عتبات الأغنيات كلمات امرأة سكبت دماء الليل على عروق الضياء فاخضرت السماء واستطابت العيون راضية مرضية. تسحرني هذه النغمات الجريئة بطفولة الحريق فهلا رحمت فؤاد الموج من تعب المد المبارك وجزر الرحيل؟
قَبْلَمَا الْمَرَّةِ الأولَى
الَّتي بَكَتْ فيها الأرْضُ
جَرَّاءَ عُقُوقِ الشَّجَرْ
كانَتِ الْحَيَاةُ..
ثُمَّ مُتْنَا..
وَهَأنْتَ تَضْرِمُ في عَبَثيَّةِ الْمَوْتِ
نارَ الْحَيَاة..
لَمْ تَمُتْ،
فَهَا هِيَ آلافُ الْعَصَافيرِ
تَتَنَاسَلُ مِنْ جَسَدِك
تَرْأبُ بزقزَقَتِهَا سَمجَ التَّحْليقِ
في سَقْفِ بِلادِنَا الرَّمْلِيِّ
لَمْ تَمُتْ
لَكِنَّهُ دَمُكَ يَنْدَغِمُ والرِّيحُ
غَيْرَ آبِهٍ بذِئَابِ الْلَّيْلْ
ثُمَّ يَحُطُّ هُنَاكَ عَلَى أعْلَى شَجَرَةٍ
في الْغَابْ
زَيْتًا لِمِصْبَاحٍ عَارمِ الضَّوْءِ
لَمْ تَمُتْ،
فَهَا هِيَ ضَحكَاتُكَ تَنَامُ بِجَانبي
عَاريةً كالسَّيْفْ ..
غَضَّةً كالْقُطْنْ ..
لَمْ تَمُتْ،
فَأنْتَ هَا هُنَا
مَا زِلْتَ مُمْسِكًا يَدِي
مُمْعِنًا في الْقُبْلَةِ
وَكَأنَّمَا شَهْوةُ الْحَيَاةِ
مَا تَفَوَّقَتْ عَلَيْك
(ونواصل)..
{ مدخل للخروج:
كُنَّا نُعَبِّيءُ الْفَرَاغَ بِالْمَاءِ.. وَكانَ الْقَمَرُ يَغْسِلُ عَنْ أقْدَامِهِ وَحَلَ شَوَارِعِ حَارَتِنَا.. الْبَحْرُ يَخْتَلِقُ أُكْذُوبةً جَديدةً.. أسْمَالٌ وَاهِنَةٌ تَرْتَمي عَلَى الشَّطِّ تَرْسُفُ في عَرَقٍ كُحُوليٍّ وَشَبَقٍ لَمْ تَقْلِمْ أظَافِرَهْ كَآبَةُ الشَّمْسِ.. (روزمين الصياد).
--------------------------------------------------------------------------
نواصل القراءة الأخيرة في (كنائن الموت.. هشاشة العسل) لشاعرتنا النبيلة روزمين الصياد ثم ندع للقاريء الكريم بعد ذلك مهمة السياحة في مكتبات العالم ودهاليز الانترنت ليجد هذا الديوان الساحر كما وجدته أنا فسافر بي لردهات القمر على أشعة النشوة التي تسلقتها سعيداً وصاحياً ومذهولاً بكل لحظات الإستمتاع الجريء.
استوقفت كثيراً على عتبات مرمرية وأنا أهم بالدخول لأي بيت في قصائد هذا الديوان المتزن. وجدت الحزن ينبض بين أجنحة الفرح وبين مرارة القسوة التي يبتدرها أصحاب الهوى بلا انصاف أو هوية. هكذا فتحت روزمين الصمت باباً لرعد يصدح بالبرق ورذاذ المطر، وبرغم أن اسوأ الرجال صفضدته مواقيت الصيام لأن لدى شاعريتها أسوأ الاحتمالات لا تسعها بوابة الظن، وأسوأ الرجال لا يأتون عبر منافذ سلكها الضوء يوماً فكان هذا المقطع مدخلاً لرؤاها الصادقة:
بإمْكَانِكِ تَرْكُ النَّافذَةِ مُشْرَعَةً
فلا شَيْءَ هُنَاكَ سِوَى نَسْرٍ أعْمَى
..وَبإمْكَانِكِ تَرْكُ الْبَابِ مُوَارَبًا
فَأسْوَأُ الاِحْتِمَالاتِ لا
تَسَعُهَا بَوَّابَةُ الظَّنِّ،
وَأسْوَأُ الرِّجَالِ لا يَأتُونَ
عَبْرَ مَنَافِذَ سَلَكَهَا الضَّوْءُ يَوْمًا
لَيْسَ سيِّئًا مَنْ يُطْفِيء أعْقَابَ سَجَائرِهِ
عَلَى جَبينِكَ نَهَارًا،
وَيُقَبِّلُ ذَاتَ الْمِطْفَأةِ نِهَايَاتِ الْلَّيْلِ
وَلَيْسَ سَيِّئًا جِدًّا
مَنْ يَحْثُو كُثْبَانَ بُؤْسِهْ
عَلَى السَّريرِ
فَحينًا يَخِزُ سَاعِدَكَ
دَبُّوسُ شَعْرِ إحْدَاهُنَّ
وَتَارَةً يَلْتَفُّ بِسَاقِكَ
) سوتيان ( أُخْرَى
أسْوَأُ الرِّجَالِ مَنْ يَأتُونَ مَنَامَكَ
يَنْشُرُونَ الْقَمْلَ في وَعْدِ الْيَقينِ
فَتَصْحينَ كُلَّ يَوْمٍ
في جَوْفِ الْيَمِّ
وَعَلَى جَفْنَيْكِ كِيسا رَمْلِ.
يهرب النمل من بيوت المشركين ليلتقي على دفقات النور مسارب الفرح الوسيم. هو افتتاح المدى لقمر يجعل الليل يلبس ثوب العزوف عن صمت المراكب وهي ترحل في الصباح لشط نضير يجعلنا نتواصل ونواصل قراءة الحمد المبارك لكلمات تصلي على فاتحة الشهوة نافلة وجمعة وفجر وعشاء.
بعد محطات الإحباط التي لم تسلب الشعر عافيته جاءت روزمين بحمامة وشجرة ظليلة تتدثر بملاءة جدتها التي لم تعرف الموت القديم:
ثَمَّةَ حَمَامَةٌ حَطَّتْ عَلَى
شَيْخُوخَةِ شَجَرَةِ النِّيمِ
الْمُحَاذيَةِ للْبَابِ الزِّنْكِيِّ..
تَقَلَّصَ ظِلُّهَا تَدْريجيًّا حَتَّى
عَادَ إلَى نِصَابِهِ ..
لا شَيْءَ ..
( منيرفا ) تُعَاوِدُ مُحَاصَرَةَ
الظِّلِّ الَّذي كَانَ
بالطُّبْشُور..
الْلَّبْلابُ في الْعَريشَةِ
سَادِرٌ في الْمَكيدَةِ،
وَالشَّايُ الأحْمَرُ بالنَّعْنَاعِ
يَنْبَري للشَّائعَاتِ..
لَمْ تَمُتْ جَدَّتي
لا أدْرِي كَيْفَ أبْدَلْنَا
مُلاءَتَهَا الْمُطَرَّزَةَ بالقُطبةِ
بالسَّرَاميكِ الصِّينيِّ..
أدهشتني أحرف الموت حرفاً حرفاً وكان الألف اللام الميم الواو التاء أنشودة لحياة تطول بمقدرتها على انتزاع الجمل من معاني الكلمات أبياتاً مركبة على قارعة الإبداع نغماً ساحراً بالفعل:
وَهَجُ الشَّمْسِ يَرْسُمُ عَلَى
سَطْحِ الْمَاءِ فأسًا..
ترْيَاقًا ضِدَّ مَا يَعْتَوِرُ
الْقَوَاقِع مِنْ الْعُزْلَةِ
فَأتَهَيَّأ للتَّصَحُّرِ
وفي ختام أحرف الموت كانت شرفات الموت كنائناً لشهد معتق:
هُنَاكَ في الأعْلَى
شُرْطِيُّ النِّظَامِ الْعَامِّ
يُطَارِدُ رِفَاقَهُ
حَامِلًا كَنَائِنَ الْمَوْتِ
يَرْميهِمْ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرْ
ثُمَّ يَرْمي نَفْسَهُ
بِآخِرِ سَهْمٍ في جَعْبَتِهْ...
الْعَاشِقُونَ يَحْسَبُونَهُ ( كَيوبيد )
صَهْ...
إنَّهُمْ مَاضُونَ في تَقْبيلِ حَبيبَاتِهِمْ
ونحن ماضون في ارتشاف رحيقك نغني ونتجرع نخب محبتك عشقاً سلسبيلاً يجعل الصمت أمام كلماتك البهية جمال في حرم الجمال:
يَتَصَاعَدُ دُخَانُ أُغنيَةٍ سَمْرَاءَ
مِنْ حَريقِ أضْغَاثِ اللَّيْلِ،،
يَنْمُو عمْلاقًا كَتَأنيبِ الضَّميرْ
يَتَجَلَّلُ الْفَرَاغُ باحِثًا عَنْ ثُقْبِ مَا،
مَنْفَذًا في جِدَارِ الْعَدَمْ..
الثُّوَّارُ عَافَوْا احْتِسَاءَ مَاضيهِمْ..
أُمِّي تَضَعُ الْكَمَّادَاتِ
عَلَى قَتَامَةِ الأسْئلَة،
وَبُطُونٌ مَلأَى بكَثَافَةِ الْمَنْفَى ..
يَدٌ صَاخِبَةُ الْحُضُورِ
تَخْتَرِقُ وَقْرَ السَّقْفِ
تَهُشُّ الدُّخَانَ
فَطَنينُ الْبَاعُوضِ يُضْجِرُ
قَاطِنيَ الدَّوْرِ الْعُلْويّ
تَبًّا لِتِلْكَ الْملاريَا
الَّتي لا تَبْرَح جُثَّةَ جَدِّي..
ونمر على بوابات تقبع وراء جدران البحر وفي منتصف الجسر كان صوتها معلقاً بين الموج وبين النجوم المتكلسة بعيون المودعين بقطفون ثمار الشوق قصعات ملأى بالزبد والبحر حزين:
رَحَلَتْ؟؟
كَيْفَ وَمَجيئُهَا مَا زَالَ
عَالقًا في مُنتصَفِ الْجِسْرْ ؟
صِفْرٌ وَخيمٌ يَتَهَدَّلُ
عَلَى دَفَّةِ صَوْتِهَا..
مَقْطَعٌ موسيقيٌّ لَمْ يَرْعَوِ
يَثِبُ أعْلَى ظِلِّ النُّقْطَةِ
أعْلَى شَارَاتِ قائدِ الأوركسترا..
عَلَى مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ إلَى أُذُنٍ
مَا زَالَتْ تُصْغي،
يَتَوَاءَمُ وَقَمَرٌ يَرْقُصُ ( السَّالسا )..
يَطْوي الْبَحْرَ قَرْحُ عُزْلَتِهِ،
فَتَنْدَلِقَ أسْمَاكُهُ أقْصَى
مِنْ تَوَقُّعَاتِ أقْدَامٍ عَاريَةٍ
تَهَابُ هَسيسَ الزّبدْ....
الْكَوْنُ كُلُّهُ أُذُنٌ وَاحِدَةٌ كُبْرَى
تُصْغِي لِجَميعِ الأغْنيَاتِ
وَلا تَطْرَبُ إلا لِلَحْنٍ
هَرَبَ مِنْ حَنُوطِ الْحِبْرْ...
لا يشبع الطير من رهط الندى وحبيبات البريق تتساقط رطباً في أحشاء الصباح. ما هزنا عصب الفراق ولا ارتوينا من هديل الحلم نخباً ولا انشطرنا في سماء الوهم أمزجة يطوقها الرنين. أينما أحللت يا روزمين يستبق الليل النهار ليستضيء بظل رؤياك الوريف:
مَا زِلْنَا نَتَأرْجَحُ
عَلَى حِبَالِنَا الصَّوْتيَّةِ..
نَسْبِرُ دُجَنَ الأصْوَاتِ
عَلَى دَفَّتَيِ الْقَافِلَةِ..
صِفْري عَلامَةُ الْقِسْمَةِ
الْحَادي الأخْرَسُ،
يُمْسِكُ بالرَّسَنِ وَكَأنَّهُ
فَعَلَ ثَرْثَرَتَهُ الْيتيمَةَ..
الدَّرْويشُ بِجِلْبَابِهِ
الْمُرَقَّعِ بِجُلُودِ الْمَوْتَى
مَصْلُوبٌ عَلَى جِدَارِ
الْجَامِعِ الْكَبيرْ..
مِسْبَحَةُ الأميرِ الألْفِيَّةُ
مِنْ جَمَاجِمِ الأطْفَالِ
تَتَأرْجَحُ عَلَى خَيْطِ
أمْعَائِهِمُ الدَّقيقَةِ..
تَتَصَاعَدُ الْفَرَاشَاتُ
مِنْ إثْمَدِ الرُّؤوسِ
الْمَثْقُوبَةِ ..
الْمُتَهَشِّمَةِ..
الْمَحْرُوقَةِ ..
لِتَكْحَلَ عُيُونَ الإلَهْ ..
يا الله على هذا الإحتراق الصوفي في رمال الأضرحة وزوايا الطريق. أحسست بابن عربي وهو يستبق الأزمنة واللهاة الطغاة لا يعرفون إن تكن لله قائم لم تكن بل أنت هو، جمال وإيمان لا تحده مرافيء الفضاء ولا مآقي الأغبياء. فليسامحك الله يا من لا تعرف الطريق إليه ولا تدرك ان عصب العيون لا ينقل الضوء الأسود ولا يحتمل بكاء الألوان:
يُبَاغِتُني سَيْفُ النَّصِّ
يَشْطُرُني إلَى نِصْفَيْنِ،
أنْثَى وَعَشيقِهَا..
يَتَدَحْرَجَانِ كَرَأسِ
الْقَلَمِ الْجَافِّ،
عَلَى شَرَاشِفَ بَيْضَاءْ ..
الْكَلِمَاتُ تَخْلَعُ تَاجَهَا الْمَلَكيَّ
عَلَى وِسَادَةِ شَاعِرٍ مَجْنُونٍ..
تَقْضِمُ أظَافِرَهَا،
وَيَقْضِمُ قَلَقَ شَفَتَيْهَا ..
السَّتَائرُ الْحَمْرَاءُ
تَسْتَحْلِبُ نَبيذَ الضَّوْءِ الْمُتَآمِرِ
وَتَصُبُّهُ عَلَى كَأسَاتِ الْفِكْرَةِ
وعلى مواقيت الختام نبتدر العودة ونستقيم والظل متكئُ على شمس الغروب والضحى لا ينطفئ ولا يستجير بالعصر ولا بالموت:
لا يَكْتُبُ تَأريخَ الْمَوْتِ
إلا عُرْيُ رِمَالِ الصَّحْرَاءِ..
وَلا أكْتُبُ إلا مَا يُمْليهِ عُرْيُكَ
عَلَى الْمَزَاميرِ الْخَائرَةِ..
أُفَكِّرُ فيكَ أكْثَرَ مِنِّي
تَحْتَنِكُني جَهَالةُ النَّقيضِ
أُطَأْطِيءُ خَوْفِي،
ذَاكرَتي الْمَجْنُونَة،
ألْعَقُ عَنْ ثَدْيي
وَتيرَةَ التُّرَابِ وَالدَّمْ..
أحْلَمُ أنْ أفِرَّ مِنْ مَغَبَّةِ الأسئلةِ
وَأنْ أطْمِسَ مَخَائلَ مَدينةٍ حَزينةٍ
لا تَفْتَأ تَزورني
بِثَوْبِ حِدَادِهَا الرَّمَاديِّ
أحْلَمُ أنْ انْحَازَ لِجَوْقَةِ السَّمَنْدَلِ
أوْ أنْ أمُوتَ
ميتَةً لا مِرْيَةَ فيهَا
لا أنْ أحْيَا حياةً تَتَرَاقَصُ كَبَهْلوَان
يُدْرِكُ أنَّهُ
لَنْ يُتْحَفَ بابْتِسَامَةِ طِفْلْ ..
مدخل للخروج:
أُحِبُّهُ لأنَّهُ يُدَاعِبُ أظَافِرَ الذَّاكِرَةِ كَمَا تُغَازِلُ قِطْعَةُ أثَاثٍ مَخَالِبَ قِطَّة ..أُحِبُّهُ لأنَّهُ عِنْدَمَا صَعَدْتُ بِالْحُبِّ ألْفَيْتُهُ هُنَاكَ أعْلَى الْجَبَلِ الْهَاجِعِ في تَقَصُّفِهِ، يُرَتِّقُ قَميصَ الشَّمْسِ وَيَمْحُو عَنْ وَجْهِ السَّمَاءِ بَلادَةَ الْعَدَمْ.. أُحِبُّهُ لأنَّهُ عِنْدَمَا يَسْتَخْلِصُ لُبَّ ثِمَارِ الْكيوِي مِنْ صَدْرِي لا يَتْرُكُ الْقُشُورَ عَلَى طَاولَةِ الاِحْتِمَالاتْ، وَلا وَبَرَ الْقُشُورِ عَلَى مَسَارِبِ الظَّنِّ.. أُحِبُّهُ لأنَّهُ عِنْدَمَا يُلَقِّحُ الْحِبْرَ عَلَى أوْرَاقي
يَتَصَاعَدُ عَنْهَا جيلٌ مِنْ الْفَرَاشَاتِ لا تَنْطَلي عَلَيْهِ خُدْعَةُ الضَّوْءْ.. (روزمين الصياد).
معز – البحرين
عكس الريح
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.