رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ليبيا والهجرة الأفريقية: أزمة أوروبا من صنع يديها
نشر في النيلين يوم 16 - 02 - 2018

لن يخرج عام 2018 عن مألوف الإخفاق الأوروبي في إدارة ملف الهجرة السرّية من البوابة الليبية. منذ الأيام الأولى لثورة 2011، كان هاجس القارة العجوز عدم انفلات ظاهرةٍ اقترنت، لسنوات طويلة، بابتزاز العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، للجمها. توقيع اتفاقيات علنية، وتفاهمات من تحت الطاولة، مع سلطات ليبيا المُتعاقبة، والمُتصارعة، منذ 2011، ومع قوى الأمر الواقع التي تدير الفوضى الليبية، لم يمنع زحف الأجساد الطرّية إلى لهيب صحراء سبها وقوارب الموت، طمعاً ب”برّ الخلاص”.
ومنذ وقّعت روما في يونيو/ حزيران 2011 أول اتفاقية لإدارة تدفق المهاجرين مع “المجلس الانتقالي الليبي”، بعد الثورة، لا يلبثُ فصلٌ في رواية الهجرة السرّية من جنوب الصحراء الأفريقية إلى شواطئ أوروبا، أن يُغلق، حتى يُفتح آخر. آخر هذه الفصول اتهام أطراف حكومية، بعضها عربية، بتمويل عصابات الاتجار بالبشر في ليبيا، لحجز مقعد متقدّم لها على طاولة إدارة الملف الليبي مع الأوروبيين، وقبلها شريط “سوق النخاسة”، الذي عرضته شبكة “سي ان أن” عشية القمة الأوروبية – الأفريقية في أبيدجان في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والذي صوّرته مراسلتها من داخل سجن أبو سليم، على تخوم طرابلس. استبقت ذلك صرخةٌ كانت أطلقتها منظمة الهجرة العالمية في إبريل/ نيسان الماضي، لوقف “نزيف الرق” وبيع المهاجرين في الدولة الشمال أفريقية.
ويقبض الساحل الليبي، بأمياله وكيلومتراته الأطول، بيدٍ من حديد على أنفاسِ أوروبا، ومُتلازمة أرقها. أما مسارات الجنوب الليبي، التي يُسّيجها 1550 ميلاً صحراوياً، على حدود تشاد والنيجر والسودان والجزائر، فتعصى على العملة الأوروبية المُتلونة بألف لون، والمتدفقة إلى قبائل القرعان و”الرجال الزرق” (الطوارق) وبني سليم.
هكذا، تقضُّ لعنةُ الهجرة غير الشرعية مضجع أوروبا. صدُّ شلال اللاجئين من تركيا، قبل عامين، أقفل ثغرةً، لكنه لم يوصد الباب بإحكام في الحديقة الخلفية للقارة، في زمن الصعود المتدحرجٍ ليمينها المتطرف، وصراعات الهوية والقومية والانفصال. وفي عامي 2014 و2015، رصدت عيون صحافة العالم الذروة التي تخطت مداها إلى جزيرة لامبيدوزا، لكن الجثث التي تعفنت في الصحراء لم تشدّ الانتباه.
ومنذ بداية العام الحالي، وصل 3500 مهاجرٍ إلى الشواطئ الإيطالية عبر ليبيا، أقلّ بنسبة 60 في المائة مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي، بحسب البيانات الرسمية الصادرة من روما. “آخر إصدارات” العاصمة الإيطالية، 80 مليون يورو إضافية للاستثمار في الصندوق الأفريقي لمكافحة الهجرة غير الشرعية، وهي تروّج لكفاءةٍ عالية في إدارة الملف الليبي، بعدما نجحت إلى حدّ ما، في تحويل ليبيا إلى “منطقة عازلة” تصدُّ عنها تدفق اللاجئين والمهاجرين. ولكن بأيّ ثمن؟
الحلم الأفريقي

في العام الماضي وحده، عبر 14 ألف طفلٍ مهاجر من دون مرافقة إلى أوروبا عبر ليبيا، قضى 400 منهم غرقاً

تواجه أفريقيا جنوب الصحراء كمّاً هائلاً من التحديات المصيرية، أهمها أن 60 في المائة من مواطنيها لم يتجاوزوا سنّ الخامسة والعشرين، معظمهم يعانون من الفقر والاضطهاد. وفي العام الماضي وحده، عبر 14 ألف طفلٍ مهاجر، من دون مرافقة، إلى أوروبا عبر ليبيا، قضى منهم 400 طفل غرقاً. علماً أن 90 في المائة ممن يعبرون المتوسط إلى أوروبا، يفعلون ذلك عن طريق ليبيا، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتتوزع مرافئ الهجرة السرّية في ليبيا، خصوصاً، على شواطئ القره بوللي القريبة من طرابلس، وشواطئ الزوارة، وزليتن، والجنزور والزاوية. أما صبراتة، فكانت لها حكايتها العام الماضي، حين اشتعلت فيها حربٌ ضروس بين مليشيات الأمر الواقع، على موارد الدعم الأوروبي لكبح اللاجئين.
وتصبّ مسارات الهجرة من جنوب أفريقيا في محطات عدة. مسارُ غامبيا والسنغال وساحل العاج وغانا، الذي يصبُّ في العاصمة المالية باماكو، وواغادوغو عاصمة بوركينا فاسو، ثم مجدداً إلى شمال مالي (مسار الجزائرتونس)، أو النيجر عبر صحراء أغاديز، المنصّة الأوفر حظاً خارج الصحراء الليبية لتجارة البشر. وهناك مسار أغاديز ونجامينا (تشاد) – سبها، بالإضافة إلى مسارات أخرى، هي الصومالكينيا – السودان – ليبيا، ومسار أثيوبيا – السودان – ليبيا، ومسار إريتريا – السودان – ليبيا، فضلاً عن المسار الآسيوي (من أقصى آسيا وبلاد المشرق العربي ودول الجزيرة العربية) الذي يمرّ بمصر.
ويحمل ملايين العابرين للحدود الليبية أثقال مآسيهم الاقتصادية والاجتماعية بنسبة كبيرة، فضلاً عن الاضطهاد السياسي الذي يعانونه في بلدانهم الأم. وبمغالطةٍ كبيرة، تبرزُ محاولة ربط هذه الظاهرة، تحديداً بالفوضى الليبية الناجمة عن انهيار نظام معمر القذافي، أي حصرها بفترة تاريخية قصيرة جداً، لكن المهاجرين عبر الطريق الليبية يقومون بذلك لأسباب متعددة، ومتجذرة في روزنامة أجيالٍ متلاحقة. لكن التاريخ الحديث يتفاخر بصفقات أزاحت عن أوروبا الكأس المُرّة لوقت من الزمن، أُبرمت بمليارات الدولارات مع معمر القذافي، الذي استغلّ دبلوماسية الهجرة لابتزاز القارة العجوز. آخر تلك الصفقات أبرمها القذافي مع الاتحاد الأوروبي في عام 2008 بقيمة 500 مليون دولار، وحين طالب رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني بخمسة مليارات يورو سنوياً في 2010 لإغلاق الحدود، مُهدداً أوروبا بالتحول إلى “قارة سوداء”.
دبلوماسية الهجرة التي انتهجها القذافي، لم تقتصر على استغلال الخطر الناجم عن هجرة الأفارقة جنوب صحراء، فلطالما تمكن القذافي من قولبة هذه الدبلوماسية لتتماشى مع متطلبات السياسة، فكان للعمالة العربية التواقة للدينار الليبي حصّتها من هذه الدبلوماسية، وهذا بحثٌ آخر. لكن المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء كانت لهم حصتهم الأكبر من التعنيف والابتزاز والتنكيل في ليبيا، بعد الثورة. وفي بداية عام 2017، أكدت مفوضية اللاجئين الأممية في تقرير لها، أن المهاجرين في ليبيا يعيشون في ظروف لاإنسانية ويواجهون التعذيب والاستغلال الجنسي والخطف من أجل الفدية وخطر الموت. وفيما يتعرض الآلاف منهم للاحتجاز التعسفي في مراكز احتجاز تابعة للسلطات الليبية “الرسمية”، من دون محاكمات، تحتجز المليشيات المسلحة الليبية عشرات آلاف آخرين في مراكز سرية. وبحسب المفوضية، فإن الأفارقة من جنوب الصحراء هم الأكثر عرضة للخطر بسبب التمييز العنصري.
والمعروف أن لليبيا تاريخاً من التمييز العنصري ضد الأفارقة جنوب الصحراء. هو تاريخ يصعب شرحه ببضع كلمات، ولم يأخذ حقه لدى تحليل أسباب تناميه بعد الثورة. فكان التركيز عوضاً عن ذلك، على الفوضى التي تركها غياب القذافي، أو فشل سياسات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في ليبيا. وبغض النظر عن الأسباب التاريخية لهذا التمييز (للاستعمار دور كبير وكذلك التوترات العرقية في ليبيا والمتناقضة مع خطاب القذافي الأفريقي)، فهو قد تفجر منذ الأيام الأولى للثورة، وفقاً لتقارير عدة، بحالات قتل جماعية للأفارقة السود في ليبيا، بعد اتهامهم من قبل الثوار بالعمل كمرتزقة في قوات القذافي.
“صفر” نتائج للمحاولات الأوروبية
لكن عام 2017 كان مفصلياً للأوروبيين في تنامي صداعهم من الهجرة الأفريقية. من جهة، كانت القارة تعيش بنسبة كبيرة منها موسماً انتخابياً وُصف بالمصيري في عدد من دولها، مع تنامي النزعات اليمينية المتطرفة وحركات الانفصال، ومع “البريكست” الذي أدت الهجرة دوراً في وقوعه. ومن جهة أخرى، متصلة، ارتفعت حدة الفضائح التي أرستها الفوضى الليبية في التعامل مع المهاجرين ذوي البشرة السمراء، لأسباب مردها خصوصاً انهيار الاقتصاد الليبي الرسمي، ونمو الاقتصادات البديلة، التي عوّلت على “تجارة البشر” بنسبة كبيرة منها.

تتحدث المنظمة الدولية للهجرة عن وجود مليون مهاجر غير شرعي عالقين في ليبيا

وتتحدث المنظمة الدولية للهجرة عن وجود مليون مهاجر غير شرعي عالقين في ليبيا. وفي بداية العام الحالي، كان العمل جارٍ بعد خطة أرستها “تفاهمات” قمة أفريقيا – أوروبا على بدء عملية إنقاذ ضمن خطة ترحيل طارئة لحوالي 15 ألفاً منهم. وفيما تستمر أوروبا في البحث عن “معالجات سريعة” عبر تمكين دول “الترانزيت”، وخصوصاً ليبيا والنيجر، من تشديد المراقبة على حدودها، يتواصل التنكيل في هاتين الدولتين، بهؤلاء المهاجرين، واستغلالهم إلى حدود قصوى.
فمن جهة، يعتقد الليبيون أن أوروبا تريد أن يتحول بلدهم إلى منطقة عازلة لحدودها. أما في النيجر، فإن دخول قوانين تجرم الاتجار بالبشر تحت تأثير الضغوط الدولية، لا يراها المواطنون الفقراء سوى أداة تمييزية للقضاء على مورد رزق لهم. أما اقتراحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخلق “نقاط” لاستضافة المهاجرين غير الشرعيين قبل وصولهم إلى ليبيا، فلم يلق ترحيباً كبيراً في دول أفريقية كثيرة، خشية تحولها إلى “ليبيا ثانية” تفاقم أزماتها.
ولا يجدر في هذا المسار إغفال الشقّ السياسي في الداخل الليبي. ولطالما كان الحديث في الشرق الليبي الخاضع لسيطرة اللواء خليفة حفتر، يفيد بأن الأخير قادر على لجم تدفق المهاجرين إلى أوروبا، وعلى أن “منطقته” تسجل أدنى نسبة من الهجرة غير الشرعية عبر شواطئها. عزز ذلك غض طرف حكومة الوفاق في طرابلس عن ممارسات المليشيات العاملة في مناطق سيطرتها في هذا الصدد، وفشل الأموال الأوروبية المتدفقة إلى الجنوب الليبي في سيطرة قبائله على ظاهرة الهجرة غير الشرعية.
وفي هذا المجال، يتذكر المتابعون لهذا الملف حدثين اثنين طَبَعا العام الماضي: حين تفاخر وزير الداخلية الإيطالي ماركو مينيتي في صيف 2017 بتقليص نسبة وصول المهاجرين إلى شواطئ بلاده بحدود 87 في المائة عن العام الذي سبقه، لم يكن ذلك من عبث. لكن مينيتي، الذي وقّع اتفاقاً مع قبائل الجنوب الليبي لدفع هذه القبائل والمليشيات العاملة هناك للجم تجارة تسهيل عبور المهاجرين، أبقى مصير عشرات آلاف المهاجرين العالقين في ليبيا، والرافضين العودة إلى ديارهم، غامض. وهذا الوضع تشابه إلى حد كبير مع اتفاق كان وقّعه في بداية العام الماضي مع حكومة الوفاق الليبية برئاسة فائز السراج، لتعزيز التعاون بين خفر السواحل الليبيين والإيطاليين.

قدّمت روما حوافز مالية للمليشيات في صبراتة لتشديد رقابتها على تهريب البشر، ما حوّل ليبيا إلى سجنٍ كبير للمهاجرين

في هذه الأثناء، عزّزت روما من المساعدة التي تقدّمها إلى مدينة صبراتة الساحلية، شمال طرابلس، مقدمةً حوافز مالية للمليشيات هناك مقابل تشديد رقابتها على تهريب البشر. وهذا الأمر أدى أيضاً إلى تحول ليبيا إلى سجنٍ كبير للمهاجرين غير الشرعيين. وأما الحادث الثاني فتُرجم عندما اندلعت المواجهات العنيفة في سبتمبر/ أيلول الماضي بين مليشيات “العمو” الشهيرة بإمساكها في تجارة تهريب البشر في المنطقة، وقوات أمنية تابعة لحكومة الوفاق كانت تحاول طردها، لتعود نسبة تدفق المهاجرين إلى الارتفاع في أكتوبر/ تشرين الأول من العام ذاته.
ليبيا… “المنطقة العازلة”
في هذا الإطار، يعتبر الباحث في “المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية” ECFR، المتخصص في الشأن الليبي، طارق المجريسي، في حديث ل”العربي الجديد”، أن “الفوضى الليبية هي المحرك الأول للهجرة من شواطئها، والهجرة هي السبب الأول للمكافحة الأوروبية لاحتواء هذه الفوضى”، لافتاً إلى أن “عصابات تهريب البشر في ليبيا تدرك تماماً أن لا سيطرة للدولة في معظم أنحاء البلاد، وأن لا شريك نموذجياً لأوروبا داخل ليبيا لإيقاف نشاطهم”. ويشرح المجريسي أن الأوروبيين حاولوا أن يعملوا مع حرس السواحل الليبيين ومع المليشيات المسيطرة على مراكز احتجاز المهاجرين، لكن ذلك أدى إلى حلول “قصيرة الأمد”، ف”الخطأ الرئيسي في مقاربتهم للملف هو التركيز على نقطة الخروج (إلى أوروبا)، أي ليبيا، عوضاً عن مصدرها في دول الترانزيت الأخرى، أي أنهم يحصرون عملهم في مرحلة متأخرة من الهجرة الأفريقية غير الشرعية”.

خبير في الشأن الليبي: الخطأ الرئيسي في مقاربة الأوروبيين هو التركيز على نقطة الخروج أي ليبيا

ويعتبر الخبير في الشأن الليبي أن فكرة تحويل ليبيا إلى منطقة عازلة هي “نظرياً صحيحة”، ف”بعض الدول الأوروبية، بالتناغم مع الأمم المتحدة، تعمل على تفعيل سياسات لتحسين شروط الحياة للمهاجرين غير الشرعيين في ليبيا، لمنعهم من عبور المتوسط، وهذا ما سيساعد على بقاء هؤلاء المهاجرين في ليبيا لوقت أطول بالتزامن مع تشديد شروط قبول طلبات الهجرة لهم في أوروبا (ماكرون رفض الحديث عن هجرة اقتصادية من الآن فصاعداً)، ما يجعل ليبيا منطقة عازلة تحت الأمر الواقع”.
وحول سياسة أوروبا خلال العام الحالي لإدارة هذا الملف، يرى المجريسي أن الأوروبيين “لا يزالون يصارعون لإيجاد سياسة بنّاءة لمكافحة الهجرة، وهم في الوقت الضائع يرمون همّهم على الإيطاليين، ويتركون لروما مهمة تفعيل سياسات قصيرة الأمد تقلص نسبة الوصول غير الشرعي إلى شواطئها”. أما في الداخل الليبي، بحسب رأيه، “لا يلتزم الأفرقاء المتصارعون كثيراً بحلّ هذه المعضلة”. فمثلاً، “يتاجر حفتر في نظرية فشل حكومة الوفاق في إدارة هذا الملف لإثبات عجزها، أما إلغاء المحكمة العليا الليبية مذكرة التفاهم التي وقّعها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق مع الحكومة الإيطالية، فيُظهر بدوره كم أن السراج ضعيف”، مشدداً على أن النتيجة الأكبر لكل ذلك “تحصل على مستوى ليبي أقل درجة، إذ تعمل تجارة البشر على التأثير بدينامية المليشيات وتعزز الاقتصاد البديل في غرب وجنوب ليبيا”.
لا حلّ في الأفق
بين رواية “زرايب العبيد” للروائية الليبية نجوى بن شتوان، وصرخة الكاتبة الكاميرونية هيملي بوم في صحيفة “لوموند” الفرنسية، يشرح الباحث الجزائري علي بن سعد في “لوموند” أيضاً أن “مصطلح استعباد المهاجرين في ليبيا في غير محله، إذا ما نُظر إليه من بوابة ليبيا ما بعد الثورة، فالعنصرية ستظل ما لا يباح عنه في الوعي الثقافي بين دول المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء”. أما حالياً، ف”لم تكد حكومة مركزية في ليبيا تبصر النور، حتى انهالت عليها مطالب الأوروبيين، وبداية الاستعباد حصل مع قوات مصراتة التي استُغلت لدحر داعش في سرت، ثم تمّ تركها منهوكة القوى ومهمشة”.
من مالطا إلى باريس إلى أبيدجان، تكر سبحة المحاولات الأوروبية لإنهاء صداع مزمن. في المقابل، يرتفع السخط الأفريقي من معالجات أوروبية عقيمة. هي فوضى عابرة للقارات، سببها إدارة سيئة لملف أفريقي معقد، عمره زمن طويل، وشعاره الدائم “استغلال أفريقيا وتهميشها”.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.