قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تأملات في الوضع السياسي الراهن 2 - 4
نشر في الراكوبة يوم 18 - 12 - 2011


د. عبد الرحمن السلمابي
[email protected]
في مقالي هذا الذي بدأت نشره في يوم الخميس المنصرم تحت عنوان: تأملات في الوضع السياسي الراهن، نكون أو لا نكون، كنت قد توقفت عند بضع أسئلة أتابع من عندها بإذن الله
للاطلاع على الجزئية الأولى:
http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-15170.htm
.....
و تبقى الأسئلة المهمة: هل هذا الشعب السودانى بتركيبته الاجتماعية و السكانية يصعب تغيير مفاهيمه السياسية مما يحتم تقبل التعامل مع الأحزاب الطائفية مجدداً ؟ و هل الأحزاب الطائفية نجحت فى تذويب التشرزم القبلي؟ و هل إنشقاق المؤتمر الوطنى (الحركة الاسلامية) أفضت إلى تغير فى منهجيه الإسلام السياسى كبديل للإسلام الإجتماعى؟ هذه بالطبع أسئلة كبيرة لن يتم الإجابات عليها هنا باسهاب و لكننا سوف نحاول إستشفاف بعضاً من محاولات الإجابات المقتضبة.
إذا فرضنا أن الإسلام \"الاجتماعي\" الذي يعبر عن الكيان الصوفي في السودان وسط الظروف السياسية السائدة فيما قبل و التى حولت طائفة الانصار وطائفة الختمية الي حزبين سياسيين هما حزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي وتبعهما رهط من الطرق الصوفية الاخرى تأييداً وموالاة سياسية. وصار بعدها المجتمع السوداني الشمالي يتمحور سياسياً حولهما منذ حوالي الثلاثينات من القرن الماضي، فهل يمكن اعتبار ذلك من الظواهر الاجتماعية التي صارت من العادات الاجتماعية التي تحولت الى ثقافة إجتماعية ثم بمرور الزمن صارت من الموروثات الثقافية الراسخة فى الكيان و الوجدان الإجتماعي ؟ وأن صحت تلك الفرضية فقد نجد حتماً بعض الاجابات في علم الاجتماعي الحديث.
فالدراسات في علم الاجتماع الحديث تفيد بأن تغيير العادات الاجتماعية غالباً ما تأخذ ردحاً طويلاً من الزمن تبدأ بمرحلة الإدراك بأخطاء العادة السائدة ، ثم البحث عن البديل، وثم تجريب البديل من قبل فئة قد تكون قليلة، ثم اقناع الافراد بنجاح التجارب للبديل، ثم قد يحدث مقاومة نفسية للبدائل المتاحة والناجحة باعتبار أن تعديل ما اعتاد عليه الإنسان من عادات صعب جداً. ثم هنالك العادات الحسية أو التي يمكن إدراكها بالحواس مثل السمع والبصر والشم والنظر والتذوق واللمس وهي عموماً قد تستغرق زمنا أقل نسبياً من حيث إمكانية تعديلها، وهنالك العادات الفكرية التي تخضع للتقييم العقلي أو الفكري (مثل الميول السياسية) وهذه من الصعب جداً تعديلها وتحتاج الي أزمان عديدة قد تبلغ قرن أونصفه في بعض الأحيان و بشرطية وجود البديل الناجح من خلال تجربته او تجاربه التى أفضت الى نتائج إبجابية ملموسة.
ومن أمثلة تغير العادات \"الحسية\" في المجتمع السوداني نجد أن عادة الشلوخ- التي هي عبارة عن وشم في الوجه يوسم به أفراد قبيلة معينة بغرض تمييز منسوبيها- قد استغرق أزمان طويلة لكي تختفي من مناطق الحضر نتجية الوعي والتعليم وخلافه، ولكنها بالرغم من ذلك ما زالت ممارسة في بعض مناطق البدو أو الأرياف. وكذلك نجد عادة ختان الإناث في المجتمع السوداني- حيث يقال أنها منذ العهد الفرعوني- وما زالت تمارس في مناطق الحضر بصورة أخف، وكذلك في مناطق الأرياف بالرغم من التوعية المكثفة لخطورتها وعدم شرعيتها في الإسلام ، ونقيس على ذلك الكثير من العادات الاجتماعية.
أحد الصفات التي يمكن أن يوصف بها المجتمع القبلي السوداني بأنه مجتمع تقليدي ولذلك يصعب تغييره عبر تصحيح مناهجه الخاطئة. لقد عانى -وما زال يعاني- الكثير من العلماء الباحثين في هيئة البحوث الزراعية مثلاً من تغيير مفاهيم وعقلية المزارعين التقليديين حيث اعتادوا على زراعة نوع معين من نبات الذرة (العيش) بالصورة التقليدية وبانتاجية متدنية لنفس المجهود وبنفس الموارد. لقد كان تقبلهم للذرة المحسن من صنف \"ابو أحمد\" ذو الإنتاجية العالية والمقاومة العالية للآفات الزراعية وغيرها رغم نجاحه فى الحقول التجريبية إلا أن إمكانية تعميمه لكافة المزارعين استغرق العديد من المواسم (حوالي 5 أو 6). وكذلك نفس الحال بالنسبة لنبات زهرة الشمس. وهنالك نبات \"القوار\" الذي تم إنشاء مصنع لطحنه لكى يتم خلطه لإنتاج الخبر ولكن لم يتقبل المزارعون فكرة زراعته مما جعل المصنع خاوي على عرشه ومعطلاً لأكثر من عقد زمني وما زال.
إذن جميع الظواهر الاجتماعية فد تتحول الي عادات اجتماعية ومن ثم تصبح من الموروثات الثقافية الرسخة التي صعب تغييرها. وفكرة الأحزاب السياسية نفسها ظاهرة اجتماعية لم يكن يعرفها المجتمع السوداني والتي تبلورت ملامحها في الاربعينات والخمسينات من العام الماضي. وحتى النشاطات السياسية عموماً لم تعرف إلا من خلال مؤتمرات الخريجين في تلك الفترات. وكان الذي يعرفه المجتمع آنذاك هو الثورات مثل الثورة المهدية أو ثورة عام 1924م كوسيلة لتغيير حكم المستعمرين. فطائفة الأنصار وطائفة الختمية وجدت نفسها في الساحة السياسية باعتبار أنها تجمعات سكانية وتمارس الإسلام \"الإجتماعي\" أو الصوفي ومن مهامها التحدث باسم مريديها وكذلك من باب تقديم النصح للحاكم العام في السودان الذي بدوره عمل على تشجيعهم ليصبحوا أحزاب سياسية فتعود الناس على ممارسة السياسة من خلال إحداهما. فصارت من العادات الاجتماعية في المجتمع ومن ثم أصبحوا من الموروثات الثقافية. فالشعب السوداني بدأ يتمحور سياسياً حولهما بمعنى إن الانتماء السياسي للمواطن السوداني أما إن يكون حزب أمة أو إتحادي.
وهذا قد يقبل في ظل ثقافتنا الموروثة بمعنى أن الشعب السوداني يفهم الأشياء وفق تأطير ثنائي فقط مثل الهلال والمريخ، أبيض وأسود، طبيب شاطر أو غير شاطر، شمالي أو جنوبي، شخص \"كويس\" أو \"غير \"كويس\" وهكذا. لذلك يبدو أنه راقت للمواطن السودانى فكرة حزب أمة أو اتحادي. وهنا كان للإمام عبد الرحمن المهدي دور فعال حيث من أقواله المؤثرة \"أن كل أنصاري حزب أمة وليس كل حزب أمة أنصاري\" مما أتاح لغير الأنصار الانتساب لحزب الأمة. وكذلك ممارسات السيد/ على الميرغني العملية التي أفضت للوحدة بين طائفة الختمية والتي مثلها حزب الشعب الديمقراطي وبين الحزب الوطني الاتحادي فصار مفهوم \"الاتحادي\" يشمل كل الختمية.
ولعل أنه من الموروثات الثقافية والتي قد تكون نتجت من طبيعة التكوين السكاني القبلي أو لطبيعة السكان أنفسهم نجد ظاهرة حب الرئاسة وسط الشعب السوداني بصورة لافتة مما حد بالحكام البريطانيين استثمارها لمصلحة توطين حكمهم فأتوا بفكرة العمدة والشرتاي والناظر (للخط او العموم). نفس هذا التكوين مارسته الطوائف الدينية السياسية فنجد وكيل الإمام في المناطق المختلفة، وأيضا خليفة السيد/ علي أو حتى كبير الخلفاء. والواضح أيضاً أن ضرورات \"السودنة\" بعد خروج المستعمر أفرزت فى أن يكون معظم الخريجين الصغار في وظائف مرموقة مثل مدراء ورؤساء أقسام اوسفراء أو وزراء دون تدرج بيروقراطى مطلوب. فصارت الآن من المورثات الثقافية فكل شخص يتعلم فى الجامعات و يتخرج يرغب و يأمل أن يوظف مباشرة في وظيفة مدير أو رئيس قسم أو وزير أو سفير. وهذه معضلة سياسية سوف نتطرق اليها في ذيل هذا المقال. ولكن من أمثلتها هي رفض التكليف بمنصب \"معتمد\" لإثنين من كوادر المؤتمر الوطنى فى ولاية الخرطوم ربما لعدم ملائمه ذلك المنصب لمقدراتهم او لانهما يطمعون او يطمحون فى مناصب أعلى و أهم. أو كما يقال بأن د. خليل إبراهيم رفض التوقيع على وثيقة اتفاقية سلام الدوحة مالم يمنح منصب نائب الرئيس و لكن ما العجب فى ذلك إذا كان يحقق السلام و الإستقرار فى دارفور. لقد سبق التنازل عن منصب النائب الأول لجون قرنق الذى خلفه سلفا كير.
أما بالنسبة لسؤال هل الأحزاب الطائفية ساهمت في تجميع التشرزم القبلي فنجد أن الشواهد تفيد الأيجاب ويمكن الاستدلال عليها بصورة قاطعة إذا ما تمت دراسات عن الدوائر الجغرافية التي فاز فيها مرشحي الحزب الاتحادي- الذى له علاقة بالختمية او الطواف الدينية التي تؤيدهم غالباً في شمال وشرق و أواسط السودان، ونفس الملاحظة تنطبق على دوائر حزب الأمة في غرب السودان والنيل الأبيض والجزيرة أبا. فقد نجد أن الاحزاب الطائفية قد يوجد فيها أعضاء من كل قبائل السودان. وحتى د. التيجاني سيسي رئيس السلطة الاقليمية لدارفور الآن كان فيما سبق واليا ًعلى ولاية دارفور الكبرى آنذاك عن حزب الأمة.
وقد يبنى على تلك الملاحظة إن الأحزاب الطائفية موجودة باعتبارها من الموروثات الثقافية السياسية في كافة مناطق السودان في الحضر والارياف حسب ما أفرزته انتخابات عام 1986م والتى أدت الي بروز الجبهة الإسلامية القومية بزعامة الترابي في دوائر الخريجين (أو النخبة المستنيرة) التي كان في السابق يتسابق على استقطابها حزبي الطائفتين.
بالطبع إن إنقلاب عام 1989م وتفجير ثورة الانقاذ بدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية \"او الحركة الإسلامية\" لتقدم أطروحاتها السياسية وتحديث نمط الإسلام \"السياسي\" كبديل للطائفية والإسلام الاجتماعي. ولكن كما تحدثناً سابقاً إن تعود المواطني على النمط الطائفي السياسي وإبداله بغيره يحتاج الي ردح من الزمن، بداءً بإقناعهم بمحاسن النمط البديل لكي يرسخ في مفاهيمهم، ومن ثم يحدث التحول عن طريق الإقناع بالنتائج الأفضل.
في تقديرنا إن البديل السياسى فيما يلي العمل التنظيمي عبر استحداث حزب المؤتمر الوطني كحزب جامع لكافة قطاعات الشعب بمختلف أديانهم وأفكارهم كان طرحاً موفقاً. ولكن بالطبع كانت بعض الممارسات لم يحالفها التوفيق مثل الإعدامات في تمليك العملات الاجنبية أو الاستنفارات الجهادية القسرية للطلاب وغيرها. ولكن قد نجد التبرير العلمي لهذه الممارسات مقبول من حيث ما يمكن أن يطلق عليه \"الشرعية الثورية\" التي تتطور الي مفهوم \"الشرعية الدستورية\" كما أشار الي ذلك البروفيسر حسن الساعوري في بحثه في الجامعات الامريكية حيث نفس الديدن ممارس في الدول الأفريقية واللآتن أمريكية. أما في مرحلة الشرعية الدستورية فنجد أن التنظيم الجديد سعى لاستقطاب أعضاء الاتحاد الاشتراكي المايوي وبعض من رموز الاحزاب السياسية الطائفية، ولا حقاً سمح بقيام الانتخابات الرئاسية وتكوين الأحزاب السياسية. وهذه ممارسة أفضل من محاولة تجميع الأحزاب في حزب واحد كما فعل النميري في الحزب الاشتراكي السودانى. عموما ً كانت الممارسة فى حزب المؤتمر الوطني بالرغم من كونها إقصائياً نحو الآخرين وتفضيلية لأعضاء الحركة الإسلامية أهل الولاء المطلق كانت أفضل نوعا ً \"ما\" فى بداياتها. فكانت هنالك إبتداءً المراجعة المستمرة للأداء، وكانت هنالك المسائلة والمحاسبة الصارمه على الأخطاء، وكانت هنالك أيضاً لجنة \"ظل\" للاختيار للخدمة المدنية والوظائف الدستورية تعمل وفق أسس عادلة وتراعي التأهيل والكفاءة والتنوع القبلي لمنسوبي الحركة الإسلامية. ولكن يبدو بمرور الزمن ضعفت تلك المفاهيم و الممارسات. ثم كانت المفاصلة التي تكاد تكون ألغت ذلك نهائياً وظهرت القبلية في داخل التنظيم لتعضيد مفهوم الولاء الذي صار أهم من الكفاءة. فنجد الآن الكثير من الوزارات أو المؤسسات أو الشركات التي تدار بواسطة قيادي من الحزب الحاكم تعج بالوجود القبلي من طرفه وخصوصاً في الوظائف المهمة. وكذلك انعدمت المساءلة أو المحاسبة على مراجعة الأداء- سواء الإداري أو المالي أو خلافه. إذن لا بد من تصحيح و مراجعة خطورة هذه الممارسات المستحدثة. وبالطبع كل هذه الممارسات والظواهر تمت دراستها في العلوم السياسية حيث المعلوم بأن \"السلطة تفسد والسلطة المطلقة تفسد مطلقاً\"، وحتى وسائل وأساليب علاجها ممارس فى العالم الغربى مثل ضرورة تجديد الدماء، وتحديد سقف زمني لتبوء أي منصب -حيث الشائع هي فترة أربعة أعوام ، وكذلك مبدأ عدم التراخي في المحاسبة والمراجعة والحسم للمخالفات وغيرها.
عموماً لا بد من الوقوف على طرح \"الجبهة الإسلامية القومية\" أو الحركة الإسلامية والتى هي نواة لحزب المؤتمر الوطني الجامع ومن خلال تجربتة الماثلة للحكم وهل النتائج التي تحققت منها هي بديل أفضل ومقنع للشعب السوداني للتخلي عن أحزاب الطائفية السياسية؟ اي هل تجربة حزب الإسلام \"السياسي\" أفضل من تجربة أحزب الإسلام \"الاجتماعي\"؟ وكذلك ما هي الوسائل و المعينات التي يمكن أن تجعله أفضل بما يمكنه من الاستمرار في الساحة السياسية السودانية باعتباره البديل الأمثل للطبقة المستنيرة والنخبة المتعلمة التي ازدادت أعدادها وسط المجتمع السوداني؟ وهل الشللية والمعاملة التفضيلية لمنسوبي الحركة الإسلامية، داخل المؤتمر الوطني عوامل جذب للآخرين منهم؟
في اعتقادنا أن البراح ما زال متسعاً أمام المؤتمر الوطني كمنظومة وحزب سياسي متى ما أعاد النظر في استراتيجية \"رزق اليوم باليوم\" وسعى نحو تخطيط استراتيجي بعيد النظر ليظل موجود في الساحة السياسية السودانية كحزب له كيانه مثله مثل حزب الأمة أو الاتحادي. اما إذا أراد أن يكون فقط حزب السلطة مثله مثل الاتحاد الاشتراكي السوداني الذي ذهب مع ذهاب السلطة ولم يستطيع أن يفوز في اي دائرة انتخابية واحدة في الانتخابات الأخيرة فله لذلك. والسلطة بالطبع لا تدوم و تلك من سنن الحياة. فبعد 42 عاما ً من السلطة ذهب القذافي وتنكر الناس لكل محاسنه وانطبع مفهوم الناس فقط بكل سيئاته، وأيضاً بعد 80 عاما ذهب الحزب الشيوعي الحاكم في الاتحاد السوفيتي ولم يطراه الناس سوى بمساوئه فقط.
لقد نجح حزب الجبهة القومية الإسلامية في احتلال المكانة الثالثة للأحزاب السودانية والمكانة الأولى بلا منازع وسط الخريجين مما يعنى أن هنالك تزمر وسطهم من هيمنة الأحزاب الطائفية. نفس روح هذا التمرد انتج في فترة الأربعينات بزوغ حزب الخريجين (الوطني الاتحادي بقيادة الأزهرى و رفاقه). ولكن نجحت حكمة السيد/ علي الميرغني في إدماجهم في حزب إئتلافي استمر وما زال مستمراً. ونجح إيضاً السيد/ عبد الرحمن المهدي في ضم الكثير منهم مثل الاستاذ عبد الرحمن على طه والسيد/ محمد أحمد المحجوب وغيرهم.
وقد كانت المعادلة أنذاك واضحة: السياسة لأهلها السياسيين من الخريجين المستنيرين، والسجادة لشيوخها. وكان دور أهل السجادة محوري كمرجعية للاحتكام في خلافات الساسة.و لكن ما الذى يمنع أبناء أهل السجادة متى ما تعلموا و إستناروا من أن يكونوا سياسيين؟ هذا هو أول تحدي واجهه حزب الأمة بين الإمام/ الهادي المهدي و ابن أخيه السيد/ الصادق المهدي في حقبة الستينات من القرن الماضي الذى إستنار و تخرج من أعرق جامعات العالم (اكسفورد). والآن يجمع السيد/ الصادق المهدي ما بين الإمامة الدينية والرئاسة السياسية فصار بذلك حكماً بمرجعيته الدينية وخصماً بزعامته السياسية. قطعاً هذا الموقف يفقده الحياد مما يجعله دائماً كما يقولون \"يمسك العصا من النص\" فهو كسياسي يؤمن بالديمقراطية والحرية والفردية في أن يختار الفرد أن يكون معه عضواً في الحزب أو لا يكون وحتى لو كان إبنه أو بنته. وهذه ديمقراطية تحسب له كما فعل إبنه العقيد/ عبد الرحمن وكذلك ابنه بشري الذي اختار أن يعمل في جهاز الأمن والاستخبارات. ولكن تطورت طموحات الأبناء فصار الآن إبنه العقيد/ عبد الرحمن مساعداً لرئيس الجمهورية و مشاركاً فى الحكم. ومن جانب آخر نجد أن الكثير من أبناء الأنصار يعتقدون جازمين بأن الإمام/ الصادق إذا ما رفض تلك المشاركه و مارس سلطته كإمام للأنصار يستيطع أن يمنع إبنه عبد الرحمن من المشاركة في السلطة بحيث أن الإبن عبد الرحمن لديه من خصائل الآداب ما يمنعه من عدم الامتثال لأوامر الإمام/ الصادق.
نعود لنرى إذا ماكانت حكمته المؤسسيين الأوائل أفضل، أي إذا ماكان الإمام/ الصادق إمام للسجادة فقط وترك السلطة والسياسة لغيره هل يكون حزب الأمة أفضل؟. السلطة السياسية هي حب الرئاسة المستأصلة في الوجدان السوداني وهي تقود دائماً للفتنة وقد نجد الطامحين فيها من اتباعه \"السابقيين\" كثر، فنجد الزهاوي إبراهيم مالك، عبدالله مسار، أحمد نهار وهؤلاء انشقوا عن حزبه وكونوا أحزاب تخصهم.وهنالك تيار مادبو و غيره. ثم نجد هنالك منافسة نحو الرئاسة من داخل أسرة المهدي مثل مبارك الفاضل، الصادق الإمام الهادي وأيضاً عبد الرحمن الصادق المهدي الذي له رؤيته الخاصة، فنجد أيضاً د. مريم الصادق التي لها أيضاً رؤيتها وطموحها اللذان يخاصانها هذا من الجانب السياسي. أما من الجانب الديني فنجد أن الإمامة نفسها موضوع جدل فما زال الإمام أحمد عبد الرحمن المهدي يعتقد أنه أحق بها.
أما من جانب الحزب الاتحادي الديمقراطي فقد يكون أحسن حالاً بحيث أن السيد / محمد عثمان الميرغني ليست له طموحات مباشرة للحكم أو حب الرئاسة الدنيوية إنما يفضل الزعامة الدينية ولكن أيضاً الخلافات السياسية دبت في حزبه بالانشقاقات وخلافه.
إذاً فالهم الوطني و المسؤولية الوطنية هي التي قادت السيد/محمد عثمان الميرغني لقبول المشاركة رغم المرارات التي عاناها في بداية هذا النظام و قد صابت حكمته. إن الذين يرفضون المشاركة من إتباعه ينادون بان \"لا وفاق مع النفاق\" فهم لايدركون بان ليس هنالك نفاقاً تجاه المحافظه على وحدة هذا الوطن. فالحركات القبلية المسلحة فى كل الإتجاهات تعمل علي تفتيت هذا الوطن وان لم يشعروا بذلك. إن الحلم بزوال هذا النظام قد يكون ولكن قدلايكون هنالك وطن (أو دولة) لذلك من الأفضل التعاون معه للمحافظة علي وحدة تراب بلدنا واستقرارنا فيه معززيين مكرميين و حتى لو جياع بدلاً عن لأجئين فى غيره .
قد يظن الحالمون بان زوال هذة النظام قد يفسح المجال لعودة الديمقراطية وعوده تلك الأحزاب مجدداً كما حدث بعد زوال النظام المايوى عام 1986. ولكن عليهم قراءة المستجدات في الساحة السياسية و الاجتماعية في السودان مجدداً و بتأني وعقلانية .عندما ذهب نظام مايو كان مايعرفون استعمال السلاح ولديهم ثقافة الإقتتال ويحوزون السلاح عبارة عن حوالى 100 الف فرد، و الغالبية العظمي منهم منضوين تحت القوات النظامية في الجيش والشرطة والأمن. وقد كانت حيازة السلاح محظورة ومحصورة بشكل محكم. وهؤلاء كانوا أيضا جماعة منضبطة بتعاليم القوات النظامية المختلفة و الصارمة جداً.
ولكن الآن هنالك حوالي 3 ملايين مواطن يجيدون استعمال السلاح. و قد يكونوا من افرازات الدعاوي الجهادية فى بدايات هذا العهد و من أبرز أمثلته د. خليل إبراهيم نفسه و القائد الميدانى لتلك الحركة التى غزت الخرطوم مؤخراً \"الجمالى\" الذى قتل فى تلك المغامرة. وهنالك الأن قوات الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية والقبائل المسلحة وجيوش الشباب العاطل و التكتلات القبلية و العنصرية وسطهم الخفية و العلنية. و هنالك السلاح منتشر وميسر الحصول عليه. و الأخطر هو رواج ثقافة الإقتتال لنيل المطالب و هنا لابد من ان نحى أهلنا المناصير مطالبتهم لحقوقهم بطريقة سلمية و متحضرة . وهنالك علماء أجلاء وأصحاب رأي وتحليلات سياسية صائبة مثل البروفيسر الطيب زين العابدين والبروفيسر حسن مكي وغيرهم يحذرون بآرائهم العلنية من مخاطر (صوملة) السودان وشواهد حدوثة. حيث إنه كما نعلم لم يعد هنالك دولة تدعي الصومال لها (أرض وشعب وحكومة ) وإنما مجموعات قبلية تتقاتل مع بعضها البعض بلا هواده وتشرد شعبهم وسط الدول الاخري كلاجئين.
إن الشعار البراق مثل \"الشعب يريد تغير النظام\" كما حدث في الشارع المصري والمرفوع لتغير نظام حسنى مبارك هناك قاد إلي مرحلة ال \"لا نظام\" أي فوضي عارمه تقضي علي الأخضر و اليابس. فإنهار الاقتصاد وازدات أعداد البطالة بدلاً من المطالبة بتقليصها وزادت معاناه الشعب بأكمله. وقد يحتاجون إلي عدد من السنوات ليعودوا إلي ما كانوا علية من قبل. كذالك تحدثنا الثورات في اليمن وسوريا يومياً عن الخراب والدمار ومازالت مستمرة كأن ليست لها نهاية. كما قال الشاعر احمد مطر \"أريد الصمت كي أحيا* ولكن الذي ألقاه (اوأشاهده في التلفاز) ينطقنى * ولا ألقي سوي حزن علي حزن* أأكتب إنني حى علي كفنى\"
وعشت يا أبوهاشم وعاشت وطنيتكم وعاش البشير و رفاقه لتفهمهم ضرورة الوفاق الوطني للعبور بالسودان الوطن (الشعب والأرض) إلي بر الأمان حتى لا نصبح لاجئون في البلدان.ونتمنى لحكومة القاعدة العريضة التي هى شكلاً تضم حوالي 15 حزباً، ولكنها جوهراً تمثل الغالبيه العظمى منها حزبى الأمة و الاتحادى مؤتلفة مع المؤتمر الوطني، بمعني انها تشمل حزب الأمة بفروعه وانشقاقاته بمسمياتها المختلفة وكذلك حزب الاتحادى الديمقراطى بفروعه وانشقاقاته بمسمياتها المختلفة مع حزب المؤتمر الوطني بتحالفاته الحزبية المختلفة.
ونتمني إن تكون هذه الخطوة نحو الحكومة العريضة هي فاتحة خير لحدوث ائتلافات سياسية وتنازلات حزبية مستقبلاً تفضى الى تكوين شراكات إئتلافيه معتبرة و عملاقة نخوض بها الانتخابات الديمقراطية القادمة حيث إنه قد نجد فردوسنا المفقود فيها ويكون قاسمنا المشترك هو المسئولية الوطنية و التعاليم الإسلامية المتسامحة مع الغير.
ولعل تجربة الدولة الماليزية يمكن ان نضعها نصب أعيننا. ولعل حضور السيد/مساعد رئيس الجمهورية د.نافع علي نافع لفعاليات مؤتمرالحزب الحاكم في ماليزيا -حزب المنظمة الوطنية المتحدة للملايو (أمنو)- تعكس لنا كيفية ما يمكن ان تحققه نجاحات التحالف الحزبي الحاكم هنالك و المؤلف عند تكوينه فى الخمسينيات من القرن الماضى من الاكثريه الماليزية المسلمة (%84.2) مع الأقليات الصينية البوذية (11.2%) و الهندية (والهندوس) والأجناس الأخرى الوافده (4.6%)، و التى تعتبر مثالاً ممتازاً للمعايشة السلمية التى يمكن ان تحقق التنمية الاقتصادية المدروسه لدولتهم وشعبهم.
ونتوقف عند هذه النقطة على أن نستكمل في يوم الغد إن شاء الله


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.