أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أهمية القدوة الحسنة في تحقيق التميز المهني


الرشيد سيد أحمد في مئويته:
أهمية القدوة الحسنة في تحقيق التميز المهني
الإنجاز المبهر لمهندس من الزمن الجميل-- نموذجا
بروفيسور د. محمد الرشيد قريش
مستشار هندسي ([email protected])
مركز تطوير أنظمة الخبرة الذكية
لهندسة المياه والنقل والطاقة والتصنيع
لكن لماذا من المهم بمكان أن يبذل المجتمع جهدا مركزا للبحث عن مثل هذه النماذج المضيئة وتقديمها كمثل يحتذي للنشء المتطلع لخدمة وطنه وتحقيق الإنجازات الثرة؟ هناك أسباب عدة:
 أولا أن أي إنجاز هو نتيجة تفاعل "الحافز" مع "القدرات"، و"النمذجة" هي احد أهم وسائل التي توفر مثل هذا "الحافز"، بل وكثيرا ما يكون هذا الحافز هو الدافع ليبزّ الناشيء مرشدة، وما ظاهرة "الحوار الذي غلب شيخه" منا ببعيدة
 ثانيا، أن "النمذجة"– بجانب "التشكيل" ) (Shaping- هي النمط أو الأداة الأخرى والأسرع لتحقيق التعلم : ففي الحالة الأولي ينطوي "التشكيل" علي تقدم طالب المعرفة الناشئ خطوة خطوة في اكتساب المهارات المعقدة تحت سمع وبصر أستاذه المعلم (أو النموذج المحتذي) ، كما هو الحال في تعلم قيادة سيارة "قياسية التحول" (Standard-Shift) أو تعلم برنامج كمبيوتر، أما في حال "النمذجة" فان التعلم يحدث بصورة فورية من خلال مراقبة النموذج المحتذي ثم محاكاة ذلك لاحقا ، على سبيل المثال مراقبة متدربي المهن الحرفية لفني بارع وهو يؤدي عمله أو مشاهدة متدربي برمجة الكمبيوتر لفلم تدريبي.
 ثالثا، فان القدوة الحسنة أو المرشد يعطي النشء مثالاً مجسدا لأمكاناتهم الكامنة في ظل منظور واقعي لبيئة العمل. ويلفت نظرهم –بإبصارهم فقط لإنجازات النموذج -- إلى مواطن القوة والتميز لديهم. ليفتح الأفاق واسعة أمامهم ليكونوا أكثر مما هم عليه الآن، كما يمكن أن يكون مصدر الهام لهم للتطلع لتحقيق أهداف طموحة وأحلام كانوا يعتقدون أنها ليست في متناول أيديهم، مطلقا عنان الخيال الإبداعي لدي النشء منهم، ولنا أن نذتذكر هنا مقولة اينشتاين أن "الخيال أكثر أهمية من المعرفة". وان فكرة أرسطو عن الأخلاق الفاضلة تعتمد إلى حد كبير على تأثير القدوة الحسنة علي الناس، أي أننا –عن طريق "النمذجة" أو المحاكاة المستمرة لطباع أو سلوك الأشخاص النموذجيين ودورهم الاجتماعي – نستطيع أن نتعلم أن نكون أخلاقيين من باب العادة وحدها ، ف"إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ " (كما جاء في الحديث الشريف المرفوع)
 كل هذه المعاني استبطنها رجل أَجِابُ دَاعِيَ اللَّهِ للتَّأَسِّي برسوله (صً) فكان الإنجاز الهندسي المبهر في خدمة وطنه فصدق فيه قول الحسن بن علي (رضي الله عنهما) عن المسلم، مما يشهد له به كل من عرفه:"قوة في دين ، وحزم في لين ، وإيمان في يقين ، وعلم في حلم ، وكيس في رفق ، وإعطاء في حق ، وقصد في غني وتحمل في فاقة ، وإحسان في قدرة ، وصبر في شدة"، وكأن أبو تمام قصده في قصيدته السينية حين قال: إقدام عمرو في سماحة حاتم ، في حلم أحنف في زكن إياس (والزكن هو حسن الفراسة وصدق الحدس)
 ونحن إذ نقدم هنا هذا النموذج المضي للناشئة من المهنيين في مضارب العلوم المختلفة، نأمل أن يجدوا فيه القدوة الحسنة لخدمة بلدهم وتحقيق طموحاتهم المهنية، "فصنائع المعروف تقي مصارع السوء" كما جاء في الحديث الشريف، وحتى لا يصدق علينا القول أن "زامر الحي لا يطرب" وأن العالم فينا " كالحُمَّةِ (أي عين الماء الحارة) يأتِيهَا البُعْدَاءَ ويَزْهَدُ فِيها القُرْباءُ!
طبت حيا وميتا يا أبا اسحق:
وقد كانت في حياتك لي عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيا
بدء رحلة عمر من الإنجاز الهندسي المبهر:
 في صباح باكر من عام 1926، بدأ "قطار الغرب" يسحب عرباته بصورة وتيرة كما يفعل كل مرة ينطلق فيها من عاصمة الرمال قاصدا عاصمة البلاد، وبدأت حركة القطار روتينية لكنها دقيقة ومتمهلة وكأن القطار في تمهله يدعو المودعين لضبط ساعاتهم علي ساعة إقلاعه كما عود الناس دائما في ذلك العهد الذهبي للسكة حديد، لولا الظهور المفاجيء في محطة القطار لذلك المربي الوقور قوي الشكيمة محمد حسن دياب—وأكثر المعلمين مهابة في زمانه -- وقد بدأ وكأنه يهرول محاولا إدراك ذلك القطار الذي بدأ له "مستعجلا ببطء" --كما قد يحلو لشاعر انجلتري تشوسر (Chaucer) أن يقول --وكأن القطار يغري شيخنا باللحاق به، لكن هيهات! فحين أدرك الشيخ الوقور استحالة ذلك قنع بأن يترك الأثير يوصل الرسالة التي جاء من اجلها لتلميذه الذي استشف فيه نبوغا مبكرا وحسن خلق مما جعله قريبا من قلبه، وها هو الآن يبصره واقفا علي باب احد عربات القطار الذاهب به وبأقرانه للالتحاق بكلية غردون، لكن الشيخ الوقور ما جاء هنا فقط ليودعه وليقول له كما قال ود المكي في "قطار الغرب" "سلم للأهل ولا تنسنا من الجواب"، بل جاء صوته صادحا يشق سكون الصباح بأمر حسبه أهم من ذلك بكثير: "الهندسة يا الرشيد"! "الهندسة يا الرشيد"! ثم غفل المربي الكبير راجعا راضيا وكأنه كان يدرك بفراسة المؤمن كم بعد وعظم ما أهدي وطنه بكلمتيه القصيرتين تلك!
 الفتي التقطت أذنه رسالة أستاذه ورسخت في قلبه، فمضي ليلتحق بقسم الهندسة بكلية غردون ويصبح –مع مكي عباس- رئيسين لداخليتها، ليقول عنه المهندس الكبير خضر بدري لاحقا: كنا نطلق علي الرشيد لقب "العميد" وهو ما زال طالبا بيننا ! غير أن التحدي الكبير الأول له ولأقرانه في كلية غردون في تلك السن الغضة – الخامسة عشر أو يزيد قليلا- تمثل في أن عليهم القفز من المرحلة الوسطي إلي مرحلة الكلية، إذ لم يكن هناك مدارس ثانوية، وكان التحدي الكبير الثاني له ولأقرانه في قسم الهندسة—وهم الذين لم يمروا بمرحلة الثانوي-- أن أوجب عليهم دراسة نفس كورس الهيدروليكا الذي يدرس لطلبة الهندسة المدنية في كلية بنت (Bennet) في شفيلد بأنجلتري! تحدي بدأ عصيا، لكن ليس علي أولئك الفتية النجباء، و لتمضي الأيام بعدها بالفتي موضوع المقال ليبدأ فصلا جديدا من حياته وهو لم يتجاوز العشرين من عمره !
"ما أكثر العِبَر وأقل الاعتبار" --"إنما يقدر الكرام كريم ويقيم الرجال وزن الرجال" (شوقي):
 وبعد ما يناهز ربع القرن من الزمان، نلتقي بهذا الفتي في باب "الرأي العام من يوم إلي يوم" كمهندس قدير وهو يختم عطاؤه في الخدمة المدنية، ذلك الباب الأثير عند قراء الجريدة وقتها والذي كان يحرره الأديب والمؤرخ الكبير حسن نجيله صاحب كتاب "ملامح من المجتمع السوداني": ونقرأ في مقال مطول له بتاريخ 14-10 –1964 ما يلي: "منذ أيام... وبجانبي صديق كريم رأيته يهز رأسه متعجبا... فسألته عن سر تعجبه...فأجاب...أن المهندس الكبير الرشيد سيد أحمد تقاعد بالمعاش، ولا أدري كم لدينا من خبرات هندسية بشئون الري ومشاريعه القادمة والسابقة في عداده لنستغني عن خبرته لمجرد أنه بلغ الخمسة والخمسين "وهي سن النضج واكتمال الخبرة"، "...الأمم التي أكثر منا تقدما وأقل حاجة... تجعل سن التقاعد الخامسة والستين وقد تمدها للسبعين للممتازين... فما بالنا نحن... نعفيهم من الخدمة ثم نسعى لنستورد أمثالهم من الخارج وهيهات أن يكونوا سدادا لهم" !
 وحق للكاتب الكبير وصديقه أن يعجبا، و نحسب أن الكثيرين ممن سيقرأ ون الكلمات اللاحقة عن بعض المسيرة المهنية الحافلة لهذا المهندس سيشاركونهما العجب ليس فقط في سداد رأي هذين الأديبين حول هذا المهندس، بل أيضا في بعد نظرهما في ذلك الزمان البعيد حول سن المعا ش ويكفي فقط أن نشير إلي أن مؤسسة عريقة كجامعة الخرطوم لم تهتدي أو تنجح في تمديد سن المعاش لبعض منسوبيها لسن الخامسة والستين إلا بعد ما يقارب نصف قرن من تلك المرافعة!
إنما تعرف الشجرة من ثمارها:
مضي الزمان بهذا المهندس في كلية غردون ليتخرج كأول دفعته في قسم الهندسة مع نيله جائزة القسم المسماة "جائزة ليون" لكنه آثر بعدها الالتحاق بوزارة الري رغم الفرصة التي كانت متاحة له للتدريس في الكلية، ليعمل كقدوة ومعلم (Mentor) للعديد من المهندسين الناشئين في الوزارة، أخذا بيدهم عبر مسيرتهم المهنية الطويلة، ومشرفا علي مشروع التخرج للعديد من طلبة كلية الهندسة بجامعة الخرطوم، وكاتبا لكثير من التقارير العلمية حول الري ومياه النيل وتصميم الترع
 ذلك النجاح الأكاديمي المبكر لهذا المهندس لم يبطره ، كما لم تبطره شهادة عارفي فضله، ممن عملوا معه عن كثب عشرات السنين، كعميد المهندسين السودانيين العارف بالله صغيرون الزين حين قال في حقه:
"والله لا أعرف أحدا أكثر منه علما أو أكثر منه تقوي أو أكثر منه نكرانا للذات"
 أو شهادة المهندس محمود جادين، أول وكيل لوزارة الري عنه حين قال:
"أرض الجزيرة الخضراء إن كانت تلفظ، لنطقت باسمه"
 أو ما قاله زميله علي محمود في حفل تقاعده عام 1964من أن:
"اسمه سيظل مرتبطا بوزارة الري مدي الحياة نتيجة أعماله الجليلة التي أداها لهذا الوطن"
 ولا أحسب أنه كان سيبطره -- لو عرف -- ما خطه رؤساؤه من مهندسي الري الأنجليز في ملفه السري حول أداؤه المهني العالي ملخصين ذلك في ثلاث كلمات –وهم المؤمنون بأنهم الأمثل:"هذا معيار إنجليزي" (This is British Standard"! ")، أي المثال الأعلى والمتميز الذي يقاس عليه، تماما كما نقول مثلا أن التعليم الأكاديمي هو المعيار الذهبي (الGold Standard )الذي تقاس عليه المناشط التعليمية الأخرى
 وكل ذلك الثناء المستحق لم يثني هذا المهندس من أن يرسي سجل مهني متميز أوصله لمنصب نائب وكيل وزارة الري لشئون مياه النيل وكان أول من سودن مستشاريها البريطانيين (ألن ومورس)! ، "في ظرف من أحرج الظروف—كما قال عنه نائب وكيل وزارة الري محمد صادق حسن—(حيث) "ساهم... في التحضير والدراسة لقيام مشاريع الري الكبرى كخزان الروصيرص وخزان خشم القربة" وكهربة سنار وقاد وحده مفاوضات تمويلهم واستطاع بإصراره الشديد إقناع البنك الدولي والممولين الألمان بالتخلي عن اعتراضهم علي تمويل –وبالتالي تصميم-- سد الروصيرص علي أسس تقبل تعليته في مرحلة لاحقة وهو ما يجني ثماره السودان الآن،
 كما أسهم هذا المهندس في أعمال "الإدارة المركزية للكهرباء والمياه" بحكم منصبه كمساعد مستشار وزارة الري والقوي الكهربائية المائية، ثم عمل عضوا في مجلس إدارتها بعد تقاعده ، وكان فيما كان أحد مؤسسي "الجمعية الهندسية السودانية" ونال زمالتها عام 1954 وعمل أمينا لمالها لربع قرن ، وكان أحد مؤسسي نادي الخريجين بواد مدني مع رفاقه الأساتذة أحمد خير والشيخ ا سحق شداد وحماد توفيق وآخرون وتحدثت جريدة صوت السودان عام 1943عن حفل وداع أقامه أعضاء النادي و"تحدث فيه الأستاذ حماد توفيق (أول وزير للمالية بعد الاستقلال)... والقي فيه الأستاذ (مصطفي) أبو شرف (أحد كبار المساهمين في الحركة الوطنية التي أتت بالأستقلال ) أبيات من شعره الرصين" احتفاءا ب "عضو...حاز إعجاب وتقدير جميع أخوانة... (و) كان لنقله رنة حزن في جميع أوساط... واد مدني لما جلب عليه من أخلاق كريمة وحسنات نادرة ونشاط متواصل" و"كيف انه كان عضوا عاملا في جميع اللجان التي اشترك فيها" !
 وكتب له المربي الكبير عوض ساتي -أول مدير لوزارة المعارف وأول سفير للسودان ببريطانيا – خطابا في نفس عام1943 هو قطعة أدبية فذة تستحق أن تنشر كلها، لكننا نقتطف منها قوله له" الذي يدهشني حقا انك... كنت...-- رب الحجى والنهي –أكثرنا مرحا...وكنت محور الدعابة الحلوة والنكتة البارعة. يالك من شاب مدهش ! كم أنا معجب بك وبشمائلك ! "، فما أصدق الروائي الإنجليزي سوم رست موم حين قال "أن الإنسان في حقيقته مجموعة رجال لا رجل واحد"
 و كان هذا المهندس أيضا احد مفاوضي اتفاقية 1959 لمياه النيل، حيث شهد بدوره البارز فيها مستشار الري الأجنبي ألن (Allan) بالقول في رسالة له: "أجدني متأكدا من أن الجزء الخاص بك في المناقشات التي جرت حول "اتفاقية النيل الجديدة" أسهم بصورة كبيرة في تأمين ما تم الاتفاق عليه بعد ذلك للسودان" (أي بدفع المفاوض المصري لترفيع عرضه للسودان من 8 الي10 ثم إلي 13 وأخيرا إلي18.5 مليار م3 ، (رسالة بتاريخ (15-9- 1964
 ويعود هذا المهندس بعدها ليعمل كنائب رئيس الجانب السوداني في الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل، وعندما تقاعد ، كان رئيس الجانب المصري للهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل أول من شهد بدوره المركزي في تأسيسها حين كتب له قائلا:
"وإنني إذ ذكرت فضلك وجهدك في خدمة مياه النيل وهيئتها، فما قلت إلا حقا لأنك كنت يدا قوية بنت لهذه الهيئة تقاليدها" (رسالة بتاريخ 27-12-1964)
ولو أن هذا السجل المهني الفريد توقف عند ذلك لكفي صاحبة فضلا، لكنه مضي ليتضمن أيضا:
 تخطيط وتصميم كل الترع لمشروع القاش ومشروع دلتا طوكر وتشييد منشئات التحكم في المياه وترع وحياض الري
لمشروع تسني باريتريا وعمل الميزانيات لها والمحافظة علي مجري القاش وخور بركة وتهذيبهما للحماية من – وضبط- الفيضانات من خلال إقامة السدود و منشئات ترويض النهر المختلفة (Cut-offs, Levees, Check Dams, Diversions)
 وهو عمل بارز شهد له به كبير مهندسي الري الإنجليز عند انتهاء عمله في شرق السودان قائلا:
"أود أن أشكر لك... كل الحرص والتفاني في العمل والإخلاص للواجب الذي أظهرته...وللمعايير الهندسية العالية التي عالجت بها العديد من المشاكل الصعبة التي نشأت في القاش" (رسالة جورج ن. ألن -- 1945)
 وحين عرض هذا المهندس تجاربه تلك في ترويض القاش وبركة في “المؤتمر الدولي الرابع حول الري والصرف" الذي انعقد في يونيو 1960 بمدريد، (أسبانيا)، عجب المؤتمرون الأوربيون من أن مثل هذا العمل الهندسي الدقيق قد قام به المهندسون السودانيون في أربعينات القرن الماضي! وقد نعود لوصف تلك التجربة الثرة في زمن لاحق إن شاء الله -- لكن ذاك ليس كل إنجازاته، التي تضمنت أيضا:
 تخطيط وتصميم مشروع الحصا الزراعي، وقد حصل بسبب دوره فيه علي نوط الجدارة من الطبقة الأولي من السيد رئيس الجمهورية
 وكان له الدور المعلي في تخطيط وتصميم مشروع المناقل (000800, فدان) مما جعله يكني وسط خبراء الري الإنجليز بالوزارة: ب "رشيد المناقل" (Rashid of Managil) --وهو ما يسمي في اللغة الإنجليزية (Eponymy)، أي "المعادل المعنوي" لمنح صاحب الإنجاز البارز، المواطنة الشرفية لذلك الإقليم --وذلك حسب إفادة أحد أولئك الخبراء الإنجليز، والذي أردف مؤكدا المعني لمحدثه الأستاذ حامد حميده: "أجل، تماما كما نقول في انجلتري ! “Prince of Wales"!
كل هذا ولا زال في رصيد هذا المهندس بقية، بل الكثير! ومنه:
 تخطيط وتصميم ( 500,000 فدان ) من المشاريع الزراعية الخاصة بالنيل الأبيض والأزرق
 وتخطيط وتصميم وتحسين 32 مشروعا من مشاريع الإصلاح الزراعي بالنيل الأبيض والأزرق
 وتخطيط وتصميم وتنفيذ مشروع السليت الزراعي (27,554 فدان)
 وتخطيط وتصميم المرحلة الأولي (16,000 فدان) والثانية (22,000 فدان) لمشروع الواحة
 المشاركة في تخطيط وتصميم مشروع امتداد شمال غرب الجزيرة ( 100,000فدان)
 والمشاركة في تخطيط وتصميم امتداد مشروع الجنيد ( 30,000 فدان)
 وتصميم الترع والمصارف المرتبطة بقنطرة كيلو 57 وعمل الميزانيات لها
 وإعادة تصميم مشروع طرمبات فطيسة وتخطيط وتصميم قنوات ومصارف الهشابة والأشراف والمراقبة علي بيت الوابور(Pump House) والذنبية (Inlet Channel) وحوض الرمي (Discharge Basin)
 والقيام بالمسح والدراسات لخور الجاسر (Investigation & Cross-sectioning)ومشروع الطلمبات بوادي حلفا (Detailed Contouring & Levelling) ، وتحسين مشروع ري خور أبو حبل
 وتخطيط وتصميم (بالاشتراك مع شركة مردوخ ماكدونالد):
 امتداد مشروع الجنيد ( 52,760فدان) وامتداد مشروع خشم القربة (112,610 فدان)
 مع التخطيط الأولي لمشروع ري أراضي الرهد والحواته (1,527,000 فدان)
 والتخطيط الأولي ل ( 50,000فدان) من امتدادات المشاريع الزراعية بالنيل الأزرق والرئيسي و الشمالية
كل هذا السجل الحافل بالإسهامات في خدمة الوطن دفع مستشار وزارة الري البريطاني والذي عمل في السودان لما يقارب ثلاثين عاما أن يجمل حكمه علي إسهامات هذا المهندس في كلمات معبرة:
"إنني أدرك كم السودان مدين لك في نصيبك الكبير من العمل لتطوير أعمال الري والتنمية وخاصة في مجال مياه النيل" (رسالة و.ن.ألن 15 سبتمبر 1964) ، وفي كلماته صدي لمقولة ونستون تشرشل الشهيرة:
"لم يكن هناك يوما مثل هذه الكثرة من الناس تدين بهذا الكثير لمثل هذه القلة من الناس"
""Never was so much owed by so many to so few
حسنا نقول، "فجمال المجد أن يثني عليه، ولولا الشمس ما طلع النهار"، كما أخبر المعري بذلك ، لكن ما يدهش حقا هو أن كل هذا الثناء الذي كيل لهذا المهندس لم يحفل هو بإخراجه إلي النور طوال حياته ولم يطلع عليه أحد: لا أولاده ولا أهل بيته ولا إخوته، ناهيك أن يذكره للغرباء، وظل الأمر خفيا حتى تعثرت عليه أسرته وهي تنقب في أوراقه بعد وفاته! رغم أن العلماء أجازوا لمن جهل الناس فضله أن يخبر بذلك، قياسا علي الآية الكريمة "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" (يوسف 55) فتأمل أيها القاري الكريم من رجل!
ألا رحم الله الرشيد سيد أحمد بقدر ما أجذل لبلده من العطاء
و"طوبي لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته" (حديث شريف)
و"إن الله يحب الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا
وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى ".
(حديث شريف)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.