صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان... زيف التاريخ ومسخ الواقع (3)
نشر في الراكوبة يوم 12 - 02 - 2013

كما اسلفنا فى مقالنا الاول والثانى فيما يتعلق بالتحريف و وطمس التاريخ السودانى وعلاقة ذلك بواقعنا الحالى على الصعيد الاجتماعى والاقتصادى و حتما السياسى فأنه لابد أن نؤكد مرة اخرى بأن الاثار منذ العصر الحجرى القديم والوسيط ثم الحديث تؤكد سيادة النوبة على الاراضى المسماة السودان حاليا اى أنهم السكان الاصليين فى السودان وذلك من خلال تكيفهم مع النيل( مناطق شمال السودان الحالية) وخلقهم للادوات المناسبة من اجل بقائهم فى تلك البيئة وتكيفهم عليها وعليه فان إن أهم عنصر في تنمية منطقة الثقافة النوبية النيلية كان هو التكيف مع البيئة المصغره لوادي النيل... ما أنجز هذا التكيف حتى كانت التنمية ثباتاً عاماً للسكان و التكيفات مع البيئة النيلية جلية في وجوه كثيرة للمواد الآثارية، النقلة من رمل حجر خرساني وصخور دهرية عتيقة إلى صخر صواني نيلي وحصى عقيقي في صنع الأدوات مثال ممتاز إنها منعكسة للنظر أيضا في تغير بإستغلال البيئة، خاصة في ظاهرة تخفيض المحاجر ومحلات العمل بعيداً عن المواقع الحيايتة. وكذلك في الإقتصاد المختلط المؤسس على صيد حيوانات السافنا الكبيرة والحيوانات المائية، وعلى الانقطاع من السمك الوافر بالنيل.و الجدير بالذكر ان امتداد هذه الثقافة يصل الى منطقة النوبة العليا فى مصر والتى لابد أن نشير الى أن هذه الاثار قد تعرضت لتدمير مقصود اثناء فترة حكم ابراهيم عبود بالتواطؤ مع الحكومة المصرية وذلك خلال فترة بناء السد العالى والذى اعتبره شخصيا فقد جلل للاثر الانسانى و الذى ساهمت ولاتزال المجموعات المسيطرة على الحكم تعمل على اخفائه او حتى ذكره فى التأريخ الرسمى المدرسى لتعلم الاجيال الحالية والقادمة بل حتى السابقة عن المجموعات السكانية التى وجدت فى السودان منذ الخلق بل على العكس ربطت تأريخ السودان بدخولها الى السودان( المجموعات العربية/الاسلامية) كما ذكرنا فى مقالنا السابق و ان تجاوزنا تلك الازمنة المبكرة من التأريخ الى القرن السادس الميلادى فى فترة سيادة الممالك المسيحية فى السودان والذى اعتنقته اهل بلاد النوبة وبلاد النوبة التي نتحدث عن واقع المسيحية فيها، هي الجزء من وادي النيل الواقع ما بين أسوان شمالاً وملتقي النيلين جنوباً، وفي هذا الجزء عُرفت الممالك النوبية الثلاث التي إعتنقت المسيحية في العصور الوسطي وعرّفها الكتاب العرب بإسم بلاد النوبة، وهذه الممالك النوبية الثلاث هي: مملكة "نوباتيا" الواقعة ما بين الشلال الأول بأسوان وتمتد حتي أخرِ الشلال الثاني والمعروف ببطن الحجر، وهي المملكة التي يعرّفها بعض الكتاب العرب بإسم "المريس"، وعاصمتها مدينة "فرس" بالقرب من وادي حلفا. ويليها مملكة المقرة، الواقعة ما بين الشلال الثاني والشلال الخامس بالقرب من مدينة بربر، وتنتهي حدودها الجنوبية عند مكان يُعرف "بالأبواب" بالقرب من "كبوشية" وكانت عاصمتها دنقلا العجوز...، ثم تأتي مملكة "علوة" الواقعة ما بين الشلال الخامس وتمتد حتي مُلتقي النيلين، وجزء من الجزيرة، وعاصمتها "سوبا" بالقرب من الخرطوم. هذا وقد إتحدت مملكة النوباط والمقرة حوالى عام 700 م وأصبحت تُعرف ب"المقرة"(* انظر الخريطة المرفقة) فهذه الفترة التاريخية نجد ان المجموعة المسيطرة عبر اليات التحكم فى نظم الاستعدادات والتصورات قد عملت على محو هذه الفترة التأريخية عن الذاكرة القومية السودانية بل عمدت على محو اثارها تماما حيث يتبدى ذلك فى سوبا والتى لايوجد الان اى اثر يدل على وجود تلك الدولة وان ظلت موجودة على المستوى الشفاهى فى المتداول بين السودانين من خلال مقولات مثل ( عجوبة التى خربت سوبا او حتى على مستوى سب الديانة والذى يعرف لدى السودانين الشماليين كظاهرة منتشرة فيقول الفرد للاخر ( طلًع صليبى) فالصليب المقصود هنا هو مدى التشدد الذى تم فى ازالة اثار المسيحية فى السودان لحد اجبار الناس على خلع الصليب وهو الرمز الدينى للمسيحيين السودانيين و قد عملت المجموعة المسيطرة عبر السلطات المختلفة بأقامة بدائل دينية رمزية فى تلك الاراضى والامكنة والتى تتبدى فى وضوح فى التركيز على تسمية المناطق وربطها بالرموز الدينية الاسلامية ( دامر المجذوب – مدنى السنى – المسيد...الخ) بل اراضى لاقامة الصناعات المختلفة وشيدت بها القرى والمبانى الاستثمارية ( دريم لاند) و اقيمت فى تلك الاارضى المزاراع فى امتادات واسعة دون الالتفات الى ان هذه الاراضى تعتبر امكنة للتنقيب والبحث الاثرى السودانى وهذا الامر ينطبق على معظم مناطق شمال السودان النيلى (* انظر الى صور الاثار فى البجراوية والبركل)وبالتالى حدثت مسألة السيادة التاريخية لتلك المجموعات العربية الاسلامية حديثة الوجود فى الاراضى التى سادت فيها تلك الممالك النوبية المسيحية السودانية مما قاد فى نهاية الامر الى المفهوم الخاطئ الذى يسود فى السودان الشمالى بأن شمال السودان هو ارض الاسلام والمسلمين والذى كان سببا اساسيا فى اشعال الحروب فى السودان بأسم الجهاد ضد المسيحيين الجنوبيين والنوبة مما قاد الى الى استقلال شعب جنوب السودان عن المنظومة السياسية المسيطرة علىى مستوى المركز ولا ندرى ماذا سيحدث فى جبال النوبة والنيل الازرق ودارفور ابان الحرب المشتعل هناك اليوم .
إن اكثر الامور تعقيدا فى الحياة السودانية عموما هو العلاقات الاجتماعية بين المجموعات السكانية السودانية ذات الاصول الزنجية الافريقية المسيحية والمسلمة وغير ذلك والمجموعات السكانية العربية الاسلامية فى السودان والتى تسود فى الغالب بينها علاقات تنبنى على الاستعلاء العرقى ورفض الاخر والتى انبت عليها علاقات السلطة فى السودان حيث اصبحت المجموعات الافريقية من السكان هى المجموعات المُستعلاء عليها عرقيا والمجموعات العربية الاسلامية العربية هى المُستعلية على المجموعات الاخرى وهذا يتبدى بوضوح كما زكرنا فى الحياة اليومية للسودانيين ابتداء من علاقات التزاوج والتى يعود العامل الاول فيها الى العرق( فلان فيهو عرق) و يسقط فبها عامل الدين(الاسلام) و كذلك عند النظر الى علاقات العمل فى فإن العمال والمأجورين هم دائما ابناء الزنزج الافارقة والملاك هم الجلابة بل حتى على مستوى المقولات فهناك اولاد بلد وهم بالضرورة ابناء الجلابة مقابل (اولاد غير البلد) وهم المجموعات الاخرى بل ان الامر قد وصل الى حد القهر النفسى مما قاد الى حالات التنكر للاصول الافريقية فكثير من المجموعات والافراد قد اتخذو لانفسهم هويات عربية اسلامية فى سبيل الوصول الى حالة قبول اجتماعى واقتصادى وسياسى وشخصيا اعزى حالة تفشى الكريمات المفتحة للبشرة بين بنات المجموعات السكانية ذات البشرة السوداء والتنكر للغات السودانية غير اللغة العربية وهذه من الامور المعروفة فى السودان وهناك الكثير من النماذج والامثلة لحالة التعقيد والتشوه السائدة فى المجتمع السودانى والتى لايسع المجال الى ذكرها ولكن حتما انها ساهمت فى تخلفنا وتقهقرنا الى الوراء والتى انعكست فى ملامح الحياة السودانية ولذ كان لابد أن نبحث عن أُس الاشكال ونحاول ان نجد الحل لجعل تلك العلاقات سوية وقائمة على اساس المساواة والندية وبالتالى قيام دولة ومجتمع على هذا الاساس تكون المواطنة هى الاساس للحقوق والواجبات وعليه فأننا نجد أن تاريخ العلاقات بين المجموعات السكانية السودانية هو الاساس الذى لابد ان نعود ونراجع كيف كانت تلك العلاقات ومدى معرفتنا بها؟ ومدى عمل السلطة على تبصير الناس بها ؟ وكما هى العادة فإن ذلك التأريخ من التواريخ المسكوت عنها والمعمول على عدم ذكرها ومعرفة السودانين بها ومانقصده هنا هو تاريخ الرق فى السودان والذى لم يتم الكتابة عنه فى تاريخنا المعاصر فيما عدا بعض الكتابات القليلة و التى لابد أن نشير الى الاستاذ/محمد ابراهيم نقد فيها بأعتباره من القليلين الذين كتبو وفى هذا الاتجاه ، والرق بصفة عامة يعتبر ممارسة ضمن الارث الانسانى الطويل ويعتبر وصمة عار فى جبين الانسانية وقد مورس فى معظم المجتمعات الانسانية ولكننا ولغرض المقال سنكتفى بالحديث عن الرق فى السودان فى فترة مايسمى اصطلاحا السودان الحديث وذلك لما له من تأثير مباشر على الواقع الاجتماعى والاقتصادى والسياسى الحالى فى السودان.
إن الواقع الثقافى للسودان عشية الاحتلال التركى المصرى للسودان1921م ( البداية الاصطلاحية لتاريخ السودان الحديث) كان السودان ينقسم إلي ثلاثة حقول ثقافية:
1/ حقل الثقافة الأفريقية الأصلية/ المحلية:
ويشمل الجماعات التي لم تكن قد تأثرت في مسائل جذرية بمؤثرات خارجية وظلت تعيد إنتاج نفسها من خلال بيئتها الجغرافية التاريخية، مثل قبائل النوبة في منطقة جبال النوبة وأغلبية القبائل في جنوب السودان وجنوب النيل الأزرق وأواسط وجنوب دارفور. وهم الذين تعرضوا بعد ذلك لهجمة تجارة الرقيق وهم المقصودون بعملية الجلب في خطاب محمد علي، كذلك هم الذين تعرضوا للرق بالفعل داخل (السودان).
2/ حقل الثقافة المختلطة:
ويشمل القبائل والجماعات التي تأثرت بقدر ما متفاوت بالثقافة العربية الإسلامية وأصبحت هذه الثقافة تمثل (بنية فوقية) في هيكل ثقافتها العام بينما هي محافظة على البنية الأساسية لثقافتها في العادات والتقاليد واللغة والتراتبية الاجتماعية. وهي مثل القبائل النوبية في شمال السودان، والبجا في شرق السودان والفور في شمال غرب السودان. ووضعهم في التصنيف يماثل وضع (الموالي) في الدولة العربية الإسلامية.
3/ حقل الثقافة العربية الإسلامية:
ويشمل القبائل العربية (العاربة) والمستعربة أي التي تمت إعادة إنتاجها داخل حقل الثقافة العربية الإسلامية. هؤلاء يسمون أنفسهم العرب عموما في (السودان).
ومن المعروف ان الجيوش التركية قد اكتسحت الاراضى السودانية فى عدة مراحل ولكن هناك بعض الحقائق. أولها أن الجيش الغازي واجه مقاومة مسلحة في بعض المناطق(، ولكنه بالرغم من ذلك لا نجد ذكرلذلك في قائمة (الأبطال القوميين) في الخطاب (الرسمي) (للدولة السودانية). فالمك نمر ومهيرة بنت عبود يحتلان هذه القائمة بأكملها، وهذا يؤشر نحو حقيقة سيطرة المنطلقات الذاتية للذهن التصنيفي الذي وجه التاريخ وصاغ الخطاب الرسمي في مجافاة صريحة ل (منطق الواقع).
ولم يتمكن الأتراك من بسط نفوذهم على جبال النوبة ولا على قبائل البقارة فاقتصر نفوذهم على المدن الأساسية والأرياف التي تحيط بها) ولكن تشتت تلك المقاومة أضعف فعاليتها كما لقي ترحيبا وتسليما في مناطق أخرى... ولعل تباين مواقف المناطق يعكس اختلاف المراحل التاريخية التي كانت تمر بها. وتأثير ذلك على درجات وعيها تجاه الغزو الأجنبي. وتتمثل الحقيقة الثانية في التفوق الحضاري للجيش الغازي. والثالثة أن بعض زعماء قبائل بلاد السودان كانوا يقفون على جوانب من أحوال مصر، وقيام نظام حكم قوي فيها لعل بعضهم كان يأمل أن يمتد ظله إليهم ليحقق لهم نوعا من الاستقرار. فقد أفرزت التطورات في بلاد السودان بعض الفئات التي رأت أهمية ارتباطها مع مصر سبهدف خلق صلة مع أهل البلاد.
على ذلك الاساس قامت الدولة التركية المصرية الإقطاعية العنصرية بطبيعتها فهي تعمد على المعايير العرقية (بلوازمها الدينية) في عمليات تقسيم العمل، وبناء التراتبية الاجتماعية وبالتالي إعادة بناء الواقع بما يتناسب مع توجهات الغزو وأهدافه، من خلال إمكانيات البلاد. حيث أنهم كانوا يعرفون هذه الإمكانيات وقد وجدوا بالفعل التوجهات الداخلية لدى حاملي الثقافة العربية الإسلامية التي تتناسب مع (الثقافة السياسية) أو (الأيدلوجيا) وأهداف وتوجهات الغزو التركي المصري. لذلك لم يجد الأتراك والمصريون كبير عبء في التعاون بل (التحالف) مع قبائل السودان الأوسط وكان الطريق الذي سلكوه بعد ذلك في (السودان) واضحا أمامهم. وقد كانت منطقة بحر الغزال من المناطق التى توجهت اليها اعين الدولة التركية لاحتلالها فى المراحل المتقدمة من الغزو بعد احتلال مناطق سنا الى فازوقى و سقوط شرق السودان وقد كان للجلابة وضع متميز في بحر الغزال. فقد أسسوا إمبراطوريات تجارية واسعة الثراء. وكون كل واحد منهم (زريبة) خاصة به، كانت بمثابة دولة صغيرة مستقلة بذاتها. ولكل جلابي جيشه الخاص ومحكمته وسجونه. فهو الحاكم المطلق داخل (زريبته) وامتلكوا الأسلحة النارية التي سلحوا بها جيوشهم خاصة (البازنقر). وارتبط ضم بحر الغزال بشخصيتين من الجلابة هما الحاج محمد الهلالي (أو البلالي) والزبير رحمة منصور. أما الهلالي فهو تاجر رقيق يقال أنه من أصل مراكشي، ولا يخلو تاريخه من غموض. وحوالي عما 1850م استطاع أن يؤسس مملكة في (دار فرتيت) جنوب دارفور، تحت مظلة سلطان دار فور. ونشب صراع بينه وبين السلطان، فالتجأ إلي الحكمدار في الخرطوم. ورأي فيه الحكمدار أداة لبسط نفوذ الحكم التركي المصري في بحر الغزال. فبعث به ناظرا لقسم بحر الغزال تابعا لمديرية فشودة. ولم يعبأ باعتراضات سلطان دارفور. وأمدته الحكومة بقوة عسكرية. وكان على الهلالي أن يحول المنصب الوهمي الذي أوكل إليه إلي قوة إدارية نافذة المفعول.
بدأ الهلالي رحلته من (مشرع الرق) متجها غربا. وأخذ يجمع الضرائب من التجار باسم الحكومة، كما قام بإغراء الرقيق لإدخالهم في الخدمة العسكرية. وشكلت الإجراءات التي اتخذها خطورة على الجلابة وسطوتهم. فتجمعوا خلف الزبير رحمة الذي كان أكثرهم قوة ونفوذا. والزبير من قبيلة الجعليين من منطقة الجيلي شمال الخرطوم( يطلق اسمه على احد الشوارع الاساسية فى وسط الخرطوم فى مسافة غير بعيدة من شارع القصر والذى يقود الى القصر الجمهورى السودانى رمز السيادة القومى المفترض!!!؟؟؟). وكان قد ذهب إلي بحر الغزال في سن الصبا مساعدا لأحد الجلابة. وتمكن بعد صعاب ومغامرات أن يؤسس إمبراطورية تجارية وجيشا خاصا مسلحا بالبنادق، وأن يصبح من أشهر تجار الرقيق وأكثرهم ثراء وحنكة. كما تجلت فيه صفات قيادة بارزة.
وكانت ظروف المنطقة في القرن التاسع عشر تسمح بتأسيس مثل تلك الدويلات التي تقوم على قوة الشخصية والمهارة الفردية. فالهلالي والزبير ورابح فضل الله، أمثلة لامعة لنمط عريض من ذلك النشاط. ولذلك عقد الجلابة للزبير لواء القيادة. وبرز وضع متوتر حتم انفجار الصراع. فدارت معركة بين الهلالي وتحالف الجلابة بقيادة الزبير عام 1872م، انتهت بهزيمة الهلالي ومقتله. وانجلت المعركة عن وضع سياسي لا يخلو من تعقيد. فانتصار الزبير وضعه في مواجهة الدولة المركزية في الخرطوم. وبما أن قوافل الجلابة تمر عبر السودان، فإن توتر العلاقة مع الحكم التركي المصري يضر بمصالحهم. فسعى الزبير إلي الحكومة. وكانت الحكومة نفسها في مأزق. فهي تريد بسط نفوذها في بحر الغزال، ولكنها لا تمتلك الإمكانيات العسكرية والإدارية لتحقيق ذلك. كما أنها تجد حرجا في التعامل مع الزبير تاجر الرقيق الشهير.
ونواصل
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.