الذين يشتمون الترابي والبشير    فيديو: مانشستر يونايتد يوقف السيتي، وانهيار ليفربول في عقر داره    رسمياً خوان لابورتا رئيساً لبرشلونة    موقف محافظ بنك السودان شجاع وأخلاقي    في يوم المرأة العالمي 2021 المرأة كاملة عقل    في 10 ثوان.. تقنية جديدة لإنهاء إجراءات السفر بمطار دبي    المريخ يوقف قائد الفريق ويحيله للجنة تحقيق    (المركزي) يوافق لبنك أمدرمان الوطني بإصدار بطاقات (فيزا كارد)    دراسة تكشف فائدة عظيمة للسمسم .. قد يحمي من مرض عصبي خطير    في رحاب "لهيب الأرض" لأحمد محمود كانم    عيد المرأة … أثقال على ضمير الوردة    آلية حكومية لتنفيذ حوافز المغتربين وإعادة الثقة في المصارف    مصرع شخص في حريق بالمنطقة الصناعية بالخرطوم بحري    صحة ولاية الخرطوم تضع خطط محكمة لصد اى موجة اخرى لكورونا    مصر.. مسلسل "أحمس الملك" يثير الجدل ومطالبات بإيقافه    مواجهة كورونا.. الدعم الأميركي 6 أضعاف نظيره الأوروبي    ميسي وآلاف الأعضاء يصوتون في انتخابات رئيس برشلونة الجديد    لجنة إزالة التمكين تؤكد على نفاذ قَرَارها القاضي بإِنْهَاء خدمة عاملين ببَنْك السودان المركزي والمؤسسات التابعة له    مصر تؤكد "ضرورة إخراج القوات الأجنبية" من ليبيا واستكمال المسار السياسي    د. حمدوك: الموجِّه الأساسي في سياساتنا التسعيرية هو تحفيز المنتجين والإنتاج .. حمدوك يعلن السعر التركيزي لمحصول القمح 13500 جنيه    مريم بين (إستعمار) وانكسار..!    هل يحسم التقارب السوداني المصري قضية سد النهضة؟    المحكمة تغرم فرفور وتمنعه من الغناء 3 أشهر    خطاب "ما أريكم إلا ما أرى" الاقتصادي للحكومة الانتقالية (1)    سائق متهور يدهس 3 طالبات خلال وقفة احتجاجية أمام داخلية بالخرطوم    الفنان محمد ميرغني: قررت الهجرة من بلد "لا تحترم الفن والفنانين"    اسعار صرف الدولار والعملات مقابل الجنيه في السودان    وزير المالية: السعر المعلن للقمح أعلى من السعر العالمي    البابا فرنسيس يزور مناطق خضعت لسيطرة تنظيم الدولة شمالي العراق    مريم المهدي: موقف حزب الأمة ضد التطبيع    التلفزيون القومي يوثق لشعراء وملحني الفنان وردي    سفير السودان :أبطال الهلال تحدوا الظروف الطبيعة وعادوا بنقطة غالية من الجزائر    الشرطة القضارف يختتم تحضيراته لموقعة الاهلي مروي    أزرق شيكان ينهي تحضيراته للأهلي شندي    لجنة فنية للتطعيم بلقاح كوفيد (19) بشمال دارفور    قوات التحالف السوداني : 3 كتائب جاهزة للانضمام للجيش في الفشقة    توقيف (36) معتاد إجرام بينهم أجنبي يزور الدولار بنيالا    استقرار أسعار السلع الاستهلاكية بالاسواق    مدير أعمال البنا: الجمهور غير مستعد نفسياً لتقبل جديد الأعمال الفنية    وفاة مصممة الأزياء نادية طلسم    هدايا كوهين للسودان تثير انتقادات في إسرائيل    مصعب الصاوي: الوسائط أعادت الروح لأغاني الحقيبة    الأعلى وفيات في أوروبا.. هذه الدولة بدأت ترسل مصابي كورونا للخارج    3 إخوة يرفضون تسلُّم جثة شقيقتهم في مصر    تحية مستحقة للمرأة السودانية .. بقلم: نورالدين مدني    شخصيات مشهورة .. أصل وصورة .. بقلم: د. أحمد الخميسي    رحمنا الله بالتعادل .. بقلم: كمال الهِدي    قيد البلد بيد السماسرة    بيض المائدة.. فوائد هائلة لخسارة الوزن ومحاذير لفئات محددة    حيدر المكاشفي يكتب : أصلو غلطت في البخاري    "الوشاح".. لعبة تخطف أرواح الأطفال على "تيك توك"    مريم المهدى تسقط فى امتحان الدبلوماسية .. بقلم: موسى بشرى محمود على    محجوب مدني محجوب يكتب: لا بد من فقه سياسي    المصالحة مع الإسلاميين: نبش ما في الصدور أم نبش ما في القبور .. بقلم: أحمد محمود أحمد    الخرطوم من اختصاص الوالي .. أم أنا غلطانة    شرطة أمبدة تضبط عصابة بقيادة نظامي معاشي    أمريكا : سنعطي أولوية تأشيرة الهجرة للسودانيين المتأثرين بحظر ترامب    ترامب: في اول رد فعل غير مباشر علي اتهام صديقه العاهل السعودي .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أغاني الحقيبة والفجور وبردة النبي (ص)
نشر في الراكوبة يوم 10 - 03 - 2013

ورد قبل أكثر من أسبوع في صحيفة الراكوبة أن نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الشيخ ابراهيم السنوسي قد إعتراف طائعا بأن الحركة الإسلامية عندما إستولت على الحكم بإنقلاب عام 1989 قامت ( بإعدام ) عدد كبير من أغنيات ( الحقيبة ) التي تقود – حسب زعمه – إلى الفجور وطالبت بعدم بثها عبر وسائل الإعلام ( لبناء جيل معافا ) .
هذا الرجل وغيره ربما يعلمون أن هذه الأغاني كانت تبث في المجتمع السوداني منذ العشرينات دون أن ينتج عنها هذا الأثر الذي يدعونه ويفترضونه لخلوهم من برنامج نهضة حقيقي وأن هذه الأغاني شكلت النغم والوجدان والذاكرة الجمعية والإحساس بالحياة السوداني وأنه حل ويحل تدريجيا في مكان نزعة التدين العمياء التي يدعونها ويفترضونها ويسوقون الناس إليها دون وعي بنتائجها المستقبلية أو الواقعية في مجتمع تتعدد نبراته ومصادر الحياة الروحية لديه مثلما تكثر عنده مصادر المعرفة والمعلومة وأنواع وأجواء الحياة النفسية بدوافع الفنون والإنسانيات والكشوف العصرية في كل مجال , وعلى أغاني ( الحقيبة ) التي حلت محل أغاني ( الطمبارة ) وطورتها إلى الأشكال التي نعرفها اليوم قام إحساس وتميز السوداني بنفسه وشكلت حبال ربط متينة مع ماضيه السحيق حيث صبت كل أشكال الأنغام من كل أنحاء السودان في مضمار أغاني الحقيبة مثلما كان شعراؤها يهاجرون إلى مواطن تلحينها وروادها الأوائل من مغنيين أمثال كرومة وسرور وبرهان وزنقار وشعراء أمثال عمر البنا وأبوصلاح وعتيق وعبد الرحمن الريح بل شكلت أشعار وأغاني الحقيبة مصدرا للوحدة لكل أطراف السودان القريبة والبعيدة وحتى في الجنوب إشتهر الشمالي بأنه ذو صوت عميق جميل وألحان دافئة عاطفية فضلا عن الغرب والشرق كما ذكر ياسر عرمان مرة في أحد لقاءاته فإذا أسر أحد الجنود الشماليين كانوا يطلبون منه بتهذيب أن يغني لهم لأن ( المندكورو غناي خلاص ) .
لكي أفهم مدى ( الفجور ) في أغاني الحقيبة فلابد لي أن أرجع لتجاربي الشخصية , ولما لمسته بنفسي قبل أن أسمع قصة من هنا أو هناك أو أقرأ كتابا أو مجلة , فقد كان والدي المولود في ( حي العرب ) محافظا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى في الدين والعرف السوداني ويحب المصاحف والمساجد وينتقد جهرا كل أشكال الإنحرافات وظللنا سنوات طويلة حتى إكتشفنا أنه يحتفظ بشريط كاسيت ( لاحمد الجابري ) بين أوراقه ومغتنياته القديمة وكان الفنان الراحل أحمد الحابري يزورنا بين وقت وآخر ولم ار والدي يطلب منه أن يأتي بالعود وأن يعزف وأن يغني ومن ذلك الشريط الذي كانا نشغله في غياب والدي تعرفت على أغاني احمد الجابري وأحببته ولكن والدي كان في كل جمعة يحرص على سماع برنامج حقيبة الفن الذي تقدمه إذاعة أمدرمان أمامنا وكان والراديو أمامه في الطربيزة يدخل في غفوات طويلة عميقة والشمس ساطعة في البرندة والشوارع قد هدأت وإسترخت وظل يستمع لسنوات عديدة حتى وفاته ودفنه بمقابر حمد النيل ولم أسمعه مرة واحدة يقول إن الحقيبة ( فجور ) , وكانت والدتي وهي من شمال حي العرب حيث عاش أهلها هناك قبل مجئ الأمام المهدي ثم نصروه وانخرطوا في صفوف الدعوة المهدية وتابعوا حملة ود النجومي إلى مصيرها المحتوم في شمال السودان , كانت مرجعا لكل الأغاني السودانية وأغاني الفلكلور ولم تكن تستوعب الأغاني العربية ولا تعطي أدنى إهتمام لمطربين أمثال كوكب الشرق وغيرها من المصريين وكان الراديو دائما بقربها وكنا حينما نأتي من المدرسة وهي في المطبخ نسمع الراديو بألحانه المعتادة فنسألها " البغني دا منو ؟ " فتقول " دي عشة الفلاتية أو دي أم بلينه السنوسي أو دا حسن عطية .. ألخ " ولم أسمعها مرة تنتقد هذه الأغاني أو تقدح في جمالها أو عفتها أو عمقها أو أنها تعطي الحياة لمن يسمعها , والسؤال الآن ليس من أين أتى هؤلاء ولكن من أين يأتون بمثل هذه الأفكار ؟ هل يستقونها من أهلهم ؟ أم يستقونها من الدجل والشعوذة وإرهاب من في يده السلطة مع خلو الضمير من وخزات الذنوب وخلو الإحساس من عواطف الآداب والفنون وخلو العقل من منطق التاريخ وتفكير من يسامخ ويستهدي بالتجارب .
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستمع لشعر الغزل , فما من قصيدة أو معلقة في ذلك الزمن إلا وبدئت به , وإستمع للامية ( كعب بن زهير ) وهو شاعر مخضرم شهد العصر الجاهلي وعاش في الإسلام , وألقى عليه المعصوم بردته ( عباءته ) عندما سمعه في المسجد ينشد قصيدته العظيمة التي مطلعها غزل حسي كثيف مثير ويقول فيها .
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا إبتسمت
كأنه منهل بالراح معلول .
( والمتبول ) من تبله الحب وتيمه وأذهله , ( والمتيم ) المذلل بالحب الخاضع والمستعبد له و( الأغن) المرأة ذات الصوت الرخيم دلالة على النعيم و( الدلع ) و ( غضيض الطرف ) المرأة فاترة النظرات ذات دلال وإنكسار و( تجلو ) تظهر أسنانها ما بعد الأنياب دلالة على كبر الفم وإمتلاء ا لشفتين وذي ( ظلم ) أي ماء الأسنان وهو اللعاب الذي يحبه العشاق أثناء التقبيل , فحين تبتسم تلك المحبوبة تبرق أسنانها المخلوطة باللعاب وتظهر أسنانها خلف الأنياب وأن فمها له نكهة ( الراح ) أي الخمر ثم يصف الخمر في بيت اخر لم نذكره وأنها مزجت بماء بارد ( مثلج ) صاف قد ضربته ريح الشمال في أبطح واد فهي لذلك شديدة ا لبرودة ومن هذا كثير وحاول أمثال ابراهيم السنوسي حذف الكثير من أبيات المطلع أو تخفيف حدة الغزل فيها حتى يلغوا موقف الرسول صلى الله عليه وسلم الواضح من فنون القول الغزلية ولكن التاريخ عاندهم وردهم على أعقابهم , فأين أنت من الرسول صلى الله عليه وسلم وهل هو ( فاجر ) حينما القى بردته طربا وتأثرا بقول كعب بن زهير ؟
وأظنك أيها الدعي المتأسلم لم تقرأ ا لشعر العربي , وإذا قرأته فإنك لم تفهمه , وإذا فهمته فإنك لم تحس به كعادة الإسلامويين المعادين للحضارة والحداثة والتقدم وللمشاعر النقية الخالصة العفيفة وللتعبير الأدبي عن خوالج وخواطر النفوس والأحاسيس , وإذا القى الرسول (ص) بردته الشريفة على هذا الشعر وهو موغل في الغزل فلابد أن يلقيها كذلك على شعر ( الحقيبة ) لأنه لم يتجاوز هذه المعاني وكان محكوما بالأعراف المهذبة الحديثة لأهل المدن وطبقات المتعلمين بل إن الشعر الإسلامي بلغ مراحل في الغزل تجاوز فيها كل الحدود وأوغل في معانيه المجافية للحشمة إلى درجة أن يصوروا القبلات والدخول على المرأة في خبائها والرقاد بقربها في فراشها وتأملها وهي نائمة وعارية إلى أن تستيقظ وأن يساومها الشاعر على الخروج من خيمتها إذا وافقت على أن يلمس جسدها أو فمها , وكان الخلفاء وأئمة المسلمين يقرؤون هذا الشعر دون أن يصرحوا بحرقه أو حذفه من التراث وهكذا وصلنا إلينا في هذا الجو المتسامح مع الشعر, المتخوف من الصوفية, شعر عمر بن أبي ربيعة الذي رفعه المسلمون إلى أرق شعراء عصره ووضعوه مع الفحول كجرير والفرزدق ويقول .
ولقد دخلت الحي يخشي أهله +++ بعد الهدوء وبعدما سقط الندى
فوجدت فيه حرة قد زيفت +++ بالحلي تحسبه بها جمر الغضا
قالت لأتراب نواعم حولها +++ بيض الوجوه خرائد مثل الدمى
بالله رب محمد حدثنني حقا +++ أما تعجبن من هذا الفتى
الداخل البيت الشديد حجابه +++ من غير ميعاد أما يخشى الردى
فأجبتها أن المحب معود بلقاء +++ من يهوى وإن خاف العدى
فنعمت بالا إذ دخلت عليهم +++ وسقطت منهم حيث جئت على هوى
بيضاء مثل الشمس حين طلوعها +++ موسومة بالحسن , تعجب من رأى
وهذا الشاعر يصرح تصريحا ولا يخفي شيئا وشعره كله مثل هذا ولن تجد في شعر الحقيبة مثل هذه الابيات , وهذا أحمد شوقي , أمير الشعراء , ينتظر بردة النبي التي بقيت في دار كعب بن زهير إلى أن باعوها لمعاوية بعشرين ألف درهم , ثم بيعت فيما بعد للمنصور العباسي بأربعين ألف درهم , يقول أمير الشعراء .
ريم على القاع بين البان والعلم +++ أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
وأسمعوا قصيدة جرير التي يترنم بها الملوك في كل زمان ومكان .
إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك
به وهن أضعف خلق الله إنسانا
كان الملوك والأمراء يتغزلون ومازال أمراء السعودية والخليج يتغزلون ويتسابق المطربون لأداء أشعارهم , فمن لم يسمع بقصائد خالد الفيصل ؟ , وقيل إن أجمل قصيدة غزل قيلت في الشعر العربي هي ليزيد بن معاوية , وحفظ العشاق قوله الأبدي ( وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضت على العناب بالبرد ) , فالغزل هو الذي يكشف عن جوهر الإنسان ولذلك استعاره الصوفية للتعبير عن عشقهم الإلهي , يقول الحمداني .
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة
ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد
الهوى وأذللت دمعا من خلائقه الكبر
ولم يكتب العباس بن الأحنف سوى الغزل فهو لا يرثي ولا يهجو ولا يمدح وقال الشريف الرضي وهو نقيب آل على بن أبي طالب .
يا ظبية البان ترعى في خمائله +++ ليهنك اليوم أن القلب مرعاك
الماء عندك مبذول لشاربه +++ وليس يرويك إلا مدمعي الباكي
وقال الحصري القيرواني الذي صار إمام شعراء الغزل بقوله .
ياليل الصب متى غده +++ أقيام الساعة موعده
ومرت قصة النعمان بن المنذر ملك الحيرة وزوجته المتجردة بالتاريخ الإسلامي كله دون أن يحرقها ملك أو خليفة , فقد أحب الشاعر المنخل اليشكري زوجة النعمان وأصبح لا يفارق القصر إلا ليعود إليه سريعا وكان شابا عربيا جميل الصورة بينما النعمان قبيحا مشوها فبادلته المتجردة الحب بالحب ويقال إن كل أبناء النعمان من تلك العلاقة بينه وبين المتجردة ولكن كان عقاب المنخل الغرق أو الحرق فصار مثلا لمن مات ولم يعرف له خبر وهو الذي يقول .
ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء ترفل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت مشي القطاة إلى القدير
ولثمتها فتنفست كتنفس الظبي الغرير
فدنت وقالت يا منخل ما بجسمك من حرور
ما شف جسمي غير وجدك ألا فأهدأي عني وسيري
وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري
التنظيم الإسلاموي العالمي قد حاول كل محاولاته وجرب كل ما يستطيعه في السودان من أجل القضاء على تراثه ووجدانه ويبدو أنه فشل وسيفشل كذلك في مصر وغيرها من الدول وهذا المخطط قديم جدا ومن لا يذكر منا حملات الشيخ كشك على أم كلثوم والسخرية المرة بعبد الحليم حافظ وتلك الحملات على الممثلين الأوائل وتلك الحملات التي تقوم بها جماعة مرسي والمتعاونين معهم اليوم , وبإعتراف السنوسي الذي يبدو كأنه إعتذار عن الخطأ ينكشف تورطهم في التخريب وعن فشلهم في محو أغاني الحقيبة عن أذهان ووجدان الشعب السوداني الذي يحمل تلك الأغاني جيلا بعد جيل وأصبحت هي الكلاسيكيات التي يتمرن عليها كل صاحب صوت وكل طامح في مكانة فنية وهي الإمتحان الذي بعده يكرم المرء أو يهان , فهل أغان مثل ( يا من فاح طيب رياه – على ميت الهوى أحياه ) فجور وهل أغان مثل ( يا نجوم الليل أشهدي – على لوعتي وتسهدي ) أو ( خلي العيش حرام – ما دام أرى الموت يحل ) أو ( من حور الجنان – أم أنت إنسان الكمال ) أو ( أقيس محاسنك بمن – يالدر الما ليك تمن ) أو ( يا جوهر صدر المحاسن – روحي معاك أتطلفيلا ) أو ( لحظك الجراح أزاي _ فيه وفيه الطرب والراح ) أو ( فلق الصباح قول لي _ أهو نورك لاح ) أو ( يا ليل أبقالي شاهد على نار شوقي وجنوني ) هي أغاني فجور وهل شعراء وحفظة علم من أمثال محمد ود الرضي ومحمد علي الأمي وعمر البنا وعتيق وأبوصلاح والجاغريو وبطران وعبيد عبد الرحمن وسيد عبد العزيز وعبد الرحمن الريح وخليل فرح هم أصحاب فجور وسوء ؟ وهل عازة في هواك فجور ؟ والشرف الباذخ فجور ؟ أنت حكمة أنت آية , وهل عندما يقول خليل فرح ( للقنيص الخيل خف راسن – نحن ما بنخاف من مراسن – المكارم عرفن ساسن – والمجاهل مين غيرنا ساسن – إن عطشنا ( نمز ) مر وآسن – وإن عشقنا بنعشق محاسن – في المحاسن كفى يومنا راح ) يتحدث عن فجور وهل مثل هذا يمكن أن يفجر وقوله ( يا ام لسانا لسع معجن – كلمة كلمة وحروفو ضجن – ديل عيونك من غير سبة لجن – ديل خدودك غير داعي وجن ) حديث رجل وجد الفجور في قلبه أدنى فرصة , أو حينما يقول عبد الرحمن الريح ( يا نجوم الليل اشهدي – على لوعتي وتسهدي – على بكاي وتنهدي – من ليهو حسن الكون هدي – النافر الجافي الهدي – يا عيني يوم تشاهدي – أقري السلام وأستشهدي – يا عيني دمعك هدهدي – قول العوازل فندي – أنا لي غرام يا معاندي – في زهرة الخد الندي – قمرا حماني تهجدي – وتركني ناقد مهجتي – آه من صفارو العسجدي – وعينو المتل عين الجدي ) أليس هذا هو الجمال الصوفي وعلى نسق ( ولكم فيها جمال .. ) وعلى نسق ( خذوا زينتكم .. ) فمن أين أتي الفجور إذا كان الدين نفسه لا يقر به ولا يعترف بوجوده ولا ينبه إليه بل يرمي بردته فوقه أينما وجده وسمع به ؟ إنه يأتي من العقل الإسلاموي الكسيح الناضب من المعرفة اللدنية ومن معرفة مقاصد الدين الشاملة والشرعية ولا يفهمون إلا أنه باب للصراعات والمشاكسات والضغائن وتصفية الميراث البشري الذي تتطور بالتدريج ووجد القبول وامتزج بالاعراف .
تطور الأمة وتطور أخلاقها ومدى عمق حبها لله يظهر في غزلها , وما من أمة أمتنع عليها الغزل وصعب إلا وامتنع عليها الإيمان بعالم الغيب لأنها لم تدرك عالم الشهادة ولم تصب وتشتاق إليه , ويدلنا الشعر الصوفي الذي تركه لنا أمثال ابن عربي وابن الفارض والحلاج ورابعة العدوية والشيخ عبد القادر الجيلاني وغيرهم على أن الغزل هو أرقى وأصفى أدوات وأساليب التعبير عن القداسة وإلا لما إستعملوه في الحديث عن مشاعرهم الإلهية ووجداناتهم وأشواقهم الصوفية ولذا كثر إتهامهم بالكفر والزندقة وزعم الصوفية أن الهوى باب من أبواب التصوف فقال أبو حفص عمر بن الفارض ( وكل فتى يهوى فأني أمامه ) وأصبح الهوى عندهم علم لدني خفي لا يتذوقه من ذاقه إلا بالمجاهدة و النصب في العبادة فقال ابن الفارض وهو سلطان العاشقين ( ولي في الهوى علم تجل صفاته – ومن لم يفقه الهوى فهو في جهل ) هذا الجهل المركب هو ما يتطبق على ابراهيم السنوسي ومن لف لفه من الإسلامويين معصوبي الأعين عن حقائق الهوى والعبادة وعن حقائق الحب والمحبين التي تتجاوز الشهوات ولكن تصعد بها وتسترشد بمعانيها في أدق أطور الوصول والمشاهدة والمكاشفة والإمتزاج وهذا ما يقصده ابن الفارض حين يقول ( ما أطيب ما بتنا معا في بُرْد – إذ لاصق خده إعتناقا خدي – حتى رشحت من عرقٍ وجنته – لازال نصيبي منه ماء الورد ) .
في مجالس ( حي العرب ) حكى لي شيخ محب للصوفية ويتبعهم ومحب لأغاتي الحقيبة قصة تمزج بين الطرب والتدين وبين التصوف وجمال أغاني الحقيبة فقال إن الشيخ ( قريب الله ) وهو في مسيده بودنباوي سمع ( كرومة ) وهو يغني في حفل تحمل نسائم الليل أصواته من شعر ود الرضي ( يا ليل ابقالي شاهد على نار شوقي وجنوني ) فقيل إن الشيخ إنتفض في خلوته وصاح في ( حيرانه )
" دا منو البشهد في الليل دا ؟ " فجروا إليه وقالوا له .
" دا ولد صعلوك ساكت إسمو كرومة يا سيدنا "
فتنهد الشيخ وأطرق مليا ثم صاح فيهم .
" تمشوا هسع , تجيبوا لي "
وتردد كرومة كثيرا في المجيء خوفا من أن يزجره الشيخ ويعنفه على الغناء وغشيان الحفلات ولكن شعراء الحقيبة ومنهم عمر البنا الذين اعتادوا أن يتجمعوا قبل أن يبدأ أي حفل , إذ لا يصعد الفنان للغناء في ذلك الزمن دون إشارة ورخصة منهم تعبوا في إقناع ( كرومة ) بالذهاب إلى الشيخ ومعرفة ما يريده وبعد محاولات دخل كرومة إلى الشيخ في مسيده , كان في خلوته في التبروقة , عندما علم أنه هو قال له .
" أنت البتشهد في الليل "
فقال له .
" نعم يا شيخنا "
فقال له .
" غني لي الغنا الكت بتغني فيهو دا . "
وتردد كرومة مرة أخرى وفضل أن ينشد أمامه الأبيات فقط ولكن الشيخ أبي وأصر على أن يغني كما كان يغني في الحفل , وبعد زمن إقتنع كرومة بنوايا الشيخ , فإنطلق يصدح كالكروان العاشق ولما وصل إلى مقطع ( يا ليل أبقالي شاهد – على نار شوقي وجنوني – يا ليل صار ليك معاهد – طرفي أللي منامو زاهد – دنا لي سهرك وأشاهد – فوق لنجيمك ظنوني – يا ليل ابقالي شاهد – على نار شوقي وجنوني ) إنتفض الشيخ إنتفاضة عظيمة وسقط في غيبوبة طويلة عميقة حيث أسكره طيب الغناء والوجد الليلي وانجذب إلى عالم اللانهاية , وهنا وجد ( كرومة ) الفرصة التي ينتظرها
(فإنسرق ) بهدوء من الخلوة وذهب أدراج الرياح . وهنا نسألك بالله أيها المتأسلم المتعالم , أهذا الشيخ الجليل فاجر ؟ وهل كرومة فاجر ؟ كيف إلتقى المغني ( الصعلوك ) بالشيخ العالم الزاهد العابد العارف بالله في برهة من الزمن وحدت بينهما في شعور واحد . وكيف إلتقيا في حب يعرفه الشيخ ( حق المعرفة ) ويعرفه المغني ( حق المعرفة ) ويعرفه الشاعر ( حق المعرفة ) يبدأ من الأرض ويتجه إلى السماء , أما أنت أيها الأسلاموي الدعي فلا أظن أنك تعرف ولو شيئا ضئيلا منه ولن تستطيع , فأنتم من الذين ركبوا دين الله وعباده بسلطان الله . فبئس الإثم الفسوق .
في النهاية نهدي هذه الأصوات لكل من أراد بأمته سوءا وأراد أن يحرق أشعار وأغاني شعبه والتي كما قال أحد المعلقين ( عصمتوف ) إن أغاني الحقيبة المبادة تمثل تراث وحضارة أمة لا فرق بينها وبين الأهرامات وبعانخي والنيلين الأزرق والأبيض ,ودعا إلى الذهاب إلى اليونسكو من أجل حفظ التراث السوداني وتقديم المذنبين إلى محاكم دولية ونقول لك أيها الإسلاموي الصغير البسيط المتشبه ببعض شياطين الإنس ونرجو أن تحفظ هذا ( الفجور ) جيدا ( مسامحك ياحبيبي مهما قسيت عليا – قلبك عارفو أبيض وكلك حسن نية – وما خطرت لقلبي سلوى تحيدو عنك _ ما ممكن أعاتبك وياخد خاطري منك – أنا عارف خصامك وغضبك في كلامك – ما من جوه قلبك , كلو على لسانك – وأسأل عني طيفك وزكراك هم شهود – ديما إشتقت ليك رجيتك لو تعود – وحشتني الإبتسامة , عيونك بي كلاما – تداري في اشتياقا وتفتح لي غراما _ سيان عندي عدلك وجورك عليا – تكابر أو تداري حبك باقي ليا _ بترجع ليا تاني وتسأل عن مكاني – تجدني زي ما كنت وزايد في حناني – مسامحك يا ....
خالد بابكر أبوعاقلة
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.