(ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلمانية و جوهر الدين و الرق و المسكوت عنه (21)
نشر في الراكوبة يوم 03 - 04 - 2014

أكتب وفاء لقضايا ناضل من أجلها أناس أطهار ، رجال و نساء من مختلف أركان الدنيا ، عاشوا و ماتوا من غير أبهة و لا بهرج ، لم يحلموا بالبرادو و لا القصور و لا بنكاح الجواري مثنى و ثلاث و رباع و لا بالتشفي من الفقراء و الفقيرات جلدا و إهانة و قطعا و رجما و قتلا و اغتصابا ، و لا زوّروا أعمارهم و هم في أعلى منصب قضائي تعتبر النزاهة أسه و أساسه ، ليكسب المزور أعواما إضافية في الكرسي ... حياتهم كانت من أجل الفقراء البؤساء المسروقة أقواتهم و عرقهم و حتى عقولهم ... ملأتني الأحزان برحيل محجوب شريف و تجددت أحزاني على حميد و خرج من بين أرتال الأحزان محمود محمد طه ... يجمعهم حبهم للناس و زهدهم في متاع الدنيا ، ربما لو ارتفع مستوى معيشة شعبهم لكانوا ارتفعوا معها ، على الضد من أولئك الذين يعيش غالبية شعبهم في الفقر و الضنك و يكابد الحرمان و هم يعيشون في بلهينة و يملأون بطونهم بأفخر الطعام الذي كثيرا ما يجلبونه في مكاتبهم الفاخرة من أغلى الفنادق ، و يسكنون القصور و بعضهم يزينها بأحواض السباحة و تفخر نساؤه بذلك (لله المنّة فكثيرون منهم لهم أربع) و يطلبون من الفقراء الصبر على (الابتلاءات) ، رغم ذلك هم من يقودون الأمة لأنهم و بكل خداع الدنيا و أكاذيبها و عمى البصيرة و إعادة انتاج التخلف ، يعتبرهم المجتمع قادة و حاملي حلم الخلاص الآخروي ... لغد أفضل لا شيء أهم من محاربة الأكاذيب ...
أيام المجاعة التي تزامنت مع تطبيق شريعة النميري عام 1984 و معسكرات الجوع في المويلح و الشيخ ابو زيد ، ملأني الغم و عافت نفسي كل بهرج الدنيا ، كانت تلك الصدمة الثانية التي فتحت عيني على الكذب و الوهم . كان التلفزيون في نشرة التاسعة يذيع أحكام محاكم الطوارئ (سموها محاكم العدالة الناجزة) ، في أيامها الأولى كانت أحكامها نهائية ، كنا نتابع المذيع و هو يذيع نشوان : حكمت محكمة الطوارئ رقم ... على المتهم فلان الفلاني بقطع اليد من مفصل الكف ... حكمت محكمة السجم و الرماد رقم ... برئاسة قاضي الغم و الوهم فلان الفلاني ، على المتهميْن فلان و فلانة بالجلد سبعين جلدة لإدانتهما بالشروع في الزنا (يا له من بؤس و تشهير)... أي كابوس خرج من تلك العقول المظلمة ؟ أي بلادة فاحت من تلك الرؤوس الفارغة ؟ كان الجوعى في المويلح و الشيخ ابو زيد ينتظرون من يستر عريهم ببقايا ثوب قديم و كانوا ينتظرون من يجود باللقمة و هؤلاء منتشون بأحكام الجلد و القطع في مفارقة لا تحس بها العقول المغلقة ... حقا العقول المظلمة لا تنتج إلا مثل تلك المناظر من البؤس .... كلما اقترب المجتمع من الفهم السلفي كلما ازداد تخلفه ...
تنبهت لخطأ حدث في الإحصائية عن حتمية تخلف المجتمع السلفي عن غيره في الإبداع العلمي ، التي ذكرتها في الحلقة السابقة ... فالصحيح هو حساب ساعات النشاط البشري ، فبما أن الإنسان يحتاج لسبع ساعات نوم في المتوسط و ساعة لوجباته و غيرها ، أي أن الثلث يقضيه الإنسان في النوم و الأكل و غيره ، فيلزم حساب العام للنشاط البشري باعتباره ثلثي العام أي حوالي 243 يوما . بما إن المجتمع السلفي يستغرق في الذكر و العبادات و الأدعية مدة 150 يوما على الأقل في العام من ساعات النشاط البشري (لو طالب أحد بإنقاصها كان كمن يحتج على المأثور) فيتبقى للمجتمع السلفي النموذجي من ال 243 يوما 93 يوما . لو اعتبرنا النخبة المفكرة و ذات الذكاء المرتفع و التي تقود الإبداع و الاختراع و الاكتشافات العلمية في المجتمعين السلفي و نقيضه متساوية (و هو ما لا يمكن أن يكون ، لظروف التنشئة القائمة على التسليم اليقيني عندنا و القائمة على التساؤل و الشك و البحث عندهم و اختلاف مناهج التعليم التي تزرع البؤس و التخلف عندنا و تزرع البحث و المعرفة عندهم) لو اعتبرنا نسبة النخب متساوية يكون في مقابل 243 يوما للنخبة في المجتمعات غير السلفية هناك 93 يوما للنخبة في المجتمع السلفي أي أنهم هناك يتمتعون بزمن أكثر من الضعفين و نصف من الزمن المتوفر لنخبة المجتمع السلفي النموذجي ، رغم أن الواقع يقول إن الفارق أكبر من ذلك بكثير . الإبداع العلمي يتطلب درجة عالية من اليقظة العقلية و الانشغال شبه الدائم بموضوع الابداع و التساؤل و الشك ، فالساعي لاختراع جهاز أو اكتشاف دواء أو حل معضلة رياضية لا ينجح عادة لو قطع حبل أفكاره انشغال بشيء آخر ... التاريخ و الواقع المعاصر يؤكد ما ذهبنا إليه ، فلا تكاد تجد في الماضي مبدعين من النخبة السلفية ، جلهم من الضفة الأخرى ، و المأساة أن المبدعين و العلماء ممن كانوا على الضفة الأخرى تعرضوا للتكفير و المحاربة و التبشيع بهم (انظر ما كتبه الشيخ السلفي ناصر بن حمد في زماننا عن حقيقة الحضارة الإسلامية و العلماء الملحدين والعلوم المحرّمة فى الحضارة الإسلامية ، يفتتح كتابه (حقيقة الحضارة الإسلامية) بالقول : "هذه المذكرة جواب عمَّن جعل حضارة الإسلام هي النبوغ في علوم الفلاسفة والملاحدة وجعلها هي تشييد المباني وزخرفة المساجد ، وجعل علماء الإسلام هم الملاحدة كابن سينا والفارابي و نحوهم ... " و في الفصل الأول من الكتاب المذكور يقول :" لا علم غير العلم الشرعى ، ولا يوجد فى الحضارة الإسلامية الحقيقية من علوم سوى علوم الفقة والحديث والتفسير ، أما ما هو غير ذلك فهو من الأباطيل والمحرمات والممنوعات والمكروهات والمنبوذات والتى يكرهها الله ورسوله ..." ..... و قد أثبت بما لا يدع مجالا للشك مستشهدا بابن تيمية و نخبة علماء السلفية أن كل الفلاسفة و العلماء من غير الذين على صورتهم لا خير فيهم ، اقرأ له ما ينقله عن شيخه ابن تيمية في كتابه المذكور : " جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً ، وما سواه إما أن يكون علما فلا يكون نافعاً ، وإما أن لا يكون علماً وإن سمي به ، ولئن كان علماً نافعاً فلا بد أن يكون في ميراث محمد ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه..."..... في الحقيقة لم يفعل ناصر بن حمد الفهد شيئا غير تجميع و نقل ما ظل يكتبه السلفيون و يؤكدون عليه من بؤس معارفهم عن الحضارة الإنسانية و تكفير كل العلماء تقريبا ، فمن شملهم جنابه الكريم بالتكفير (ابن المقفع : عبد الله بن المقفع ت : 145 ه ، جابر ابن حيان : ت : 200 ه ، الخوارزمي : محمد بن موسى الخوارزمي ت : 232 ه ، الجاحظ : عمرو بن بحر : ت : 255 ه ، ابن شاكر : محمد بن موسى بن شاكر : ت : 259 ه ، الكندي : يعقوب بن اسحاق : ت : 260 ه ، عباس بن فرناس : ت : 274 ه ، ثابت بن قرة : ت : 288 ه ، اليعقوبي : أحمد بن اسحاق 292 ه ، الرازي : محمد بن زكريا الطبيب : ت : 313 ه ، الفارابي : محمد بن محمد بن طرخان : 339 ه ، المسعودي : علي بن الحسين : ت : 346 ه ، مسكويه : محمد بن أحمد : ت : 421 ه ، ابن سينا : الحسين بن عبد الله : ت : 428 ه ، المعرّي : أبو العلاء أحمد بن عبد الله : ت : 449 ه ، ابن باجه : أبو بكر بن الصائغ ( محمد بن يحيى ): ت : 533 ه ، الأدريسي : محمد بن محمد : ت : 560 ه ، ابن طفيل : محمد بن عبد الملك : 581 ه ، ابن رشد الحفيد : محمد بن أحمد بن محمد : ت : 595 ه ، ابن جبير : محمد بن أحمد : ت : 614 ه ، الطوسي : نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن : ت : 672 ه ، ابن البناء : أحمد بن محمد : ت : 721 ه ، ابن بطوطة : محمد بن عبد الله : ت : 779 ه .." ..... و يرد على الشبهات (لله دره) كما يلي :
" الشبهة الأولى : أن هؤلاء العلماء قد نشأوا فى ظل الحضارة الإسلامية لذالك يجوز الفخر بهم رغم أنهم كفار ، رد هذة الشبهة أنهم ملحدين ولا يجوز الفخر بهم وإلا كنّا إفتخرنا بالعلماء اليهود والمسيحيين الذين نشأوا فى ظل الحضارة الإسلامية .
الشبهة الثانية : أننا لو أنكرنا الفخر بهؤلاء سينقص من حضارة الإسلام الكثير ولا يمكننا أن نقدم للغرب ما نملكه حتى ندعوهم للإسلام . و الرد أن الإسلام هو كما هو ولا يجب أن نخدع الغرب حتى ندخلهم فى الإسلام .
الشبهة الثالثة : الغرب الآن متقدم لأنه أخذ بأسباب هذة العلوم . و الرد : " لا نريد تقدمهم هذا المبني على الإلحاد والكفر . "
الشبهة الخامسة : لقد تراجع المسلمون وتخلفوا بسبب تركهم لهذة العلوم . و الرد " أن قوتنا فى المشاعر الدينية لا فى التقدم العلمى الحضارى ." انتهى ما أوردناه عن العالم العلامة و الحبر الفهامة ناصر بن حمد و آمل ألا يزعجنا السلفيون ممن هم على شاكلته بكلامهم عن المذكورين أعلاه بأنهم علماء مسلمين .
في عصرنا تتكرر نفس المفاهيم في الوعي و اللاوعي و تتحقق نتائجها و قد كنت أشعر بالحسرة و أنا في جماعة الأخوان المسلمين من أن الشيوعيين و من نسميهم بالعلمانيين يتفوقون علينا بالشعراء و المبدعين في كل المجالات و يؤلفون الكتب في قضايا الفكر و نحن نجيد الانتقاد ، أي كما يحدث اليوم ، يجيد العقل السلفي العمل على إبداعات الآخرين هدما و شتما و استهزاءً و سخرية ، لكنه كما نلمس لا يستطيع صناعة الإبداع أو التقدم ، يمكن مقارنة المجتمعات التي تسيطر عليها الثقافة السلفية بمجتمعات تشبهها في كثير من الظروف لمعرفة الفرق ، قارن بين الهند و باكستان أو بين ماليزيا و تركيا من جانب و بقية دول عالمنا الإسلامي من جانب آخر ، قارن بين مصر و كوريا الجنوبية في الستينيات من القرن الماضي و كيف كانتا متقاربتين في الانتاج و التصدير و قارن حالهما اليوم ، أما المقارنة بين تلك الدول و بين اسرائيل مثلا فمضحكة ناهيك عن المقارنة بينها و بين أوربا أو أمريكا ... المهم أيضا الملاحظة المخيفة من أن الفارق يزداد ربما بمتوالية هندسية مما دعا أحدهم للتبنؤ بأنه في ظرف ثلاثين عاما سينقرض عالمنا هذا (حامد عبد الصمد ... سقوط العالم الإسلامي) ..لا يمكن أن يكون كل ذلك صدفة ... من يفكر جيدا يعرف لماذا تموّل و تساند المخابرات الغربية و الاسرائيلية الحركات الإسلامية السلفية ، ذلك أنها الترياق الفعال ضد التقدم ، و أفضل وصفة لبقاء العالم العربي و الإسلامي في تخلفه ، عكس ما يشيعه أهل الإسلام السياسي عن عداء الغرب و اسرائيل لهم ... صحيح أن الغرب و اسرائيل يريدونهم لخدمة أدوار معينة بعيدا عنهم ، لكن الزمن أثبت أن الحريق الذي يشب في بيت جارك سيصلك حتما أن لم يتم اطفاؤه ، و هذا ما صار يدعوهم لإبعاد الدمار عنهم .
نعود لخيطنا ... بما أن عنوان هذه الحلقات تمّ تناول العلمانية منه و القول أن جوهر الدين و كل الأديان العدالة ، تبقّى تناول الرق و المسكوت عنه و منه المرأة . سنبدأ بالرق و نحاول تتبع هذه الظاهرة التي تمثل أبشع و أقبح ممارسة تاريخية استغلالية للإنسان . نعم هناك صور متعددة للإستغلال كالقنانة ثم العمل المأجور و هناك صور للظلم مثل التفرقة العنصرية و الاضطهاد الديني و ... و ... لكن سيبقى الرق الوصمة الأشد قبحا في التاريخ الإنساني و الذي لا يدانيه في القبح و الفجاجة و الوحشية أي قبح أو وحشية ، فإن تملك إنسانا كما تملك الحيوان و أن يكون محروما من أي أمل في الدنيا فذلك شيء فظيع . تناولنا للرق ليس ترفا فكريا أو لنبش مرارات الماضي ، لكن لأن آثار الرق لا زالت تحفر جراحا عميقة في مجتمعنا و هذه الآثار هي جزء من المسكوت عنه . الكاتب الإنسان لا قبيلة له و لا قومية و بل هو ينتمي لبني الإنسان ، كنت و لا زلت أؤمن بالحكمة : قل لي ما هي قضاياك التي تدافع عنها أقول لك من أنت .
تاريخ الإنسان بدأ على هذا الكوكب منذ زمن قديم ، منذ أسلافه الأوائل قبل سبعة ملايين سنة
Why Evolution Is True: Jerry A. Coyne (لماذا يعد التطورحقيقيّا جيري كوين منشورات مطابع جامعة أكسفورد، بنيويورك 2009م باللغة الانجليزية) منذ حوالي مليونين و ثلاثمائة ألف سنة يقابلنا العصر الحجري ... بدأ سكن الإنسان للكهوف منذ أكثر من مليون سنة عندما خرج الإنسان العاقل من أفريقيا على الأرجح ... هذا الإنسان الذي يظهر السجل الأحفوري أسلافه منذ حوالي مليونين من السنين في مجموعات تضم "الإنسان الماهر Homo habilis" و"الإنسان المنتصب Homo erectus" و"إنسان هيدلبرغ Homo heidelbergensis" . من الإنسان العاقل الخارج من أفريقيا ظهر الإنسان الحديث (Homo sapiens) منذ حوالي مائتي ألف عام . يُعتقد حسب كل المعطيات أن التغيرات المناخية أدت لهلاك أسلافنا و تبقت مجموعات صغيرة ربما لا تتجاوز بضع مئات نمت و توزعت ذريتهم في أركان الدنيا الأربعة ، هؤلاء هم أسلاف كل سكان الكوكب من البشر اليوم . من المثير تتبع تطور الجمجمة البشرية و نمو الدماغ ، فقد ازداد حجم الجمجمة باطراد عبر الزمن ، و نلاحظ أن شكل الجبهة لإنسان اليوم مختلف عن الشكل الذي كان لأسلافنا و أن تجويف الجمجمة زاد حجمه تدريجيا . هناك شواهد كثيرة تدل على أن الإنسان بدأ يشيد مساكن خاصة به بدل الكهوف قبل أكثر قليلا من ثلاثين ألف سنة ، لكن الراجح أن الإنسان بدأ في إقامة مستوطنات جماعية في السهول بداية الألفية التاسعة قبل الميلاد و اكتشف الزراعة و دجن الحيوان . سيبدأ كما قال (ول ديورانت في (قصة الحضارة) تاريخ الرق متزامنا مع الزراعة .
قبل تطوير الأدوات لانتاج فائض اقتصادي لم يكن باستطاعة العقل الإنساني أن يفكر في الرق ، العامل الحاسم لنشوء الرق هو تطور أدوات الانتاج بحيث يستطيع الإنسان المستعبد أن ينتج ما يكفيه و يفيض. لا أحد يعرف بالضبط كيف بدأ الرق و لكن الأرجح أن الغارات و الحروب كانت المدخل للرق . قبل تطوير الأدوات لانتاج فائض غذائي لم يكن لاستعباد إنسان فائدة فهو سينتج ما يكفيه فقط لذا من الراجح أن المنتصر كان يقتل أسرى المهزوم . سنرى أن الرق يحتاج لآليتين إثنتين مهمتين : أولا آلية القهر ( السيف و السوط) التي من غيرها لا إمكانية للرق ، ثانيا نشر أيديلوجية السأدة التي تبرر الرق و تجعله أمرا حتميا و طبيعيا و أنه من إرادة الآلهة و تقسيمها للأدوار بين البشر و أنه يجب الرضا بإرادة الآلهة و عدم الخروج من طاعتها .... في كل عصر تتلون ايديلوجية التبرير ، فحتى عهد قريب حضرنا خواتيمه كان بعضهم يعلق مظالم الرق على شماعة الإرادة الإلهية ، بل لا زال من يدعو لعصره كما أوردنا في المقال رقم (1) من هذه السلسلة .. انظر :
http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-45407.htm
من التبريرات أن من لم يقبل دعوة الرب يجب استعباده و أن العبد الآبق عاص للرب و سيكون مصيره العذاب في اليوم الآخر .الرق إذا كان وصمة و مأساة بالنسبة للرجال فهو وصمة و مأساة أفظع بالنسبة للنساء . سنلقي نظرة على الرق في الحضارات القديمة و نتابعه عبر دروب التاريخ ما أمكننا ذلك في قادم الأيام إن شاء الله .
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.