أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



استيعاب الارشاد الالهي في الرسالة المحمدية (3)
نشر في الراكوبة يوم 17 - 05 - 2015


الاله المتعالي عن الحياة الانسانية:
ادركت الانسانية منذ بدايتها مفهوم الاله كقوى ولكنها استوعبت تلك القوى كقوى فاعلة داخل الواقع، فقد راي الانسان الاول تبدل الطقس وثورات الطبيعة وتأثير الحيوانات على الانسان وكذلك المرض والموت فافترضت ان القوى الخارجية تحرك كل ذلك. ورغم ان الوعي الانساني تجاوز بعض القصور وادرك التأثير المتبادل بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والطبيعة والطبيعة، إلا ان مفهوم الاله كقوى فاعلة داخل الحياة الانسانية ظل كما هو كجزء من الواقع، فتبدل مكان التأثير ولم يتبدل مفهوم الاله الفاعل.
حاول الإرشاد الإلهي في كل الرسالات الإلهية التنبيه على الاختلاف بين مفهوم الاله الفاعل الذي في ذهن الانسانية وبين الاله المتعالي وكذلك بين الفعل الانساني والفعل الالهي، فالإله المتعالي لا يعني بانه غير فاعل ولكنه لا يحتاج الى الانسانية لتكمل له فعله، فللإنسانية فعلها وللإله فعله ولكل مجاله. فافعل الالهي لا يتقيد بزمان او مكان ولا يحتاج الى ان يتكامل مع غيره (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)). وعندما خلق الحياة جعلها تتكامل مع بعضها البعض ومنح الانسان امكانية الاستيعاب والفعل الجزئي الذي يتكامل مع غيره داخل الحياة، فإذا الإنسان يمتلك إمكانية الفعل ولكنه فعل جزئي مقيد بالطبيعة وبالآخر الانساني (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ وَقُلِ اعْمَلُوا اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)...). فلا علاقة للإله اذا بالفعل الجزئي داخل الحياة الإنسانية ولو أراد الله لجعلها كما يريد (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ...)، فعدم الارادة هنا او عدم المشيئة الالهية يرجع الى ان الله قد خلق الحياة لتتكامل مع بعضها البعض ومنح الانسان امكانية الاستيعاب ومقدرة الفعل ولذلك ما تبقي هو على الانسان نفسه (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).
الله والرسل:
لإدراك علاقة الرسل السابقين على الرسول الخاتم بالإله يجب إدراك ظروفهم التاريخية، فيجب ان نفرق بين مرحلة الرسالات السابقة وبين مرحلة الرسالة المحمدية، ففي الرسالات السابقة كانت المجتمعات بعيدة عن بعضها البعض فكانت انسانية الفرد محصورة داخل مجتمعه فقط، فكان افراد تلك المجتمعات وتحديدا الضعيفة تعاني دون ان تجد لها منفذا، ولذلك جاري الاله الوعي المجتمعي لتلك المجتمعات فمنح الرسل بعض القوى حتى يساعد على استمرار الانسانية ورفع الضرر عن تلك الفئات الضعيفة ولو مؤقتا (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82) ....). كل ذلك كان لإثبات ان الرسالة والرسل من الله حتى تتجاوز تلك المجتمعات قصور الوعي وتسعي الى ادراك مغزى الحياة الانسانية.
اما مرحلة الرسالة المحمدية فقد كانت المجتمعات قد وصلت الى مرحلة تحولات تمكنها من استيعاب الاخر كآخر إنساني يمكن التعايش معه وان إنسانيتها ليست محصورة بمكان او بمجتمع محدد (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)). ولذلك ركزت الرسالة المحمدية على الارشاد فقط فلم يعد هنالك من داع الى امداد الرسول ببعض القوى وكذلك حتى تدرك النخب عدم تدخل الله بفعل جزئي في الحياة الإنسانية بما ان الرسالة المحمدية هي رسالة خاتمة للرسالات ولذلك كانت أوضح الرسالات في عدم تدخل الإله داخل الحياة الإنسانية (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)). ورغم محاورة مجتمع الرسالة من داخله الا ان الرسالة لم تستلم له ولم تأتي باي آيات سوى الارشاد الالهي (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58)).
اما مجاراتها للوعي المجتمعي في بعض الاماكن عند المجتمعات العربية فذلك من اجل ادراك الانسانية على انها تسير على الطريق الصحيح، فالرسالة جاءت الى مجتمع يمتلك حيز وعي محدد وسعت الرسالة على معالجة بعض قصور ذلك المجتمع من اجل استمراره، ولذلك تعاملت برفق مع الانسانية دون ان تستجيب لها وتسير في اتجاه الوعي المجتمعي الخاطئ. ولذلك عندما نقرا (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)) ندرك ان ذلك مجاراة للوعي المجتمعي فالله اذا اراد ان يبيد الكفار فلا يحتاج الى البشر او الملائكة، فكان ذلك حتى يستمر مجتمع الرسالة في ادراك انه على الطريق الصحيح، ويوضح ذلك عندما نقرا الآية التي تأتي بعدها (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)). فهي عبارة عن بشرى وعن تطمين أي عبارة عن ارشاد الى ان الطريق الذي تتبعونه هو الطريق الصحيح ولو انهزمتم في معركة فهي طبيعة الحياة ولكن على الانسانية استيعابها وتغيير ما يلزم تغييره (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)).
وما نقوله هنا ليس تفسير للإرشاد الالهي ولكنه استيعاب لذلك الارشاد مع سنن الكون الواضحة في الاختلاف وفي التعالي الاله وفي مقدرة الانسان علي الفعل الجزئي، ولذلك تصبح آيات مثل (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)) لا يعني النصر هنا ان الله يتدخل بقوته لينصر احدا على الاخر ولكن ذلك لدفع الإنسانية على الاستمرار، ففعلك الذاتي يكمل فعل الاخر ويتكامل معه، وتحديدا النخب فعليها الاستمرار في ارشاد الانسانية الى اخر رمق، ولا يفترض الفرد ان استيعابه للإرشاد الالهي سيجعل حياته سهلة نتيجة لوقوف الإله معه، فالإله لا يتدخل بقوته داخل الحياة الإنسانية، وإذا كان يتدخل بفعله داخل الحياة الانسانية لتدخل لصالح انبيائه (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)). فإذا هو يشرد الإنسانية فقط اما أفعال الإنسانية فهي تنتج من ذاتها فقط.
الرسالات الإسلامية والشرك:
لم يمنع الارشاد الالهي المجتمعات من قصور الاستيعاب ورغم محاولاته المتكررة على ارشاد الانسانية من داخلها الا ان المجتمعات في كل مرة كانت تغير القيم (قيم الذات الكلية التي لا ترى انسانية غيرها وقيم الاخر الضد وقيم الاله الفاعل داخل حياتها الانسانية وهي القيم التي تؤدي الى الشرك) ولكن دون ان تغير معاني تلك القيم، ولذلك ظل الشرك وهو اشراك المجتمع وقيمه وبيئته داخل التقديس الالهي حاضرا على مر التاريخ.
وقد حذر الإرشاد الإلهي كثيرا من الشرك، ويرجع ذلك الى ان الشرك هو اعطاء قيم انسانية صفة التعالي الالهي وبالتالي اشراكها في مفهوم الثبات والتقديس التي يتصف بهما الاله، وقد حذر الارشاد من الشرك ليس من اجل الاله وغضبه في ان يشرك معه احدا ولكن لان الشرك يقف عائقا امام طبيعة الانسانية المتحولة، فالتحولات الاجتماعية تقتضي الاختلاف في القيم ومعانيها الذاتية من مرحلة الى اخرى، ولذلك عندما تحاول الانسانية تثبيت مرحلة تاريخية ما فهي تلجا الى العنف فيما بينها من اجل ذلك التثبيت ولذلك كان الشرك يتمثل في ظلم الانسان للإنسان وليس ظلم الانسان للإله (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)). ففعل الانسانية لن يفيد او يضر الاله ولكنه يفيد او يضر الانسانية.
إذا الشرك يتمثل في الاصرار على توقف الانسانية داخل ذاتها باعتبار عدم وجود اخر انساني على عكس ما جاء به الارشاد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ). والتوقف هنا يكون في حدود الذات واللغة والقيم باعتبارها تمثل جوهر الانسانية وبالتالي يتم رفض الاخر ومعاداته فقط لانه اخر، او يكون الشرك بالحاق تلك القيم بالإله باعتبارها قيم إلهية وبالتالي يتم إرهاق المجتمع بفرض تلك القيم عليه دون مراعاة للتحولات الاجتماعية.
ولذلك نجد ان الشرك تمدد داخل التدوين النخبوي من ان العرب هم أصل الإسلام ومادته إلى اللغة والقيم ومقدسات العرب التاريخية فكل ذلك أصبح جزء من الرسالة وجزء من الإله، ويرجع ذلك نتيجة لتدوين النخب العربية للوعي المجتمعي ولم تحاول تلك النخب استيعاب الرسالة كرسالة إرشادية. فاختلف الشرك في الشكل مع استمرار المعني، فمن عبادة الأصنام التي ترمز إلى بشر ما، تم تقديس الرسول والصحابة واعتبار فترتهم التاريخية وقيمهم جزء من الرسالة، ولم يستوعبوا الإرشاد المتكرر وهو يؤكد كثيرا ليس على بشرية الصحابة بل على بشرية الرسول كذلك في وعيه وفي استيعابه للإرشاد (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) ....). فالتأكيد المستمر على بشرية الرسول هو للنخب من اجل استيعاب ان تدخل الإله في الحياة يكون بالإرشاد فقط وتحديدا فترة الرسالة الخاتمة وما بعدها باعتبار ان الإنسانية يمكنها ان تدرك ذلك.
خلاصة:
إذا الشرك والكفر لا يتمثل في إتباع الرسالة المحمدية من عدمه كما صور التدوين العربي ذلك، فيمكن لليهود إتباع الرسالة الموسوية ان يكونوا مسلمين أو مشركين أو كفار كما يمكن لإتباع الرسالة العيسوية والمحمدية (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114))، ولا يطلب القرآن ان يتحول اليهود والمسيحيين عن عبادتهم بل يجادلهم في قصور الاستيعاب الذي حدث بعد الرسالة ويشرح لهم مكامن الخلل في الرسالة الموسوية والعيسوية حتى يتطابق وعيهم لتلك الرسالات مع الإرشاد الإلهي الذي أراده الله (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)).
فإذا كل من يقول ان الرسالات الإرشادية هي كلام الله هو مشرك فيتعالي الإله عن الكلام مثل البشر وإنما القران وغيره من الرسالات هو إرشاد الله للبشرية (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4))، وكل من يقول ان أماكن العبادة هي بيت الله كما هو البيت في الذهنية الإنسانية هو مشرك فيتعالي الله عن البيت والمسكن ولكنها أماكن اختصتها البشرية لعبادة الله (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)). وليس لله حدودا كما الحدود الإنسانية، فإذا جارى الله الإنسانية من اجل خيرها ومن اجل ان تتجاوز قصور الاستيعاب وتستمر في الحياة لا يعني ذلك ان يرتد المعني على الله، فالله يتعالي عن كل ما هو إنساني، فالرسالات هي من داخل الإنسانية ولأجل الإنسانية ولا يوجد بها عن الإله سوى التعالي الإلهي.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.