مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ثورة أكتوبر في مذكرات جمال عبد الملك (ابن خلدون): المتاريس،


الأحد الدامي، وحزب اشتراكي (2-2)
(تعد السيدة جيهان عبد الملك للنشر مذكرات والدها المرحوم الكاتب السوداني المصري جمال عبد الملك الذي اشتهر باسم "ابن خلدون". وهو شيوعي مصر أضطر للهرب للسودان في منتصف الخمسينات بعد أن ضيق عليه الأمن المصري. ثم افترق طريقه مع الشيوعيين السودانيين الذين استضافوه أول مرة مما ستجد بعض رشحه في المذكرات.
وعاش ابن خلدون حياة فكرية وثقافية وإبداعية عريضة اشتغل خلالها بالصحافة والنشر والكتابة فنشر كتاباً فريداً في علم الجمال هو "مسائل في الإبداع والتصور" ومجموعة من قصص الخيال العلمي وغيرها)
بدأت الندوات فى جامعة الخرطوم في التاسع من شهر سبتمبر 1964 واستمرت زهاء شهر وخلال ذلك الشهر تحول اتجاه الحديث فى الندوات من مهاجمة الاستعمار الغربى الذى يغذي الخلاف بين الشمال والجنوب إلى مهاجمة نظام الحكم العسكري في الخرطوم وأصبح الحديث عن مشكلة جنوب السودان مدخلا لتوجيه النقد لنظام نوفمبر1958 وإعلان إفلاسه وصولا الى أن فشله في الجنوب هو نتيجة للممارسات الإستبدادية والقمعية فى الشمال، وأصبح هدف ندوات الجامعة تعبئة الرأي العام ضد الحكومة العسكرية..
وحاول البوليس فض ندوة 21 أكتوبر 1964 بالقوة واستخدم الجنود الرصاص فسقط شهداء من الطلاب فى جامعة الخرطوم، وفي اليوم التالى [22 أكتوبر] كان قد تقرر تشييع الضحايا في مواكب جنائزية صامتة، ولكن جميع الأطراف فوجئت بتعاظم التعبئة الشعبية وعنف رد الفعل الجماهيري، وانفجر الغضب الكظيم وهز أركان الدكتاتورية، واندفعت الأحزاب كافة تحاول ركوب الموجة الهادرة، وهكذا اندلعت ثورة أكتوبر 1964، وكانت ثورة شعبية حقيقية انفعلت بأحداثها وغسلت مشاعر اليأس والإحباط من نفسي فقد رأيت مشاهد بطولات أسطورية لأناس عاديين، شبان يتحدون حظر التجول [أو التجوال كما كانوا يقولون فى الإذاعة] وكانوا يكتبون أسماءهم على علبة سجاير أو قطعة ورق وأيضا عناوينهم حتى إذا أصابهم الرصاص فى مقتل عرف أهلهم باستشهادهم، وكان كل موكب جنائزي يتحول الى مظاهرة صاخبة تتحدى الحكم العسكري ويكون حصاده مزيدا من الشهداء، وفى صبيحة أحد أيام أكتوبر قال أحد السائقين أنه شاهد قرب مباني جامعة الخرطوم ثلاثة أشخاص قتلوا فى الليل برصاص الجنود، وكان بعض التجار قد أعدوا فى تلك الأيام سيارة نقل وكمية من قماش الدمورية أكفان لدفن الموتى ونقلهم للمقابر، ورافقنا السيارة التى حملت ضحايا الحكم العسكري وكان بينهم أحد الجنوبيين ، وكان شابا فى مقتبل العمر عمل فى معامل الكيمياء بكلية العلوم بالجامعة اشتهر بدماثة الخلق وطيب المعشر، وتجمع جمهور غفير فى مقابر الخرطوم بحري لدفن الشهداء، وعندما بدأت مراسم الدفن اعترض أحد الشيوخ على دفن جنوبي مسيحي فى مقابر المسلمين، ولكن الحاضرين هتفوا جميعا: " كلهم شهداء مثواهم الجنة .." وأصروا أن يدفن الثلاثة جنبا لجنب فى مقابر المسلمين ..
تلك كانت أيام مجيدة حقا أنصهر الشعب فيها كتلة وطنية واحدة، مازلت أتذكرها وأستعيدها كلما ترامى لسمعي نشيد [أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقٍ] وأتحسر على الحماس والبراءة والأمل الضائع..
دعت الجبهة الوطنية للهيئات والنقابات التى انبثقت من انتفاضة أكتوبر إلى إضراب سياسي عام تم تنفيذه بإجماع رائع، وفى يوم 26 أكتوبر 1964 حاصرت قوات من الجيش القصر الجمهوري وطالبت بحل المجلس العسكري الحاكم، وأعلنت بعض القطاعات العسكرية أن الجيش لن يتسبب فى سفك المزيد من الدماء ولن يطلق النار على المدنيين العزل، وبعدها بدأت المفاوضات بين مندوبي الجبهة الوطنية ومندوبي الجيش لتسليم السلطة لحكومة مدنية ، ولكن المفاوضات تعثرت فى بعض مراحلها ..
وفى يوم الخميس 29 أكتوبر سارت مظاهرة فى الخرطوم واتجهت للقصر الجمهوري بعد أن تنادى البعض [إلى القصر حتى النصر!] وكانوا يطالبون بسرعة تشكيل حكومة مدنية انتقالية، ولكن المظاهرة قوبلت برصاص كثيف من قوة كانت ترابط فى ساحة القصر فقتل عدد كبير من المواطنين وتدخل بعض الضباط لوقف المذبحة، وكان المجلس العسكري يرفض أسماء المرشحين المدنيين لرئاسة الحكومة واحدا بعد الآخر، وأخيرا، تم الاتفاق على تكوين حكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة ..
** **
فجرت ثورة أكتوبر نشاطا محموما فى دوائر المثقفين ، وكنت قد نشرت مقالات وتعليقات فى صحيفة [الرأي العام] تحذر من إحتواء الثورة وتصفيتها وعن واجبات الوطنيين بعد أكتوبر، وعملت مع الشاعر محمد عبد الحي في رابطة الأدباء الأكتوبريين.
وفى ليلة التاسع من نوفمبر 1964 كنت مع بعض الأصدقاء في دار عرض سينما [كوليزيوم] بالخرطوم عندما توقف العرض وأضيئت الأنوار وأعلن بعض الشبان أنهم يمثلون جبهة الهيئات الوطنية وأن الجبهة تهيب بالجماهير أن تنهض للدفاع عن ثورة أكتوبر لأنها فى خطر، وأن هناك معلومات بأن مؤامرة إنقلابية تدبر لتصفية الثورة وأن الدبابات ستخرج الليلة من معسكراتها لتعيد الحكم العسكري للبلاد، وقد أذيع نداء مماثل من الراديو دعا المواطنين للخروج الى الشوارع وحراسة المباني الحكومية والتصدي للثورة المضادة ، وكان هناك اعتقاد سائد بأن جهات عديدة، محلية وأجنبية، تريد قمع الثورة وعودة الانضباط للبلاد..
والحقيقة أن أكثر الدول المجاورة للسودان ساورها القلق من ثورة أكتوبر التى اتسمت بميل قوي لليسار وأطلقت حرية الرأي والتعبير وأكدت للشعوب أنه يمكن إسقاط حكومة عسكرية مستبدة بسلاح الإضراب العام السياسي، وأن فروع أشجار النيم يمكنها أن تواجه الدبابات إذا كانت الجماهير مستعدة لدفع ثمن تحررها ..
ومما عزز احتمالات تدبير ثورة مضادة أنه في يوم 8 نوفمبر 1964 وزع في الخرطوم منشور يتضمن نص العريضة التي تقدم بها للقيادة لفيف من الضباط الذين أطلقوا على أنفسهم اسم [الضباط الأحرار] وأعلنوا أن هدفهم: "تطهير الجيش من العناصر الفاسدة والخائنة بهدف تأمين انتصار ثورة الشعب وحمايتها.. وتكوين مجلس دفاع من الضباط الوطنيين يتسلم سلطات الفريق عبود .. " كما جاء فى المنشور" أن الدوائر الرجعية تردد الاتهام ضد الضباط الأحرار بأنهم يعملون لحساب مصر وهى محاولة رخيصة تقصد الرجعية من ورائها تبرير تصفية العناصر الوطنية من الجيش " والجدير بالذكر أنه قد تردد فى تلك المناسبة اسم الضابط جعفر نميري وزميله الضابط الرشيد نور الدين باعتبارهما من الضباط الأحرار وقيل إن إشاعة الإنقلاب تولدت من أوامر صدرت بنقل مجموعة من الضباط ذوي الميول الناصرية الى مواقع خارج العاصمة ..
وكانت المظاهرات والمواكب قد انتشرت فى أنحاء البلاد في تلك الفترة مما عطل سير الحياة العادية، ومع ذلك أطلقت صيحة التحذير من انقلاب وشيك شرارة الحماس في عروق الشباب، وأذكر أنها كانت ليلة باردة بات فيها الألوف في شوارع العاصمة المثلثة يحرسون المتاريس التى أقاموها على عجل من الحجارة وجذوع الأشجار والسيارات ونام البعض فى عرض الطريق جاعلين من أجسادهم حواجز أمام مرور الدبابات وعودة الدكتاتورية بينما طافت جماعات أخرى توزع على الساهرين الشاي والأغطية وتهتف طول الليل: الانقلاب لن يمر !
وعندما أشرق النهار لم يكن ثمة إنقلاب ولكن كانت شوارع العاصمة تحمل بصمات تظاهرة ضخمة ضد عودة الحكم الدكتاتوري.. وقد عجبت مثل غيري كيف حرك الجمهور كتلا حجرية هائلة دون الاستعانة برافعات ومتى حفروا الخنادق ومن علمهم صنع قنابل البترول ومتى رصدوا محلات بيع بنادق الصيد لاقتحامها عند اللزوم؟ من المؤكد أن ثمن السلطة فى السودان ارتفع كثيرا بين 1958 و 1964 ، وقد واصل الارتفاع بعدها مع ثمن رغيف الخبز وكافة الضروريات..
** **
توافد على السودان صحفيون من أنحاء العالم لتغطية أحداث ثورة أكتوبر 1964 وما بعدها ومن بينهم صحفي كان يكتب فى جريدة [المجاهد] الجزائرية، وسوف أسميه [محمود] ، وكان قد حل في فندق في الخرطوم حيث فقد جواز سفره وتذاكر عودته وماله في ظروف غامضة واضطر أن يبقى بالخرطوم فترة ريثما يرسلون له نقودا وجوازا جديدا، وقد استضفته ردحا من الزمن واتضح أنه من تلاميذ الزعيم مهدي بن بركة وكان [محمود] يتصل ببن بركة فى جنيف من سنترال الخرطوم حيث كان الزعيم المغربى يعيش قبل اختطافه واغتياله فى فرنسا، وقبل أن يبارح [محمود] الخرطوم أهداني بعض مؤلفات بن بركة كما دعاني لزيارته فى الجزائر وأعطاني خطابات توصية لشخصيات جزائرية ومسئولين إذا رغبت في العمل فى صحيفة جزائرية ..
** **
بعد مغادرة [محمود] طرحت على صفحات [الرأي العام] فكرة تأسيس حزب اشتراكي ديمقراطي على غرار حزب مهدي بن بركة المسمى [إتحاد قوى الشعب العامل] في المغرب، وكان قد اتضح لي أن كثيرين تحمسوا لانتفاضة أكتوبر في السودان وشاركوا فى الإضراب السياسي من خلال اتحاداتهم ونقاباتهم، وهؤلاء كانوا يبحثون عن حزب يمثلهم ويعبر عن طموحاتهم وهي طموحات الفئات المتوسطة والصغيرة التي لا تتطرف فتقبل خط الحزب الشيوعى كله، وهى أيضا لا تثق في الأحزاب الطائفية ولكنها تتعاطف حتما مع برنامج وطني ديمقراطي في يسار الوسط، وصحيح أن الجبهة الوطنية للهيئات كانت إطارا فضفاضا يستوعب تلك الفئات ولكن ذلك الإطار كان مجرد تحالف وقتي لإسقاط الحكم العسكرى، أما تصفية آثاره وبناء حكم ديمقراطي مستقر فهذا ما عجزت عنه جبهة الهيئات التى أخذت تتآكل بسرعة فى أعقاب ليلة المتاريس فى العاصمة..
وهكذا كتبت مشروع برنامج لنواة حزب اتحاد قوى الشعب العامل وطرحته للنقاش بين عدد قليل من المثقفين وكان طبيعيا أن يتجاوب معه بعض أعضاء حزب الجمعية الوطنية القدامى (وهي فريق خرج على الحزب الشيوعي في 1956 ومنهم المرحوم سيد أحمد نقد الله) وأن يجدوا فى المشروع محاولة لإحياء حزبهم ..
غير أن دعوتي لتأسيس حزب اتحاد قوى الشعب العامل أثارت من جديد غضب الشيوعيين وتحفز قيادة الحزب الشيوعي السوداني التى ظلت تردد أنه لا اشتراكية خارج حزبها واعتبرت أية محاولة لانشاء حزب يساري آخر محاولة لشق صفوف الحزب الشيوعي، ولما وجدوا ان الدعوة لحزب اشتراكي غير شيوعي تجد رواجا سارع زعيمهم [راشد] بالسعي من وراء الستار لتكوين ما أسموه " المؤتمر الاشتراكى الديمقراطى (*) الذى ضم بعض أعضاء الحزب الشيوعي السوداني والمتعاطفين معه، وعلقت أنه من العبث أن يلد حزب حزبا آخر، ومع ذلك اتفق حزب المؤتمر الاشتراكي مع بعض شخصيات نواة اتحاد الشعب العامل على توحيد جهودهم حرصا على وحدة اليسار، ومرة أخرى إختاروا شخصا لكي يبلغنى بأدب مفتعل أنه ليس لي مكان فى التنظيم الجديد، وهو تكرار لسيناريو قديم عندما تفاوضت مع مندوب من الحزب الشيوعي لقبول أعضاء الجمعية الوطنية بعد انقلاب 17 نوفمبر 1958 ، وتلقيت آنذاك اعتذارا بأن الجميع قبلوا فى التنظيم فيما عدا شخص واحد وصفه [راشد] بأنه " انقسامي" .. وكان ذلك من حسن حظي ..
وكنت واثقا أن التجربة الثانية لتأسيس حزب اشتراكي سوداني سوف تفشل كما فشلت التجربة الأولى بعد إعلان الاستقلال في 1956، وهي تجربة [الجمعية الوطنية]، وكان السبب في الحالتين أن قيادة الحزب الشيوعي كانت مصرة على احتكار الحديث عن الاشتراكية..
وأذكر أن عبد الرحمن الوسيلة وكان سكرتير [الجبهة المعادية للاستعمار] وهى الواجهة العلنية للحزب الشيوعي، زار دار صحيفة [الرأي العام] السودانية بالخرطوم بعد فترة من حضوره ضمن وفد سوداني المؤتمر العشرين للحزب السوفييتي عام 1956، وهو المؤتمر الذى كشف فيه [خروتشوف] أسلوب ستالين الاستبدادي في الحكم، وقال الوسيلة إن خروتشوف اجتمع بالوفد السوداني بعد انتهاء جلسات المؤتمر الرسمية وسألهم عن بلدهم وعن التيارات العقائدية في السودان، ونصحهم أن يتجنبوا الشعارات الحمراء المتطرفة وأن عليهم أن يكونوا الجناح اليساري في الحركة الوطنية السودانية، فلما قالوا له إن تنظيمهم اسمه :الحزب الشيوعي السوداني قال لهم إنه كان يفضل اسما آخر وأكد لهم أن الشيوعية مازالت تواجه معارضة من السكان المسلمين في بعض الجمهوريات السوفييتية الآسيوية، وقد علق [راشد] أن خروتشوف يعاني من خرف الشيخوخة فقد كانت آراؤه تشبه آراء الزميل عوض عبد الرازق الذى اتهمه الحزب بالخيانة وفصله، لأنه اقترح تكوين حزب يساري باسم حزب الشعب التقدمي بعد إعلان استقلال السودان..
* * *
لم يكن ممكنا أن ينشط المرء في تأسيس نواة لحزب سياسي وأن يشتبك في صراعات فكرية وأن يعمل في نفس الوقت في مكتب دبلوماسي، وكان المستر [سنغ، وهو دبلوماسي هندي متأدب وجد لإبن خلدون وظيفة مترجم في السفارة الهندية ] قد نقل للعمل فى بلد أوروبى فتغير مناخ العمل في المكتب فتركت العمل في مكتب الملحق الصحفي الهندي وتفرغت للعمل الصحفي في جريدة [الرأي العام] السودانية كما واصلت نشر تعليقات في صحف محلية أخرى منها صحيفة الجبهة الوطنية للهيئات، وبات واضحا أن قوى اليمين كانت تسعى حثيثا لإسقاط حكومة سر الختم الخليفة وكانت تضم 8 وزراء يساريين منهم من كانوا ممثلين رسميين للحزب الشيوعي ومنهم من دخلوا الوزارة ممثلين للنقابات والاتحادات التى كان يسيطر عليها الشيوعيون، ولكن الأحزاب الكبرى الطائفية اعتبرت أن نفوذ الشيوعيين في حكومة سر الختم لا يتناسب مع حجم ما يتمتعون به من تأييد فى الشارع السوداني ولهذا تكتلت ضدهم بزعامة حزب الأمة وطالبت بإعادة تشكيل الحكومة ..
وفي السادس من ديسمبر1964 وقعت أحداث دامية في الخرطوم أبرزت عجز حكومة سر الختم، وكانت حشود من أبناء جنوب السودان في العاصمة قد هرعت لمطار الخرطوم لاستقبال الوزير الجنوبى [كلمنت أمبورو] الذى كان أول جنوبي يتولى وزارة هامة وهي وزارة الداخلية، ولكن طائرة الوزير تأخرت فراجت إشاعة بأن وزير الداخلية قتل في مؤامرة دبرها الشماليون، واندفعت جموع الجنوبيين الغاضبين تحطم مباني المطار ثم اشتبكوا مع الشماليين خارج المطار في معارك دامية، وبعد أن اشتعلت الفتنة صار إخمادها عسيرا، ووقعت الحكومة في مأزق، فهى لاتستطيع طلب تدخل الجيش لقمع الفتنة بعد الهتافات المهينة التى ترددت في أكتوبر1964، والتعهدات التى طلبها المدنيون المجتمعون في دار أساتذة جامعة الخرطوم بعدم الزج بالجيش في السياسة أو تكليفه بالتصدى للمدنيين..
شاهدت طرفا من أحداث ذلك اليوم فقد التقيت بالأستاذ موسى المبارك وكان من وزراء الحكومة الانتقالية وجاء الى موقع اشتباك كبير ليحاول تطويق الفتنة، فقد حاصر جمع غفير من الشماليين الذين خرجوا من دار الرياضة ومن دور السينما عددا من الجنوبيين الذين احتموا بدار النشر المسيحي التى تقابل دار سينما [كوليزيوم] وتمكنوا من إشعال النار فيها ، وبذل وفد من طلاب جامعة الخرطوم محاولة لفض الاشتباك وفشلوا، وحاول موسى المبارك مخاطبة الحشود مستعينا بمكبر صوت وزارة الإعلام وحذرهم من أسلاك الكهرباء التى سرت فيها النار، ولم يكد يفرغ من حديثه حتى تقدم مجهولون وعطلوا مكبر الصوت في سيارة الإعلام، وقفز فوقها رجل أعور صائحا: أنظروا ما فعله بى الجنوبيون المتوحشون، قلعوا عيني !
ووجدت نفسي أسأل الأعور: متى ؟
قال : منذ دقائق !
وقلت له: لابد أن عينك قلعت منذ سنين، ولو قلعوها منذ دقائق أو ساعات لما استطعت الحركة أو حتى الكلام.. وكان الناس ينصتون، وسخر الجمهور من الأعمى فتوارى عن الأنظار، وكان موسى المبارك قد انصرف وسيارة وزارة الإعلام ذهبت أيضا، وفجأة برز الأعور محاطا بعدد من الرجال الغاضبين والصبية يحملون العصى وزجاجات البنزين وضربوا نطاقا حولي، وتصايحوا: هذا الرجل كان يلقن الوزير ما يقوله.. إنه صهيونى.. إنه يحرض الجنوبيين.. إحرقوه !
وانقض علي رجلان ومعهما الأعور حاولوا جري جرا الى المبنى المشتعل ولكني استطعت تخليص نفسي بعد تمزيق ملابسي وانقذني أحد معارفي من أساتذة الجامعة الذى جذبني الى داخل سيارته وابتعدنا عن الشارع الذى سيطر عليه الغوغاء، وعلمت فيما بعد أن سيارات مجهولة بدون لوحات مرت في نفس الشارع وألقت منشورات تحرض على المذابح العنصرية، ومسرحية الأعور أكدت أنه كان هناك تدبير محكم لإثارة الفوضى وإشعال الفتنة، وكانت الحكومة عاجزة تماما عن السيطرة على الموقف وضمان الأمن واستقرار الحكم..
جبهة [الهيهات]!!!
نجح [الاتجاه الإسلامي] في تقويض [الجبهة الوطنية للهيئات] حيث ركز عليها الهجوم من الخارج باعتبارها منبرا للشيوعيين، واستخدم أسلوبا ذكيا لنسفها من الداخل فطالب بقبول عضوية عشرات المنظمات والهيئات التى يسيطر عليها الاسلاميون لحيازة أغلبية عددية فى لجان الجبهة والعمل لعزلها عن نفوذ اليسار، وتحالف الاتجاه الاسلامي مع الأحزاب التقليدية وطالبوا باستقالة حكومة جبهة الهيئات وتشكيل حكومة جديدة [تمثل توازن القوى الحقيقي فى البلاد]، وكان حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي قد حشد أنصاره في العاصمة وطالب باستقالة الحكومة قبل إجراء انتخابات عامة برلمانية..
وفي 17 فبراير 1965 عقد رئيس الوزراء سر الختم الخليفة مؤتمرا صحفيا أكد فيه أنه لن يستجيب لضغوط الأحزاب المطالبة باستقالته ولن يرضخ لتهديدها، وأكد ولاء القوات المسلحة و حرصها على حفظ الأمن والنظام واستمرار حكومته التى جاءت نتيجة اتفاق بين مندوبي الهيئات الديمقراطية والقوات المسلحة لتصل بالبلاد الى بر الأمان..
‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ورغم أن حكومة سر الختم كان قد ظهر فشلها بعد مائة يوم في السلطة فقد كان رأي مثقفي اليسار دعمها بكل السبل وهكذا كتبت تعليقا لصحيفة [الجبهة] وكانت منبر الجبهة الوطنية للهيئات (أي لسان اليسار آنذاك) لتنشره كافتتاحية وقلت فيه أنه ينبغي على رئيس الحكومة أن يصمد أمام ابتزاز الأحزاب الطائفية ولا يستسلم لتهديداتها وإذا كان الجيش معه ، كما قال ، فليرفع فى وجه خصوم الديمقراطية شعار: لا حرية لأعداء الحرية !
وكان المفروض أن يظهر ذلك المقال كافتتاحية باعتباره يمثل رأي الجريدة التى كان يحررها لفيف من المثقفين اليساريين آنذاك، وكنت قد اقترحت إذا أرادوا نشره فى مكان آخر غير الافتتاحية أن يظهر تحت توقيع (ديمقراطي)، ولكن أعضاء الحزب الشيوعي في الصحيفة نشروا المقال وكتبوا تحته توقيعي، وظهر المقال بتوقيعي في صباح اليوم الذى أذيعت فيه أنباء استقالة رئيس الوزراء وتكوين حكومة جديدة يتمتع فيها حزب الأمة بمركز القوة، وفى ذلك اليوم اتصل بي أحد اصدقائي من حزب الأمة وكان ذات يوم من أقطاب حزب [الجمعية الوطنية] ولكنه كان مرتبطا بعلاقات أسرية حميمة مع الأنصار، وعاتبني قائلا انني تصرفت بحماقة وأنه يعلم يقينا أن بعضهم تعمدوا توريطي، وذكر أن المقال أثار غضب الحزب الحاكم وأن موقفي سيكون صعبا، واقترح أن أغادر البلاد فترة ريثما تهدأ العاصفة، وأن أترك له تسوية الأمر ..
وهكذا جهزت خطابات التزكية التى أعطانى إياها صديقي الصحفي الجزائري [محمود] وقاموس اللغة الفرنسية وقررت شد الرحال للجزائر فربما أجد فرصة للعمل هناك في صحيفة وأن أحاول إتقان اللغة الفرنسية، وكان الطريق الى الجزائر يمر بأوربا وأول محطة لي كانت روما، ولكن قبل أوربا كنت أحلم بزيارة مصر بعد عشر سنوات لم تطأ فيها قدمي أرضها ..
وكنت قد كتبت التماسا للرئيس عبد الناصر وتولى صديقى أبو المعالى عبد الرحمن بذل مساعيه لإصدار قرار يسمح لي بزيارة القاهرة، وفي يناير 1965 صدر قرار جمهوري بإسقاط كافة العقوبات التي صدرت ضدي لأسباب سياسية سواء فى العهد الملكي أو بعد ثورة 23 يوليو 1952، وفى 30 مارس 1965 توجهت بالطائرة من الخرطوم الى روما رأسا حيث حللت ضيفا على صديق عزيز كان يشغل منصبا فى هيئة التغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، وكان عضوا سابقا في حزب الجمعية الوطنية أيضا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.