قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شخصيات فى الخط الأمامى للدفاع عن الرأسمالية العالمية
نشر في الراكوبة يوم 28 - 10 - 2015

تشهد الساحة السياسية العالمية نشاطاً محموماً من قبل شخصيات بارزة فى البلدان الراسمالية الغربية لكبح جماح المعارضة المتصاعدة للسيطرة المالية للقلة (financial oligarchies) التى تدعمها النخب السياسية الحاكمة هناك. ودونالد ترمب وبيرنى ساندرس فى أمريكا ويورغن هابرماس فى ألمانيا وبابا الفتيكان فى مقدمة هذه الشخصيات؛ والقاسم المشترك بينها فيما يخص الظاهره التى نسلط عليها الضوء هنا هو إدعاؤها أنها تسير عكس تيار المؤسسات السياسية الحاكمة بإعتبار أن ازمة الرأسمالية تعزى لسوء فى إدارتها ولخيارات غير أخلاقية. وهو موقف، كما سنرى أدناه، ينم عن مداهنة القطاعات الشعبية، التى يتعاظم شجبها لسطوة رأس المال العالمى ويؤكد أن ظهور هذه الشخصيات يأتى كتعبير عن النزعة الخالدة للراسمالية على التكيف ومقاومة حراسها للافكار المنادية بإجتثاثها بإعتبار أن أزماتها تكمن فى تناقضاتها كنتاج طبيعى لاسلوب إنتاجها.
دونالد ترمب
دونالد ترمب ملياردير يعمل فى مجال الإستثمار العقارى، بالإضافة الى أنه شخصية تلفزيونية مشهورة ومالك حقوق مسابقة ملكة الجمال في أميركا وملكة جمال الكون. خرج ترمب من هذه الخلفية ليرشح نفسه فى إنتخابات الحزب الجمهوري الأولية (primary elections) لإختيار من يمثل الجمهوريين فى خوض السباق إلى البيت الأبيض فى 2016؛ وشعار حملته الإنتخابية هو إعادة أمريكا لمجدها الذى فقدته نتيجة لتقصير السياسين فى واشنطن وفشل سياساتهم الخارجية والإقتصادية، وابتدر حملته بالسخرية اللاذعة من السياسيين الأميركيين وخاصة الذن ينافسونه على ترشيح الحزب الجمهورى ولم يسلم أحد من مرمى نيرانه. دخول ترمب للإنتخابات الأولية كان كالإعصار؛ فهو يقول إنه لا يقرأ خطاباته عن الشاشة الملقنة (teleprompter) ملمحاً لما درج عليه الرئيس أوباما الذي يقرأ معظم خطاباته مستخدما هذا التكنيك. وبهذا الإرتجال جاءت خطاباته مخالفة لكل ما هو متعارف عليه فى مثل هذه الإنتخابات وخاصة الصواب السياسى (political correctness). إنتقد ترمب كل المؤسسات الامريكية التى يعتقد أن أداءها يمثل السبب وراء التراجع الأمريكى؛ وأعلن عن تمويل حملته الإنتخابية بنفسه وليس عن طريق اصحاب المصالح (lobbyists) لتفادى الوقوع تحت تأثيرهم كما قال. وتماشياً مع التوجه الإقتصادى للجمهوريين الخاص الرامى دوماً الى تقليل الضرائب على الشركات (الراسمالية) أعلن ترمب إنه فى حالة فوزه سيخفض الضرائب على الشركات وعلى شريحة المواطنين أصحاب الدخول المنخفضة؛ لكنه أثار دهشة الناخبيين بتعهده فرض ضرائب على بعض الفئات الراسمالية وحددها بصناديق التحوط أو التامين (hedge funds)؛ وهى خطوة رغماً عن تناقضها مع سياسة الجمهوريين الرافضة لرفع الضرائب، الا انها تُفهم بإدراك المستهدفين هنا هم أثرياء وول ستريت الذين يميلون لمساندة الحزب الديمقرطى.
ومضى ترمب فى الكشف عن بعض النقاط البرامجية التى تتناقض مع الموقف المحافظ. فمثلاً لإستدرار عطف الناخبين وعد ترمب بتخفيض الضرائب لدرجة الصفر على شريحة المواطنين أصحاب الدخول المنخفضة (50%) وعن دعمه لبرامج الضمان الإجتماعى؛ وهى إجراءات غريبة على المحافظين. كما جاء تأييده لقانون يمنح الحكومة الحق في الاستيلاء على الأملاك، خاصة الاراضى والعقارات-(eminent domain) مقابل تعويض، لتوظيفها للمصلحة العامة مخالفاً الموقف المتشدد للمحافظين فى رفضهم لهذا القانون بإعتبار تناقضه مع مبدأ الملكية الخاصة.
ظل ترمب يعزف على نغمة فشل السياسة الأمريكية للحزبين، حزبه الجمهورى والديمقراطى، ويعد الناخبين بأنه سيجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى وسيعالج مديونيتها الخارجية المرتفعة، وسيخفض نسبة البطالة بتنشيط الإقتصاد (الصناعة) بإعادة الشركات الأمريكية للعمل بالداخل بعد أن صارت تلجا لنقل نشاطاتاتها للخارج ومحاربة الهجرة الغير شرعية التى تتسبب فى سلب فرص العمل من الامركيين؛ كما ذكر بأنه سيستخدم القوات البرية للحرب فى الشرق الاوسط أو فى أى بقعة من العام إذا ما دعت الضرورة.
رغم الفرط الشعبوى فى خطاب ترمب الا أنه يتماشى مع تصور الجمهوريين الداعى لقلب مسار النظام الرأسمالى عبر إزالة التدنى فى قطاع الصناعة الذى يمثل عصب الإقتصاد؛ ولكن هذا ليس أكثر من حلم لأن هذا التراجع أملته ظروف موضوعية تتمثل فى (نزوع معدل الربح فى الراسمالية للإنخفاض) كمسالة تحدث موضوعياً بسبب التكلفة العالية للانتاج التى يفرضها إستعمال الماكينات والمعدات والتكنلوجيا الحديثة ونظم الإنتاج المتطورة. النظام الرأسمالى الأمريكى يمر بدورة حادة فى إستدامة إنخفاض نسبة الربح فى مجال التصنيع.
بيرنى ساندرز
وفى الضفة الاخرى على صعيد المنافسة لإختيار مرشح الحزب الديمقراطى للرئاسة الأمريكية أطلق بيرنى ساندرز حملة انتخابية من داخل الحزب الديمقراطى باجنده أسماها بالاشتراكية الديمقرطيه. وبيرنى ساندرز ليس عضوا في الحزب الديموقراطي ولكنه ينتمي إلى كتلة الديموقراطيين في مجلس الشيوخ الذى يتمتع بعضويته كمستقل.
ومنطلق إشتركية ساندرز المساواة؛ وخطتة تنطلق من إفتراض أن الإقتصاد الأمريكى غير أخلاقى "ولا يُحتمل" والحل ببساطة، كما يتصور، يكون فى المساواة بفرض ضرائب على الأثرياء قد تصل الى 90% لصالح الطبقة الوسطى (الكود فى الخطاب السياسى الأمريكى للطبقة العاملة)، فالحزبان- الجمهورى والديمقراطى- يتجنبان إستعمال إصطلاح "الطبقة العاملة".
مساواة ساندرز تأتى بمعناها الرياضى (mathematical) أى التجريدى وليس مفهوماً يرتبط بطبيعة علاقات الإنتاج السائدة؛ فتحت علاقات الإنتاج الرأسمالية فإن عدم المساواة في الدول الرأسمالية مسألة حتمية، فالحقوق فى الرأسمالية تتساوى على صعيدين متنافرين لا يمكن التعايش بينهما. ففى الراسمالية يتساوى ملاك راس المال فى إستحلاب فائض القيمة من عمل أصحاب العمل المأجور الذين يتساون فى التعرض لهذا الإستغلال. لهذا لا يمكن الحديث عن المساواة فى المجتمعات الراسمالية خارج سياق التغيير الجوهرى فى علاقات الإنتاج..... .
وظهور بيرنى ساندرز قد يكون علامة (harbinger) تؤشر لشكل الخطاب السياسى للحزب الديمقراطى فى المرحلة القادمة: العزف على نغمة الإشتراكية (بمعناها المبتذل المشار اليه سابقاً) لتكريس إستمرارية علاقات الملكية القائمة بإعتبار أن شطط سياسات الهوية (identity politics) التى ينتهجها الديمقراطيون أخذت تحدث ردود فعل عنيفة (backlash) فى المجتمع. فبسبب سياسات الهوية أحرقت الإنتفاضات العفوية للسود بعض المدن الأمريكية خلال عامى 2013 و2014؛ فتلك الإضطرابات إنطلقت تحت شعار محاربة الشرطة الامريكية لأنها عنصرية وليست جهازاً يمثل فى النهاية ذخراً إستراتيجياً لكسر أى تهديدات يشكلها العمل الجماعى للنظام الرأسمالى، وبالطبع أن هذه الإنفجارات، التى تهدد إستقرار النظام والهجوم على المؤسسات التى توفر الحماية له، لا ترضى النخب الحاكمة. فقد سببت تلك الإنتفاضات حرجاً للمروجين لسياسات الهوية فى بعض الحالات، كإنتفاضة السود الذين يعيشون حياة البؤس والفقر فى مدينة بالتيمور الأمريكية، وهذا لان منصب العمدة ورئيس الشرطة وأعضاء مجلس المدينة جميعهم من السود؛ فحتى وضع المدينة تحت هذه القيادة لم يحرر السود من معاناتهم.
وفى هذا الصدد نشير الى أن مصطلح الإشتراكية حتى الحملة الإنتخابية الاخيرة كان مبعداً من الخطاب السياسى الأمريكى فى وسائل الإعلام الرئيسية (main stream) تعمداً؛ فكل أنواع السخف والبذاءات مسموح بها فى تلك االفضاءات الإعلامية ما عدا الحديث عن الإشتراكية وإن كانت فى صورتها الديموجاجية كما فى حالة ساندرز؛ كما أن كلمة العمال، لإرتباطها بالتناقض الاساس فى أمريكا (بين رأس المال والعمل المأجور) وبالإشتراكية، تستبدل، كما ذكرنا، بمصطلح الطبقة المتوسطة.
البابا فرانسيس
دخل البابا فرانسيس على الخط بإنتقاده مؤخراً لما أسماه الرأسمالية المتوحشة قائلاً " علمتنا الرأسمالية المتوحشة منطق الربح بأي ثمن، والعطاء من أجل الحصول على مقابل والاستغلال دون التفكير في الناس... ونحن نرى النتائج في الأزمة التي نشهدها". ولأجل كسب قطاعات واسعة من الناس بمعالجة نفورهم من تعقيدات المسيحية في مضمار قانون الأحوال الشخصية، أعقب البابا رأيه فى الرأسمالية بتنفيذ إصلاحات متعددة مثل تسهيل اجراءات فسخ الزواج وهو السبيل للكاثوليك للزواج مرة أخرى بدون إعتبارهم العيش فى حالة من الخطئية فى حالة الطلاق، والعفو عن النساء اللواتى يجهضن وكذلك الاطباء الذين يجرون هذه العملية.
الهجوم على الرأسمالية من داخل المسيحية ليس جديداً، فهناك لاهوت التحرير، الحركة المسيحية التى ظهرت فى ستينات وسبعينات القرن الماضى. تمردت حركة لاهوت التحرير على المؤسسات الكنسية القائمة ودعت لتوظيف الدين ضد الإحتكارات الراسمالية لتحقيق العدل والمساواة، ولكن تصريح البابا هو الاول من نوعه الذى يصدر من رئيس مركز القيادة الدينية للكنيسة الكاثولوكية.
وحديث البابا عن مساوئ الرأسمالية وحقوق الإنسان لم يكن سوى حديث ومصطلح وتوظيفهما لدغدغة المشاعر، ففكره اللاهوتى لايجعله يطرح (unlearn) الأفكار المعادية للتقدم التى يحافظ عليها كحفاظه على إرتداء الحلة البابوية القروسطية فى غدوه ورواحه؛ وهذا ما يفسر التوظيف المتعاظم له من قبل الدول الراسمالية الكبرى لكبح جماح القوى المناهضة لمصالحها. وجدير بالذكر أن الكنيسة الارجنتينية، عندما كان فرانسيس أكبر قساوستها قبل ان يصبح البابا، لعبت دوراً مخجلاً بوقوفها خلف سلطة الانقلاب العسكرى فى الارجنتين (1976-1983) التى إغتالت مئات النقابيين والطلاب وغيبت آلاف المعارضين اليساريين الذين ما زال مصيرهم مجهولاً حتى هذا اليوم.
فخرت الدول الكبرى بالبابا مثلاً أعلى؛ وكانت قمة الاعتزاز به الدعوة لزيارة أمريكا فى سبتمبر الماضى التى وجهتها له الحكومة الأمريكية التى لم تكن لها علاقات دبلوماسية مع الكرسى البابوى حتى 1984. وفى مشاركته لجلسة مشتركة لغرفتى االكونغرس (مجلسى النواب والشيوخ) ألقى خطاباَ تحدث فيه عن مساعدة المستضعفين والسلام. ومخاطبة البابا للكونغرس من منطلق اللاهوت السياسى المسيحى تتنافض مع وثيقة الحقوق الأمريكية التى تقر فصل الدين عن الدولة وتمنع الكونغرس من دعم ممارسة أى دين من الأديان؛ والخطاب ينتقص من ذكرى توماس جفرسون (أحد المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية) الذى وصف مسألة إبعاد الدين من الحياة السياسية بمثابة بناء جدار يفصل بين الكنيسة والدولة لصون التفكير الحر والحرية الفردية.
يورغن هابرماس
هابرماس له عدة مؤلفات تنقل فيها من فكرة الى أخرى ومن تصور الى آخر من غير رابط نظرى محدد وإنكب على فلسفات كانط، هيجل، ماركس، هوسرل، فرويد، ماكس فيبر مستمداً منها المقولات لصياغة تصوراته التى زعم انها تحافظ على اهم إضافات الماركسية للسوسيولوجى. وهكذا حوّل هابرماس الماركسية لفكر إنتقائى مشوه لا يقود الا الى التجريبية المثالية.. وهى إنتقائية يمكن تشبيهها بالكائن الذى خلقه الطبيب فيكتور فرانكنشتاين، فى رواية الكاتبة ماري شيلى، بتجميع كشكولاً من المواد المختلفة المكونة من عظام ولحم جثث آدمية وربطها بمشابك وأسلاك معدنية ودوائر كهربائية وكانت النتيجة وحشاً دميماً مرعباً حمل اسم صانعه.
ركز هابرماس عمله النظرى فى قلب النظرية النقدية لكارل ماركس التى ترى أن النقد الفكرى وحده لا يحدث التغيير؛ فالنقد الماركسى هو نقد ثورى لإحداث التغيير الذى لا يتم على صعيد البناء الفوقى بمعزل عن النظام الإجتماعى للإنتاج وما ينطوى عليه من علاقات الإنتاج والصراع الطبقى. إخترع هابرماس مثالاً يريد تطبيقه على المجتمع حيث إعتبر أن التغيير يتحقق عن طريق التواصل الإجتماعى بين قوى إجتماعية متضادة مصالحها، فى حين أعطى ماركس منهجاً مادياً لدراسة التناقضات فى المجتمع ومن ثم المقدرة على إستكشاف توجهات تطورها وبالتالى إستشراف شكل وطبيعة المجتمع فى المستقبل.
أعاد هابرماس تركيب المادية التاريخية ونفى عنها صفة الأداة ليس فقط لفهم عملية تحول النظم الإجتماعية-الإقتصادية، بل لتغيير المجتمع. تتلخص أفكار هابرماس فى الترويج لنظرية التعايش القديمة والحلول الأخلاقية، التى تتجاوز الأساس المادى والتاريخى، حتى يلعب الماركسيون دور الوسيط النزيه (honest broker) بين الدول الراسمالية عندما تتعارض مصالحها وفى العلاقات بين العمل المأجور ورأس المال.
إنطلاقاً من هذا المنهج التجريبى والتوفيقى جاء موقف هابرماس من أزمة اليونان، التى حدثت خلال هذا العام، متسماً بالتبسيط الشديد- وهذا بدا فى حديثه لصحيفة الجارديان البريطانية (16/7/2015)، وملخصه : إن ألمانيا تقامر برأس مالها السياسى الذى حققته خلال نصف القرن الأخير نتيجة موقفها من الأزمة اليونانية ...وأعضاء الإتحاد الأوربى لا يفكرون فى دعم تقوية الإتحاد لأنهم مشغولون فقط بجذب ناخبيهم الوطنيين...وإن مشكلة عدم فعالية الإتحاد الأوربى هى التمسك بالدولة الوطنية فى مختلف الدول الأوربية...فمشكلة اليونان هى مشكلة تحدث على خلفية صراع بين حكومات دول الإتحاد (intergovernmental) ....والحل هو ضرورة إتجاه الديمقراطيات الأوربية لتوسيع فعاليتها لتحقيق الإندماج الإجتماعى-الإقتصادى فى إطار البُعد فوق الوطنى (supra-national).
إن هابرماس أصبح فيلسوفاً ومنظراً للدولة الألمانية ينصحها بعدم المقامرة برأس مال حققته فى نصف قرن! وهو فى حديثه لصحيفة الغارديان يهمل حقيقة أن التناقضات العميقة بين الدول الاوربية والسياسات المختلفة التى تعبر عن مصالح بعض القوى الإجتماعية داخلها تجعل قيام سلطة سياسية موحدة لكل أوربا شيئاً مستحيلاً فى هذه الظروف؛ وسيبقى ما تم إنجازه حتى الآن على صعيد أوربا لا يعدو أن يكون شيئاً غير منطقى، ومثال لهذا إنشاء "اليورو" كنقد مستقل لا تديره هيئة تعبر عن كيان سياسى أوربى موحد لم يخلق حتى الآن. كما تعمد هابرماس تجاهل أن إستمرارية سطوة الإحتكارات الإقتصادية الأوربية المختلفة (ركيزة الديمقراطيات الأوربية) ليس خياراً بل طبيعة منطقية لقانون إقتصاد السوق، وأن الذى يجمع فئات هذه الإحتكارات هو إستماتتها فى الحفاظ على العلاقات الإجتماعية السائدة فى بلدانها التى تؤمن تعزيز هيمنتها الإقتصادية، ونظرتها الى أن الإتحاد الأوربى ليس الا إطاراً تعمل من خلاله لدعم مصالحها (اليونان كمثال).
وموقف هابرماس من الدولة الألمانية المار ذكره ينسجم مع مواقفه من قضايا سابقة كتأيده طوال الوقت لتدخلات الإتحاد الاوربى فى الدول الفقيرة ومناهضتة لحركة اليسار الاوربى التى كان أكثرها عدوانية وصفه لانتفاضات الطلاب والعمال فى أوربا فى الستينات من القرن الماضى ب "الفاشية اليسارية".
إن تحريف هابرماس للماركسية فيه كثير من الدهاء الحاذق (subtle cunning) الذى مكنته منه مكانته كأكبر الفلاسفة الأوربيين المعاصرين الذى أولى فى مرحلة طويلة من حياته كل مؤلفات كارل ماركس وانجلز اهتمام الدارس المتخصص. فهو إستخدم ماركس لمحاربة النظرية النقدية الثورية لماركس، وبقليل من إنعام النظر نكتشف خطورة أفكاره التى تتمثل فى تحويل الماركسية لعقيدة تدعو للتعايش بين التناقضات المجتمعية (الطبقية) وليس العمل على كشفها ومن ثم إدارة الصراع الكفيل بحلها.
وإدعاء هبرماس تجديد الماركسية، بإعادة النَّظر في موضوعاتها وتعديلها، يذكر بما جاء فى القصيدة المؤثرة للشاعر الألمانى هانس م انتسنسبيرغر (1929-) المعنونة "كارل هاينريش ماركس" :
أرى كيف تم خذلانك
على أيدى تلاميذك
أعداؤك وحدهم
ظلوا على حالهم
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.