السودان بعد زيارة مصر: لن نحارب إثيوبيا    التعايشي: ملتزمون بحسن الجوار والحفاظ على الأمن الإقليمي    تجمع أساتذة جامعة البدري: وزيرة التعليم العالي لم تلب مطالبنا    مساع لانشاء بنك خاص لمشروع الجزيرة    حي العرب بورتسودان يفوز لأول مرة في الدوري .. ركلة جزاء تحبط حي الوادي نيالا أمام الأهلي مروي    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    هل فشلت النخب في امتحان الاقتصاد؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    البنك المركزي يحجز حسابات إيلا وأبنائه    عشاق الأضداد .. بقلم: كمال الهِدي    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    كانت الخرطوم جميلة .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الهلال يحقق فوزه الأول في الدوري على حساب الأمل .. هلال الساحل يفوز على المريخ الفاشر .. الخرطوم الوطني يستعيد الصدارة.. وفوز أول للوافد الجديد توتي    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    ما اشبه اليوم بالأمس د.القراى و لوحة مايكل أنجلو و طه حسين و نظرية الشك الديكارتى .. بقلم: عبير المجمر (سويكت )    فيما يعول عليه ! .. بقلم: حسين عبدالجليل    يا أسفي علي القراي ... فقد أضره عقله وكثرة حواراته .. بقلم: د.فراج الشيخ الفزاري    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    التعدد .. بقلم: د. طيفور البيلي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تجديد الماركسية ... بقلم : تاج السر عثمان
نشر في سودانيل يوم 14 - 09 - 2009


alsir osman [[email protected]]
نتناول في هذه المقال تجديد الماركسية ، ومعلوم أن هذا الموضوع من محاور المناقشة العامة التى فتحها الحزب الشيوعي السوداني حول متغيرات العصر ، وسوف يستمر النقاش حوله لسنوات طويلة ، ولاسيما تحرير الماركسية من الجمود ، وكما هو معروف ، فان الماركسية تركت بصماتها على تطور الفكر الانساني العالمي ، بتصديها لتحرير الانسان من القهر الطبقي والقومي والاثني والجنسي ومن لعنة الحاجة وتحقيق الفرد الحر بوصفه الشرط لتطور المجموع الحر .وبالتالى من السذاجة القول أن الماركسية أفل نجمها بانهيار التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا .
قبل ان ندخل في الموضوع مهم أن نحدد النقاط التى نريد أن نركز عليها في هذا المقال ، لأن الموضوع كبير ومتشعب فماركس وانجلز انجزا 65 مؤلفا ، ولكن من اهم مؤلفاتهما الايديولوجيا الالمانية ( 1846 ) لماركس وانجلز، ورأس المال لماركس (1867 المجلد الاول ،1885 المجلد الثانى بعد وفاة ماركس ، 1894 المجلد الثالث ) ، وفي هذين المؤلفين انجز ماركس وانجلز اعمالهما الأساسية : اكتشاف المفهوم المادي للتاريخ كما جاء في الايديولوجية الالمانية ، ونظرية فائض القيمة كما جاء في مؤلف ماركس رأس المال . اذن سوف نركز في هذه المقال على أهم اكتشافين للماركسية .
ماهما أهم اكتشافين للماركسية ؟
أشار انجلز في مؤلفه انتى دوهرينغ (1877) الى أن الماركسية تحولت الى علم باكتشاف المفهوم المادي للتاريخ ونظرية فائض القيمة التى كشفت سر الاستغلال الرأسمالي .
بهذين الاكتشافين تحولت الماركسية الى علم ، بحيث يصبح الواجب تطويرها في كل الاتجاهات ، ولأن العلم لايعرف النهائية والاكتمال ، فان تجديد الماركسية عملية مستمرة ، وتنبع من منهجها الديالكتيكي الذي ينظر للظواهر في حركتها وتطورها وشمولها وتحولها وتغيرها الدائم ، وعليه فان التجديد كامن في طبيعة ومنهج الماركسية ، المشكلة كانت في الجمود الذي جرد الماركسية من طابعها النقدي والثوري .
أولا : المفهوم المادي للتاريخ :
انطلق ماركس في الفهم المادي للتاريخ من حقيقة بسيطة وهى الناس قبل أن يمارسوا السياسة والفن والدين عليهم أن يوفروا احتياجاتهم الأساسية من ماكل ومشرب وملبس ومأوى ، ولكى يتم ذلك عليهم ان ينتجوا ، ولكى تتم عملية الانتاج لابد من توفير وسائل الانتاج والعمل البشري ، واثناء عملية الانتاج تنشأ علاقات بين الناس تسمى علاقات الانتاج وتتعلق بالملكية والتوزيع ، وحول البنية التحتية للمجتمع التى تتكون من قوى الانتاج وعلاقات الانتاج تنشأ بنية فوقية تتعلق بافكار الناس السياسية والدينية والفلسفية والفنية .. الخ . ووحدة البنية التحتية والفوقية اطلق عليها ماركس التشكيلة الاجتماعية .
على أن العلاقة بين البنية التحتية والفوقية معقدة ومتشابكة وذات تأثير متبادل ، صحيح ان البنية التحتية لها تأثيرها على البنية الفوقية ، ولكن البنية الفوقية ايضا لها تاثيرها في البنية التحتية ، فالعلاقة ديالكتيكية بحيث يصبح من الصعب الحديث عن ادنى واعلى وخاصة في مجتمعات ما قبل الرأسمالية .
وهذا ايضا يقودنا الى العلاقة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي والتى ذات تأثير متبادل ، صحيح أن الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي ولكن الوعى الاجتماعي يؤثر في الوجود الاجتماعي ويعمل على اعادة تشكيله .
اشار انجلز في خطابه على قبر ماركس انه مثلما اكتشف دارون قانون تطور الانواع بالانتخاب الطبيعي ، اكتشف ماركس قانون تطور المجتمع البشري ، فقبل ماركس كان علماء الاجتماع يرجعون تطور المجتمع البشري الى افكار الناس ، ولكن ماركس انطلق من العكس ، من الانتاج المادي واعادة انتاج النوع البشري باعتبار ذلك القوى الحاسمة في تطور المجتمع البشري . أما المفكر الماركسي الفرنسي لويس التوسير فقد أشار الى أن مساهمة ماركس لاتقل عن مساهمة طاليس في تأسيس علم الرياضيات أو اعمال جاليلو في الفيزياء ، وأن اعمال ماركس تحتاج الى دراسة متأنية ، وبالتالى من المهم تحرير الماركسية من الجمود الذي كرسته الستالينية .
ومنذ اكتشاف ماركس حدثت تطورات كثيرة في علوم الاجتماع والاثار والتاريخ والانثروبولوجيا وغيرها اثرت الفهم المادي للتاريخ ، مثلما حدثت تطورات في علم البيولوجيا اثرت وطورت نظرية دارون حتى اكتشاف الشفرة الوراثية في عصرنا الحالى . كما حدثت تطورات في علوم الفيزياء والفلك والجيولوجيا ، كان لها الاثر الكبير في تطور تلك العلوم و الفكر البشري . فما أن تظهر نظرية تفسر ظواهر معينة ، حتى تظهر ظواهر جديدة تحتاج لنظرية جديدة لتفسيرها وهكذا تطورت النظريات والعلوم .
في علم الاجتماع على سبيل المثال كانت مساهمة عالم الاجتماع مورغان الذي درس المجتمعات البدائية للهنود الحمر بعد ان عاش وسطهم لمدة عشرين عاما ، استند انجلز على تلك الدراسة في مؤلفه : اصل الدولة والعائلة والملكية الخاصة (1884) ، والذي أشار فيه الى أن الدولة هى نتاج تطور المجتمع في لحظة معينة بعد تفكك المشاعة البدائية وظهور الملكية الخاصة ، أو بعد ظهور المجتمعات الزراعية الرعوية ، كما أشار فيه الى التقسيم الاجتماعي للعمل بين المرأة والرجل في المجتمعات البدائية حيث يذهب الرجال الى الصيد ويقوم النساء بالعمل المنزلى من نسيج واعاد الطعام وتربية الاطفال والتقاط الثمار وصيد الحيوانات الصغيرة غير المؤذية . واشار ايضا الى المساواة بين المرأة والرجل في المجتمعات المشاعية البدائية ، وبتفكك المجتمع البدائي وظهور المجتمعات الطبقية بعد اكتشاف الزراعة والرعي ظهرت عدم المساواة بين الرجال والنساء ، وكان ذلك اول هزيمة لجنس النساء في المجتمع البشري .ومنذ دراسة انجلز تلك تطورت الدراسات التى تناولت قضية تحرير المرأة بمدارسها المختلفة .
وبعد مورغان تطورت دراسات الثقافات للمجتمعات البدائية ، مع الاختلاف النابع من ظروف كل مجتمع ، ولكن السمة العامة تؤكد صحة المفهوم المادي للتاريخ والذي كان هاديا ومرشدا لدراسات كثيرة حول النوع ، ودراسة العلاقات المتبادلة والمتشابكة بين الاقتصاد والدين والسياسة وانظمة القرابة التى تتداخل فيها العلاقة بين البنية التحتية والفوقية للمجتمع . وقد تناول الماركسي ارنست ماندل في مؤلفه ( النظرية الاقتصادية الماركسية ) امثلة كثيرة من دراسات معاصرة في علوم الاثار والاجتماع والانثروبولوجيا وثقافات المجتمعات البدائية ، اكدت صحة المفهوم المادي للتاريخ الذي اتخذه ماركس كمرشد له في دراساته وابحاثه مثل رأس المال .
كثيرون من الفلاسفة المعاصرين اشادوا بالمفهوم المادي للتاريخ ، على سبيل المثال يورغن هابرماس الذي اشار في محاضرة له بعنوان ( من اجل اعادة بناء المفهوم المادي للتاريخ ) قدمها في اطار المؤتمر الذي نظمته جمعية هيغل العالمية في ستويغارت عام 1975 ، أشار هابرماس :
( ليس المفهوم المادي للتاريخ بالنسبة لى دلالة كشفية فحسب ، بل هو نظرية ، وبالتدقيق نظرية للتطور الاجتماعي ، يمتلك بفضل مكانته التأملية قيمة استدلالية بالنسبة للعمل السياسي ، ونستطيع الى حد ما أن تفضي الى نظرية واستراتيجية للثورة ) . ( هابرماس : بعد ماركس ، ترجمة محمد ميلاد ، دار الحوار للنشر والتوزيع 2002 م ، ص 65 ) .
أشار هابرماس الى استخدام ماركس المنهج المادي للتاريخ في مؤلفه ( الثامن عشر من برومير لويس بونابرت ) ، اما انجلز فقد اتخذه خيطا ناظما ومنهجا .
لا اعتقد أن هابرماس كان يقصد تجاوز الماركسية كما اشار د . هشام عمر النور في مقالات كتبها في صحيفة الصحافة عن هابرماس وضرورة انفتاح المفهوم المادي للتاريخ على التعدد ، ولكن هابرماس كان يقصد باعادة بناء المفهوم المادي للتاريخ تحريره من الجمود ، انتقد هابرماس الاحكام القطعية لستالين والذي حاول أن يقنن المفهوم المادي في احكام حاسمة بالنسبة للمستقبل في مؤلفه المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية ، 1938 م . وبالتالى كانت مساهمة هابرماس في اعادة بناء للفهم الخاطئ الذي كرّسه ستالين ( ص 65 ) ، كما انتقد هابرماس الاشتراكية البيروقراطية التى كانت قائمة يومئذ وضرورة استكمال توفير حاجات الانسان الاساسية بالحرية والكرامة والسعادة وتحقيق الذات ، ص 103 ، المرجع السابق . وهى أشارات ذكية وسليمة .
وعلى سبيل المثال في مؤلفه المشار اليه سابقا ، حاول ستالين أن يعمم اللوحة الخماسية والتى أشار اليها ماركس لنشأة وتطور الرأسمالية في أوربا ( تشكيلة بدائية ، رق ، اقطاع ، رأسمالية ،اشتراكية ) على كل التاريخ البشري ، في حين أن ماركس كان يعارض تحويلها الى نظرية فلسفية وتعميمها على كل بلدان العالم ، واشار الى ضرورة دراسة خصوصية كل مجتمع بذهن مفتوح وبطريقة مستقلة ، وفي هذا الاطار أشارماركس في مؤلفه ( مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ) الى نمط سادس خاص ببعض بلدان الشرق ( الصين ، مصر ، الهند ، .. الخ ) ، يتمايز عن الانماط المشار لها في لوحته الخماسية ، اطلق عليه نمط الانتاج الاسيوى ، وهو يتعلق بملكية الدولة للارض والرى مقابل خراج يدفعه الفلاحون للدولة . وقد حاول بعض الماركسيين تعميم نمط الانتاج الآسيوى على كل البلدان غير الاوربية وهذا ايضا غير صحيح ، والسليم هو الدراسة المستقلة لكل مجتمع بذهن مفتوح لمعرفة واقعه وخصوصيته .
الجانب الآخر الذي انتقده انجلس في كتاباته الأخيرة اعتبار الاقتصاد هو العامل الوحيد الحاسم في التغيير ، فالى جانب الاقتصاد هناك عوامل اخرى ، دينية ، قومية ، سياسية ، تقاليد كل بلد وشخصيات القادة فيها تسهم في التغيير ، فللاقتصاد دور حاسم ولكنه ليس الوحيد . اما الماركسي انطونيو غرامشي ، فقد طور ملاحظة انجلس ، وأشار الى أنه من الصعب تحديد اى العاملين الاقتصادي أو الثقافي هو الحاسم في التغيير ، وأن الثقافة ضرورية لبناء القاعدة الاجتماعية نفسها ، وان النظام الرأسمالي لايعيد انتاج نفسه بوسائل اقتصادية او بالقهر ، وانما يعيد انتاج نفسه بوسائل ثقافية ايضا ، وبالتالى من المهم التأثير الثقافي والاخلاقي للطبقة العاملة وأن يكون لها مثقفين عضويين مرتبطين بها ، كما انتقد المفهوم المبتذل للمادية الفلسفية التى تلغي دور الانسان والممارسة باسم الحتمية التاريخية وتلغي التفكير النقدي ، وأشار الى ان التاريخ ليس له معنى الا بارتباطه مع التاريخ الانساني ،وكما اشار ماركس ان الانسان ليس نتاج سلبي للبيئة ، بل يسهم في اعادة تشكيل البيئة نفسها .
النقطة الثانية التى ركز عليها انجلز في نقده لمريدى المفهوم المادي للتاريخ الذين اعتبروه بديلا لدراسة التاريخ ،وأشار الى أن المفهوم المادي للتاريخ ليس بديلا لدراسة تاريخ كل بلد على حدة بهدف معرفة واقعه وخصائصه بذهن مفتوح ، وليس حشره في المخطط المسبق للوحة الخماسية أو نمط الانتاج الآسيوى أو اى مخطط ايديولوجي مسبق .مثل هذا الفهم ضار بالمفهوم المادي للتاريخ .
النقطة الثالثة هى ضرورة الاشارة الى أن ماركس لم يضع نظرية مكتملة حول الدولة ، وقد طورت دراسات معاصرة نظرية الدولة لماركس مثل مساهمة غرامشي ، نيكوس بولانتزاس .... الخ ، والذين أشاروا الى توسيع وظائف الدولة الرأسمالية المعاصرة والتى تعيد انتاج نفسها بها ، والابتعاد عن الفهم الضيق بأن الدولة تعبر فقط عن مصالح الطبقة أو الطبقات الحاكمة ، وان الدولة تحظى بالقبول بوظائف اقتصادية وسياسية وايديولوجية وثقافية وتاريخية . وبالتالى من المهم توسيع زوايا النظر في وظائف الدولة ودراسة الاشكال المختلفة التى تعيد انتاج نفسها بها .
نقطة جوهرية أخرى أن الماركسية كانت في حوار وجدل مع التيارات المعاصرة لها ، وانها كانت تتخصب بهذا الحوار وتسقط ماعفى عليه الزمن في استنتاجاتها وتضيف الجديد في ضوء المتغيرات الجديدة ، فماركس وانجلز بعد اربعين عاما من صدور البيان الشيوعي (1848) كتبا في مقدمة له ان البيان شاخ في بعض جوانبه ، وأن البيان نفسه يوضح أن تطبيق المبادئ يتعلق دائما وفي كل مكان بالظروف والاوضاع التاريخية في وقت معين . وضرورة عمل تحليل جديد يستوعب المتغيرات الجديدة التى حدثت في الرأسمالية .
الجانب الآخر هو المتغيرات التى حدثت في تركيب الطبقة العاملة بفعل الثورة العلمية التقنية حتى اتسع مفهوم الطبقة العاملة نفسه وأصبح يضم العاملين اليدويين والذهنيين الذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي ، ودارت مناقشات واسعة في الستنيات من القرن الماضي ، على سبيل المثال استنتاجات ماركوز الذي اشار الى أن الطبقة العاملة فقدت ثوريتها وأن الطلاب اصبحوا البديل لها في قيادة التغيير ، في حين السليم هو اتساع قوى التغيير في المجتمع والذي اصبح يضم قوى الثقافة والعمل ، كما أشار غرامشي الى ضرورة الاهتمام بالعمل وسط المثقفين لما لهم من دور في التحويل الفكري والثقافي للمجتمع وكسب المواقع في الجبهة الفكرية والتاهيل التاريخي للطبقة العاملة ( والتى اتسع مفهومها ) لتلعب دورها في تغيير تركيب المجتمع .
كما كانت الماركسية حاضرة في حوارات المثقفين والفلاسفة الذين جاءوا بعد ماركس بمدارسهم المختلفة مثل مفكري مدرسة فرانكفورت ( ماركوز، اريك فروم ، هابرماس ، .. الخ ) ، والذين اشاروا الى ضرورة تحريرها من الجمود الستاليني وتخصيبها بمساهمات فرويد في علم النفس والفلسفة الوجودية ، والبنيوية.... الخ . وقد اجهضت فترة الجمود هذا الحوار لما له من دور في تخصيب الماركسية ، ورغم ذلك كانت هناك مساهمات من فلاسفة ماركسيين مثل لوكاتش الذي كانت له حوارات خصبة مع الفلسفة الوجودية في مؤلفه (وجودية أم ماركسية ) . كما حاور غرامشي الواقع الايطالي وأشار الى أن اهم سمات الواقع الايطالي هو وجود الكنيسة الكاثوليكية وثقل المسيحية الكبير فيها ، وخلص الى ضرورة دراسة الدين ، والاستفادة من نقد استغلال الدين لخدمة مصالح دنيوية زائلة كما كان يتم في عصور النهضة والاصلاح الاوربيين ، بحيث يستوعب بسطاء الناس ، وطالب الماركسية بتلبية حاجات الناس الروحية حتى تكون الماركسية قريبة من تكوينهم الثقافي والنفسي . ونشير هنا الى تقدير ماركس مع انجلز لموقف رجل الدين ( مانزر) في حرب الفلاحين وثنائه على دوره الخلاق الواعى كرجل دين ثورى مصلح ، وكذلك نشير الى دور لاهوت التحرير في امريكا اللاتينية في الانحياز للمستضعفين والفقراء ، وهذا هو روح الماركسية الرافض لاستغلال الدين لخدمة مصالح دنيوية ضيقة أو تبرير القهر باسم الدين .
كما تجاوزت الاحزاب الشيوعية في اوربا بعد الحرب العالمية الثانية مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا ، وطرحت استراتيجية الوصول للسلطة عن طريق البرلمان ، كما طورت مدرسة الشيوعية الاوربية في السبعينيات من القرن الماضي مفهوم التداول الديمقراطي للسلطة، وضرورة حكم القانون واحترام حقوق الانسان وتجاوز نظام الحزب الواحد الذي كان سائدا في الاتحاد السوفيتي .
وفي السودان منذ دورة اللجنة المركزية في اغسطس 1977 ، تم طرح التعددية الديمقراطية كأداة للوصول للسلطة أو الوصول للنظام الوطني الديمقراطي بطريق ديمقراطي جماهيري .
وهكذا كان للتراكم المعرفي الهائل الذي حدث اثره في تطوير المفهوم المادي للتاريخ وتعميقة وتوسيعه وفق المستجدات باعتباره هاديا ومرشدا لدراسة الواقع بهدف التأثير فيه وتغييره الى الافضل ، فالنظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني وتخصب النظرية ، وكما قال الشاعر الالماني جوته : النظرية رمادية وشجرة الحياة مخضرة دوما .
ثانيا : نظرية فائض القيمة :
الاكتشاف الثاني لماركس هو نظرية فائض القيمة الذي كشفت جوهر الاستغلال الرأسمالي ، أشار ماركس في مؤلفه رأس المال الى أن المجتمع الرأسمالي ليس بلورة صلبة ، بل كائن عضوي قادر على التحول وهو يتحول بصورة دائمة ، وهذا ما اكدته الاحداث في التحولات المختلفة التى مرت بها التشكيلة الرأسمالية ، وكانت ثمرة دراسة ماركس الميدانية للمجتمع الرأسمالي في انجلترا هو اكتشاف نظرية فائض القيمة الى شكلت حجر الزاوية لنظرية ماركس الاقتصادية ، ولقد فسرت نظرية فائض القيمة الاستغلال الرأسمالي في المجتمع يومئذ والتى تقوم على استحواذ الرأسماليين على العمل غير مدفوع الأجر .
وفي نهاية القرن التاسع عشر حدث تحول في المجتمع الرأسمالي من مرحلة المنافسة الحرة الى مرحلة الاحتكار أو الامبريالية والتى أشار اليها اقتصاديون مثل هوبسن وهليفردينك ، استند لينين الى الابحاث السابقة لنظرية الامبريالية وأشار في مؤلفه ( الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية ، 1916 ) الى سمات الامبريالية الخمس وهى صورة المجتمع اصبحت لاتحددها المنافسة الحرة ، رغم ظهور الاحتكارات مازالت علاقات الانتاج الرأسمالية هى السائدة ، ومازال قانون فائض القيمة سارى المفعول ، استئثار الاحتكارات بالربح الاحتكاري ، نهب شعوب المستعمرات اضافة للاستغلال الرأسمالي للعاملين ، تكوين الشركات المتعددة الجنسيات وتصدير رأس المال واقتسام العالم .
كما أشار ماركس استمرت التحولات في التشكيلة الرأسمالية بعد مؤلف لينين الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية مثل : الثورة العلمية التقنية ودورها في تطور القوى المنتجة وتدويل عملية الانتاج بفعل تصدير رأس المال ، تخصص البلدان المتخلفة في الانتاج التقليدي والملوث للبيئة ، أما مركز العالم الرأسمالي فيحتفظ لنفسه بالنشاطات الأكثر عصرية ( الانتاج الالي ، الالكترون ، غزو الفضاء ، الذرة .. الخ ) ، نشؤ الامبراطوريات المالية الدولية ( الرأسمال المالي الدولي ) التى تضمن اتحاد الرأسمال الصناعي الدولي المنتج ( المؤسسات الصناعية المتعددة الجنسيات مع قوة الرأسمال المصرفي الدولي ) ، المؤسسة المصرفية المتعددة الجنسيات ( البنك الدولي ، صندوق النقد الدولي ) ، واندماج مجالات التداول والانتاج في مركز موحد للقرارات ، اى تحت سيطرة رأس المال ، ثورة الاتصالات التى ساعدت في سرعة وتحليل المعلومات ( الاكترون ، الموبايل ، الانترنت ... الخ ) ، ظهور قوى عاملة مثقفة ( ذوى الياقات البيضاء والذهبية ) المنتجة للمعارف التى يتم الاستحواذ من قبل رأس المال ، وهذه القوى تتعرض للاستغلال الرأسمالي وتدخل ضمن نسيج قوى الثقافة والعمل التى تنتج فائض قيمة مباشر وغير مباشر ، اضافة للتحولات في الهيكل الانتاجي الى صناعات غزيرة التكنولوجية كثيفة رأس المال مثل : الالكترونات والحاسبات الآلية والطاقة الذرية والآلات الدقيقة المدارة ببرامج الحاسب الالى والصواريخ ومنتجات الكيمياء العضوية أو الهندسة الوراثية والمعدات الحربية بفروعها المختلفة ومعدات الفضاء ومنتجات الهندسة الكهربائية والطاقة .
كما تعمقت أزمة الرأسمالية المعاصرة مثل : البطالة ، الاشكال الجديدة لنهب بلدان العالم وأزمة الدين العالمي والتهميش وتعمق التناقض بين قوى الانتاج الضخمة التى اطلقتها الثورة العلمية وعلاقات تزايد التفاوت في توزيع الثروة .
استمرت التحولات في التشكيلة الرأسمالية الى أن دخلت فترة جديدة هى مرحلة العولمة ، والتى يصفها البعض بأنها مرحلة عليا في الامبريالية ، ويصفها البعض مثل : سمير أمين مرحلة شيخوخة الرأسمالية ، فما هى أهم سمات وخصائص هذه الفترة ؟
- اصبحت مراكز العالم الرأسمالي المهيمنة على الاقتصاد العالمي تتكون من : امريكا ، اليابان ، أوربا ، وادوات هذه المراكز هي : منظمة التجارة العالمية التى تقدم الحماية لاحتكارات المراكز . كما يمثل صندوق النقد الدولي السلطة النقدية ، والبنك الدولي السلطة التنفيذية لمجموعة الثمانية الكبار (G8) . وبلعب حلف الاطلسي الدور السياسي والعسكري ، اما امريكا فتمثل الرقيب العسكري على العالم .
- كما أن من أهم سمات الرأسمالية المعاصرة اعادة انتاج الفقر على سبيل المثال : 1,3 مليار شخص في العالم لايتعدى دخلهم دولار واحد في اليوم ولايحصلون على مياه صالحة للشرب ولا على الحدود الدنيا من العلاج . 850 مليون من الاميين ، 800 مليون يعانون من سوء التغذية . 210 مليون طفل في العالم يتم استغلال قوة عملهم . تدهور الوضع البيئي في العالم الناتج من من ازمة نمط الانتاج الرأسمالي الذي يهدف لتحقيق أقصى قدر من الارباح لرأس المال .
- كما أن من افرازات الرأسمالية المعاصرة ( العولمة ) : الديون على الدول الفقيرة ، التهديد بالاسلحة النووية ، الاحتلال المباشر للبلدان ( العراق بهدف النفط ... الخ ) ، بيع الاعضاء البشرية (اسبيرات بشرية) ، شبكات الدعارة الكبيرة للنساء والاطفال ، تجارة المخدرات ، غسيل الاموال ، انتشار وتفشى ظاهرة الفساد ... الخ .
- كما ان من سمات الرأسمالية المعاصرة سيطرة الشركات العابرة للقارات على ثلث الاصول الانتاجية في العالم على سبيل المثال : في الفترة 1982 – 1992 ، كان نصيب اكبر 200 شركة عالمية يصل الى 26,8 % من الناتج العالمي بايرادات تصل الى تريليون دولار ( تقرير الاونكتاد 1993 ) ، هناك 20 % من دول العالم تستحوذ على 85 % من الناتج العالمي وعلى 84 % من التجارة العالمية ويمتلك سكانها 85 % من مجموع المدخرات العالمية ( فخ العولمة : 1998 ، ص 11 ) .
- كما أن من نتائج العولمة تصفية مكتسبات العاملين والفئات الوسطى وزيادة البطالة وانخفاض الاجور وتدهور مستويات الخدمات الاجتماعية التى تقدمها الدولة واطلاق آليات السوق ، وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط والاقتصاد وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين . كما اصبحت الزراعة في مراكز العالم الرأسمالي والتى تعتمد على منجزات الثورة العلمية والهندسة الوراثية تقف حجرة عثرة في تطور القطاع الزراعي في البلدان النامية ، وبالتالى تعمل الزراعة الرأسمالية على استبعاد حوالى 3 مليار من المزارعين من الزراعة المعيشية ( التقليدية ) وتضيفهم الى جيش البطالة . كما اصبح الخيار العسكرى من قبل الولايات المتحدة يهدد جميع الشعوب .
من السرد اعلاه لمراحل تطور الرأسمالية التى وجهت لها الماركسية سهام نقدها ، نلاحظ التراكم الكمى لمثالب الرأسمالية والتى ظلت على طبيعتها منذ مؤلف مارمس رأس المال حتى وصلت لمرحلة العولمة الحالية والتى تؤكد ضرورة التغيير واحلال الاشتراكية محل الرأسمالية .
ومن الجانب الآخر ورغم نتائج العولمة السالبة التى أشرنا لها سابقا ، الا أننا نلمس تصاعد الحركات الجماهيرية والديمقراطية المطالبة بالغاء الديون الثقيلة على بلدان العالم الثالث وضد منظمة التجارة العالمية ، ومن اجل حماية البيئة ونزع اسلحة الدمار الشامل ، ومحاربة الامراض الفتاكة (الايدز) ، والدفاع عن حقوق الانسان والاقليات المضطهدة ، والدفاع عن حقوق المرأة والنضال من اجل تحسين أوضاع العاملين المعيشية والاجتماعية والثقافية ومن اجل عولمة بديلة تكرّس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحق الشعوب في سيادتها واستقلالها الوطني والتنمية المستقلة وحقها في السيطرة على مواردها الطبيعية ، وأن تلعب الدولة دورها في تقديم الخدمات الاساسية للمواطنين مثل : التعليم والصحة ومياه الشرب النقية .. الخ بدلا من خصخصة تلك الخدمات والتى كانت على حساب الكادحين .
هكذا يؤكد التراكم المعرفي الذي حدث أن الماركسية مازالت نابضة بالحياة ، وانها قامت على نقد وتجاوز مساوئ وشرورالرأسمالية والتى تجسدها مرحلة العولمة الحالية ، وأن هناك ضرورة للبديل الذي يقوم على مرتكزين هما الديمقراطية والعدالة الاجتماعية .
وبالتالى ، التجديد في الماركسية يجب أن يتناول اهم اكتشافين لها وهما : المفهوم المادي للتاريخ ونظرية فائض القيمة ، والتى شكلت الاساس لنقد الرأسمالية . وأن الماركسية تتجدد بالحوار مع التيارات الثقافية والفكرية المتنوعة ، وأن دراسة الماركسية في جوهرها هى دراسة الثقافة الانسانية والارتباط بالواقع بكل مكوناته الثقافية والروحية .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.