إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لا يافقهاء السلطان-بل يجوز الخروج علي الحاكم الظالم و لو كان مسلما
نشر في الراكوبة يوم 17 - 12 - 2016

ما حكم الأسلام في: الحاكم الذي أفقر شعبه ونهب خيراته, الحاكم الذي سرق أموال شعبه هو وعصابته واقترب رصيده من مئات المليارات من الدولارات, الحاكم الذي سمح لبطانته بأكل أموال الشعب بالباطل, الحاكم الذي في عهده إرتفعت سن الزواج و نسبة الطلاق نتيجة للضائقة المعيشية, الحاكم الذي يدوس على الدستور ويخالفه و الدستور هو عقد إجتماعي أو بيعة بالمفهوم القديم, الحاكم الذي يمتهن كرامة الشعب ويسحق المواطنين, الحاكم الذي سلم البلاد للفساد والمفسدين, الحاكم الذي ظلم الأمة وزاد الغمة ، وجعل الظلم منهجه في الأمة, الحاكم الذي نهى عن المعروف وأمر بالمنكر, الحاكم الذي أشاع القتل والقتال وسفك الدماء, الحاكم الذي تحالف مع أنظمة خارجية لها أجندة مختلفة عن أجندة الوطن, لحاكم الذي يبيع شعبه لصندوق النقد و البنك الدولي و القروض الربوية المضاعفة, الحاكم الذي يعتقل ويسجن كل شريف من المعارضين له ولا يتورع عن قتلهم في السجن بعد تعذيبهم عذابا لم يعذبه أحد من العالمين, الحاكم الذي سلط سيف الغلاء علي رقاب الضعفاء و المحتاجين و لم يهتم بأمرهم, الحاكم الذي لم يوفر لشعبه المشاريع التي توفر له العمل و العيش الكريم.
من خلال كل ذلك دعونا نسلط رأي الإسلام في تلك المسألة المهمة والحساسة .. حيث كثير من علماء السلطان الذين أصبحوا وجها آخر للحاكم يأكلون من خبزهم ويضربون بسيفهم .. يدجنون الأمة وينهونها على الخروج على الحكام الظلمة.
ويقول جلّ القائل في كتابه الكريم:
(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/44
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر . ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق . رواه ابن جريروالكفر المقصود هنا هو التغطية علي ما أنزل الله وقد ورد الكفر بهذا المعني في القرآن الكريم عند تسمية المزارعين بالكفار لانهم يبذرون البذور ثم يغطونها بالتراب.
(وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) المائدة /49
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) النساء/105
((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)) الحديد/25
الآيات كثيرة في هذا المجال و هي تدلل علي أن حركة الانسان في الدنيا هي عبادة لله الواحد الاحد و أيضا قسط في المعاملات بين بني البشر و بعضهم و بينهم و بين مكونات الدنيا.
لا توجد آية واحدة في القرىن تمنع الخروج علي الحاكم,فسنة الكون هي الحركة و التدافع و الحاكم هو جزء من هذا المكون و مغزي وجوده هو إحقاق الحق وسط شعبه و رضاه,أما السنة النبوية علي صاحبها أفضل الصلاة و أتم التسليم فقد دونت بعد وفاة المصطفي بأكثر من مائة سنة و شابها كثير من الخلط من نسيان ووضع خصوصا في العهد الاموي و العباسي مما يستلزم الخذر مع متون الاحاديث و عدم التسليم الكامل بأسانيدها.
الذين يَرون عدم الخروج على الأنظمة الحاكمة اليوم يستدلون خطأ ببعض الأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فمثلاً هناك حديث يقول: ( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية )
هذا الحديث يطرح أمامنا عدة أسئلة:
من هو الأمير المقصود في هذا الحديث؟
ما هي نوعية الكره؟
ما هي حدود الصبر؟
وأي جماعة تلك المقصودة في الحديث؟
أهي الجماعة الكبرى أم الصغرى؟
من البديهي أن الأمير الذي ذكره الحديث هو الأمير المسلم، فهذا هو المعنى الذي يتماشى مع طبيعة الشرع، فمن ثم يجب على المسلم أن يطيعه لأنه - أي الأمير - متقيّد بالشرع خاضع لأمره، لكن قد يرى المسلم منه ما يكره؛ أي بعض السلوكيات الخاطئة من قبل الأمير كحال الأمراء الأمويين والعباسيين... لكن ليس هذا مبرراً شرعياً للخروج عليه، ومن هنا فإن الصبر المَعنيّ بالحديث هو الوسيلة لمحاصرة هذا الكره الذي ذكرنا مواصفاته... الكره الذي لا تتجاوز حدوده الفرد إلى حدود الجماعة. وعلى ضوء هذا الفهم يتبين لنا خطأ الذين يُحاولون تطبيق هذا الحديث اليوم على الأنظمة التي تجثم فوق صدور المسلمين.
والذين يَرون عدم الخروج على الأنظمة الحاكمة اليوم يستدلّون بحديث لست مُطمئناً لصحته يقول: ( شرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قلنا: يا رسول الله أفلا نُنابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة).
وحتى لو كان الحديث صحيحاً فلا نفهمه بالصورة التي يُحاولون من خلالها عرضه... يقولون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أقامواالصلاة ) ويعتقدون أن المقصود هو أنه مادام الحاكم يُصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه، وهذا فهمٌ قاصرٌ وغير صحيح ولا يلتقي مع أقوال جمهور العلماء ؛ فالتتار كانوا يُقيمون الصلاة بل إن منهم من كان فقيهاً مُتعبداًومع ذلك جعل قِتالهم واجباً .
والمقصود بالمنابَذة - التي ورد ذكرها في الحديث - هو نقض البيعة التي أعطاها الناس لهؤلاء الحكام والخروج عليهم. يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وإمَّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء)أي أعلمهم بنقض العهد الذي بينك وبينهم, البيعة يمثلها في عصرنا الحديث العقد الاجتماعي أو أب القوانين: الدستور.
وفي الحديث إشارة واضحة إلى أن هناك بيعة أُعطيت لهؤلاء الأمراء كي يقوموابأمر المسلمين حسب كتاب الله وسنة رسوله، فالبيعة - ويجب أن تكون عن رضا واختيار لا عن إكراه وإجبار - هي الوسيلة الشرعية في الإسلام لتولي السلطةالسياسية، وما دامت هناك بيعة بين الحاكم والمحكوم فمعنى ذلك أن الحاكم يجب أن يُطاع؛ لأن البيعة إلزام للحاكم بالتقيّد بشرع الله وإلزام للمحكوم بطاعة هذا الحاكم في حدود هذا الشرع. ومن هنا فإن الأمراء الذين طلبا لصحابة منابذتهم والخروج عليهم كانوا يحكمون بما أنزل الله لكن سلوكهم الشخصي لا يُرضي المحكومين وأفعالهم تُبيح لعنهم من قِبل الناس، ومن ثَمَّ هم يلعنون الناس كما يلعنونهم.
وعلى ضوء هذا الفهم يتبيّن لنا أن المقصود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ما أقاموا الصلاة) ليس هو مجرّد إقامة الصلاة في حد ذاتها، وإنما لأن الواجب على الأمير المسلم أن يُقيم في الناس الصلاة ويخطب فيهم الجمعة،هذا العمل صورة من صور الممارسة الشرعية لمسؤولياته في الإسلام ومادام يقوم بهذا العمل... وهذا يعني أيضاً (تقيّده وإلتزامه بشرع الله)لأجل ذلك لا تجوز منابذته، وليس المقصود - كما يفهم البعض - أنه مادام الحاكم يُصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه وإن لم يكن يلتزم شرع الله، فهذا الفهم يُخالف مخالفة صريحة ما كان عليه الصحابة وأجمعواعليه وكذلك ما أجمع عليه الفقهاء.
وهل يُعقل أن يكون المقصود بالحديث هو الحاكم الذي يُقيم الصلاة فقط دون( بقيّة أحكام الشرع)؟! إن محاولة تطبيق هذا الحديث على حكّام اليوم اهي محاولة لدعم الباطل على حساب الإسلام، فحكّام اليوم وأنظمة هذا العالم العالم المترامي المسمّى مجازاً بالإسلامي لم يصلوا إلى الحكم بالطريق الشرعي(البيعة)، بل فرضوا أنفسهم على المسلمين بقوة الحديد والمال ودعم القوى المتربّصة بالإسلام ودُعاته الحقيقيين، ومن هنا ينقطع الطريق أمام دعاة الضلالة الذين يحاولون ترقيع الجاهلية بأحكام الإسلام وإلباس هذه الأنظمة ثوب الإمامة العادلة.
لقد استحلت هذه الأنظمة ما حرّم الله في كلّ قرار تصدره وكلّ خطوة تخطوها،فهي - كما نلاحظ - لا تقوم على بيعة وقد عطلّت حق الأمة في الشورى ومراقبةالحاكم وتسديده وترشيده وعزله، وأخذت تتوسع في إباحة المحظورات الشرعية بل تيسّر السبل والوسائل كي تنتشر هذه المحظورات وتسود الواقع بإجماع الأمة لا يُخالف في ذلك أحد وبالإضافة إلى ذلك استباحت دماءالمسلمين وأموالهم وأعراضهم.
إن حكّام اليوم كفروا بما أنزل الله وأعرضوا عنه مهما لبسوا من أزياءالإسلام، وهم يُوالون أعداء الله وينصرونهم على جماهير الإسلام والمسلمين،وينشرون الفساد في الأرض، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط والعدل بين الناس... والجماهير - لَهْفِي عليها - استسلمت لهذه الأوضاع المنحرفة ودانت لها حتى صبغت تصوراتها وسلوكها وأخلاقها بصبغة الناق و الخوف، فأصبحت تُوالي الحكام وتهتف لهم وتتقرب منهم وتنصرهم وتدعمهم على حساب الإسلام، وهي أولاً وآخراً لا تدري ماذا يُراد بها؟ وأصبحت لا تحمل من الإسلام سوى اسمه, فبشار الاسد مثلا و علي عبدالله صالح و القذافي و ابو بكر البغدادي كلهم مسلمون!!!!!!
الدليل العقلي
إن المتأمل في واقع هذه الأنظمة الحاكمة اليوم في أرض الإسلام تتكشف له حقيقة هامّة وهي: أن هذه الأنظمة لم تتسلّم زمام الأمور في بلاد المسلمين اعتباطاً، هذه الأنظمة هي امتداد طبيعي للاستعمار الغربي ، وإذا كانت ((الثورة)) - كمصطلح - هي العِلم الذي يُوضع في الممارسة والتطبيق من أجل تغيير المجتمع تغييراً جذرياً شاملاً - كالتغيير الذي أسسه وكرسه رسول الله صلى الله عليه وسلم - والانتقال بالمجتمع من مرحلة معيّنة إلى أخرى متقدمة على صعيد تحقيق العدالة الإجتماعية؛ إذا كانت ((الثورة)) - كمصطلح - تعني ذلك وهي كما نعلم تعنيه، فليست الثورة إذاًغريبة علينا كمسلمين... ولسنا كمسلمين - أيضاً - غرباء على الثورة. وإذاكانت الثورة تقف مع مجموع الأمة، وإذا كان مجموع الأمة يقف مع الثورة،فإنها لا شك ثورة حق؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم أكّد أن الأمة لاتجتمع على ضلالة.
وإذا كانت الثورة تنحاز انحيازاً تاماً لمصالح الأمة، ومطالبها،وللمستضعفين فيها، والجائعين المعذَّبين، فإنها لا شك ثورة حق، لأن الهدف الأساسي من رسالات السماء إلى الأرض كان وما زال: تحقيق العدل والقسط وتحطيم الظلم والظالمين، يقول جلّ القائل: (لقد أرسلنا رُسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)
ولم تكن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فراراً وهروباً، بل كانت فعلاً ايجابياً عن طريق الثورة على المجتمع الظالم والقرية الظالمة، والتحضيرلها والتحريض عليها. والذين لا يهجرون المجتمع الظالم لتغييره، والذين يأتلفون مع الظلمة هم ظالمون لأنفسهم... وهو أشد أنواع الظلم: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتُهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً}
ذلك أن كونهم مستضعفين في الأرض لا يُعفيهم من مسؤولية التغيير للظلم، لأن منطقهم الاستسلامي هذا يُعاكس إرادة الله سبحانه، تلك الإرادة التي صاغها القرآن الكريم في آية واحدة: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهمُ الوارثين)
فإرادة الله أن تكون القيادة والإمامة للمستضعفين في الأرض من أمة محمد صلى الله عليه وسلم،وأن تكون لهم وراثة ما في حوزة أوطانهم من ثروات وعلوم وإمكانيات. وأن الدعوة إلى الله وتوحيده ليست ولم تكن في أي يوم من أيامها منفصلة عن قضايا الأمة وأوضاعها وهمومها وتطلعاتها إلى العدل والكرامة والحرية والارتفاع... لقد كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يدعون أممهم إلى العقيدة (التوحيد) لكن ينبغي التأكيد هنا أنهم كانوا يربطون هذه الدعوة بالمسائل والقضايا التي تهم أممهم.
فدعوة شعيب عليه السلام ارتبطت بمشكلة اقتصادية:
(وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخيرٍ) [هود/84
ودعوة موسى عليه السلام ارتبطت بمشكلة سياسية:
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) القصص/4
ودعوة لوط عليه السلام ارتبطت بمشكلة اجتماعية:
(كذّبت قوم لوطٍ المرسلينَ * إذْ قال لهم أخُوهُم لوطٌ ألا تتَّقون * إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ * فَاتَّقواْ اللهَ وأطيعُونِ * ومَا أسألُكُمْ عليه مِنْ أجرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلاَّ على ربِّ العالمينَ * أتأتونَ الذُّكْرانَ من العالمينَ * وتَذَرونَ ما خلَق لكم ربُّكُم مِنْ أزواجكم بل أنتم قومٌ عادونَ * قالواْ لئن لم تَنْتَهِ يا لوطُ لتكوننَّ منَ المخْرَجِينَ) الشعراء/160-167.
نلاحظ أن دعوة شعيب كانت موجّهة ضد جشع التجار وضد أشكال الدناءة التجارية التي كانت شائعة فيهم ومازالت شائعة في كثير من المجتمعات العصريةالتجارية... نقص في المكيال والميزان. {ويلٌ للمطففين الذين إذا اكتالواعلى الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون}. كان هذا أمراً شائعاً في مدين - قوم شعيب - رغم أنهم - أي هذه الطبقة من التجار - كانوا دوماً في ازدهار {إني أراكم بخير} يعني بثروة وسعة في الرزق تُغنيكم عن الدناءة و بخس حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل، فدعوة شعيب - إذن - لم تكن دعوة مجردة إنما جاءت باسم الله لتُحارب واقعاً اقتصادياً يقوم على الاستغلال والدناءة والابتزاز.
ودعوة موسى كانت موجّهة ضد الطاغوت والتسلّط والعجرفة التاريخية التي كان يمثلها فرعون... وما أكثر فراعنة عصرنا هذا!! كان فرعون يستبيح كلّ الناس وكلّ الأرواح وكلّ النساء وكلّ الأطفال حتى قال يوماً: {أنا ربكمُ الأعلى} ويأتي إليه موسى - رسولاً من الله - ويقول له: أرسِل معنا بني اسرائيل لأنبني اسرائيل، كانوا ضحايا طغيان وجبروت فرعون... طلب منه موسى - باسم الله - أن يرفع يده عن بني اسرائيل ويخلي سبيلهم بأمرٍ من الله. الموقف فيه مُواجهة للطاغية وكل أشكال الطغيان السياسي.
ودعوة لوط كانت مرتبطة بواقع اجتماعي مُنحل سقط سقوطاً ذريعاً، جاء لوط باسم الله ليهاجمه ويُعلن المفاصلَة معه.
وهكذا يقف أنبياء الله ورسله صفّاً مُعارضاً للجشع التجاري والطُغيان السياسي والتحلُّل الاجتماعي، وهي كما نلاحظ أخطر قضايا عصرنا هذا... وبالأخص في العالم الإسلامي ( إن الله أرسل رُسُلَه وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقِسط)، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسْفَرَ صُبحه بأيِّ طريق كان؛ فثَمَّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طُرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد،ولكن نبّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقاً من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شِرْعَة وسبيل للدلالة عليها، وهل يُظن بالشريعة الكاملة خلاف ما ذكر و قد طغت آيات المعاملات في القرآن الكريم علي آيات العبادات بل إن أطول آية في القرآن هي آية الدين بفتح الدال ,الآية 282 من سورة البقرة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.