مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل الأيدلوجية هي سبب فشل الثورات العربية؟
نشر في الراكوبة يوم 09 - 02 - 2017

يعتقد البعض أن الأيدلوجية لم تكن أحد الأسباب الرئيسية وراء فشل الربيع العربي فحسب، بل كانت سببا أساسيا في عدم الاستقرار السياسي في معظم العالم العربي. إن الأيدلوجية التي تقصي الآخر تكون حبلى ببذور فنائها، وبالتالي تَفْشَل؛ بسبب قصورها وعجزها الذاتي، أو تُفَشّل (بضم التاء)؛ بسبب منافسة الآخر وشيطنته لها والمحصلة حالة من عدم الاستقرار السياسي.
يُعتبر مفهوم الأيدلوجية المفهوم الأكثر صعوبة ومراوغة في كافة العلوم الاجتماعية (جوست تي جيه، فدريكو سي ام، ونابي رجيه ال، 2009). وما فتئت الأيدلوجية تشكل موضوعا هاما للدراسة والبحث بين علماء الاجتماع وعلم النفس والعلوم السياسية ودراسات السلوك والإعلام (فان ديجيك، 2000) . فالأيدلوجية تعني "علم الأفكار" لدى الفيلسوف الفرنسي ديستوت دي تريسي الذي كان أول من عرفها في نهاية القرن الثامن عشر (ص 5). وهي وسيلة تنظيمية حميدة تضفي الشرعية على المقاومة ضد الهيمنة والاستعمار وعدم المساواة الاجتماعية والعنصرية لدى مفكرين آخرين. بينما هي وعي زائف ونوع خطير من الوهم والتعمية والخداع لدى الفيلسوف الألماني كارل ماركس ، وهي التضليل الممنهج لدى الرأسمالية التي اعتبرت الشيوعية أيدلوجية مضللة. غير أن معظم المفكرين أضفى على الأيدلوجية صبغة محايدة، واعتبرها طريقة تفسير المجموعة لقضية معينة قد تكون دينا أو سياسة أو اقتصاد؛ فنجد في الدين الواحد عدة أيدلوجيات بناء على فهم مختلف المجموعات للدين، فهناك الايدلوجية الوسطية، الايدلوجية المتطرفة..الخ (سلمان، 2005). وتظل الأيدلوجيات تتوالد وتتكاثر على مر الزمن ويمكننا أن نشهد دوما ولادة أيدلوجيات دينية أو سياسية أو اقتصادية جديدة. فالإنسان كائن اجتماعي والحاجة للانتماء تعتبر من الحاجات الأساسية للمجتمع كما أشار علماء الاجتماع (جاسم محمد، 2005). وإضافة إلى ما سبق، نجد أن لكل أيدلوجية مكوناتها وهيكلها وتفسيرها وظروف نشأتها الخاصة (مارتن جيه ال، 2015)
ولكن لماذا فشلت معظم الأيدلوجيات في عالمنا العربي من تحقيق الاستقرار المطلوب ولم تتمكن من ترجمة شعاراتها إلى أفعال؟ ولماذا سلك بعض الأيدلوجيين العرب الاتجاه المضاد تماما؟ فمن رفع شعار الوحدة العربية اتجه في طريق الطائفية وارتمى في أحضان القوى الخارجية، ومن رفع شعار الاشتراكية سعى في طريق الفساد، ومن رفع شعار الإنقاذ سلك طريق القتل والإبادة والتسويف وهلم جرا.
الإجابة على هذه الأسئلة محفوفة بالمخاطر، ذلك لأنه لا يمكن الحكم على أي أيدلوجية بصورة منصفة تماما دون دراسة الظروف والصراعات التي قادت إلى نشأتها والمنعطفات التي مرت بها والعوامل الخارجية والداخلية التي أثرت عليها، وهو ما يتطلب كثيرا من البحث والدراسة لآراء وأفكار الفلاسفة والمفكرين على مر التاريخ.
فالأيدلوجية لا تنشأ من فراغ، بل تنشأ من صراعات حقيقية تمس قضايا حياتية كالموت والحرية والغنى والفقر والاستقلال والنفوذ وإعادة توزيع الثروة والبيئة ونظام الحكم والعرق والاثنيات، على عكس القيم الفردية كالذكاء والجمال والصبر وما شابه (فان ديجيك، ص 15) . إنها رد فعل على مظالم حقيقية. فالقومية العربية كانت رد فعل على سطوة الدولة العثمانية وسيطرة الاستعمار. كما إن حركة الاصلاح الدينية في أوروبا بقيادة مارتن لوثر في القرن السادس عشر كانت نتيجة لتعنت الكنيسة التي كانت تبيع صكوك الغفران للناس بمبالغ مالية باهظة ينتفع بها القساوسة (هوكس، 2000). أيضا كانت الوهابية، والسنوسية، والمهدية حركات اصلاح ديني ذات طابع عربي معادية للعثمانية والتتريك والاستعمار (محمد عمارة). تستند الأيدلوجية على الوضع القائم، وخصوصا الأيدلوجيات الدينية التي ترتكز على الدين القائم وتستمد شرعيتها منه (حيدر، 2005).
إن الأيدلوجية السياسية هي وسيلة المجموعة لتأطير الأفكار السياسية. إنها خطة طريق لاستهداف ورفض الأفكار المضادة وسن قوانين جديدة ورفع الظلم والطغيان وتغيير المفاهيم القديمة، واستنهاض الهمم لإحداث التغيير المطلوب، خاصة وإن الفرد لا يستطيع القيام بذلك لوحده. وقد شبه بعض الكتاب الأيدلوجية بالبوصلة التي تستخدم لتحديد الاتجاه وسط السحب السياسية والاجتماعية والدينية المتلبدة. واعتبرت الأيدلوجية وسيلة لملأ الفراغ المعرفي من حيث التفسير والتقييم والتوجيه والفهم والتوقعات (فان ديجيك، 2000).
لكن ينبئنا التاريخ وبنظرة عابرة، إن الايدلوجية في عالمنا العربي لم تكن سوى لعبة صفرية. فقد رفعت جميعها شعارات رنانة تنم عن أهداف نبيلة ما لبثت أن تخلت عنها.
أين حزب البعث العراقي الذي وصل الحكم أثر انقلاب مسلح عام 1963 ورفع شعارات قوية وحقق إنجازات علمية واقتصادية عظيمة؟ أو لم يرتكب حزب البعث العربي الاشتراكي السوري فظائع يندى لها جبين البشرية؟ أوليس هو الحزب الأقدم في العالم العربي الذي رفع شعار "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"؟. أين الناصرية التي نادت بالحرية والاشتراكية والوحدة والتي قامت على أمجاد الزعيم جمال عبد الناصر الذي جاء إلى الحكم في مصر إثر ثورة 1952 بقيادة الضباط الأحرار؟ بل أين القومية العربية التي تدعو إلى الوحدة بغض النظر عن الأصول العرقية والخلفيات الحضارية؟. أين الأحزاب الشيوعية العربية التي ملأت العالم العربي صخبا وضجيجا؟ أم إنها ضلت السبيل في أعقاب الأحداث التي عصفت بدول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي؟ ماذا فعل الإخوان المسلمون وأحزاب الإسلام السياسي بعد أن تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم؟!.
لم يكن معتنقو الأيدلوجيات العربية على اختلاف مسمياتها، يسارية، علمانية، إسلامية، قومية، بعثية، لبرالية، عديمي الولاء أو الوطنية. لم تكن معظم شعاراتهم بعيدة المنال أو مستحيلة. لقد بذلوا الغالي والنفيس وضحوا بدمائهم ودماء أبنائهم في سبيل قضاياهم. كانت لأغلبهم إنجازات مفصلية في الفترات التي حكموا فيها. فقد أسهم حزب البعث في تكوين جيش من العلماء والمهندسين بفضل مجانية التعليم. كما شيد عبد الناصر السد العالي. وبالرغم من الفشل المريع للإسلاميين في بعض الدول، حقق إسلاميو المغرب وتونس بعض النجاحات بعد الربيع العربي. وإقليميا حقق إسلاميو تركيا نجاحا ملموسا، على الأقل خلال العقد الأول من حكمهم. لقد سعوا جميعا لإنشاء مدينة افلاطون الفاضلة.
أين يكمن الخلل إذن؟ هل يكمن في الأيدلوجية أيا كانت؟ أم في أيدلوجيات معينة؟ أم في قدرة الرواد على ترجمتها إلى برامج وخطط تخاطب قضايا وحاجات الأوطان بإجراءات عملية وليس شعارات؟ أم في الطبيعة البشرية لبعض قادة الأيدلوجيات العربية؟ أم إنها نظرية المؤامرة والدسائس العالمية. فقد أشار ادوارد سعيد (2002) إلى إن عملية الاستعمار مستمرة فعلا بعد نيل الاستقلال على شكل الاستعمار الحديث والتبعية وفخ الديون وصندوق النقد الدولي وشركات التكنولوجيا الأجنبية والشركات الضخمة والهيمنة الثقافية (ص 158). وأضاف بأن كل من وقف في وجه الإمبراطورية الأوروبية-الأمريكية أضحى حطاما اقتصاديا (ص 163).
يسأل السائل وهو محق، لماذا إذن لم يفعل العالم العربي ما بوسعه لتحصين جبهاته الداخلية أولا من أمراض السلطة؟ لقد نبه ابن خلدون قبل ما يربو على 700 عام ونيف في "مقدمته" الشهيرة من انحلال الدول (زين العابدين، 2003 ) تماما كما حدث ويحدث الآن للأيدلوجيات؟
يرى المفكرون أن العامل المشترك في جميع الأيدلوجيات العربية التي سادت ثم تفتت وبادت هو أنها سعت أولا للهيمنة، ثم التفرد بالسلطة إلى ما لا نهاية وإقصاء الآخر، حيث يلاحظ أن معظم هذه الأيدلوجيات لم تنته طوعا بالرغم من تفككها وتدهورها، بل انتهت نهايات دموية شابتها اعدامات ومجازر وحروب. ثم هناك الانقلابات العسكرية التي شكلت عرضا من أعراض الأيدلوجيات المختلفة لفرض الأفكار والقضاء على الأخر. ثم ما يلبث المنقلبون أن يفرضوا رؤاهم وأيدلوجيتهم الجديدة للقضاء على الأيدلوجية التي مكنتهم. إن الكتاب والمنظرين لأي أيدلوجية يكرسون فكرهم وطاقتهم لنفي الآخر والنيل منه (هوكينز، (1996.
غير أن الأمر لم يقتصر على العالم العربي. فعلى مستوى العالم شهدت الأيدلوجيات أيضا نهايات عنيفة وحركات تكتونية. وقد اعتبر انهيار الأنظمة الشيوعية على نطاق واسع نقضا ودحضا لأفكار كارل ماركس. انتهز مناصرو أيدلوجية السوق الحرة فرصة سقوط الماركسية بعد انهيار الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي 1989/1991 وأعلنوا انتصار الرأسمالية. في الواقع أعلن فرانسيس فوكوياما الذي كان يشغل منصب مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش "نهاية التاريخ" مضيفا بأن الرأسمالية اللبرالية هزمت الماركسية إلى غير رجعة (كالينكوس 2000). ثم لم تلبث الرأسمالية أن دخلت في كساد اقتصادي عظيم في بداية التسعينات (ص 5) و(وودس، 2013).
يعتبر السعي لبسط الهيمنة أحد دواعي تكوين الأيدلوجية. تسعى معظم الأيدلوجيات إلى الهيمنة الاجتماعية ثم السياسية في نهاية المطاف. إن الأيدلوجية توفر المبادئ أو العربة التي تجعل ممارسات إساءة استخدام السلطة مبررة وشرعية ومتغاضى عنها أو مقبولة بحسب الفيلسوف الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي الذي أضاف بأن الأيدلوجية تستمد قوتها أساسا من "الرضا" أي "القوة الناعمة" ولا تجند أفرادها قسرا. التحكم في الوعي هو بصورة أو أخرى ساحة للصراع السياسي بقدر ما هو وسيلة سيطرة على قوى الإنتاج (دادال، 2014). وبدون الفوز في المعركة الأيدلوجية لا يمكن السيطرة على وسائل الإنتاج أو أجهزة الدولة (ص 6). أضاف الناقد الفرنسي لويس ألتوسير بأن هناك نوعين من "الأجهزة" لبسط الهيمنة: "أجهزة الدولة القمعية" (الجيش، الشرطة، المحاكم، السجون الخ) و"أجهزة الدولة الأيدلوجية" (الأجهزة الدينية، والتعليمية، والأسرية، والقانونية، والسياسية، والنقابية، والإعلامية، والثقافية الخ). ليس ذلك فحسب، بل أن معظم من تجيشهم الأيدلوجية لا يدركون التفاصيل الأساسية والأجندة الخفية للأيدلوجيات وإنما يكتفون بالشعارات العامة (جوست جيه تي وآخرون 2009 ص 316) وهنا تأتي أهمية الشعارات البراقة!.
إن الديكتاتورية التي حكمت بها الأيدلوجيات في أغلب الأحوال، مع كل ما تمخض عنها من صراعات وانقسامات وحروب وثورات وإعدامات وسجون ونفي ومجافاة للواقع، كانت هي سبب انعزالها وبالتالي فشلها. غالبا ما تدخل الأيدلوجية الاقصائية في صراع على السلطة لا ينتهي إلا بانتهائها أو انتهاء القوة المتصارعة معها. فمن تقصيهم الأيدلوجية لا يقفون مكتوفي الأيدي، بل يتربصون ويترصدون ويتحينون الفرص لإشهار سيوفهم والمحصلة حالة من عدم الاستقرار المزمن. إن كل ايدلوجية تستنهض نقيضها. وبالتالي تجد هناك الأيدلوجيات المضادة، والأيدلوجيات المناهضة للأيدلوجيات المضادة والأيدلوجيات الثانوية والأيدلوجيات المنشقة عن الأيدلوجية الأم يربط بينها جميعا العداء المستحكم وكثيرا من الجدل الأحمق والسجال العقيم (هوكينز، (1996.
ولكن كيف أفشلت الأيدلوجيات العربية ثورات الربيع العربي، خاصة وإن هذه الثورات كانت تحركات عفوية لشباب غير متأدلج استفاد من تكنولوجيا الاتصال الحديثة وكان يتوق للتغيير وتعزيز حكم القانون والشراكة وتحقيق العدالة والمساواة الاجتماعية واحترام الحريات العامة والتخلص من الفساد والتدهور الاقتصادي والسير في طريق التنمية المستدامة؟. أضف إلى ذلك، أن الأيدلوجيات الليبرالية والإسلامية واليسارية إن جاز الوصف كانت قد شبعت موتا أو تكاد بسبب بطش السلطات الحاكمة.
أولا، لا تعتبر فترة الست سنوات من عمر الربيع العربي كافية للحكم على فشله أو نجاحه لأن الثورات تأخذ وقتا. فالثورة الفرنسية على سبيل المثال أخذت ردحا من الزمن قبل أن تستقر، وكذلك فعلت الثورة الأمريكية أواخر القرن الثامن عشر. لقد مرت هذه الثورات بمنعطفات كثيرة قبل أن تحقق أهدافها. غير أن ثورات الربيع العربي أخرجت الأيدلوجيات والأيدلوجيات المضادة من قماقمها بكل أمراضها من إقصاء وهيمنة ويأس وعقد استعلاء وانتهازية وانقلابات وجمود فكري. أيقظتها بكل الغبن التاريخي الذي تشعر به نتيجة التهميش والإحباطات والبطش. كانت الأيدلوجيات على اختلاف مسمياتها تتربص بنظم الحكم القديمة الفاسدة، التي ما أن انزاحت حتى تدافعت بالمناكب لملأ الفراغ. لقد دفع الفراغ السياسي أيدلوجيا الإسلام السياسي في مصر دفعا إلى الواجهة لأنه كان الأكثر عددا وتنظيما، فقط ليكتشف عجزه الفكري السياسي. كان الزمن قد توقف به عند محطات سابقة قبيل ثورة الاتصال. ليس ذلك فحسب بل ما أن برز الأخوان المسلمون حتى تشبثت بتلابيبهم قوى اليسار المناوئة والساعين إلى السلطة بمختلف مشاربهم آخذين بخناقهم لتتوالى لعبة إدمان الفشل. إن نفس السيناريو كان ليتكرر لو تولت إحدى المجموعات اليسارية الحكم.
والشاهد أن الأحزاب اليسارية العربية داخلة في صراع وجودي مع الأحزاب اليمينية والدينية المحافظة. غير إن ما يدعو للسخرية هو أن كثيرا ممن انساقوا لحبل المشنقة من التيارين في عالمنا العربي ربما لم يدر بخلدهم أن حقيقة التسمية "يسار يمين" جاءت نتيجة جلوس بعض أفراد البرلمان أيام الثورة الفرنسية على يسار القاعة، بينما كان البعض الآخر يجلس يمينها (جوست جيه تي وآخرون 2009). فقد جلس مؤيدو الوضع السائد على الجهة اليمين من قاعة البرلمان الفرنسي، بينما كان المعارضون يجلسون على الجانب اليسار من القاعة (ص 10). وبالتالي انطوى مفهوم "اليسار يمين" عالميا على الدعوة للتغيير مقابل مقاومة التغيير الاجتماعي، والرفض مقابل قبول الوضع الراهن. وتاريخيا استخدم كل جانب مفردات يصف بها الجانب الآخر من قبيل ربط اليمين بمصطلحات؛ المحافظين ودعاة الابقاء على النظام والفردية والرأسمالية والقومية والفاشية، كما تم ربط اليسار بمفردات من قبيل؛ التقدمية وتغيير النظام والمساواة والتضامن والمعارضة والراديكالية والاشتراكية والشيوعية وهلم جرا. من الواضح أن الإعلام والنخب الحاكمة والأحزاب والأكاديميين والنشطاء الحقوقيين وجدوا سهولة في استخدام هذا التقسيم في الخطاب السياسي وصنع القرار والأدبيات الأيدلوجية عامة (ص 5). وبالرغم من أن معظم الاحزاب اليمينية الأوروبية تبنت قيم المساواة الاجتماعية والديمقراطية، بل صار هناك من يتحدث عن "اليسار الديني" في أمريكا (سعيد 2000)، وأصبحت هذه المفردات متداخلة حاليا وليس هناك فاصل واضح بينها في أوروبا، لازمت حالة التحنيط الفكري والدوغمائية، الأيدلوجيات العربية ولم تفارقها. فهذه المفاهيم ما تزال جامدة في عالمنا العربي لتضاف إليها مفردات الطائفية والمذهبية بمختلف مسمياتها.
يرى المفكرون أن الجمود العقائدي أو الدوغمائية صفة ملازمة للأيديولوجيات ومعتنقيها على عكس الفكر. "إن ما يجعل الفكر متجدد والأيدلوجية جامدة هو أن الفكر باحث عن الحقيقة بالنقد والتحليل، قابل للتجديد عند التوصل إلى حقائق تتلاءم مع الواقع أو تنفي نفسها يتم التثبت منها بالعلم. وبخلاف الأيدلوجية حيث نجد بالإيمان المطلق بافتراض صحتها، يُستخدم الفكر بكامل الحياد وبدون أي تعصب". (فقيري، 2010). وكمثال على ذلك "فإن الماركسية كفكر ما تزال تدرس وتناقش وتنتقد بينما هي كأيدلوجية سقطت في معظم الدوائر".
أشار علماء النفس إلى أن من أصعب الأشياء على المرء تغيير معتقداته الراسخة. إن معلومات الشرف والدين والعقيدة تسكن في قطاعات معينة من العقل البشري غير مرنة، وهذه القطاعات تدخلها أيضا الايدلوجية (فان ديجيك،2000، ص 15). أجرى عالم النفس ليون فيستنيجر (1919-1989) تجربة شهيرة عام 1954. فقد قرأ في الصحف عن طائفة تدعي تلقيها رسائل من مخلوقات فضائية تنذر بنهاية العالم في يوم 21 ديسمبر، وإنه لن ينجو أحد غير المؤمنين المخلصين. تمكن فيستنيجر وزملائه من التواصل مع أفراد الطائفة قبل يوم القيامة الموعود. وعندما لم تتحقق النبوءة كما كان متوقعا، قابلوهم مرة أخرى. وصف فيستنيجر وزملائه رد فعل طائفة "اوك بارك" الشهيرة في كتاب بعنوان "عندما لا تتحقق النبوءة". فبدلا من أن تتخلي الطائفة عن أفكارها، حدث العكس. جاءت المجموعة بأفكار جديدة تؤكد فيها تأجيل يوم القيامة بفضل اخلاص المجموعة وتضرعها إلى الله. والأدهى من ذلك أن ايمان المجموعة زاد قوة وحماسة ورسوخا. كان فيستنيجر قد توقع هذه النتيجة، وبالتالي صاغ نظريته الشهيرة "إذا تعرضت المعتقدات القوية التي يؤمن بها المرء للاهتزاز بأدلة تثبت العكس، فإن الشخص يجد نفسه في حالة من التنافر المعرفي. فإذا تقبل التناقض، يعيش في مزيد من التنافر والنكران بين معتقداته الراسخة القديمة والمعتقدات الجديدة، وبالتالي وللوصول إلى السكينة والرضا، فإن الحل الوحيد هو محاولة جعل الأدلة الجديدة تتفق مع المعتقدات القديمة" (ص 166)، وهو ما فعلته الطائفة. أضاف فيستنيجر "لكم أن تتخيلوا صعوبة التخلي عن المفاهيم والمعتقدات القديمة عندما ترتبط بالثروة والمكانة الاجتماعية والهيبة والوظيفة المرموقة". إن التخلي عن الايدلوجية نادرا ما يكون طوعا. إن الأيدلوجية تشكل سجنا لأتباعها الذين يغلقون أنفسهم داخل جدران فكرها فيصبحون أسرى خطابهم الأيدلوجي. فالأيدلوجية لا تتيح لأفرادها فرصة الخروج الآمن عندما تسوء الأمور. ولهذا تكون النهايات عنيفة في أغلب الأحوال.
استنتج عالم النفس كيركجارد (1813-1855) وألدر (1870-1937) أيضا أن المهمشين والمنبوذين اجتماعيا غالبا ما يرمون أنفسهم في أحضان المجموعات "الفكرية" هربا من الاختلالات الاجتماعية، وكذلك يفعل الناجحون والأثرياء والطموحون لكن بدوافع مختلفة وهي تحقيق مزيد من الأهداف والنجاحات لإشباع عقدة الاستعلاء. وفي كلتا الحالتين يتخلى الشخص عن ذاته الحقيقية ويتقمص شخصية أخرى تحقق له ما يصبو إليه (ص 26)، مما قد يشير إلى أن المصلحة الشخصية البحتة هي التي تدفع البعض لاعتناق الأيدلوجية والاستماتة في الدفاع عنها. غير أن التهديد الوجودي والضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخطيرة التي تحيق بمجتمع ما، هي ما قد يدفع أفراده للتطرف الايدلوجي. فقد وجد جوست تي جيه، وآخرون (2009) أن الهجمات الارهابية في الولايات المتحدة زادت النزعة اليمينية المتطرفة.
"تزخر المجتمعات العربية بتنوع عرقي واثني فريد. فالعالم العربي هو مهبط الأديان وملتقى طرق وحضارات. إنه يقع عند ملتقى طرق أوروبا وآسيا وأفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي. هذا الموقع الجغراستراتيجي والجغراسياسي الهام جعل المنطقة، وستظل دائما حساسة دينيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا للعالم" (اكواستا، أ وآخرون، 2010). إن المنطقة غنية أيضا بثرواتها ومواردها الطبيعية. كل هذا كان ينبغي أن يشكل مصدر قوة ومخزونا فكريا وثقافيا ينهل منه العالم أجمع. لكن وبسبب الأيدلوجيات الجامدة والصراعات المتتالية، أصبح كل هذا المخزون والتراث مصدر تفتيت ووهن وعجز تام.
لقد بدأت بعض الدوائر على مستوى العالم تنادي بنبذ الأيدلوجية. فقبل نحو 40 عاما برز كتاب في أوروبا يروجون لعالم بلا أيدلوجية. وكانت الأطروحة العامة لهؤلاء "إنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، فقد اليمين واليسار مصداقيتها على حد سواء، وحدث نوع من الإرهاق والاستنزاف للأفكار السياسية في الغرب وأن الفروقات الأيدلوجية بين الجانبين خالية من أي مغزى جوهري اجتماعي ونفسي بالنسبة لمعظم الناس"، وخاصة في الولايات المتحدة (لين، 1962 ص 5) كما جاء في كتاب (جوست جيه تي 2000). غير أن مفكرين آخرين أصروا على أن ادّعاء "نهاية الأيدلوجية" ما هو في الواقع سوى عمل أيديولوجي في حد ذاته، الهدف منه بسط مزيد من الهيمنة وتمرير أجندة خاصة، باعتبارها حقائق مطلقة (نيكولاكاكوس، 1979، ص 4)، (الهاشمي).
بالنسبة للجيل الحالي على الأقل، قد يستشعر المرء أن مأتم العروبة القائم حاليا لن ينفض قريبا في أحسن الأحوال، ويخشى كثير من المتشائمين المزيد من التقسيم والتفتيت في أسوأ الأحوال. يتساءل كثيرون، هل ثمة مخرج ما من هذه النهاية المحزنة لدور العرب في التاريخ؟
ثمة حاجة لتجنيب الأجيال القادمة مآلات هذا الفشل الأيدلوجي المريع والمزيد من العنف. فالعنف هو أحد مفرزات الجمود الفكري والعقائدي والسياسي. هناك كثير من التجارب الحياتية والدراسات التي تشير إلى أن الأطفال يكتسبون العنف من خلال مشاهدة ومحاكاة الكبار. أجرى عالم النفس البرت بادورا الذي كان يشغل منصب رئيس الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين (1974) دراسة عن السلوك العنيف لدى الأطفال وخرج بنظرية "التنشئة الاجتماعية". استعان "بادورا" بأطفال روضة تتراوح أعمارهم بين 3-6 سنوات وقسمهم إلى ثلاث مجموعات، تضم كل مجموعة 12 صبيا و12 فتاة. عرض أمام المجموعة الأولى مشاهد تعامل الكبار مع لعبة "دبدوب" بالركل والضرب، بينما جعل المجموعة الثانية تشاهد تعاملا عاديا مع "الدبدوب" ولم تشاهد المجموعة الثالثة شيئا. أُدخل كل طفل منهم إلى غرفة مكتظة بالألعاب من بينها "الدبدوب". وجدت الدراسة أن أطفال المجموعة التجريبية تعاملوا بعنف شديد مع "الدبدوب" عندما وجدوه وسط الألعاب، حيث ابرحوه ضربا وركلا تماما كما فعل الكبار، بل إنهم ابتكروا وسائل أكثر عنفا فاقت في أحيان أخرى عنف الكبار. لم يتصرف الأطفال في المجموعتين الأخريين على هذا النحو. وبالتالي ليس مستغربا أن تثير هذه الدراسة أسئلة كثيرة حول دور الإعلام في غرس العنف لدى الأطفال.
كم بقى من معارك لتخاض باسم الأيدلوجية؟ ألم يحن الوقت للتفرغ للتنمية وتطوير النظم السياسية النابعة من الموروثات الثقافية واللحاق بقطار العولمة؟ ثمة حاجة للاعتراف بالهزيمة والأخطاء ثم القيام بإجراءات إسعافية سريعة، وإلا فإن كرة الايدلوجية الصماء ستظل تتدحرج بالأوطان إلى مهاوي الجهل والعصبية والمذهبية والطائفية والعرقية والتخلف والتفتيت والتبعية!.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.