قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ت. إس. إليوت ورباعيات الخيام:
نشر في الراكوبة يوم 14 - 02 - 2017

قراءة في مقال الأستاذ عبد المنعم عجب الفيا: (أصداء رباعيات الخيام في شعر إليوت)..
الخيام هو، الشاعر الفارسي، وعالم الرياضيات والفلك، غياث الدين ابو الفتح عمر. ولد بنيسابور عاصمة إقليم خراسان في عهد الدولة السلجوقية. وقد اختلف المؤرخون في سنة ميلاده ولكن الراجح بينهم أنه ولد في السنوات الأولى من النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي أي ما بين 1051 و1054م. اشتهر في زمانه بعلمه في الفلك والهندسة الفلسفة وله نظريات في الجبر واجتهادات في التقويم الفارسي. ومن مؤلفاته كتاب: "الجبر والمقابلة " و "شرح ما أشكل من كتاب اقليدس ومختصر في الطبيعيات". وتميز عصره بالاضطرابات الفكرية والصراعات السياسية وتعدد المذاهب والثورات. توفي في نيسابور حوالي سنة 1132 م. ولم تدون الرباعيات في حياته مما جعل المؤرخين يشككون في نسبة كثير من الرباعيات إليه وحتى الآن لم يعرف العدد الحقيقي رغم اكتشاف عدد من المخطوطات التي تنسب إلى الخيام.
يقول الأستاذ عجب الفيا في مقال رصين وممتع بعنوان (أصداء رباعيات الخيام في شعر إليوت) إلى أنه خلص إلى أن الرباعيات تدور حول موضوع واحد أساسي: هو الخوف من الفناء. فحياة الإنسان في هذه الدنيا كما يراها الخيام، قصيرة، والعمر أيامه تمضي سراعا وتذوي كما الأزهار. لذا الأفضل العيش في اللحظة الحاضرة ونسيان ما مضى وما سياتي:
" ما الكون دار إقامة فاخو النهى أولى به أن يدمن الصهباء :
أطفي بماء الكرم نيران الأسى فلسوف تذهب في الهواء هباء "
فهو يشرب لأجل، نسيان الأسئلة التي تدور في ذهنه بإلحاح عن الموت والبعث وسر الوجود أي أنه لا يشرب الخمر ذريعة الفسق والفجور. يقول في ذلك بترجمة الصافي النجفي نقلا عن الفارسية :
" لم أشرب لأجل الطرب أو ترك ديني واطراح الادب،
رمت الحياة دون عقل لحظة فهمت بالسكر لهذا السبب. "
وبالرغم مما قيل عن عقيدة الخيام إلا أنه يصعب جدا تصنيف الخيام عقائديا وفكريا. فهو تارة جبري دهري، يؤمن بوحدة الوجود، وتارة، لا أدري، وتارات أخرى مؤمن يتأرجح بين الشك واليقين. في احدى الرباعيات يسال الله المغفرة والتوبة قائلا في ترجمة أحمد الصافي النجفي :
" يا عالما بجميع أسرار الورى ، ونصيرهم في العجز والكربات،
كن قابلا عذري إليك ، وتوبتي يا قابل الأعذار والتوبات " .
و يرى فيتزجيرالد (مترجم الرباعيات من الفارسية للإنجليزية) ان فلسفة الخيام قريبة من فلسفة ابيقور الطبيعية (الدهرية). لكن فيتزجيرالد يرى أن فلسفة الخيام أكثر بساطة ولم تتجاوز الاسئلة التقليدية عن سر الوجود ومصير الإنسان إلى بناء نظام فلسفي متكامل مثل ابيقور.
وهذا صحيح فالخيام شاعر أكثر منه فيلسوفا. وهو، يشبه المعري في تشاؤمه وشكه ونظرته إلى الحياة. الفرق ان المعري اتبع حياة متقشفة صارمة بعيدة كل البعد عن أجواء الخمر والحب. وقد أشار اكثر من باحث إلى تردد بعض افكار المعري في شعر الخيام، ولكني وجدت(القول لعجب الفيا) أن أكثر معاني المعري دورانا في رباعيات الخيام هو، الاعتقاد أن تراب الارض ما هو إلا رفات للآدميين تراكم عبر الاجيال وذلك كناية عن ان التراب هو مصير الإنسان :
سر ان استطعت في الهواء رويدا *** لا اختيالا على رفات العباد
خفف الوطء ما أظن أديم *** الارض الا من هذه الاجساد
هذا المعني من اكثر المعاني دورانا في رباعيات الخيام،
يقول: " اجل عن وجهك الغبار برفق فهو خد لكاعب حسناء".
ويقول: " الام يسوم الخزاف الطين دقا ولكما، يخال الطين غير ثرى الجسوم "
ويقول: " والزم الدن والكئوس مداما قبل ان يصنعوا من رفاتك دنا "
إلى غير ذلك من المعاني المبثوثة في الرباعيات.
كان الشاعر الانجليزي ، ادوارد فيتزجيرالد (Edward Fitzgerald)(1809 – 1883 ) قد ترجم رباعيات الخيام من الفارسية إلى اللغة الانجليزية ونشرها لأول مرة سنة 1859. والجدير بالذكر حتى ذلك الوقت لم يكن شعر الخيام قد نقل إلى اللغة العربية.
وقد حظيت ترجمة ادوارد فيتزجيرالد، لرباعيات الخيام، من الفارسية إلى الانجليزية بين القراء الانجليز بشعبية منقطعة النظير، لم تبلغها حتى اعمال شكسبير، وتغلغلت عميقا في وجدان حملة الثقافة الانجلوسكسونية وجرى بعض منها على الالسن، مجرى الامثال والحكم. وعن ذلك جاء في مقدمة طبعة دار بنجوين، لرباعيات الخيام:
" .. وتعد ترجمة فيتزجيرالد لعمر الخيام أشهر الترجمات الادبية إلى الانجليزية طرا. ولم تضاهيها في ذلك حتي اشهر الترجمات شعبية مثل ترجمة هومير لشابمان او ترجمة" اوفيد " لقولدنج . فقد تغلغلت في النسيج العام للغة الانجليزية وصارت تشكل جزء لا يتجزأ من رصيد العبارات والاقوال الانجليزية المأثورة التي تجري مجرى الامثال، حتى ان طبعة معجم اكسفورد لسنة 1953 قد ضمت تسع وخمسين رباعية كاملة من جملة 188 اقتباسا مأثورا، اي ان الرباعيات بلغت نسبة الثلثين من جملة الامثال التي ضمها هذا السفر، وهي نسبة تفوق ما ورد عن الكتاب المقدس وشكسبير "..
وتذهب المقدمة إلى ان الشاعر الانجليزي الكبير، جون كيتس، قال إنه يفضل ان يحمل معه في سفينة، ترجمة الرباعيات، من ان يحمل هومر بترجمة شابمان . وربما يرجع نجاح هذه الترجمة إلى فيتزجيرالد نفسه، فيبدو ان تعلقه برباعيات الخيام وتغلغلها في وجدانه جعله يسكب روحه في الترجمة حتي اخرجها بهذه الصورة التي جعلت القارئ الانجليزي يحس وكأنها مكتوبة في الاصل باللغة الانجليزية.
أضف إلى ذلك ان فيتزجيرالد ربما وجد في الخيام توأم روحه، حتي انه كتب ذات مرة إلى صديقه واستاذه ادوارد كاول، الذي علمه الفارسية بأكسفورد وعرفه بالرباعيات " في الحقيقة لدي اعتقاد ان الخيام يخصني اكثر منك، فانا وهو صنوان، انت يمكنك ان تتذوق كل ما له من جمال، ولكن في بعض النواحي، لن تبلغ ما احسه انا منه، اليس كذلك ؟! " .
ولهذا السبب يرى بعض النقاد ومختصو الأدب الفارسي انه اتبع اسلوبا حرا في الترجمة ابعدته احيانا كثيرة عن الاصل. ويقر فيتزجيرالد بذلك في رسالة الي استاذه كويل ويقول: " .. فقد غيرت في الرباعيات ومزجت بعضها ببعض، وأخشى انه ربما ضاع شيء من بساطة المعنى وسهولة الالفاظ التي تعد من أهم مزايا عمر الخيام. " .
لقد انصب اهتمام فيتزجيرالد على الصياغة وقوة الاداء الشعري وأشكال التعابير الانجليزية الاكثر جزالة، حتى انه اعاد تنقيح الترجمة خمس مرات في طبعات مختلفة. ولكن لم يتعد عدد الرباعيات التي نقلها إلى الانجليزية، المئة رباعية ورباعية.
يقول عجب الفيا " قمت بمقارنة بين ترجمة فيتزجيرالد وبين النص العربي للرباعيات الذي نقله عن الفارسية احمد الصافي النجفي، فوجدت انه ليس من الصعب التعرف على النص العربي في النص الانجليزي. لكن لاحظت في ترجمته، ورود بعض الرباعيات التي لا وجود لها في الترجمات العربية التي أطلعت عليها سيما ترجمة أحمد الصافي النجفي التي تعد من أكثر الترجمات العربية دقة وعددا. "
في حوار أجري مع إليوت، بمجلة ذي باريس ريفيو سنة 1959 ونشر نصه العربي بالعدد الاول من مجلة "حوار "، سئل اليوت، عن الظروف التي دفعته لنظم الشعر أول مرة ، فأجاب : " بدأت نظم الشعر، وانا كما أظن، في الرابعة عشر من عمري، بتأثير فتزجيرالد في رباعيات الخيام . فكتبت بذات الاسلوب عددا من الرباعيات المفعمة بروح التشاؤم والالحاد واليأس ولكن لحسن الحظ أتلفتها جميعا، ولم يبق منها واحدة، ولم أرها لمخلوق " .
ويواصل عجب الفيا: " ربما أثارت إشارة اليوت هنا إلى أثر اسلامي وشرقي قديم في حجم عمر الخيام استغراب القارئ العربي وربما انطوت هذه الاشارة، على مفارقة كبرى ذات مغزي عميق . فكيف لاليوت الذي ألهم شعراء قصيدة الحداثة العربية الثورة على القصيدة العربية التقليدية، تلك الثورة التي احدثت هذا التحول الشامل وهذا الانقلاب الكامل في نظام القصيدة العربية شكلا ومضمونا وتذوقا، كيف له أن يبدأ تجربته الشعرية متأثرا بالخيام الذي يرجع تاريخ حياته إلى ألف سنة او يزيد ؟.
ولكن ليست هذه المرة الاولى التي يصرح فيها إليوت بتأثير رباعيات الخيام على نشأته الشعرية فقد بلغت عدد المرات التي المح فيها إلى رباعيات الخيام نحو ست مرات في مناسبات مختلفة. وكان أهم تصريح في شان الدور الحاسم الذي لعبته رباعيات الخيام في توجيه تاريخه الشعري قد أدلى به في سياق حديث له عن تطور الذوق الشعري وهو قوله :
" اذكر ان رغبتي في الشعر الذي يحبه الصغار عادة، قد تلاشت ببلوغي سن الثانية عشر، فظللت لبضعة سنوات بلا رغبة في قراءة الشعر إلى ان التقطت بالصدفة ذات يوم وأنا في الرابعة عشر نسخة من رباعيات فيتزجيرالد المترجمة عن عمر الخيام، كانت ملقاة جانبا. فكانت المفاجأة ان غمرتي هذه القصيدة بدفق مباغت من الاحاسيس، بدا فيه العالم امامي، زاهيا، متألقا، تظلله ألوان براقة ممزوجة باللذة والألم. تحت تأثير هذه المشاعر الجديدة أقبلت على التهام شعر بايرون وشيلي وكيتس وروسيتي وسونبيرن . "
وهكذا كانت رباعيات الخيام الشرارة التي أضرمت نار الشعر في وجدان أعظم شعراء العالم تأثيرا في القرن العشرين، وفتحت امامه آفاقا جديدة قادته للتعرف في وقت مبكر على رموز الشعر الانجليزي في ذلك الوقت. "
أما قصيدته الطويلة " الارض الخراب"( The waste Land) التي نشرت سنة 1922 يلتقى فيها تشاؤم الخيام بإحباط اليوت بسبب الخراب الذي خلفته الحرب. فالقصيدة تعبير عن الخيبة التي اعترت انسان الحضارة الغربية في العلم والتقدم المادي عشية الحرب العالمية الاولى. وكغيرها من اشعار اليوت تضمنت كثيرا من المعاني والصور والاخيلة الواردة في رباعيات الخيام، بل ان مطلع الارض الخراب هو محاكاة لإحدى رباعيات الخيام. الا ان اليوت، لا يشير إلى فيتزجيرالد او عمر الخيام في الهوامش التي ذيل بها القصيدة وابان فيها بعض المصادر التي استقي منها بعض افكار ومعاني القصيدة .
يقول الخيام في احدى الرباعيات نقلاً عن ترجمة فيتزجيرالد :
ها هي السنة الجديدة تثير الرغبات القديمة
والروح المفكرة تلوذ إلى وحدتها
حين يد موسي تغطي الاغصان بالبياض
ونسمة عيسي تحي الأرض الميتة
والسنة الجديدة ، كما يقول فيتزجيرالد في هوامش ترجمة الرباعية، في اضاءة للمعني، هي: " السنة الفارسية الجديدة، تبدأ مع مقدم الربيع، وبياض يد موسى يبدو انه كان كبياض زهور مايو في الربيع عندنا، وبعث عيسى للموتى بنسمة من نفسه، رمز لإحياء الارض في الربيع" . وربما كانت هذه الرباعية هي الاكثر رسوخا في مخيلة اليوت عندما قرأ الرباعيات في صباه الباكر. فألحت عليه حين هم بكتابة قصيدة " الارض الخراب" فجاءت صياغة افتتاحية الارض الخراب ترديدا لأنغام وصور هذه الرباعية حيث يقول :
إبريل أشد الشهور قسوة
فهو يخرج زهور الليلاك من الارض الميتة
يمزج الذكرى بالرغبة
يثير الجذور الخاملة بأمطار الربيع
الشتاء أدفأنا، مغطياً الارض بثلج النسيان
تعبير " السنة الجديدة" عند الخيام يقابل "ابريل" عند اليوت لجامع الربيع في كليهما. والرغبات القديمة هي نفسها: " يمزج الذكرى بالرغبة " عند اليوت. اما يد موسى البيضاء، ونسمة عيسى، التي تحي الاموات، فقد أجملها اليوت في قوله: " يخرج زهور الليلاك من الارض الميتة " والبياض اللون الغالب على زهور الليلاك. اما قول اليوت : " الشتاء ادفانا مغطيا الارض بثلج النسيان " ففيه اصداء من قول الخيام حسب ترجمة فيتزجيرالد: " وفي نار رغبات الربيع اخلع عنك رداء توبة الشتاء."
وكل ذلك مرتبط ارتباطا معنويا مع " الرغبات القديمة التي يثيرها الربيع " عند الخيام، ومع شهر ابريل الذي " يمزج الذكرى بالرغبة " عند اليوت .ولعل ذلك يتجلى اكثر في النص الانجليزي خاصة في قول اليوت: (April is the cruelest month, mixing memory and desire,)
مجموعة القصائد المسماة (الرباعيات الأربع ) هي آخر و أهم ما كتب اليوت من شعر وقد نشرها وهو في سن الخامسة والخمسين تقريبا حيث صدرت طبعتها الاولى 1943. وهي من حيث الشكل، ليست رباعيات بالمعني الخيامي، وانما أربع قصائد طويلة، الا ان اصرار اليوت على تسميتها رباعيات يكشف عن مدي تغلغل رباعيات الخيام في وجدانه وذاكرته الجمالية والفلسفية. و يذهب الفيا إلى القول :
" الثابت ان الاهتمام في العالم العربي لم ينصب على ترجمة الرباعيات إلى العربية الا بعد انتشار الترجمة الانجليزية وقد نقلت أولى الترجمات العربية للرباعيات عن ترجمة فتزجيرالد. وقد اختلف الباحثون حول أول من نقلها إلى العربية، ولكن من أشهر التراجم الأول، ترجمة الفلسطيني وديع البستاني التي ظهرت في عشرينات القرن العشرين. ثم تلتها في ذات الفترة، الترجمات عن الفارسية، ومن الذين نقلوها عن الفارسية، أحمد رامي وجميل صدقي الزهاوي واحمد الصافي النجفي. ثم توالت التراجم من بعد، عن الفارسية والانجليزية. وتراوحت بين النظم والنثر. فبينما جاءت ترجمات كل من البستاني والنجفي واحمد رامي نظماً. جاءت ترجمة جميل صدقي الزهاوي عن الفارسية نثراً. ومع ذلك يكاد يجمع الباحثون والعارفون بالفارسية، ان ترجمات الصافي النجفي وأحمد رامي، هي أجود الترجمات على الرغم من كونها جاءت نظماً .. وقد أحصى الدكتور يوسف بكار في كتابه القيم " الترجمات العربية لرباعيات الخيام-دراسة نقدية " الذي صدر عام 1988 عن جامعة قطر خمس وخمسين ترجمة عربية لرباعيات الخيام عن الفارسية والانجليزية . "
+++
هوامش من عند كاتب هذه السطور:
1. الأرض الخراب أو الأرض اليباب (The Waste Land) قصيدة للشاعر الإنكليزي ت . إس. إيليوت Eliot نشرت عام 1922 م تُعّتبر بإجماع النُقّاد أروعَ أعماله الشعرية على الإطلاق وهي القصيدة التي أكسّبّتهُ الشهرة العالمية. وهي قصيدة حداثية طويلة واسعة التأثير تُعبر عن خيبة أمل جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى واحباطه وتصور عالماً مثقّلاً بالمخاوف والذّعر والشهوات العقيمة ينتظر إشارة ما تؤذن بالخلاص أو تعدُ به. وقد أصبحت القصيدة واحدة من علامات الأدب الحديث رغم غموضها وغرابتها .
2. العلامة عبد الله الطيب و فتنة إيليوت :
افتتان الأدباء العرب بالشاعر إليوت لم يعجب العلامة عبد الله الطيب و سمى ذلك الاعجاب (الفتنة بإليوت) وعن أسباب نفوره من إليوت يذهب السفير الأديب د. خالد فرح إلى القول: " يرى عبد الله الطيّب أن إليوت كان متغطرساً و جاحداً أخذ أشياء من الشعر العربي ومن الثقافة العربية الإسلامية وضمّنها خصوصاً في مطولته " الأرض اليباب " ولكنه لم يشر إلى ذلك في هوامشه الشارحة للقصيدة مثلما فعل مع جميع المصادر المعرفية الأخرى التي اعتمد عليها، و لذلك فإنه يعتقد أن شخصاً بهذا الجحود و الاستخفاف بالثقافة العربية ينبغي ألاّ يتخذه الأدباء العرب إماماً لهم أو أن يفتتنوا به . "
3. ت إس إليوت (1988 – 1965) شاعر ومسرحي وناقد أدبي حائزٌ على جائزة نوبل في الأدب في عام 1948 كتب عدة قصائد أشهرها: أغنية حب لجي. ألفرد بروفروك، الأرض اليباب، الرجال الجوف، أربعاء الرماد، والرباعيات الأربع فضلاً عن عدد من المسرحيات الشهيرة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.