شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نُقُد أوّل من أخبرني بأن الترابي "مع الحكومة ومسجون معانا" و "الميرغني لا يحتمل أن يؤذي نملة"
نشر في الراكوبة يوم 18 - 09 - 2013

نائب مدير كوبر قال للمعتقلين: (لو عملتوا ده برّه ما كان جيتوا هنا)
بهاء الدين محمد ادريس كان رجلاً صبوراً وصاحب صفات نادرة
لهذا السبب ضحك (خالد الكِد) على المعتقلين عند ترحيلهم ل "شالا"
سجّل شهادته: جمال إدريس
فتح المدير الأسبق لسجن كوبر (اللواء م الكامل محمد سليمان) حقيبة ذكرياته المليئة بالأسرار والحكاوي، وسرد ل (القرار) قصصاً وتفاصيل تُحكى لأول مرة، عن حقبة زمنة مهمة في تاريخنا الحديث. فالرجل تقلّد منصباً حساساً وخطيراً، ألا وهو الوقوف على رأس قيادة ذلك السجن العتيق كوبر الذي ظل لسنوات عديدة، يفتح ذراعية ويرحّب بالمئات من قطاعات الشعب المختلفة فور وقوع أي تغيير في أنظمة الحكم، قبل أن يعود ويُفرِغ كل من بداخله ويستعد لاستقبال آخرين، حسب ما تمليه عليه "مؤشّرات" تغيير الأنظمة التي لا تتوقف..
اللواء الكامل كان شاهد عصر على واحدة من أكبر التحولات السياسية في بلادنا، فقد تسنّم قيادة كوبر مع نهاية حكومة شعبية لم تعمّر طويلاً، وانتقال مقاليد الحكم إلى حكومة عسكرية، حكمت البلاد في أيامها الأولى بيد من حديد، وكان طبيعياً أن يظهر أثر ذلك أكثر ما يظهر في سجن كوبر، المكان الطبيعي لإحتواء المعارضين السياسيين.. نفض اللواء غبار السنين عن ذاكرته واسترجع تفاصيل دقيقة عن تلك الفترة التي شهدت اعتقال قادة حكومة ابريل. وتنوّعت شهادته ما بين الوقائع التاريخية والسياسية، والمواقف الانسانية، مع تصوير شكل العلائق بين المعتقلين السياسيين داخل المعتقل، بالرغم من اختلافاتهم السياسية الكبيرة..
مع اللواء الكامل نفتح أبواب "السجن الكبير" ونستمتع بسرد التفاصيل..
سجل شهادته: جمال ادريس
# بدايةً، صِف لنا الجو السياسي العام، عند تقلدك منصب مدير سجن كوبر في أيام الانقاذ الأولى؟
## أحب أن أوضّح بدايةً أنني وعند قيام الانقاذ كنت أعمل مديراً للسجون بالاقليم الشمالي، وتحديداً كنت في مدينة الدامر. وتصادف أن جئت للخرطوم بغرض تقديم طلب اعفاء من العمل لظروف خاصة، وعند وصولي للرئاسة سمعت بخبر سقوط الحكومة ومجيئ الانقاذ. وذهبت فوراً إلى سجن كوبر بإعتباره أقرب وحدة ووجدت هناك مجموعة من الزملاء، وتقدّمت بطلب اعفائي وعُدّت للدامر. بعد ذلك تمت احالة الدفعة السابقة لنا للمعاش، وجاءت دفعتنا وكنا (6) أشخاص، وتسلمنا مصلحة السجون، ونسبةً للظرف الحساس آنذاك ولأهمية سجن كوبر، رأت القيادة تكليف أحدنا لمهمة ادراة سجن كوبر، وتم اختياري لتك المهمة، وأصبحت مديراً لسجن كوبر في أغسطس 1989.
# من هم أشهر المعتقلين السياسيين الذين وجدتهم بالسجن؟
## في ذلك الوقت جاءت إلى سجن كوبر مجموعة كبيرة من كبار القادة السياسيين والنقابيين، في مقدمتهم مولانا محمد عثمان الميرغني، حسن الترابي، الصادق المهدي، محمد ابراهيم نقد، التجاني الطيب، سيد أحمد الحسين، عمر نور الدائم، أحمد عبد الرحمن محمد، ابراهيم السنوسي، الصادق شامي المحامي، المهندس عوض الكريم محمد أحمد نقيب المهندسين، وغيرهم من السياسيين والنقابيين.
# هل تذكر أول كلمات قلتها لهؤلاء المعتقلين عندما قابلتهم لأول مرة؟
## نعم أتذكرها جيداً، فحسب العرف المتبع داخل السجن، لا بُد للمدير الجديد أن يمر على كافة النزلاء المساجين، سواء أكانوا سياسيين أم سجناء عاديين، وذلك لتفقد أحوالهم والوقوف على اوضاعهم. وعندما وصلت للمعتقلين السياسيين قلت لهم ما معناه: "نحن لسنا السلطة التي اعتقلتكم، ولا السلطة التي ستقرّر الافراج عنكم. لكن أنتم ضيوفٌ لدينا، ومهمتنا أن تقضوا هذه الفترة معنا وأنتم مرتاحون، ونحن كذلك. وهذا لا يتم إلا بالتعاون فيما بيننا".
# وكيف تقبّل المعتقلون هذا الحديث؟
## تقبلوه بروح طيبة وارتياح.. وفي هذه النقطة تحديداً لا زلت أذكر موقفاً معيناً للمعتقل أحمد عبد الرحمن محمد، فأثناء حديثي معهم كان في عيادة السجن ولم يحضر الحديث، وعندما أخبره زملاؤه بما قلت، جاء إلي في مكتبي وشكرني على ما قلت، وقال إنه حديث طيب ووجد صدىً لدى كل المعتقلين.. وأقول إن الاستاذ أحمد عبد الرحمن كان رجلاً رقيقاً ومهذّباً للغاية، وكانت هناك علاقة حميمة وخاصة جداً بينه والمرحوم عمر نور الدائم، وعندما تم نقلهم وثالثهم ابراهيم السنوسي إلى سجن مدني، أرسل لي خطاباً مع القوة التي أوصلتهم إلى هناك، يشكر فيه حسن المعاملة التي وجدوها بسجن كوبر..
# ولماذا تم ترحيلهم إلى مدني آنذاك؟
## في ظني أن الغرض من وراء ذلك كان محاولات البحث عن مصالحات بين القوى السياسية.. وفي هذا الاطار أتذكّر أن هناك ثلاثة شخصيات عامة كانت تتردد على زيارة المعتقلين السياسيين باستمرار، بالرغم من قرار منع الزيارة نهائياً، ولكن بتعليمات من وزير الداخلية كان يُسمح لهؤلاء بالزيارة. وأذكر تماماً أن الثلاثة هم، د. حسين ابو صالح، الشاعر الحسين الحسن، وشخص يدعي محمد الحسن. وفي يوم ذهبت لوزير الداخلية وسألته عن هذه الزيارات وهل هي مُصرّحٌ بها، لأن قوانين السجن ليست بها سياسة؟ قال لي الوزير: "إنت رايك شنو؟". قلت له: إذا كان هذا الموضوع يحقن الدماء، ويصل إلى نتائج سلمية، يكون هذا جيّداً. فقال لي: "استمر فيهو".
# هل كان لديكم عِلمٌ بأن الترابي جاء إلى كوبر حبيساً وفق اتفاق مع النظام، وأنه كان أحد مهندسيه؟
## في الحقيقة كان هناك شكٌ وسط الجميع داخل السجن؛ هل هناك انشقاق أتى به إلى السجن، أم أن الأمر مقصود من قِبَل النظام؟ وعموماً كان تعاملنا معه كمعتقل مثله ومثل بقية المعتقلين، ولم تكن هناك أي توجيهات بمعاملته معاملة خاصة أو مختلفة عن الآخرين.
# ومتى عرفت ذلك تحديداً؟
أذكر أن محمد ابراهيم نُقد قال لي مرة: "الترابي مع ناس الحكومة ومحبوس معانا".
# وكيف كانت طبيعة التعامل بين المعتقلين فيما بينهم، و كل منهم ينتمي إلى حزب سياسي مختلف؟
## كانت العلاقة بين جميع السياسيين داخل المعتقل علاقة حميمة وأخوية للغاية، بعكس ما كان بينهم من خلافات خارج اطار السجن. وأذكر أننا دخلنا عليهم مرة وكان معي الأخ موسى أحمد الماحي المدير بالإنابة، فوجدناهم يتسامرون ويضحكون معاً، فعلّق موسى بالقول: "ده لو عملتوه برّه ما كان جيتوا هنا".
# هل كانت هناك علاقات بين شخصيات بعينها أكثر من الآخرين؟
# كانت هناك علاقات مميزة بين الكثيرن، مثلاً كانت هناك علاقة حميمة وخاصة بين مولانا محمد عثمان والأمير نقد الله، وبين أحمد عبد الرحمن وعمر نور الدائم، وحتى بين الترابي ونُقد.. وأذكر هنا عن مولانا الميرغني أن الجميع في بداية الأمر كانوا يعتقدون أنه شخصية غامضة، يصعب التعامل معها، ولكن بعد ذلك اكتشفوا أنه شخصية بسيطة وبشوشة ويحب النكتة، فاندمجوا معه. وأذكر أن نُقد قال لي مرّة عن الميرغني إنه "لا يحتمل أن يؤذي نملة".
# من من المعتقلين لا زلت تتذكر له مواقف معينة؟
## أتذكر موقفاً للدكتور بهاء الدين محمد ادريس، وهو كان موجوداً بالمعتقل قبل هؤلاء، كان مع معتقلي نظام مايو، وكان محكوم عليه بالسجن.. هذا الرجل في ظني ربما يكون قد ظُلم في نظرة الناس له، فهو رجل صبور ومهذّب ومنضبط، يندر أن تجد شخصاً في صبره وتحمله، فهو لا يكل ولا يمل.. وفي مرة تورّمت "قدمه"، ربما يكون من أثر مرض السُكّري، فتم تحويله للعلاج بمستشفى السلاح الطبي، لكنه رفض رفضاً باتاً، وأحضرناه إلى مكتبي وكان معي مدير مستشفى السلاح الطبي المرحوم الفاضلابي، وحاولنا لما يقارب الساعة اقناعه بالذهاب إلى المستشفى، لكنه تمسك برفضه وقال لنا: "باب السجن ده ما بطلع منو إلا وأنا طليق". وأذكر أنني في أوقات فراغي كنت أتجاذب معه أطراف الحديث، وأسأله عن فترة حكم مايو، لكنه وبتهذيب شديد كان يعتذر عن الحديث عن تلك الفترة.
# أحكِ لنا بعض المواقف الإنسانية التي مرّت عليك وأنت مدير لسجن كوبر؟
## هناك موقفان إنسانيان لا أنساهما؛ الأول كان هناك شاب "إثيوبي" محكوم عليه بالاعدام، وكان أثناء فترة انتظاره يقوم بالحلاقة لكل من بالسجن "حلاق السجن".. وحدث أن قَبِل أولياء الدم بدفع "الديّة"، فقام مجموعة من المحامين المعتقلين بقيادة الصادق شامي بجمع مبلغ "الديّة" ودفعها له. واُفرج عنه، وبعد ذلك قام أحد المحكومين عليهم بالاعدام بعد الافراج عنه بتشغيله معه في مصنعه.
موقف آخر.. كان هناك محكوم عليه بدفع ديّة أيضاً، وكان مبلغاً كبيراً، وكان هذا الرجل يخدم المعتقلين السياسيين، ونشأت بينه وبينهم علاقة قوية، وبعد أن اُفرج عن مولانا الميرغني، أرسل ابنه ومعه د. جعفر أحمد عبد الله، ومعهم مبلغ الدية كاملاً، فدفعوه واُفرج عنه، بعد ذلك أرسله الميرغني إلى ميرغني عبد الرحمن، ووجد له فرصة عمل بمصنع الزيوت التابع له.
# وموقف آخر أيضاً لا أنساه، يؤكّد أن السودان واسع في مساحته، لكنه ضيّق في علاقاته.. ففي مرة جاءني معتقل وأخبرني أن زوجته توفيت، تعاطفت معه كثيراً ولم أتعامل وفق الروتين المتبع، وأتصلت برجل في الأمن طلبت منه أن يأخذه لزيارة أهله وتلقّي العزاء في زوجته ثم يعيده بعد ذلك، وبالفعل أخذه لمنزله. في نفس ذلك اليوم جاءني خبر وفاة أبنة عمي بالحلفايا، وعندما ذهبت إلى منزل العزاء تفاجأت بوجود ذلك النزيل في نفس العزاء، واكتشفت أن زوجته المتوفّية هي ابنة عمي نفسها.
# وماذا عن المواقف الطريفة مع المعتقلين السياسيين تحديداً؟
## أذكر أن العقيد يوسف عبد الفتاح كان يزورنا كثيراً في السجن، وكان يمّر دائماً على قسم المعتقلين السياسيين، وفي مرة كان نُقُد جالساً وكان بالقرب منه حجارة كبيرة اعتاد النزلاء على كتابة أسمائهم عليها، وكان هناك حجر كبير ليست عليه أسماء، فداعب يوسف عبد الفتاح نُقُد قائلاً: "أكتب اسمك في الحجر النضيف ده"، فردّ عليه نُقُد: "ده حنخليهو تجي إنت تكتب عليه اسمك".
# أيضاً موقف طريف آخر.. في إحدى الليالي أتتنا تعليمات بنقل مجموعة من المعتقلين لسجن "شالا"، وعندما أحضرتهم إلى المكتب لإخطارهم بالأمر، استقبلوه بإمتعاض وشكوى وتبرُّم، وبدأوا في الإحتجاج وسرد ظروفهم، واظهروا عدم قبولهم بالأمر. لفت نظري من بينهم شخص وحيد كان يضحك بعكس الآخرين، وهو المرحوم (خالد الكِد)، واندهشت لضحكه، ولما انصرفوا عائدين ناديته وسألته عن سبب ضحكه، فأجاب بأنه وعندما تم استدعاؤنا للمكتب ليلاً، سرت شائعة بأن السبب هو اطلاق سراحنا، لأن ذلك يتم دائماً بالليل، وعلى الفور قمنا بتوزيع حاجياتنا ومعداتنا من بطاطين و"سفنجات" وحتى معجون الأسنان على بقية المساجين، والآن أنا أضحك على هذا المقلب ونحن نعود إليهم وقد توزعت كل حاجاتنا.
# مواقف أخرى في الذاكرة لا تنسى؟
## أتذكر أن زارنا مرة بالسجن د. نافع علي نافع، وكان حينها مديراً لجهاز الأمن، ووجد معي بالمكتب الاستاذ عبد الباسط سبدرات، وكان حينها محامياً عادياً، جاء في قضية تخص أحد السجناء. وجلس الإثنان أمامي متواجهين، ولم يتعرّف سبدرات على نافع، بينما عرفه نافع على الفور، وبدأ يدردش معه حول أركان النقاش بالجامعة وغيرها من الموضوعات المختلفة، وكان سبدرات يجيب دون أن يعرف مَن يسأله. بعدها استأذن نافع وخرج من المكتب، وقبل أن يتوارى سألني سبدرات: من هذا؟ ولما أخبرته، قام مسرعاً ولحق به وصافحه وأخذا وقتاً في الحديث معاً. وبعد فترة رأينا سبدرات في الوزارة.
# هل شهدت تلك الفترة أي مشاكل أو أحداث بين المساجين داخل السجن؟
## بكل أمانة أقول إن تلك الفترة تكاد تكون خالية من أية مشاكل بين المعتقلين السياسيين، وأذكر لك حاثة معينة تدلّل على ذلك، ففي مرة كان هناك أزمة في الخبز، ولم نجد خبزاً للمساجين في أي مكان، وطلبت رئيس الميز وسألته عن كيف يمكن أن يتصرف، فقال يمكن أن نأتي بدلاً عن الخبز ب "كِسرة"، وبالفعل ذهبنا وأحضرنا كمية كبيرة من "الكِسرة"، وكان يمكن أن يثير مثل هذا الأمر مشاكل بين المساجين، ولكن لم يحدث أي شي.
# كيف كان المعتقلون السياسيون يتعاملون مع الأحداث السياسية التي كانت تحدث في الخارج؟
## أقول لك بأنهم كانوا يعرفون كل كبيرة وصغيرة تحدث خارج السجن، بل كانوا يعرفون كثيراً من الأحداث حتى قبل أن نعرفها نحن. ولا أدري كيف كانوا يعرفون ذلك.. حتى الشائعات التي كانت تنتشر عن اطلاق سراحهم كانوا يعرفونها.
# بمناسبة الشائعات هذه، ما هي أكثر شائعة انتشرت آنذاك وخلقت بلبلة بين المساجين؟
## نعم هناك شائعة شهيرة لا أزال أذكر تفاصيلها، ففي ذلك الوقت كانت تصدر بالخرطوم صحيفة واحدة هي "الإنقاذ الوطني"، وكان يرأس تحريرها محي الدين تيتاوي، وكان اسم نائبه عبد الرحمن.. ونشرت الصحيفة مانشيتاً يقول: "اطلاق سراح الترابي والميرغني والمهدي". وقد أحدثت تلك الشائعة ردود أفعال عديدة، ولم تنقطع الاتصالات للحظة تسأل عن صحة ذلك، سواء من الجهات الأمنية، أو المواطنين الذين كانوا يكيلون لنا الشتائم، وكنا نستقبل كل ذلك بصدر رحب، ونشرح لهم أن هؤلاء لا زالوا موجودين بالسجن. وفي ذات اليوم تفاجأت بدخول العقيد عبد الرحيم محمد حسين ومعه تيتاوي ونائبه لمكتبي، وكان العقيد غاضباً، وطلب احضار المعتقلين الثلاثة، وعندنا جاءوا ساد الوجوم الأوجه، ويبدو أنه كانت هناك علاقة بين مولانا الميرغني وتيتاوي، إذ سلّم الميرغني على تيتاوي وحياه وسأله عن أحواله، بعد ذلك خاطب عبد الرحيم المعتقلين بأن الشائعة التي خرجت قد أحدثت بلبل وسط المواطنين، ونريد أن يراكم هؤلاء الصحافيين ويتأكدوا من أنكم موجودين وبصحة جيدة.
# كيف تم اطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وكيف استقبلوا قرار اطلاق سراحهم؟
## أول من اطلق سراحهم كانوا الميرغني والترابي، وتم اطلاق سراحهم قيد الاقامة الجبرية يوم واحد، أتذكّر أنه تم استدعائي ليلاً للمنطقة العسكرية المركزية، وكان معي ابن الميرغني علي، وابن الترابي الصديق. وابلغوهم في وجودي بأنه سيطلق سراحهم قيد الاقامة، وبدأوا يشرحوا لهم الشروط.
طبعاً استقبلوا القرار بارتياح كبير، ودائماً عندما يصدر امر افراج تعم الفرحة كل المساجين، وحتى نحن نفرح لكل من يطلق سراحه حتى من المساجين العاديين.
# كيف تنظر لمجمل تجربتك مع السجناء السياسيين؟
## أقول لك إننا عملنا كضباط سجون لفترة طويلة، وبعدد من مدن السودان المختلفة، وأعتقد أن المعاملة الطيبة التي كنت أتعامل بها مع المعتقلين السياسيين، لا تخصني أنا كشخص، إنما هذه هي الروح السائدة وسط كل الضباط، وأقول في هذه الجزئية بأن هناك قرار مهم للغاية أتمنى أن تتم مراجعته، وهو قرار إلغاء "كلية السجون". فهذه الكلية كانت مفخرة بالنسبة لنا وللسودان، وكانت تخرّج ضباطاً متخصصين في السجون وذوي كفاء عالية. وكان يأتي إليها دارسون من كافة الدول العرية، أتمنى أن يتم أعادتها من جديد لأهميتها البالغة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.