انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    الرياضة و السلام    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    مجلس شؤون الأحزاب السياسية بالسودان يعلن بدء تجديد البيانات    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ورقة السياساة الاقتصادية واثرها على النقل
نشر في الراكوبة يوم 22 - 01 - 2014


تقديم الباشمهندس / صديق الصادق المهدي
ورشة النقل
ورقة السياسات الاقتصادية وأثرها على النقل
اولا: اهمية النقل والمواصلات
السياسات الاقتصادية الحكومية، من ضرائب وجمارك و سياسات تمويلية تؤثر بشكل كبير على قطاع النقل، والنقل بدوره له تأثير كبير جدا على الاقتصاد وعلى اوجه أخرى من حياة الناس ومعيشتهم. الاقتصادى Hunter يؤكد وجود رابطة قوية بين قلة تكلفة النقل والنمو الاقتصادى، ويرى أن الثورة الصناعية نجحت نتيجة للثورة التي سبقتها في تكنولوجيا المواصلات.
وعن تأثير النقل المباشر على التنمية يقول Lord lugard ان التنمية المادية لأفريقيا يمكن جمعها في كلمة واحدة : النقل.
النقل يقوم بدور كبير في اقتصاد الدولة وبرامجها التنموية ويؤثر بشكل كبير على حياة السكان الاجتماعية. فالنقل يقوم بتوصيل منتجات مختلفة لمختلف المناطق، ففى دولة مناخها متنوع ومساحاتها متباعدة كالسودان، يقوم النقل بتوصيل المنتجات من مناطق الانتاج لمناطق الاستهلاك؛ كما يقوم بتجميع المنتجات لانتاج منتج مختلف. النقل ذو الكفاءة العالية يخفض الاسعار وتكاليف الانتاج، مما يخفض تكلفة المعيشة للمستهلك المحلى ويزيد من تنافسية الصادرات لسلع الصادر. يقوم النقل كذلك بدور اجتماعى بتسهيله للتواصل الاجتماعى بين المواطنين؛ ففى دولة كالسودان، متباينة الاعراق والثقافات ومتباعدة الجهات، يسهل النقل التواصل بين كل هذه الاطراف مما يؤدى للتصاهر الاجتماعى ويقوى النسيج الاجتماعى، مما يساهم في ازالة الفوارق الجهوية والقبلية فيدفع البلاد نحو الوحدة الاجتماعية، القاعدة الضرورية للوحدة السياسية.
إذن فالنقل يقوم بدور اقتصادى واجتماعى وسياسي هام جدا للبلاد ومواطنيها.
ثانيا: السياسات الاقتصادية والمالية: الضرائب، الجمارك، و ( اضيف) التمويل:
النقل بالأهمية المذكورة لا بد ان يحظى باهتمام كبير من الدولة. الدولة تتدخل بالتمويل المباشر لوسائل النقل التابعة للقطاع العام مثل السكة حديد، كما تتدخل عبر البنك المركزى بتسهيل تمويل وسائل النقل ( عمل محافظ، تقليل نسبة الربح، التساهل نسبيا في الضمانات، تحفيز المصارف التي تمول قطاع النقل). الدولة كذلك تتدخل باعفاء قطاع النقل من الرسوم الحكومية المختلفة من ضرائب وجمارك ورسوم أخرى، لتخفيض تكلفة النقل، وللمفاضلة بين وسائل النقل المختلفة ( وسيلة النقل المفضلة تمنح تسهيلات واعفاءات اكثر من غيرها من وسائل النقل الأخرى) .
بعد انفصال الجنوب، ودخول اقتصاد البلاد في العجز وشح الموارد الأجنبية والمحلية، برز وجه آخر من أوجه سياسات الدولة للتأثير على قطاع النقل، بتخصيص الموارد الاجنبية لاستيراد وسائل النقل وقطع الغيار بالسعر الرسمى.
الرسوم الحكومية المفروضة على قطاع النقل ( السياسات المقررة) :
السياسات الحكومية المقررة من ضرائب وجمارك، نذكر منها ما يلي:
1. وسائل النقل البرى عليها ضريبة قيمة مضافة (17%). ودمغة (5%) ، وضريبة ارباح (1%) ؛ وعليها رسوم جمركية (23%). قطع الغيار كانت معفية وفرضت عليهامؤخرا رسوم جمركية بنسبة 100%.
2. من المشاكل التي يعاني منها القطاع، عدم استقرار السياسات. فمثلا العلاقة بين الغرف القومية لاصحاب البصات السفرية وديوان الضرائب تعبر عن عدم الالتزام بالاتفاقيات وعدم مراعاة المشاكل التي يواجهها القطاع. فسبق ان اتفق الطرفان في 2011م، الغى ديوان الضرائب الاتفاقية من جانيه في 2012م، ثم توصلوا لاتفاق آخر، وفوجئوا بإلغائه من ديوان الضرائب للمرة الثانية .
3. يعاني قطاع النقل كذلك من زيادات الوقود المتتالية التي ترفع تكاليف التشغيل بشكل كبير مما يزيد من الاضرار الواقعة على القطاع. الطيران تعرض لضرر اكبر من غيره لارتفاع اسعار وقود الطائرات بشكل كبير، ووجود صعوبة في الحصول على وقود الطائرات مما أدى لالغاء عدد من السفريات. كذلك يعاني قطاع النقل الجوي من ارتفاع الرسوم التي تفرضها الدولة. كما يتضرر اكثر من غيره من مشكلة الحصول على العملة الصعبة لتحويل مبالغ الشركات للخارج بالسعر الرسمى. فيعرضهم سعر السوق الأسود للخسارة. للمشاكل التي واجهت قطاع النقل الجوي، توقف عدد من الشركات العالمية والمحلية. ففقد السودان خدمات الخطوط الهولندية (K L M) والالمانية ( لوفتهانزا)، كما فقد خدمات 31 شركة طيران وطنية كانت تعمل، واصبح عدد الشركات العاملة 5 فقط.
4. تأثر قطاع النقل البرى سلبيا بالمشاكل المذكورة، واصبحت نسبة 60% من الشاحنات معطلة؛ كما صرح بذلك على ابرسى رئيس غرفة النقل للبرلمان، وطالب بالغاء كافة الرسوم على قطاع النقل واعفاء مدخلات النقل من الرسوم الجمركية، وانتقد الضريبة التي فرضها ديوان الضرائب على قطاع النقل تحت مسمى الفاقد الضريبي.
5. رسوم عبور خط أنابيب البترول ( مع الجنوب): هذا الخط وبنيات البترول الموجودة بالشمال الآن، انشئت لترحيل وتخزين بترول البلاد. وبعد انفصال الجنوب أصبح الخط والمنشآت التابعة أصول في الشمال تنقل بترول الجنوب برسوم نقل. حدث اشتطاط شديد بين الشمال والجنوب في تحديد رسوم نقل البترول. الشمال طلب 36$ للبرميل، والجنوب عرض 1$ للبرميل، الفارق الكبير أدى لاغلاق خط الانابيب وتوقف انتاج البترول في يناير 2012م. حزب الأمة القومي كون لجنة فنية رفعت توصيتها في مارس 2012م واقترحت 11$ لنقل البرميل. السيد/ رئيس حزب الأمة القومي خاطب رئيسى الشمال والجنوب بهذا المقترح، ولكنهم أهملاه. في سبتمبر 2012م اتفق الطرفان في اديس ابابا على مبلغين 9$ و 11$ لنقل برميل بترول الجنوب.
على الشمال ان يتعامل بمرونة ومعقولية في رسوم النقل، حتى لا ندفع الجنوب لبدائل أخرى في نقل بتروله.
ثالثا: الرسوم المفروضة على قطاع النقل ( في الواقع المعاش):
بجانب المشكلة من ارتفاع وكثرة الرسوم المفروضة على قطاع النقل، تضاف الرسوم والإجراءات والممارسات على أرض الواقع . نذكر منها:
1. الرسوم المباشرة:
رسوم العبور في الطرق:
من اكبر المشاكل التي تواجه وسائل النقل التي تستخدم الطرق، رسوم العبور التي تتحصلها نقاط التحصيل. هذه الرسوم تفرضها السلطات المحلية والولائية بشكل عشوائي. فالولايات والمحليات تفرض رسوما تضاف لما تفرضه الدولة على قطاع النقل.
نقاط التحصيل هذه عددها كبير يعد بالعشرات في الطريق الواحد مما يؤدى لارتفاع تكاليف النقل بشكل كبير. هذا الوضع نتج عن عدد من اوجه الخلل التي يعانى منها الحكم الفدرالى. فالحكم الفدرالى في البلاد تم فرضه بشكل عشوائي وغير مدروس، لم يراع الجدوى ولا موارد الولايات والوحدات الاقل في تغطية مصروفاتها، فاصبحت تعتمد على المركز وعلى فرض رسوم مختلفة منها رسوم العبور المذكورة.
2. الرسوم الغير مباشرة:
منها رسوم اضافية تفرض بالقانون من الدولة أو السلطات المحلية مثل رسوم المخالفات المرورية. وهذه قد تتجاوز حدود المعقول لتدخل في نطاق التعسف، مثل غرامة ارتداء ( الشبشب) لسائقى المركبات العامة. ومنها رسوم يفرضها رجال شرطة المرور ونقاط التحصيل ( بلا سند قانونى). فاذا سلم صاحب المركبة من قائمة المخالفات المعقولة والتعسفية، احيانا يتم الضغط عليه ليدفع حتى يسمح له بالمرور. الضغط يتم بأن يطلب منه انزال الشحنة كلها لفحصها، فيجد ان الطريق الاقصر ان يدفع ليسمح له بالمرور؛ والضغط يكون بتركه منتظرا بلا سبب محدد لتأخير الزمن، فيجد ان الاوفر له ان يدفع ويمر.
هذه الرسوم تمثل اعباء اضافية تضاف لتكاليف عملية النقل والترحيل للركاب والبضائع. وبجانب ضررها على النقل، فهى مصدر للفساد ومبالغها قد تنتهى في مال التجنيب، وقد تنتهى في الجيوب.أذكر مثالا حدث امامى في محل صائغ ذهب بالخرطوم، دكان فيه احد الزبائن كان نقيب حركة اختار قطعة ذهب ليشتريها والمبلغ الذي بجيبه نقص حوالى 1000 جنيه، فقال لبتاع المحل خلي لى القطعة برة امشى هنا قريب حملة واجى ! انا استغربت فسألته قلت ليه عديل كده؟ قال لىآى عديل كدى!!.
ان استغلال السلطة والنفوذ الذي تمارسه القوات النظامية ذات الصلة، يؤدى لردود افعال أخرى بجانب رفع تكاليف النقل واعاقته. فقبل فترة حملت الصحف حادثة سائق الحافلة الذي استوقفه شرطة المرور في الطريق عدة مرات، وأثناء سيره استوقفه شرطى مرور آخر مرة أخرى فانفعل وفقد تماسكه ودهس رجل المرور بحافلته!
السلطات تعلم ان هذه التوقيفات وحملات المرور في الطرقات مزعجة وموترة للمواطنين، لذلك في أيام ثورة سبتمبر الماضى وما تلاها قررت سلطات ولاية الخرطوم توقيف حملات المرور حتى لا تساهم في زيادة توتير الشارع!
3. تسلط شرطة الجمارك:
من مهام الجمارك مكافحة التهريب، ولكن الذي يحدث فيه تسلط وتعسف واجراءات تتعدى حدود القانون. اورد السيد/ عمر عبد الله حديثا للسيد/ اسماعيل وهو سائق هينو، فذكر انه كان متوجها الى الميرم بجنوب كردفان في فبراير 2012م واكمل اجراءاتهللجهات المختصة ( ضرائب، أمن ، تصريح مرور)، وعندما وصل ريفي ابوزبد بشمال كردفان احتجزت شرطة الجمارك شاحنته بتهمة تهريب بضائع الى دولة الجنوب، وتم ارجاع الشاحنة وحجزت بالابيض. واورد السيد/ عمر حديثا لصاحب شاحنة آخر في ذات الشهر ويقصد ذات الوجهة.اوقفته شرطة الجمارك في البيجا قرب الفولة وتم حجز شاحنته بالابيض، وأمر بافراغ الشاحنة واعادة شحنها على حسابه ليتم تسجيل البضاعة التي تحملها. وطلب منه التوقيع على اقرار بأنه متوجه لدولة الجنوب، فرفض التوقيع ولجأ للنيابة التي أمرت باطلاق سراح الشاحنات، ولكن سلطات الجمارك رفضت تطبيق قرار النيابة. استمر الحجز لمدة شهر في مكان خالى من الخدمات مما عرض اصحاب الشاحنات ل ( تكلفة و تعطيل و تعريض لمشقة). مثال آخر ما ذكره ياسر عبد السلام رئيس الغرفة التجارية بولاية جنوب كردفان للصحافة، واشتكى ايضا من احتجاز الجمارك لعدد من الشاحنات بدون أمر حجز . فلجأ اصحاب الشاحنات للنيابة التي خاطبت الجمارك وخيرتهم بين فتح بلاغ في مواجهة الشاحنات أو يسمح لهم بفتح بلاغ اضرار ضد الجمارك. ثم قررت النيابة فك حجز الشاحنات، ولكن الجمارك رفضت واستأنفت قرار النيابة. تم تم بعد ذلك تقديم استئناف لوكيل النيابة الاعلى واوصت لجنة أمن الولاية بمعالجة الأمر فورا، ولكن سلطات الجمارك تعللت بأن لديها لجنة قادمة من الخرطوم.
ان الذي تقوم به سلطات الجمارك يلحق ضررا بالتجار والسائقين وعمال الترحيل، فالعشربن شاحنة المحتجزة حتى الآن تقدر خسارتها بمبلغ 300,000مليون جنيه. وهذا أدى لأن يمتنع اصحاب الشاحنات والتجار عن التوجه لهذه المناطق، مما احدث ضررا بالحركة التجارية بولاية شمال كردفان وجنوب كردفان.
لاشك ان الاضرار المادية الناجمة عن تسلط شرطة الجمارك كبيرة جدا، ولكن المشكلة تتعداها لدرجة قتل النفس البشرية لمجرد الشك في القيام بالتهريب! فعبارة النائب الأول لرئيس الجمهورية السابق السيد/ على عثمان محمد طه " shoot to kill" التي وجهها لشرطة الجمارك لمكافحة التهريب للجنوب ذكرت على مرأى ومسمع من الجميع! التهريب بين الشمال والجنوب لا يمكن التيقن منه لان مسافة طويلة من الحدود اصلا غير محددة، فهذه استباحة للقتل ( بلا حق) ، وحتى لو ثبت اتهام التهريب، ما الذي يبيح ازهاق الأرواح بكل هذه السهولة؟!
رابعا: الاخطاء والسياسات التي اضرت بقطاع النقل:
هناك سلسلة من الاخطاء والسياسات والممارسات الخاطئة التي ارتكبت وأدت للتردى الحالى الذى تشهده كل أنواع قطاع النقل، نذكر منها:
1. اهمال السكة حديد
عندما قام انقلاب الانقاذ في يونيو 1989، وجد مقررات المجلس القومي للتخطيط الاقتصادى وهو مجلس قومي شاركت في مداولاته: احزاب، نقابات، جامعات، مفكرين، علماء، رجال اعمال. اقر المجلس في عام 1988 خطة تنموية استثمارية تشمل عددا من المشاريع الحيوية ومشاريع البنية التحتية، وكان من ضمنها تأهيل السكة حديد. تم الاتفاق آنذاك مع عدد من الصناديق العربية لتمويل المشروعات المذكورة. اتفق آنذاك السيد/ وزير المالية المرحوم د. عمر نورالدائم مع الصناديق الممولة على تكوين لجنة للمتابعة، اجتمعت اللجنة في الخرطوم في يونيو 1989م، واقرت خطة عمل، و لكن في آخر الشهر انقطع الأمل بقيام انقلاب انقلاب الانقاذ .
حكومة الانقاذ منذ مجيئها، ولاسباب سياسية وتمكينية، تعمدت اهمال السكة حديد . المشكلة السياسية مردها لأن نقابة السكة حديد يسيطر عليها الشيوعيون، لذلك استهدفوا الحد من دورها واسهامها في النقل. التمكين يقتضى ان ينعمبالامتيازات والحظوة منسوبو الحزب الحاكم ومن يرضى عنه النظام، فتوجهوا للنقل البرى وترحيل البضائع بالشاحنات. هذا بالرغم من الميزة الكبيرة للسكة حديد في تقليل تكلفة النقل الى حوالى الثلث أو أقل مقارنة مع تكلفة الشاحنات. فالسكة حديد تزداد جدواها وتقل تكلفتها اكثر مع طول المسافة بالمقارنة مع النقل البري، والمسافات المستهدفة طويلة جدا ( الخرطومنيالا 1404 كلم، الخرطوم - واو 1500 كلم، الخرطومبورتسودان 900 كلم). وللسكة حديد ميزة اضافية في ترشيد استهلاك الوقود (وهذه ميزة تبرز أهميتها اكثر الآن لان الجازولين يستورد وتتعرض كمياته للشح)، كما تتمتع بمزايا النقل بالحجم الكبير.
أهدرت حكومة الانقاذ فرصة أخرى لتأهيل السكة حديد بشكل يساهم في وثبة اقتصادية للبلاد؛ فبعد الحصول على عائدات صادر البترول في مطلع الألفية، وبعد التوقيع على اتفاق السلام في عام 2005م، كانت الضرورة تقتضي التوجه للسكة حديد واعادة تأهيلها. فلو كانت هناك أدنى درجة من التخطيط والدراسة لتوصلت لأهمية ربط اجزاء البلاد المختلفة وربط الشمال والجنوب بخطوط سكة حديد بخط الملاحة النهرية، تقتضى كذلك تأهيل خطوط السكة حديد والقاطرات الموجودة وشراء قطارات جديدة. هذا يخدم غرضين هامين جدا: الأول سياسيواجتماعي، اذ أنه يجعل الوحدة جاذبة بين الشمال والجنوب، ويوثق الرابطة بين كل أطراف البلاد، وهذا يؤدى لتقوية النسيج الاجتماعي في البلاد. و الغرض الثاني اقتصادي اذ يؤدي لزيادة الانتاج والى تقليل تكاليف الانتاج ولزيادة تنافسية الصادرات. فصادرات الثروة الحيوانية مثلا اذا وجدت حزمة انتاجية متكاملة؛ تشمل انتاج الاعلاف باسعار معقولة وتحسين النسل بالسلالات ذات الانتاجية العالية وانشاء مجازر حديثة والترحيل من مواقع الانتاج لموانيء التصدير بالسكة حديد، يمكنها تغطية احتياج البلاد من العملة الصعبة . فالبرازيل مثلا تصدر سنويا لحوم أبقار بحوالى 8 مليار$، ولحوم دواجن بحوالى 7 مليار$.
بهذه الميزات، فإن مشروع تأهيل السكة حديد، وربط الشمال بالجنوب وربط مواقع الانتاج بالبلاد بميناء التصدير في الفترة الانتقالية، كان تأهيل السكة حديد من أهم المشاريع الواجبة التنفيذ لجعل الوحدة بين الشمال والجنوب جاذبة، ولربط الشمال بالجنوب اقتصاديا، ولزيادة تنافسية صادرات البلاد ( أهمية اضافية إذا حدث الانفصال وفقد بترول الجنوب).
2. تنفيذ البرامج بلا تخطيط ولا دراسة، وهذا يؤدى لتنفيذها باولويات خاطئة وبطريقة خاطئة:
مثال على ذلك في فترة مفاوضات السلام توقعت الحكومة ارتفاع الطلب على النقل والترحيل فقررت في عام 2004م تمويل شركات النقل بتسهيلات شملت التساهل في الضمان بقبول رأس الشاحنة المشتراة وتخفيض ارباح البنوك. التسهيلات شملت كذلك اعفاءات جمركية وضريبة. هذا العمل تم بعيدا عن اتحاد غرف النقل، كما افاد بذلك السيد/ اسامة ابقرجة، واستفاد منه أهل التمكين والمعارف دون اعتبار لعنصر الخبرة في المجال. النتيجة كانت كارثية على كل الأطراف لان عدد الشاحنات المستوردة بالتسهيلات كان اكثر بكثير من العدد المطلوب مما أدى لانهيار اسعار النقل ولانهيار اسعار الشاحنات نفسها لاقل من 20% من سعرها. وهذا أدى لارتفاع التعثر المصرفى بشكل كبير، ولانهيار وخسارة عدد كبير من شركات النقل والترحيل.
الاولوية في ذاك الوقت كانت لتاهيل السكة حديد؛ ولكن التوجه للشاحنات نفسه كانيجب ان يبنى على دراسة لتحديد العدد المطلوب من الشاحنات، ومنح التسهيلات استنادا على التأهيل والخبرة.
3. عن مشاكل قطاع النقل؛ تحدث السيد/ احمد بابكر نهار وزير النقل في مؤتمر الاستثمار الثالث الذي انعقد في بورتسودان، وأكد تدهور قطاع النقل بسبب فرض الرسوم والجبايات، كما بين ان هيئة المواصفات غائبة حيث يتم استيراد بصات غير مناسبة لاجواء السودان واطارات واسبيرات وقطع غيار غير مطابقة للمواصفات. ان المشاكل التي تحدث عنها السيد الوزير حقيقية، ولكنها تبرز مشكلة أخرى في الدولة، فمثل هذا الكلام يمكن ان يصدر من المعارضة أو من جهات بحثية وحكومية خلاف الوزارة المعنية. أما ان يصرح الوزير المختص بالمشاكل التي تواجه قطاع النقل التابع لوزارته، ولا يتكلم حتى عن الحلول الممكنة، فهذا يعنى ان هناك جهة أخرى هي التي تقرر في الأمر. التفسير ربما يفيدنا به الدكتور محمد خير الزبير محافظ بنك السودان السابق، فقد سبق ان صرح لصحيفة ألوان في بداية فترة توليه للمنصب بأن من اسباب المشكلة الاقتصادية في البلاد انعدام التخطيط ، وان تنفيذ البرامج والمشروعات يعتمد على قوة الوزير
4. سياسات اقتصادية أثرت سلبا على قطاع النقل:
السياسات الاقتصادية الخاطئة مثل الاعتماد على الانتاج الريعى واهمال قطاع الانتاج الحقيقي، وعدم التحسب لانفصال الجنوب باستحداث موارد تغطى عجز الموازنة الناجم عن خروج بترول الجنوب ( حوالى نصف الايراد الكلى وثلثى عائد الصادر) ، أدت لان يتعرض اقتصاد البلاد للصدمة أو الوقف المفاجئ . وهذا الوضع أدي لفرض ضرائب ورسوم على قطاع النقل بشكل مباشر وغير مباشر، فاكمل حلقات الضرر التي يعاني منها القطاع اصلا. كما ان الشح الشديد في العملة الصعبة، وحصر الدولة ما يتوفر لديها من موارد في استيراد السلع الاستراتيجية مثل القمح والجازولين والسكر والمجهود الحربى والأمنى، وترك القطاعات الأخرى ومن ضمنها النقل لتوفر مدخلاتها من السوق الأسود، رفع تكلفة مدخلات النقل من مركبات وقطع غيار بشكل كبير مما أدى لتوقف عدد كبير من الناقلات. ( عدد الشاحنات المتوقفة حوالى 10,000 شاحنة، وعدد الحافلات المتوقفة حوالى 20,000 حافلة)
5. السياسات المالية والتمكينية التي تؤثر سلبا على النقل:
السياسات المقصودة تضرر منها القطاع الخاص بصفة عامة، وتضرر منها كذلك قطاع النقل. من هذه السياسات: التدهور المريع الذي حدث للقطاع المصرفي بالبلاد نتيجة لسلسلة متراكبة من السياسات الخاطئة، مما حد من امكانات المصارف التمويلية، وحد كذلك من قصر فترات التمويل المحدود الممنوح. زاد الطين بلة اقتراض الحكومة من النظام المصرفي لتغطية العجز في الموازنة بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر عن طريق شهادات شهامة والأوراق المالية الأخرى، فض طريقها تمتص الحكومة السيولة من النظام المصرفي ومن الجمهور. وثالثة الاثاثى انشاء الشركات الحكومية وشركات القطاع العام التي تحظى بتسهيلات من الحكومة وتنافس القطاع الخاص في مجالات عمله، والادهى والامر ان الشركات الحكومية في معظم الاحيان تفشل في انتاج المنتج أو تقديم الخدمة المعنية. مثال على ذلك ( في قطاع النقل نفسه بصات الوالي التي شابها عدد من أوجه الخلل والفساد التي من بينها تسجيل مشاركة الولاية بنسبة 19% تفاديا لمراجعة المراجع العام.نتيجة للخلل الاداري،فهذه البصات تخسر رغم ارتفاع التعريفة. وهذه البصات أثرت سلبا على أصحاب الحافلات.
خامسا: التوصيات:
1. العودة لما كان عليه الوضع في يونيو 1989م بتكوين مجلس قومي للتخطيط الاقصادي يجمع السياسيين والمختصين والاكاديميين للاتفاق على برنامج تنموي استشاري قومي، يضع خطط مفصلية لكل المجالات، ومن ضمنها قطاع النقل . ويتم التركيز فيه على الجانب السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ويقوم على محورين: ربط اجزاء السودان ببعضها، وربط الشمال بالجنوب ( خط الانابيب – النقل النهري – السكة حديد – الطرق البرية).
2. تهيئة البيئة المطلوبة لتنفيذ خطط وبرامج المجلس الاقتصادي القومي، في مختلف الجوانب: سياسيا وأمنيا ودوليا، بالشكل المفصل في النظام الجديد الذي يدعو له حزب الأمة القومي.
3. الاستفادة من الخبرة الدولية في تنفيذ مشروعات وبرامج النقل، واستقطاب التمويل الخارجي على شاكلة ما فعلته الديمقراطية الثالثة مع الصناديق العربية الممولة في عام 1989م.
4. اقرار سيادة حكم القانون، واخضاع كل مؤسسات واجهزة الدولة للتقيد بالقانون والضوابط المتفق عليها، وقفل الباب أمام استغلال السلطة والنفوذ للتلاعب بالحقوق وتحقيق المصالح الذاتية.
5. الاتفاق على آلية لوضع الضوابط والتنسيق بين الحكم المركزي والفدرالي، بحيث لا تمس الصلاحيات الممنوحة للحكم الفدرالي الموجهات العليا التي يتفق عليها، لقفل الباب أمام الفوضى التي تمارسها الولايات في فرض رسوم اضافية غلى قطاع النقل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.