حل اللجان الشعبية بالخرطوم    "حميدتي" يطمئن على المشتقات البترولية والدقيق والأدوية بالسودان    رئيس مالي يوافق على استقالة رئيس الوزراء    الأولمبي السوداني يبدأ مرحلة الإعداد الثانية لمواجهة نيجيريا    البرهان: إغلاق الطرق يسيء للمحتجين وينتهك هيبة الدولة    البشير يضرب عن الطعام.. وحالته النفسية متدهورة    قرار عاجل بحل اللجان الشعبية في الخرطوم    حول جدل المجلس العسكري: كتابة للحق وللوطن وللتاريخ    قمة أفريقية بالقاهرة الثلاثاء لبحث الوضع في السودان    المجلس العسكري يضع ضوابط لانسياب الوقود    الصرف يقترب من سعر البنك .. هبوط حاد عقب الدعم السعودي الاماراتي    اللجنة الأمنية تقرر فتح الطرق والممرات والمعابر فوراً    الوزاري العربي الطارئ: لن نقبل بصفقة سلام دون حقوق الفلسطينيين    السودان يحتاج إلى الحكماء وليس الحماس السياسي    (السوداني) تكشف المخرجات اجتماع مفاجئ بين ود الشيخ وكبار لاعبي المريخ    هيثم الرشيد: إعدادنا يمضي بالشكل المطلوب    هلال الأبيض يعسكر بالأوركيدة لموقعة الخرطوم    رئيس اللجنة السياسية يلتقي دكتور كامل إدريس    لجنة لمراجعة قيمة الدولار الجمركي    الوطنية والذاتية .. بقلم: د. عبد المنعم عبد الباقي علي    تخفيض سعر صرف الدولار إلى 45 جنيهاً    3 مليارات دولار مساعدات للسودان من السعودية والإمارات    ضبط (100) برميل وقود مهربة بمحلية الدامر    محاولة اغتيال فاشلة لقيادي بحقوق الإنسان    دعوة لإجتماع الجمعية العمومية للمساهمين ببنك النيل (الإجتماع غير العادي)    الدولار يتراجع ل(43 48) جنيهاً وتوافد المواطنين لبيع مخزونهم منه    قمة في القاهرة بين السيسي وعباس لبحث آخر مستجدات القضية الفلسطينية    القضاء الجزائري يستدعي رئيس الوزراء السابق ووزير المالية الحالي على خلفية قضايا فساد    الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع تابعة للتحالف جنوب غربي السعودية    يوفنتوس بطلاً للكالتشيو عقب فوزه على فيورنتينا بهدفين    الهلال يستعد بقوة لمواجهة النجم الساحلي    إطلاق سراح جانح محكمة عليه بالسجن المؤبد لاغتصابه طفلة    تهديدات بالقتل لوكيل النيابة المكلف بالتحقيق في قضايا فساد النظام المخلوع    مجلس المريخ يناقش امر الجمعية العمومية    العلاقة بين الدين والدولة بين الثيوقراطيه والعلمانية والدولة المدنية .. بقلم: د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    القداسة والسياسة .. بقلم: د. عبد المنعم عبد الباقي علي    ضبط 100 برميل وقود مهربة بمحلية الدامر    تفاصيل في قضية (7) متهمين بالتزوير بينهم محامون    الثُّوّار يهتفون لعركي في القيادة: (والله واحشنا)!!    تدوين بلاغات ضد البشير أحدهما بغسل أموال وضبط مبالغ ضخمة بمقره    معرض للكتاب في ميدان الاعتصام    السعودية ترفع أعداد حجاج العراق إلى 50 ألفاً    امانى الثورة والمسير! .. شعر/ نعيم حافظ    واشنطن تشيد بخطوات المجلس العسكري في السودان    الإتحاد العربي يتكفل بتأهيل مبنى الاتحاد السوداني لكرة القدم    عبده والفضائيات والصحف السودانية!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الطيب مصطفى :اقول للذين يشيطنوننا انكم اعجز من ان تنالوا منا ولن تضرونا الا اذى    السجن والدية لفتاة قتلت والدها في مشاجرة بينهما    معن البياري : الوزيرة الشاعرة روضة الحاج    الكنداكة آلاء صلاح.. صورتُها وصوتُها .. بقلم: معن البياري    إعفاء النائب العام ومساعده الأول    التفتيش بالذوق...والرايح بتلقي... ميدان القيادة...مشاهد تملى العين وصور تسر البال    إقامة صلاة الغائب بساحة الاعتصام بالخرطوم والإمام يطالب بالقصاص    محكمة تعوض رجلاً فقد رجولته مبلغ (12) مليون دولار.!    ختام حملة الحمى الصفراء بالجزيرة    كبر يشهد تدشين وزارةالصحة لحملة شلل الأطفال    إنطلاقة حملة القضاء على الحصبة بجنوب دارفور    زيوت هندية تغزو الأسواق وتسبب (صلع) للبنات..!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وردي : أنا من كتب كلمات نشيد 17 نوفمبر وليس إسماعيل حسن ..غنيت يا حارسنا وفارسنا واعتذرت للشعب في أبريل
نشر في الراكوبة يوم 18 - 02 - 2015


الجماهير الاستقبلتني أنا أدتني مشروعية كبيرة جداً
الأستاذ عبد المنعم خليفة:
1-9
الأخ الأستاذ الإنسان الرائع محمد عثمان حسن وردي.. لك التحية والتجلة يا ضمير شعبنا وحاديه وحبيبه.. يا شادي الحرية والحب على امتداد الوطن.. نحن في حضرتك هذا المساء تغمرنا سعادة طاغية، وفرحة نابعة من كل قلب أن استجاب الله إلى صلوات ودعوات أبناء شعبنا وكل المعجبين بفنك في العالم، وأعادك إلينا ترفل في ثياب العافية إثر الجراحة الناجحة، فاستوجب شكر الله على نعمائه، وعلى هذه المنة الغالية..
أخي الأستاذ الإنسان الرائع الإنسان محمد عثمان حسن وردي.. لقد ظهرت منذ بداية مسيرتك الفنية مؤشرات جلية تنبئ بمولد نمط جديد من الغناء. فعندما صدحت باللهجة النوبية وبالألحان الشجية الأصيلة، فجرت شلالا من الطرب.. وظللت ترعى تلك البدايات المبشرة بالكثير من الجدية والمثابرة.. عناية بالكلمات الساحرة المنتقاة، والأنغام المموسقة العذبة التي أحسنت من بعد تعلم أسسها، فبرعت.. وطورت.. وأبدعت. وبدأ يتبلور بوضوح لون محدد المعاني في مسيرة تجديد الفن السوداني، مشكلا إضافة إيجابية ومتميزة لإسهامات زملائك الفنانين من رواد التجديد.. إبراهيم الكاشف، وحسن عطية، وعثمان حسين، وأحمد المصطفى، وعبد العزيز محمد داود، وسيد خليفة، والتاج مصطفى. وتجلى إدراكك لارتباط الفن بقيم الخير والحق والجمال.. حيث برزت مثقفا وطنيا ملتزما ومناضلا جسورا، تستمد الإلهام من حياة الناس العاديين البسطاء، ومن قيمهم، ومن معايشتك لآمالهم وأحلامهم . وكان أن قدمت مع الجيل اللاحق من زملائك الفنانين محمد الأمين، ومصطفى سيد احمد – عليه رحمة الله – ، وأبوعركي البخيت إبداعات جديدة ارتبطت بحركة الاستنارة وتقدم المجتمع.
وإدراكا منك لأهمية أن يسهم غناؤك في السمو العاطفي وفي تعزيز قيم الحرية، ظللت تعتني بالمفردة الرفيعة، و تنتقي من الشعر أجزله وأصدقه، وذلك حتى يكون الشعر جديرا بأن ينتقل عبر حنجرتك التي تفيض موهبة وصدقا. . وعندما أصبح الصبح، غنيت للحرية، وبشرت بالأمل والتفاؤل وبالإعتاق من أسار السجن والسجان.. لقد آمنت بالحرية كقيمة إنسانية، ومتلازمة ضرورية لازدهار الثقافة والفنون. ولقد عرفناك إنسانا متواضعا بسيطا، وكلما صعدت في درجات المجد والشهرة، كلما ازددت تواضعا وبساطة. وذلك لأنها شهرة لم تؤسسها أجهزة العلاقات العامة المحترفة عبر المنابر الإعلامية المدفوعة الأجر، والميكرفونات المدوية الصاخبة، بل هي شهرة نابعة من حب حقيقي تغلغل في قلوب الجماهير نتيجة لتلك الدرجة السامية من الفرح التي تهبها لهم، فيستبد بهم الطرب وتنتشر وسطهم عدوى المسرة، وتجذبهم مغنطيسيتك الآسرة.
واحتراما لفنك ولجمهورك ومعجبيك، ظللت تنتقي الشعراء الذين تصدح بكلماتهم من الذين تثق في أنهم يشتركون معك في صدق العاطفة وأمانة الكلمة، فكان الشعراء الفحول: إسماعيل حسن، وعبد الواحد عبد الله، ومحمد المكي إبراهيم، ومحجوب شريف، وسيد أحمد الحردلو، ومحمد الحسن حميد، وغيرهم .
أخي الأستاذ محمد عثمان وردي.. بمثل شموخك وقامتك الشماء، فإنك تضرب بجذورك في أرض حضارة عريقة وباهرة، وثقافة هي الأكثر عالمية في إفريقيا ، وهي تمثل روح السودان ودوره الرائد في الحضارة العالمية.. هي الحضارة النوبية ذات الأصالة والذاتية المتميزة، وهي ذات الجذور الثقافية التي أنتجت لنا جمال محمد أحمد، وخليل فرح، ونجم الدين محمد شريف، وحمزة علاء الدين، وصلاح دهب. لا غرو إذن أن تمتد ظاهرة التذوق لفنك والإعجاب به إلى العديد من البلدان الإفريقية.
كما أن التطوير الذي أدخلته على الفن السوداني، نقلك إلى معجبين في مناطق أخرى من العالم. ولعلك قد لمست ذلك أثناء هجرتك.. كيف كانت تكتظ بهم الساحات في لندن، وواشنطون، ولوس أنجلوس. ولكن بالطبع غناءك وسط شعبك في الساحة الخضراء، وقاعة الصداقة، والميدان الشرقي، شيء آخر مختلف، لأنه تحفه مشاعر خاصة.. ولعله يقارن بتجلي الفنان العظيم ياني، عندما أبدع وتجلى في موطنه اليونان ومن على مسرح الأكربول. ونحن هنا على موعد معك في الاحتفال الأكبر على أرض الوطن الذي ترفرف فيه رايات السلام والحرية والديمقراطية.
أخي الأستاذ محمد عثمان وردي.. هذه الأمسية ليست أمسيتي، بل هي أمسيتك.. وعشاق فنك وأصدقاؤك متعطشون لسماعك.. والكل يقول ليك" تلقى مرادك والفي نيتك" فهلا تفضلت:
الأستاذ وردي:
بسم الله الرحمن الرحيم..أولا وقبل كل شيء.. أنا أعجز عن التعبير فيما ألاقيه منكم من تقدير وحفاوة. أيها الشعب البطل. في كثير من الأماكن السودانية التقيت بالسودانيين.. ولكن هذه الليلة، الترحاب عالي جدا. فقد زرت مسقط قبل الآن.. ولكن هذه الليلة لها معناها.. وأصالة السودانيين تتجلى في مثل هذه الليالي. وشكرا لكم فأنا مدين لكم بفني، وصحتي، وجميع ما بي.
ما عارف نتكلم عن شنو ولا نبدأ من وين، إلا الأخ عبد المنعم يقود الحديث، وهو زميل قديم في السجون السودانية معاي. وفي عام 1961م، عندما خرجنا في مظاهرة ضد التهجير بعد السد العالي وجدناه العربي الوحيد بيننا!! وواحد علق ده من وين؟ قالوا ليهو: ده من الأبيض قام قال: "طيب مالو ومالنا؟ الأبيض فيها بحر؟!!
2-9
الأستاذ عبد المنعم خليفة ...
شكرا جزيلا للأستاذ الفنان العظيم وشكرا على هذه الذكرى التاريخية الجميلة ولولا أن هنالك من يحسبون السنوات وتراكماتها لعدنا لذكرى أسبق من ذلك.. عندما قام الأستاذ وردي بزيارتنا في خورطقت.. وكان معنا مجموعة من أبناء حلفا.. الأخوان فاروق كدودة وعبد الفتاح صيام، وآخرون.. وبقى معنا الأستاذ وردى وهو في بداياته الأولى وأمتعنا ب (يا سمارة الليلة يا سمرة)، وتلك القصائد الأولى التي تغنى بها .فكان لنا الشرف والسعادة أننا حضرنا البدايات الأولى وسعدنا بها في ذلك الوقت . وبما أننا نتحدث عن تلك البدايات الأولى فأود أخي الأستاذ وردي أن اسأل كيف كانت البداية؟ وما هو الذي دفعك على طريق الفن؟ وهل كانت البيئة التي نشأت فيها مشجعة آم كانت بيئة منتقدة لمن يرتادون هذا المجال؟ مثل بيئة أواسط السودان؟ عندما كان الرواد الأوائل من شعراء الحقيبة (الذين ساروا خلف أحبتهم من أسكلة الخرطوم إلى الجبلين إلى الرجاف)..كانوا يسمون بالصياع ، فهل كان هنالك مثل هذا التوجه السلبي؟ هل خضت غمار هذه المغامرة في بداية الفن رغم هذه التوجهات السلبية، أم انك نشأت في بيئة مشجعة للفن، ومن هنالك ومن اجل هذا انطلقت؟.
الأستاذ الفنان محمد وردي:
الحقيقة البيئة واعدة ومبشرة جدا اسه ما بعرفها.. ولكن في زمنا ما كان في أي شيء.. وكنا نخرج في الليل وبدون أي مناسبة بنعمل حفل بتاع رقيص مع بنات الحلة.. ونحن والأخوان.. ونغني.. وبعدين نوصل أي بنت إلى بيتها.. ما في زول يقول لينا كنتو وين؟ ولا جيتو من وين؟ ، كان في حريات كافية، وكان في عدم تزمت، وكان في احترام للمرأة شديد.. لأنو المرأة عندنا مش مرأة فاضية، تشتغل زي الرجل ليل نهار.. لمن تجئ ساعة الترفيه، ترفه عن نفسها مع أخوانها وأبنائها. في بيئة زي دي ما دام مافي تزمت.. إذن في فجوة للإبداع.. ومنطقتنا بالذات، نحن عاصرنا ناس طنبارة. الطنابره مش طنابر الحلق.. لا.. ديل ...... وبغنوا .
والمشكلة الوحيدة اللاقيتها وأنا بغني، مشكلة أنا مدرس. والمدرس، خصوصا في الريف عنده قدسية خاصة.. بسموه شيخ فلان.. يمكن يصلي بالناس الجمعة، ويصلي بالناس الجنازة.. ولكن ما ممكن يغني! ، الناس ما كانوا راضيين حقيقة إنو أدرس أولادهم، وأقوم أغني.. ومرة عملوا لي اجتماع.. قلت ليهم خلاص حأسيب التدريس! ولكن هؤلاء الاجتمعوا بي وكانوا بيلوموني على الصعلكة.. لمن سمعوا صوتي في الإذاعة، ومشيت أول مرة بعد سنة البلد، كل الناس بكت.. شيبا وشبابا.. يعني الناس الكانوا معترضين بيبكو وبيعتذروا ..فدي كانت البدايات .
********
3-9
الأستاذ عبد المنعم خليفة:
وهكذا كانت أول الخطوات هي الجسارة، والإيمان بقضية الفن، والصبر والحرص على تقديم الأشياء الجميلة والعطاء الجميل.
هناك، كما يقولون، إحدى المحطات الهامة جداً جداً التي ارتبطت بالأستاذ (محمد وردي) ارتباطاً لا ينفصم.. وحتى نحن أبناء ذلك الجيل، عندما نستعيد ذكرى ثورة أكتوبر، لا ترتبط لنا بشيء سوى أصداء أناشيد الأستاذ وردي.. حتى كأنما عبق أكتوبر، ورائحة وذكرى أكتوبر، هي حقيقة ذكرى الفنان محمد وردي، الذي عبر بصدق عن رغبات الجماهير، وألهب حماسها، وعبر عن توقها للحرية. . وفي هذا الوقت الذي أصبحت الحرية هي مطلب كل الناس في العالم، وأصبحت تتهاوى الأنظمة الشمولية في جميع أنحاء العالم، وأصبحنا في الألفية الثالثة، وعلى أعتاب انطلاقة جديدة للحرية، نذكر تلك الثورة الشعبية الخالدة التي وضعت اللبُنات، وأعطت الثقة للشعوب حقيقة في إيمانها بقضاياها العادلة، والانطلاق نحو مستقبلها.. فهلا تحدثت لنا يا أخ وردي عن هذه الأيام الخالدات؟ وعن كيف ومتى لحنت نشيد أصبح الصبح والأناشيد الأكتوبرية الأخرى، التي تزامنت مع تلك الفترة الخصبة في تاريخ شعبنا؟
الأستاذ وردي:
الحقيقة، وعشان نكون صادقين تماماً، أنا غنيت قبل أكتوبر أناشيد.. أناشيد وطنية زي (يقظة شعب، وزي الاستقلال، وزي شهداء كرري).. ومن بعد شهداء كرري تغنيت سنة 1958م (بنشيد 17 نوفمبر).. وللتاريخ شيء مسجل، وحاجة أنا قلتها عن قناعة لا أستطيع الكذب.. (هذا النشيد كان نشيد جميل.. لكن السلطة ما كانت جميلة!).. لكن انأ كنت مقتنع آنذاك.. طبعاً كان المد الانقلابي بعد ثورة عبد الناصر مستمر في كل العالم العربي، مثل عبد الناصر، وثورة العراق، والشيشكلي، وعبد الكريم قاسم.. كل الثورات كانت سمة وموضة.. ونحن كُنا شباب صغار. فأقول كلمة الليلة إمكن أول مرة تقال.. هذا النشيد مكتوب باسم الشاعر إسماعيل حسن.. هو مات وأنا حي.. إسماعيل حسن لم يكتب هذه القصيدة.. أنا الذي قمت بكتابة هذه القصيدة.. ولقد كنت أستاذاً في مدرسة الديوم الشرقية.. أحضرت طلبة الصف الرابع وحفظتهم إياه، ومشينا للإذاعة ومعي النشيد مكتوب، ودخلت الإذاعة.. وقابلت الذي كان مسئولاً عن الإذاعة آنذاك في الثورة.. وقلت له أنا يا سيد عملت نشيد للثورة.. قال لي: "ما اسمها (ثورة)، اسمها (حركة الجيش المباركة). قلت ليه لا أنا قلت (ثورة)، وأصريت على ذلك. قال لي: "انأ لا أعلم.. لكن سوف أتصل بالمجلس الأعلى واستطلع رأيهم ماذا..؟ قلت له حينها: لو لم تقل (ثورة) لا أغني النشيد، ولا أسجله.. فاتصل وقالوا له: دعه يقول الذي يريد..
فالنشيد سجل أول أيام الثورة.. على ما أظن بعد ثلاثة أو أربعة أيام من الثورة.. هذا شيء مهم. أولاً كان في اقتناع، وأنا فنان جديد حضرت من الريف.. في ذلك الزمن لم يكن لدي علم بالتنظيم السياسي، ولا بعرف السياسة ذاتها! (عساكر استلموا السلطة في البلاد، في اعتقادي يمكن أن تكون للأفضل..!! حينها بحكم بساطة فهمي للسياسة!)، واعتذرت للشعب السوداني في أكتوبر بأني كذبت عليه في أول الثورة.. لا أعلم غفر لي أم لا.
المرة الثانية.. مايو طرحت شعارات جميلة جداَ.. شعارات عميقة.. شعارات هي من أمنيات الشعب السوداني.. فكان لابد أن تكون وردي : أنا من كتب كلمات نشيد 17 نوفمبر وليس إسماعيل حسن ..غنيت يا حارسنا وفارسنا واعتذرت للشعب في أبريل
الجماهير الاستقبلتني أنا أدتني مشروعية كبيرة جداً بخاف منها
سياسي محنك جداً، وتجري تحليل سياسي، إما تكون تعمق هذه الشعارات التي في صالح الشعب السوداني.
اجتهدنا في هذه الشعارات المطروحة في صالح الشعب السوداني، مثل الاشتراكية والديمقراطية والطغمة الحاكمة وكذا.. زميلي الشاعر العظيم محجوب شريف، والمرحوم الشاعر العظيم علي عبد القيوم، عملنا سوياَ في أول نشيد اسمه (في دم الشهداء) الذي كان أول مقطع فيه يقول:
أي المشارق لم نغازل شمسها ونميط عن زيف الغموض خمارها
أي الأناشيد السماويات لم نشدد لأوتار الجديد بشاشة أوتارها
هذه من ألحاني .. لذلك نقول (نحن رفاق الشهداء).. ولذلك تكلمنا عن الشعارات التي طرحت في ثورة مايو.. جينا وقلنا بعد سنة (فارسنا وحارسنا). (فارسنا) هذه يعتقد الكثير إني قلتها ل (النميري) شخصياً فارسنا وحارسنا.. لا.. الحارس كان (الثورة)، مش شخص الرئيس يعني.. المهم مرة أخرى اعتذرنا للشعب السوداني في انتفاضة إبريل.. وبعد كدة رفضنا نغلط !..
أما عن ثورة أكتوبر فقصيدة (أصبح الصبح) عندها قصة.. كان الأخ الأستاذ أحمد الزبير- ربنا يمد في أيامه - كان يقدم برنامج (أشكال وألوان) بالإذاعة. في يوم من الأيام جاب لي قصيدة.. فاطلعت عليها فوجدتها قصيدة (أصبح الصبح)! فاندهشت، وقلت إنت مجنون؟ من وين الكلام المكتوب؟ فسألته مندهشاً أكثر، أين تريد أن تقول هذا الكلام؟ فقال لي: "خليها معاك يومها بجي" . فبعد ثماني وعشرين يوم انطلقت ثورة أكتوبر، وظهرت هذه القصيد من اليوم الثاني من الثورة. وتميزت هذه القصيدة بأنها نوعية جديدة في الأناشيد عبارة عن إيقاع خفيف.. ليست مارشات. مختلفة عن الأناشيد التي كانت سائدة في تلك الفترة، فاتخذت شكل الغناء الوطني. تلك القصيدة بدأت تعمق الأغنية الوطنية في وجدان الناس بشكل مختلف حتى أصبحت في أكتوبر و(شعبك يا بلادي) كانت ترقص فيها العروس!! ولكن ظهرت أغاني من قبيل (دق الباب فتحته افتكرتو حمادة جاني لقيتو سيد اللبن!) قيل هو غناء هذا الزمن..!! فأكتوبر مؤكد أنها ثورة وثبت بالشعب السوداني، وفتحت له آفاق بعيدة جداً لدرجة ما جعلت شعراءها يقولون:
سندق الصخر..
حتى يخرج الصخر لنا زرعاً وخضرا
ونرود المجد..
حتى يحفظ الدهر لنا اسماً وذكرا
لذلك أكتوبر خلقت طموحات في الناس ما زالت قائمة، ومازالت مآسينا متصلة.. وان شاء الله بعد السلم والسلام شعارات ثورتي أكتوبر وإبريل تطبق، والبلد إن شاء الله تأخذ مسارها الحقيقي، ونبقى كلنا مواطنين صالحين ونعترف ببعض.
.
4-9
الأستاذ عبد المنعم خليفة:
بمناسبة رقيص العروس ذكر لي الأخ الدكتور محمود السيد إنه في عطبرة بيرقصو العروس ب (لن أحيد)!
بداية هامة جدا، يا أستاذنا الكبير، هي، و حقيقة لمصلحة جيل العطاء والأجيال الأخرى عموما يعني، إنه الأستاذ وردي أحدث لنفسه انضباط ومثابرة ومتابعة وطموح في تحقيق قفزة في تعلم الموسيقى، وفي الوصول إلى أسمى درجاتها، مما مكنه من كل هذا الإبداع. وهذا جهد لابد أن تكون وراؤه عزيمة، ولا بد أن يكون وراؤه قصة مثابرة حقيقية في هذا المجال.. فربما هذه التجربة، أعني تجربة التطور الفني، بالذات في جانب الموسيقى، ربما أن إلقاءك بعض الضوء عليها يكون ممتعاً ومفيداً للأجيال، ولكل من يتطلع إلى أن يرتاد مجال الفن؛ لأن هناك من يفتكروا بأن مقومات الفن هي أداء بعض أغنيات الآخرين، حتى بدون استيعاب، وبدون معرفة للأسس الموسيقية. وأذكر كان بيسخر منهم الأستاذ الكبير إسماعيل عبد المعين، وكان بيسميهم "المنجداتية"!.. بيفتكر إنهم بس بيحركوا الآلات بدون فهم أصول الموسيقى.. فلعل الأستاذ وردي يتناول هذا الجانب.. لو تكرمت..
الأستاذ وردي
طبعا أي إنسان بيحترم مهنته، يجب أن يتعلم، ويجب أن يثق في نفسه، بأن يتعلم مهنته أولاً. لكن أنا عندي رأى في موضوع الموسيقى السودانية. أنا بعتقد إذا الفنان السوداني عرف الموسيقى السودانية من كل المصادر، وكل الثقافات السودانية، ده ممكن يبقى فنان. مشكلتنا أنه مثلا الفنانين في الخرطوم بيلقوا نفسهم في أغنيات الحقيبة، وهي أغاني جاهزة طبعا. لكن كثيرين من المثقفين تجنوا على ثقافات أخر بأنو الحقيبة هي أصل الغناء السوداني .. الحقيبة جزء من أصل الغناء السوداني، وجزء جميل جدا.. شعر رصين تناولوهو ملحنين عظيمين، زي كرومة وسرور، لكن هي ما أصل الغناء السوداني.
الغناء السوداني لازم يجوا ناس الشرق.. وناس الشمال يجوا.. ناس الغرب بالمردوم.. ويجوا ناس الأنقسنا.. يجوا ناس دارفور.. يجوا ناس الجنوب.. وكده. يعني التكوين بتاع نقابة الفنانين اللفيهو محمد وردي من الشمال، وأدروب من الشرق، وعبد القادر سالم من الغرب، ده بيشكل وحدة تراث.. يعني بتعمق التراث السوداني.. وكلنا بنتفاهم مع بعض؛ ده عنده إيقاع كده.. وده عنده إيقاع كده.. ومن هنا تتشكل الأغنية السودانية، (مع الحقيبة)، والتي هي أيضا بتمثل الجزء الأوسط من السودان. ففي تعريف خاطئ عن الأغنية السودانية. وأنا بقول إذا كان الفنان السوداني الواعد عرف الثقافات السودانية، ومصادر الإيقاعات والآلات الوطنية في السودان من كل المصادر، وإذا عمل دراسة لديل، مش ممكن يبقى فنان سوداني وبس، ممكن يبقى فنان عالمي.. لأنه السودان أمة كبيرة جدا، وثقافات وحضارات. لكن دي ما عاوزة حاجة عفوية.. دي عاوزة الخريجين من معهد الموسيقى يتفرغوا لمعرفة ثقافات بلدهم، وينوتوا ويسجلوا ويتكلموا ويعملوا ندوات، ويسمعوا من الناس الأصليين، حتى لو ما متعلمين، ممكن يدوا نموذج لثقافة ما.. دي كلها تجمع في معهد الموسيقى وتتعمل عليها دراسات من الأكاديميين الدكاترة. عندنا مليون دكتور في الموسيقى، وما قادرين يسووا مزيكا.. الدكاترة ديل يقعدوا يدرسوا، ومن هنا ممكن نساعد الأغنية السودانية، لاسيما والجنوب غائب.. الجنوب غايب الفترة الطويلة دي كلها. حتى أنحنا كفنانين لمن نمشي الجنوب، هم برقصوا رقيصهم جنبنا.. ولا بينتبهوا لينا انتوا بتقولوا في شنو، لأنه مافي تمازج. والجنوب عنده ميزة ما عندنا في الشمال.. يعني العلم بتاع الهارموني (التجانس) في الشمال مافي، ديلاك عفويا بيسووا (بالفطرة).. يعني خمسين نفر ممكن يطلعوا خمسين صوت متجانس.. ودي حاجة كبيرة جدا إذا أنحنا استوعبنا، وإن شاء الله السلام ده يجي وكلنا نقعد مع بعض، وكلنا نتدارس في موضوع الفنون السودانية بأشكالها المختلفة إذا كان التشكيل ولا الغناء ولا الرقص ولا الموسيقى. وموضوع الرقص ده برضو حاجة مؤخرة بلادنا.. يعني إثيوبيا دي متطورة جدا. نحنا في الأقاليم متطورين جداً لأنو بنرقص أولاد وبنات.. الفنون الشعبية متطورة جدا، لأنها بتعكس حضارات وثقافات السودان، لكن في العاصمة طبعا حرام: الغناء حرام.. والرقيص حرام..! لكن إن شاء الله بعد السلام ده...
5-9
الأستاذ عبد المنعم خليفة:
وصلني سؤال من الأستاذ دهب خيري، طبعا هو أيضا من الناطقين بغيرها،( وردي: نحن بنقول أنتو الناطقين بغيرها!) والذي من إندينا يعني!. يقول الأستاذ دهب: إنو بلادنا تتجه في طريق السلام، وفي هذا الإطار، اقترح أحد كبار الصحفيين، الأستاذ عثمان ميرغني، أن يسافر الأستاذ وردي لإحياء حفل في رومبيك.. وقال إن وردي هو السوداني الوحيد الذي يستطيع تطبيب الجراحات التي لحقت بوجدان أهل السودان، مما لا يمكن معالجته في قاعات الاجتماعات، ولا مساعي السلام. وقد سمعنا بأن الدكتور جون قرنق قد تلقف الفكرة واتصل بك مرحبا بك في رمبيك، فماذا حدث في هذا الأمر؟
الأستاذ وردي:
أنحنا قاعدين نستعد، نستعد عشان نمشي قافلة كبيرة جدا تتشكل من كل الأنماط الفنية، فنانين وتشكيليين وراقصين ومغنين وموسيقيين ومثقفين. هو قال حددوا إنتو الموعد، وأنحنا نرحب بيكم. فإن شاء الله بعد ما نجيكم هنا في يناير- فبراير ونمشي ليهو. فالسلام في الزمن داك حيكون واضح المعالم.. طبعا هسع " أغبش"!. يعني ما بالسرعة دي نقوم نغني وبعدين نأخد....
الأستاذ عبد المنعم خليفة:
لا، إن شاء الله ، يعني ، لا رجعة.. وعزيمة أهل السودان، وتراكم نضالاتهم من أجل السلام، وتوحدهم حيفوز ضد أي انتكاسة في هذا الطريق..
سؤال في الحقيقة يتبادر إلى الذهن دائما: الأستاذ وردي غنى قصائد عديدة، وهو ليس بالفنان المقل، وإنما مسيرته الفنية زخرت بالعديد من القصائد، وجميعها قصائد رائعة.. معاني.. وشعر.. ورسالة.. وهدف. كنت أود، ولعل الكثيرين مننا يودوا، أن يعرفوا كيف يختار الأستاذ وردي القصائد التي يقوم بتلحينها وغنائها؟ يعني هل هي رجوع إلى بعض الدواوين؟ أم اتصال شخصي ببعض الشعراء، وتقديم بعض الشعراء قصائد إليه ليغنيها؟، كيف ملاءمة القصائد مع التوجه، والتوافق مع الرسالة الفنية والرسالة الوطنية التي يحملها؟ هذا سؤال نأمل أن يلقي عليه الأستاذ وردي بعض الضوء.
الأستاذ وردي:
في بداية المشوار ارتبطنا أنا والشاعر العظيم إسماعيل حسن ببعض، لأننا نحنا الاثنين بنعتبر من منطقة واحدة..، يعني مافي مسافة بين الشايقية والنوبيين، وهم أصلهم كانوا نوبيين وهسع بداوأ ينكروا!. ( ضحكة) .فالقصائد الأولى.. ده كان العصر الرومانسي.. يعني كلها قصائد نمطها نمط واحد. ولمصلحة إنو محمد وردي ينوع نفسه، قمنا اختلفنا أنا وإسماعيل، اختلاف ما كان بقصد.. لكن جاء في الصالح؛ لأنو أنا لو ارتبطت فقط بإسماعيل حسن طول العمر، ما كنت حألاقي شعراء زي صلاح أحمد إبراهيم، ولا صديق مدثر، ولا محجوب شريف. فكان لابد أن يطلع المرء من رحمة الشاعر الواحد، أو النمط الشعري الواحد. بعد داك الواحد إبتدا يأخد فكرة عن التلحين. الملحن لو ما خت المتلقي قدامو، يعني يخت الورقة البلحنها قدامو ويعمل تصورو في المتلقي ده منو الحيسمع منو. الحيسمعوك، فيهم المثقف، في البحب الغناء الشعبي، في البحب العاطفة الصرفة، في البحب الأغنية الوطنية. إنت المشاعر دي كلها لازم تختها في بالك.. لأنو مافي أغنية بتنتشر بدون ما تخت حساب المتلقي. المتلقي أيضا في بلد زي بلدنا، يعني ناس درسوا كل العلوم باستثناء الموسيقى! نحنا مثقفنا خريج الجامعة لا يعرف موسيقى.. ودي ما مشكلتو هو، يعني مافي موسيقى في المدارس كمادة، ولا موارد البلد مستعدة تدخل الموسيقى في المدارس في الوقت داك. لكن هسع أفتكر البترول ممكن يعمل كده. فالفنان البيراعي أذواق جميع الناس، يخت في بالو، وما يمسك في المتنبي، ولا البحتري، ولا محمود درويش، ويسيب ناس أبوقطاطي. مهم جدا إنو الملحن يسعى لأن يبقى فنان الناس كلهم، بدون ما ينزل مستوى الحانه. اللحن الكويس مش هو اللحن الطويل، لا. ممكن تعمل أغنية صغيرة كده تبقى جميلة جدا، وفيها كل المضامين الجمالية. فأنا سياستي كانت كده، يعني إني أنا آخذ من كل شاعر.. آخذ من الحلنقي غناء الشباب: زي "توعدنا وتبخل بالصورة"، ولا "عصافير الخريف"، ولا "فرجي خلق الله وإتني"، ولا "الحنينة السكرة"،ده برضي الشباب كلهم، تأخد سوات "العاصفة بساق الشتيل الني".. تفرح أهلنا أهل الدلوكة، ولا "مسكين البدأ يأمل"، ولا تاخذ إيقاعات من الشايقية زي "الريلة "، و"القمر بوبا".. تأخذ قطاع كامل وهكذا. يعني أنا بخت المتلقي، وأنوع الشعر، وأنوع الإيقاعات. وهسع أنا بقيت أتجه أكتر إنو أنا ألحن المردوم.
.
6-9
الأستاذ عبد المنعم خليفة
- هذه رؤية واضحة لفنان عظيم.. والآن أنا إبتديت أفهم.. وبهذه المناسبة عندما رحت الإجازة دي إلى الأبيض، وجدت في رابطة معجبي الفنان محمد وردي.. وهي رابطة منظمة جدا .. يعقدوا اجتماعات، ويجوا العاصمة ويشتركوا في الاستقبال ويرجعوا، وهكذا. يعني حقيقة الفنان وردي أصبح - طبعا من زمان - فنان قومي. وبتفاعله مع مشاعر الجماهير في مختلف بقاع السودان، وتجاوبه مع فنونها البتنساق ليها في دواخلها، وبتثير فيها دواعي الطرب والشجن، كسب قلوب كل السودانيين.. وهو الآن في طريقه إلى الجنوب.
الآن وصل سؤال: "الأستاذ وردي تحدثت عن حقيبة الفن، ولكنك لم تؤدي غير (قسم بي محيك البدري) لكرومة.. والآن بدأ الشباب في ترديد أغاني الحقيبة بصورة مشوهة، مما يستدعي تدخلكم لإنقاذ هذا التراث السوداني الأصيل.. فماذا فعلتم تجاه الحقيبة؟
الأستاذ وردي:
أنا ما عندي شك أنحنا عندنا عبادة التراث.. ما دام جيل زي كرومة وسرور وخليل فرح ختوا بصماتم في تاريخ معين والأجيال الجات بعدهم زي .. ناس احمد المصطفى، والكاشف وعبد العزيز، وعثمان حسين، ديل كمان ختوا تراث.. ونحنا وراهم مازلنا. ليه هم( الشباب) سابوا كل الحاجات دي؟ سابوا مثلا جيل محمد الأمين، جيل وردي، وصلاح ابن البادية، جيل الكاشف، وعثمان حسين، ليه بس بمشوا يحفتوا بس في الرق ده؟ الناس عملت موسيقى، وعملت تطور هائل. فلنحتفظ بالحقيبة كتراث سوداني، لكن الواحد ما يمشي يذاكر لينا في الحتة دي، حتضيف شنو يعني؟ أفرض إنك غنيت لحن لكرومة، إيه أضفت؟ وإنت حقك وين؟ الشاب البيجي في القرن الواحد وعشرين، وعاوز يغني (بدور القلعة وجوهرا). بيضيف شنو يعني؟ ليه ما يجيب حقه؟ .. أنا غنيت (قسم بي محيك البدري) أول شيء لأني كنت بحب الأغنية دي.. سمعتها وأنا ما فاهما.. سمعتها من فونوغراف قديم. وبعدين هاجموني ناس الحقيبة قالوا ده أعجمي وما بقدر يغني حقيبة. فعشان أثبت ليهم إنه الحقيبة دي ما إلياذة هوميروس، قمت غنيتها.. غنيتا بطريقتي أنا، وبموسيقتي أنا، وبالإضافة العملتها أنا.. وأفتكر الأستاذ على شمو تناول المسألة دي في (ورديات)... ولكن بعد كدة، البقول لي غني حقيبة، بقول لا ما بغني. أنا غنيت (المستحيل) و(الود) و(خاف من الله) و(الأناشيد).. ده التراث بتاعي. على قدر ما أنا حي حأضيف حاجة اسمها دي حاجات محمد وردي العملها.
7-9
الأستاذ عبد المنعم :
عظيم أن يبدع الفنان ويتمتع بكل هذا القدر من الثقة ويعطي ويظل يعطي الجديد بدلا من التحجر أمام الماضي
- السؤال من مولانا مهدي عقيد:
الأستاذ وردي سمعت أنك في مرحلة مبكرة قمت برحلات خارج البلاد ودخلت استوديوهات بعض البلدان واطلعت هنالك على تسجيلات لمغنيين سودانيين هل من إعطائنا فكرة؟
الأستاذ وردي:
أيوه الفنانين السودانيين القدامى مسجلين في إذاعات كثيرة جدا، يعني مره مشيت تركيا لقيت إبراهيم الكاشف عامل محاضرة عن الأغنية السودانية، محاضرة فصيحة من هذا الرجل الكان بسموه أمي! وهو أمي في القراءة والكتابة، لكن مثقف شعبي، وملم بالتراث السوداني.. أنا سمعت المحاضرة من الأول للآخر.. ما أخطأ في أي حاجة.. كان سرده واقعي وحقائق وعمل تعريف شامل للأغنية السودانية وتطورها. جيت سألتو قلت ليهو يا أستاذ إبراهيم ليه تركيا؟ قال لي كيف؟ ديل ما أهلي الأتراك! .
مثلا في البي بي سي حضرت تسجيلات نادرة جدا لحسن عطية وأحمد المصطفى.. البي بي سي بتسجل من بدري للناس.
في غرب أفريقيا لو مشيت الكمرون، نيجيريا والسنغال بتلقى تسجيلات للفنانين السودانيين موجودة.. يعني في الكمرون يفتحو الإذاعة الصباح يقول ليك: باسم الله الرحمن الرحيم.. الفنان عثمان حسين يغني لكم"! دا يعني يغني من الصباح لليل!! ..
ودائما نحن بنتكلم عن التوجه الحضاري بتاعنا مماثل أنا بقول الثقافي بالذات مماثل، انحنا عندنا ناس مشاركين في السلم الخماسي بتاعنا مثلا شرق ،وسط غرب أفريقيا نفس الغناء بتاعنا بغنوه.. نحن بدل ما نتوجه لديل بنتوجه لسلالم مختلفة، وناس ما بسمعوا غنانا، أنا بغني 47 سنة.. بجي في البلاد العربية بخشوا لي السودانيين.. ما شفت عرب البلد بخشوا لي .. لأنو الموسيقى بتاعتنا ما ذوقهم وما جواهم.. بينما تعال شوف الحبش بيغنوا أغاني شعبية مثل (القمر بوبا) البعض السودانيين ما بيعرفوا إيقاعها! بعدين السلم الخماسي ما عيب.. الخماسي في أقوى الدول اقتصاديا مثل اليابان خماسي؛ الصين خماسي؛ ماليزيا واندونيسيا دي دول خماسية. يعني الخماسية مش نقص في الموسيقى السودانية، دي طريقة بتاعة حياة ونوع من الثقافة نحن اتشكلنا عليها، أنحن أهلنا وقت سووا الطنابير.. الطنبور الخمس أوتار دا على الخماسي، في ناس لسه ما عرفوا الموسيقى إطلاقا لأنو بتلقى الطنبور في باريس في متحف اللوفر معمول بعصب التور، ومكتوب تحته (آلة نوبية).. على الأقل ليها ثلاثة ألف سنة.. وقبل ثلاثة ألف سنة، منو عندو موسيقى من جيراننا؟ والطنبور مش عند النوبيين بس؛ الطنبور في الشرق، الطنبور في الغرب، الطنبور في الجنوب. يعني دا معناتها أن هذا الشعب صنع آلاته من قديم الزمان. ونحن بنغني، الباقين جو.. كان المسيحية جات، ولا اليهودية، ولا المسلمين جو.. كلهم ديل لقونا بنغني.. ما كنا متبكمين وقت يجو ناس يعلمونا الغنا.. يعني الإشكال ما قادرين نوري ثقافتنا في الحتة الممكن تستقبلها.. ودا بيقودنا لي السودان بلد إفريقي ولا عربي؟ والله السودان سوداني! في الأول سوداني.
أستاذ عبد المنعم :
شكرا جزيلا يا أستاذ. سؤال من الأخ سيف الدولة عبد الرحمن:
- الأستاذ الكبير وردي لم تتوقف طيلة مشاويرك الفنية عن الغناء، في الفترة الأخيرة لم نسمع عن أغاني جديدة.. مع تقديرنا لظروف الاغتراب وظروفك الصحية، هل بالرغم من ذلك لكم ألحان وأغاريد جديدة؟ وما هي من فضلك؟
الأستاذ وردي :
بمناسبة السؤال دا مره سألوا المرحوم الأخ النعام أدم قالو ليهو إنت كل غناك دا، مالك بتغني لينا الغنا الكنت بتغنيهو في البلد؟ ما عندك غنا جديد؟ قال ليهم: إيييييييييك ......
يعني في أغاني جديدة كثيرة أنا لسه ما قعدت كويس.. أسه في الحفلات بقدم أغاني جديدة في السودان.. لسه ما وصلتكم.. إن شاء الله توصلكم، وفي يناير ممكن تسمعوا الجديد..
أستاذ عبد المنعم :
طيب ممكن سؤال أخير للأستاذ وردي.. عن اغترابه عن الوطن (أو اغترابه القسري عن الوطن لسنوات).. فما مدى تأثير ذلك الاغتراب على الفن سلباً أم إيجابا؟ وسؤال تاني مرتبط بهذا الموضوع.. شعورك لما وصلت السودان لأول مرة بعد الغيبة الطويلة شنو؟
الغربة قطعاً يعني سلبياتها أكتر من إيجابياتها.. إنت مهما بقيت مشهور في الغربة، أو بتسمع بعض المغتربيين، ده إنت بتعرف إنو ده ما جمهورك الحقيقي اللي صنعك.. لكن برضو لمن تمشي في بلاد عندها مستوى كبير من الرقي الفني زي أوروبا وأمريكا بتستفيد قطعاً من حاجات كتيرة.. من التقنية الموجودة.. من إنك تلم بي موسيقيين، وتجد بالتالي أستديوهات راقية مستخدمة أحدث التقنيات.. يعني زي ده بتستفيد.. لكن الغربة غير مشكورة على الإطلاق .. يعني أنا يوم ما انبسطت إني قاعد في أمريكا إطلاقاً.. لكن زي ما البلد استقبلتني، أنا برضو استقبلتها.. يعني أخدت البلد في فأل جميل، والغد الأجمل يعني.. والجماهير الاستقبلتني أنا أدتني مشروعية كبيرة جداً بخاف منها.. يعني.. (أوسمة). الواحد ما شاب، والعمر ما طويل، يعني بواقعية شديدة جداً، يعني الواحد بقدر الإمكان عايز يدي لهذا الشعب العظيم كل ما عنده بأسرع ما يمكن.
.
يتبع
ربنا يديك الصحة وطولة العمر.. أنت أعطيت ووافيت وما استبقيت شيء. . فحقيقة سعدنا وكان لنا شرف أننا كنا مقتربين من هذا اللقاء.. و شرف أننا عشنا عصر الفنان وردي وسعدنا به.. وهذه إضافة لهذا النادي.. وتضاف حقيقةً إلى إنجازات هذا النادي الذي حرص على إقامة هذه الأمسية العامرة، التي ما جاد بمثلها الزمان في السنوات الأخيرة.. سعدنا طبعاً قبل سنوات بمهرجان الاستقلال باستضافة بعض الإخوة، عندما كرمنا الفنان الأستاذ/ عثمان حسين وزملاءه، والمؤرخين والرياضيين وغيرهم من المبدعين.. أعضاء وزوار النادي جميعهم سيظلون على موعد مع لقاء الوفاء الكبير للفنان وردي بمهرجان الاستقلال القادم..
الحقيقة أنا جاي مشيت شركة إنتاج فني في مسقط عشان أشوف قناة لتوصيل أشرطة سودانية، يعني فيها تقنية وفيها غناء جميل، مش غُنا محمد وردي وبس لا.. للفن السوداني.. فلقيت.. وراني نماذج من الأغاني السودانية.. أداني ستة أشرطة. خمسة منهم لفنانيين أنا ما بعرفهم..!! إتخيل أنا أكون دورتين نقيب الفانيين، وما بعرف خمسة فنانين عندهم أشرطة بوزعوها بره.. وبي صورهم وابتسامتهم! (دي ما دعاية للأشرطة الجاية) السودانيين ما قوة شرائية.. ليه؟ لأنو ما باخدو شرايط.. وبطبعوا لبعض، وما بهتموا للشريط الأصلي (لكن والله ربنا أداهم العلم ما كضب)؛ لكن هل المغترب ما عندو دور في إنو ينشر ثقافة بلدو صاح؟ هل ده ما دور يعني بالنسبة ليكم كلكم إنكم الأغاني الصادقة الممكن تنتشر توثقوها وتنشروا ثقافة بلدكم الأحسن؟ عشان كده عايزين نشترك كلنا.. نحنا والله عايزين نسوق الغناء السوداني بره، مش عشان يجيب لينا قروش بس.. لا.. عشان يعمل لينا اسم.. (يعني في واحد ممكن يقول ليك ده ما.. أيش يغني محمد وردي ده أنا ما بعرفو)! واحد يغني خمسين سنة وجيرانو ما عارفنو؟!! ونحنا عندنا ناس قاعدين ساي.. تفتكر ديل لو عرفوني وسوقو غناي مش كفاية جداً. لكن ده ما قاعد يحصل.. كيف كيف إنتو كلكم تجندوا انفسكم وتخدموا الثقافة السودانية، والتراث السوداني، والفن السوداني؟ نتمنى يعني نجي نلقى تطور في نشر الثقافة السودانية نشر صاح.. فده رجاء،ً يعني أنا ما بتكلم لأني أنا عندي شركة أنا بتكلم باسم الفن السوداني..
عن السؤال لماذا لم تتقدم الأغنية النسائية؟
لحدي أمبارح دي في بنات دخلوا معهد الموسيقى.. في منهن عازفات ومؤلفات موسيقى؛ لكن ما بالمستوى المطلوب.. المرأة ظُلمت في الحتة دي مافي شك فيها. فالمفروض هي تبقى جسورة، ترتاد الحتة دي بجسارة وبثقة. نحنا غنوا لينا ناس غنا كويس جداً زمان. من أجمل الأصوات (الفلاتية، فاطمة الحاج، مهلة العبادية.. إلى البلابل). هسع ما شايف أصوات زاخرة بالتراث ووصلت ومشت مع الموسيقى مشي كويس. بعدين ده كلو نابع برضو من القيود المكبلة بيها المراة .. وأنا من أنصار المرأة الأخرى. وإن شاء الله المرأة ذاتها تكون عند حسن ظننا وتقتحم هذا المجال اللي بدون مرأة لا يساوي شيء لا يساوي الفن شيئا إذا شلت منو المرأة لأنو المرأة هي الجمال، هي العاطفة، هي كل شيء.
أستاذ عبد المنعم :
شكرا جزيلاً الشكر أجزله للأستاذ الكبير وردي لقد أمتعتنا وأبهجتنا متعك الله بالصحة والعافية، وسظل ناجي وأولاده في حدقات العيون..
الأستاذ وردي
الحقيقة الأستاذ شوقي عمل نقلة تربوية جميلة جداً كونهم الشباب من الجنسين يحفظوا في (جيل العطاء) و(عرس الفداء) ..دي فعلاً تربية قيمة جداً. وكان الأولاد والبنات في مستوى راقي جداً من الأداء. ومن خلال مثل هؤلاء بطلع الفنان الصح.. والفنان بربوهو يعلموهو كيف... والأخ شوقي مشكوراً بذل جهد كبير (الأولاد ديل والبنات ما فيهم صوت نشاز.. ما فيهم إيقاع أعرج، فكانوا في منتهى الروعة). يا جماعة ما عارف في واحد منهم قال لي نحنا كنا خايفين.. لا لا دي حقيقة، أصوات جميلة وأداء جميل، وعزف جميل، وإيقاع جميل.. ما في شك يعني.. وشكراً للإخوة الحضور والأبناء والبنات، وشكراً ليكم كلكم".
*******
االلنك:


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.