الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخرطوم واحتفالات يوم النيل 2015: ضرورة تكملة المشوار!
نشر في الراكوبة يوم 24 - 02 - 2015


1
نظّمتْ وزارةُ الموارد المائية والكهرباء السودانية يوم الأحد 22 فبراير الاحتفالات بيوم النيل لعام 2015. وقد برزت فكرة الاحتفال سنوياً بيوم النيل إثر الجهود الضخمة والإنجازات الكبيرة التي حقّقتها مبادرة حوض النيل منذ عام 1999. وكان احتفال الخرطوم هذا العام، وهو التاسع في سلسلة تلك الاحتفالات، كبيراً، وحضره وزراء المياه من دول حوض النيل، بما في ذلك مصر.
وهذه أول مرة يُنظّم فيها السودان هذا الاحتفال السنوي الذي بدأ العمل به عام 2007. وهي أول مرة تشارك مصر في هذا الاحتفال منذ خمسة أعوام. وقد نتج هذا التأخّر في التنظيم والمشاركة عن حالة ارتباكٍ سادت علاقة السودان ومصر بمبادرة حوض النيل منذ عام 2009.
لكنّ تنظيم السودان لاحتفالات هذا العام قد يكون إشارةً إلى أن حالة الارتباك تجاه مبادرة حوض النيل، والتي ظلّ السودان يعيشها منذ عام 2009، ربما تكون في طريقها إلى الانتهاء. كما يمكن المجادلة أن مشاركة مصر في احتفالات الخرطوم قد تكون أيضاً مؤشراً على أن مصر – مثلها مثل السودان – تبحث كذلك عن وسيلة لإنهاء حالة الارتباك تجاه المبادرة التي ظلت تعيشها القاهرة منذ خمسة أعوام.
سوف نتعرّض في هذا المقال إلى خلفيّة وفكرة الاحتفال بيوم النيل، ونناقش مدلولات تنظيم السودان للاحتفال هذا العام، ومشاركة مصر فيه. كما سنوضّح كيف برز وتصاعد الارتباك السوداني والمصري تجاه مبادرة حوض النيل، وما هي النتائج التي يجب أن تقود إليها هذه الخطوة التصحيحيّة، رغم تأخّرها.
2
برزت فكرة إنشاء مبادرة حوض النيل عام 1997 إثر الاجتماعات التي قادها البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومجموعة من المانحين بغرض جمع دول الحوض تحت مظلة تنظيمٍ وإطارٍ قانونيٍ واحدٍ جامعٍ لكل دول نهر النيل. توالت الاجتماعات بين دول الحوض للاتفاق على أهداف وأُطر المبادرة لمدة عامين. وأخذتْ المبادرةُ شكلها الرسمي في 22 فبراير عام 1999 في مدينة دار السلام في تنزانيا، إثر توقيع وزراء المياه لدول الحوض على وقائع الاجتماع الذي أسّس لقيام مبادرة حوض النيل. وقد اتفق الوزراء في وقائع ذلك الاجتماع على أن الهدف من المبادرة هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة لشعوب الحوض من خلال الانتفاع المنصف والمنافع من موارد النيل المشتركة. وتمّ الاتفاق على برنامج ووثائق العمل للمرحلة التحضيرية.
وقد نجحت المبادرة في عدّة مجالات، من بينها إنشاء سكرتارية مقرّها مدينة عنتبي في يوغندا، ومكتب للنيل الشرقي بأديس أبابا، ومكتب لنيل البحيرات الإستوائية بمدينة كيغالي بدولة رواندا، وتمويل عددٍ من المشاريع المشتركة من صندوق المانحين الذي ساهمت فيه مجموعةٌ من الدول. وتشكّل مجلس وزراء دول حوض النيل الذي ظلّ يجتمع كل عامٍ في إحدى دول الحوض حسب ترتيب الحروف الأبجدي. ويترأس المجلسَ الوزيرُ الذي ينعقد في دولته الاجتماع لمدة عامٍ تبدأ من ذلك الاجتماع. ويترأس السكرتارية في عنتبي مديرٌ تنفيذي يتم اختياره من بين دول الحوض حسب ترتيب الحروف الأبجدية أيضاً. كما تكوّنت اللجنة الفنية الاستشارية لحوض النيل. وبدأ العمل في صياغة اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، والتي عُرِفتْ لاحقا باتفاقية عنتبي.
3
وهكذا صار يوم 22 فبراير عام 1999 معلماً رئيسياً وهاماً وبارزاً في تاريخ حوض النيل، وأصبح يُعرف باسم "يوم النيل." وقد بدأت دول الحوض تحتفل بهذا اليوم منذ عام 2007. أُقيم الاحتفال الأول في 22 فبراير من ذلك العام في مدينة كيغالي بدولة رواندا، حيث التقى السياسيون والفنيون والمبدعون من دول حوض النيل، واحتفلوا وتبادلوا الخطب والتهاني بنجاح المبادرة التي جمعتهم، لأول مرةٍ في التاريخ، تحت مظلةٍ واحدة. وتخلّل ذلك اللقاء والخطب الكثيرُ من العروض الفنيّة من فرق الشباب والأطفال من دول حوض النيل.
وانتقلت الاحتفالات في عام 2008 إلى أديس أبابا في إثيوبيا، ثم إلى مدينة بوجومبورا عاصمة دولة بوروندي في عام 2009. واستضافت دولة يوغندا احتفالات يوم النيل عام 2010.
4
غير أن ذلك المناخ الاحتفالي والودّي تغيّر وتدهور كثيراً إثر بروز وتصاعد الخلافات على اتفاقية عنتبي بين مصر والسودان من جهة، وبقية دول حوض النيل من جهة أخرى في عام 2009. وقد اتصفت استراتيجية السودان ومصر بالكثير من الارتباك تجاه المبادرة نتيجة تلك الخلافات.
بدأ ذلك الارتباك عندما انسحب الوفد السوداني من الاجتماع الوزاري لدول حوض النيل في كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، في شهر مايو عام 2009، عند مناقشة الخلافات على اتفاقية عنتبي. فقد طالب السودان بعدم مناقشة تلك الخلافات في ذلك الاجتماع لأنه قد تمّت إحالتها إلى رؤساء دول حوض النيل. وقد رفضت بقية الدول هذا المقترح، فقام الوفد السوداني بمغادرة الاجتماع. كان ذلك الانسحاب بلا سابقة في اجتماعات دول الحوض، ونتجت عنه سلسلة من التصريحات المرتبكة والمتناقضة من الوفد السوداني.
فقد أخبرت تلك التصريحات الشعب السوداني في البداية أن السودان انسحب من مبادرة حوض النيل. ثم عادت لتقول بعد أسابيع إن السودان لم ينسحب من المبادرة، ولكن جمّد عضويته فيها. ثم صدر تصريحٌ لاحقٌ ثالثٌ يفيد أن السودان لم ينسحب من المبادرة، ولم يجمّد عضويته فيها، ولكن في حقيقة الأمر فقد جمّد فقط مشاركته في مشاريع مبادرة حوض النيل.
ظلّت تلك التصريحات المتناقضة تتوالى رغم أن الموظفين الذين عيّنتهم حكومة السودان للعمل في منظمات ومشاريع مبادرة حوض النيل استمروا في وظائفهم وأداء مهامهم، وواصل السودان حضور اجتماعات وزراء دول الحوض ولجان المبادرة. غير أن السودان ظل رافضاً مع مصر لاتفاقية عنتبي.
الغريب في الأمر أن مصر واصلت حضور اجتماع كينشاسا حتى نهايته رغم انسحاب السودان. غير أن نفس حالة الارتباك انتقلت بعد عامٍ إلى مصر أيضاً، عندما أعلنت القاهرة عام 2010 أنها قد انسحبت من مبادرة حوض النيل. ويبدو أن الحالة السودانية قد انسابت مع مياه النيل من الخرطوم إلى القاهرة.
5
برز ارتباك مصر عندما تعثّرت المفاوضات حول اتفاقية عنتبي خلال الجزء الأول من عام 2010. وكانت مصر قد نظمّت اجتماعين لوزراء دول الحوض في شرم الشيخ والإسكندرية لمناقشة تلك الخلافات. غير أن الاجتماعين انتهيا بالفشل. ثم قامت دول المنبع بالتوقيع على اتفاقية عنتبي في شهر مايو عام 2010. أعلنت مصر إثر ذلك التوقيع مقاطعتها لمبادرة حوض النيل وتجميد نشاطها في المبادرة ابتداءً من ذلك الشهر.
غير أنه عندما أتى دور مصر (حسب الحروف الأبجدية) لتعيين المدير التنفيذي لمبادرة حوض النيل في يوليو عام 2010، فإن مصر لم تتردّد لحظةً في تعيين ممثلها، رغم إعلان المقاطعة للمبادرة قبل شهرين فقط. وتمّ تعيين الدكتور وائل خيري المصري الجنسية مديراً تنفيذياً للمبادرة لمدة عامين، بدأت في أول شهر سبتمبر عام 2010، وانتهت في آخر شهر أغسطس عام 2012.
وقد ظل الدكتور وائل خيري يدير شئون المبادرة، صغيرها وكبيرها، من مدينة عنتبي، ويحضر المؤتمرات الدولية مُمثِّلاً للمبادرة، ويتحدث باسمها، ويتقاضى كل استحقاقات المدير التنفيذي. وفي نفس ذلك الوقت كانت القاهرة تكرّر بانتظام وتؤكّد أنها مقاطعةٌ لمبادرة حوض النيل، وقد جمّدت أنشطتها في المبادرة. وهكذا تواصل الارتباك في التعامل مع المبادرة، لينساب للقاهرة من الخرطوم في أقل من عام.
6
ولكن دول المنبع واصلت العمل في مبادرة حوض النيل رغم غياب السودان ومصر، وتوالت احتفالاتها بيوم النيل، وبصورة أكبر من الاحتفالات الماضية. فقد أُقيمت الاحتفالات بيوم النيل في عام 2011 في مدينة كينشاسا حاضرة جمهورية الكونغو الديمقراطية، تحت شعار "معاً من أجل تعاونٍ أفضل." ثم أُقيم الاحتفال عام 2012 في مدينة جينجا في دولة يوغندا (حيث يخرج النيل الأبيض من بحيرة فكتوريا) تحت شعار "من أجل مستقبلٍ مشتركٍ لشعوب حوض النيل."
وأقيم احتفال عام 2013 من 21 وحتى 23 فبراير (وهو السابع منذ عام 2007) في مدينة بحر دار الإثيوبية التي تقع على بحيرة تانا قرب موقع خروج النيل الأزرق من البحيرة (مثل مدينة جينجا اليوغندية على النيل الأبيض وبحيرة فكتوريا). وقد انعقدت تلك الاحتفالات تحت شعار "استدامة التعاون في حوض النيل من أجل مواجهة التحدّيات المشتركة: التغييرات المناخية وتآكل التربة." وهذا الشعار يتضمّن مخاوف إثيوبيا التي يجرف النيل الأزرق ونهر عطبرة وأنهارها الأخرى كل عام حوالي 120 مليون طن من تربتها، والتي كانت السبب الرئيسي لفقدان سدود السودان لأكثر من نصف طاقتها التخزينية والتوليدية. ولمدينة بحر دار مغزاها في مجال التعاون في حوض النيل. فمنها يبدأ خط الربط الكهربائي بين إثيوبيا والسودان، والذي بدأت إثيوبيا من خلاله تصدير الكهرباء للسودان عام 2013. وتأمل إثيوبيا أن يمتد هذا الخط إلى بقية دول حوض النيل.
7
وجاء الاحتفال بيوم النيل عام 2013 على خلفية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 18 ديسمبر عام 2010 باعتبار عام 2013 عام التعاون الدولي في مجال موارد المياه المشتركة. والغرض من ذلك القرار هو زيادة الوعي بالتحدّيات الضخمة التي تواجهها البشرية في هذا المورد الحيوي، والدعوة لبذل أقصى الجهد في التعاون لمواجهة هذه التحدّيات الجسام. وحثَّ القرار المنظمات الدولية والحكومات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والأفراد للعمل معاً بإخلاصٍ وتعاون وحسن نية لتحقيق هذا الهدف النبيل.
8
ونظّمت يوغندا الاحتفال الثامن بيوم النيل عام 2014 تحت شعار "المياه والطاقة: تحدياتٌ وطنية وحلولٌ عبر الحدود." وقد حاولت كمبالا من خلال هذا الشعار إبراز مشاكل الطاقة الحادة التي تواجه يوغندا، واعتمادها التام على مياه النيل في محاولاتها التصدّي لتلك المشاكل. وقد كانت تلك هي المرة الثالثة التي تستضيف فيها يوغندا الاحتفالات بيوم النيل (تمّت استضافة يوغندا للاحتفالات في الأعوام 2010، و2012، و2014)، بينما استضافت إثيوبيا الاحتفالات مرتين، في عام 2008، وعام 2013.
9
ثم قرّر السودان العودة إلى ساحة المبادرة، وتنظيم احتفالات يوم النيل لآول مرة في الخرطوم. فقد تمّت الاحتفالات التاسعة بيوم النيل في يوم الأحد 22 فبراير عام 2015 في الخرطوم، قرب ملتقى النيل الأبيض والنيل الأزرق. وكان شعار احتفالات عام 2015 "المياه وتطوير سبل المعيشة – فرص التعاون في حوض النيل." ويبدو أن اختيار هذا الشعار كان الغرض منه تأكيد السودان لاحتياجاته المتعدّدة من مياه النيل من ريٍ وكهرباء ومياه شرب. كما كان الغرض أيضاً إبراز دور السودان الجديد في محاولات تسهيل التقارب والتعاون بين دول الحوض، كما وضح في دور السودان في نزاع سد النهضة بين مصر وإثيوبيا.
ويشارك في هذه الاحتفالات بانتظام منذ بدئها وزراء المياه في دول حوض النيل الذين يعقدون اجتماعاً لمناقشة المسائل العالقة خلال تلك الاحتفالات. كما يشارك فيها أيضاً كبار المسئولين في قطاع المياه في دول حوض النيل، بالإضافة إلى ممثلين لمكاتب مبادرة حوض النيل الثلاثة – كيغالي، وأديس أبابا، وعنتبي.
10
أوضح قرارُ السودان تنظيمَ احتفالات يوم النيل هذا العام التراجعَ عن المواقف المتردّدة والمرتبكة التي اتخذها السودان تجاه مبادرة حوض النيل منذ عام 2009. لقد نظمّت يوغندا الاحتفالات ثلاث مرات خلال الأعوام التسعة الماضية. ونظمّتها إثيوبيا مرتين. لكنّ السودان كان في تلك الاحتفالات، مثله مثل مصر، إمّا مقاطعاً كما حدث في البداية، أو مراقباً.
كما أن مصر نفسها قد تراجعت عن قراراتها المرتبكة السابقة بمقاطعة مبادرة حوض النيل، وشاركت في احتفالات الخرطوم هذا العام بوفدٍ وزاري، قاده السيد حسام مغازي وزير الري والموارد المائية بنفسه. وكانت مصر قد شاركت في احتفالات يوم النيل الأربعة الأولى (2007 – 2010)، ثم توقّفت عن حضور تلك الاحتفالات بعد أن وقّعت دول المنبع على اتفاقية عنتبي عام 2010.
11
من الواضح أن السودان ومصر قد اقتنعا أن دول المنبع ستواصل تنفيذ البرامج المتعلّقة بمبادرة حوض النيل، سواءٌ شارك السودان ومصر أم لم يشاركا. وقد برز ذلك في مُضي دول المنبع قدماً بالتوقيع على اتفاقية عنتبي وبدء التصديق عليها. كما برز من بناء مشاريعها على نهر النيل، مثلما فعلت وتفعل إثيوبيا ويوغندا وتنزانيا، وكما وضح من مواصلة إثيوبيا بناء سد النهضة وتأييد دول المنبع لها.
ويبدو أن السودان ومصر قد أحسّا بالعزلة بين بقية دول الحوض، وأنهما الخاسران الوحيدان من المقاطعة (أو التجميد؟)، فآثرا العودة إلى ساحة المبادرة، ومحاولة العمل من الداخل، كما وضح من الاحتفالات التاسعة بيوم النيل.
ومن الواضح أيضاً أن تأييد السودان لسد النهضة قد أضاف مؤشراً آخر قوياً لعزلة مصر بفقدانها لحليفها النيلي التقليدي منذ عام 1959، فقرّرت هي الأخرى العودة. وقد حفظت إقامةُ الاحتفال في الخرطوم الكثيرَ من ماءِ الوجه للقاهرة، فهي لم تحتاج للذهاب لحضور الاحتفال في إحدى دول الحوض الموقّعة على اتفاقية عنتبي التي تعترض مصرُ بشدّة عليها.
12
لقد اتفق وزراء المياه في دول حوض النيل (بما فيهم مصر والسودان) خلال لقائهم في 22 فبراير عام 1999، ووقّعوا على وثيقةٍ تفيد أن الهدف الأساسي لمبادرة حوض النيل هو التوصّل لاتفاقية شاملة لكل دول حوض النيل، وإنشاء مفوضية كوعاءٍ تنظيمي تضمّ كل دول الحوض، تقوم بإدارة الحوض وتنميته وحمايته والاستفادة منه. واتفقوا أيضاً أن الهدف من المبادرة هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة لشعوبهم من خلال الانتفاع المنصف والمنافع من موارد النيل المشتركة.
ولقد قامت اتفاقيةُ عنتبي بترجمة والتوسّع في اتفاق إنشاء مبادرة حوض النيل التي تمّ التوصّل إليها في دار السلام عام 1999، وتضمّنت تفاصيله. كما أن اتفاقية عنتبي لم تشمل أيّة محاصصةٍ أو توزيعٍ لمياه النيل كما يروّج البعض. لقد انبنت الاتفاقية تماماً على مبدأ التعاون بحسن نية لتحقيق الانتفاع المنصف والمعقول لكل دول الحوض (لاحظ كلمة الانتفاع وليس الاقتسام)، كما قضى بذلك اتفاق 22 فبراير عام 1999 الذي وقّع عليه السودان ومصر.
وقد شملت اتفاقيةُ الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية هذين المبدأين (التعاون والانتفاع المنصف والمعقول) بوضوحٍ وتوسّعٍ. وقد دخلت هذه الاتفاقية حيز النفاذ في أغسطس عام 2014، وصادقت عليها حتى الآن 36 دولة. ويشمل هذا الرقم تسع دولٍ عربية هي سوريا، لبنان، الأردن، العراق، ليبيا، تونس، قطر، المغرب، وفلسطين. كما يشمل تسع دولٍ أفريقية هي جنوب أفريقيا، ناميبيا، غينيا بيساو، بوركينا فاسو، نيجيريا، النيجر، بنين، تشاد، وساحل العاج. ويُتوقّع أن تنضمَّ مجموعةٌ من الدول الأخرى لهذه الاتفاقية هذا العام.
13
يبدو أن السودان قد قرّر العودة إلى مظلة مبادرة حوض النيل وإنهاء حالة الارتباك التي اتسمت بها علاقته بالمبادرة منذ انسحابه غير الموفّق من اجتماع كينشاسا عام 2009. غير أنه من الضروري على السودان المُضي قُدماً في العودة الكاملة إلى المبادرة، ودعمها، بالانضمام إلى اتفاقية عنتبي، وكذلك بالانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية.
لقد وقف بعض سياسيي وفنيي السودان لفترةٍ طويلةٍ من الوقت ضد سدِّ النهضة الإثيوبي رغم منافعه الكبيرة للسودان. كما وقفوا ضد اتفاقية عنتبي واتفاقية الأمم المتحدة دون فهمٍ لهما وللمبادئ التي تضمّنتها كلٌ منهما. لكن الدراسة العلمية المتأنية أكّدت الفوائد الضخمة التي ستعود للسودان من سدِّ النهضة. وقد خبا صوت المعارضين السودانيين لسدِّ النهضة تماماً الآن بعد أن اتضحت تلك الفوائد الكبيرة (ووصلت الكهرباء الإثيوبية بعض مدن وقرى السودان)، وبعد أن قرّرت الحكومة السودانية، على لسان رئيس الجمهورية نفسه، تأييد قيام سدِّ النهضة. ولم نعدْ نسمع من المعارضين السودانيين لسدِّ النهضة بعد ذلك القرار. بل إن بعض المعارضين انضموا لركب المؤيدين لسدِّ النهضة حال صدور القرار الرئاسي الخاص بتأييد السدّ.
14
من الواضح أنه قد آن الأوان للسير في طريق التعاون التام الذي تقتضيه مصالح السودان إلى نهايته، بالانضمام لاتفاقية عنتبي. فهذه الاتفاقية هي الوليد الشرعي لمبادرة حوض النيل التي شارك السودان فيها منذ بدايتها، وساهم ووافق على كل رؤاها وبرامجها. ويحتّم ذلك المنهج التعاوني الانضمام أيضاً إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية التي دخلت حيز النفاذ في أغسطس الماضي. فالاتفاقيتان مبنيتان على مبدأي التعاون والانتفاع المنصف والمعقول. وهذان المبدآن هما ما تلتفُّ حوله دول الأحواض المشتركة الأخرى في كل أنحاء العالم للخروج بشعوبها من التخلّف والفقر والجوع والظلام والعطش.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.