شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فتحي الضو : لم أستغرب في زمن الانحطاط المعرفي أن تصبح كلمة بروفيسور ودكتور تنافس كلمة "يا حاج"
نشر في الراكوبة يوم 28 - 10 - 2015

أتخيل سعادة مفترضة من قبل القراء بهذه المقابلة، فقد قدر لها أن تكون مع ضيف حرمنا منه لزمن طويل، لظروف وملابسات قاهرة.. عن نفسي أمضيت زمنا طويلا لكسر طوق هذه العزلة بعزم وصبر، عل براعمها تتفتح في صحيفتنا (اليوم التالي).. لم أشتك من عسر كبير لولا أن صاحبها لديه تحفظه المعلوم من الإجابات المبتورة.. لم أستسلم فلقد ركضت ملء أنفاسي لأتمها وأزفها عروسا عبر هذه السطور، فهي مقابلة من النوع النادر؛ بإجاباتها بالتأكيد.. هنا فتحي الضو؛ يزور الخرطوم على صدر ورقة بيضاء –طبعاً- ويزينها بالحبر الأسود.. كاتب تملؤه السيرة الذاتية، متى ما حاولت أن تفاجئه بالسؤال عن الثقافة مرة تجد الهناء والشفاء.. لاعب ماهر في مستطيل السياسة بمفرداتها القاسية وسنداتها وشرفائها والمجرمين فيها، تسوره المواقف من كل حدب وصوب كأنه مسبحة متى عددت حباتها المنظومة بلا إفراط.. مفجوع بحب وطنه وشعبه.. لديه جراح وأفراح وابتسامات.. حثيثا اقتربنا من كل أدواته التي يستخدمها في الحياة.. يدنو قليلا من أن يكمل سفره السادس الذي كشف عنه في هذه المقابلة؛ لا قبل ذلك أبداً، ثم تجرى معه هذه المقابلة الأولى طوال سنيه العامرات بالفكر والسياسة والأدب والمؤلفات والأكاديميا، نوستالجي من الدرجة الأولى حينما يتذكر الشجرة، وقرية ود عشيب، وعنيد في نفح لهبه على النخبة بمواقفها واخفاقاتها.. يرقد على سرير من الرفاهية قال إنه لا يحس بها بعيدا عن وطنه.. وهاهو أمامكم.. ينهض عن خزانة ذاتية مملوءة بالقيم والتجارب.. عمل بالصحافة الكويتية بدءاً من أواخر سبعينيات القرن الماضي، وحتى مغادرته الكويت بعد الغزو العراقي في العام 1990. استقر بعدها في القاهرة مواصلاً العمل الصحافي في مكتب صحيفة الوطن الكويتية، إلى جانب مشاركته كمستقل في بدايات تأسيس فعاليات التجمع الوطني الديمقراطي، وبخاصة في مجال الإعلام.. في العام 1993 غادر القاهرة ليفتتح أول مكتب لصحيفة عربية لتغطية منطقة القرن الأفريقي (إثيوبيا، أرترييا، جيبوتي، الصومال، كينيا، يوغندا) من مقره في العاصمة أسمرا. قام بتغطية الحرب الأهلية الصومالية، ثمّ العمليات العسكرية في الجبهة الشرقية بين قوات التجمع الوطني الديمقراطي والنظام في الخرطوم.. قام بتغطية الحرب الإثيوبية الأرتريية الثانية 1998 - 2000 وذلك من الخطوط الأمامية وعلى جبهات متعددة. في العام 2002 غادر أسمرا إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يستقر الآن بأسرته.. أقام العديد من الندوات في كثير من المدن الأمريكية، وبعض المدن الكندية، وبريطانيا، وأيرلندا، والنرويج، وهولندا، والقاهرة.. يرأس حالياً اتحاد الصحافيين السودانيين الأمريكيين بالولايات المتحدة الأمريكية.
فتحي الضو:
* عشت في مهاجر ومناف متعددة على مدى ما يقارب الأربعة عقود زمنية.. سلبتني الديكتاتوريات نصفها
* رغم التنقل ظللت أحمل الوطن بداخلي
* كلما تطاولت غربتي اقتربت من الوطن أكثر
* أرهقتني الذاكرة "الغربالية"
* أنا كاتب أدبي ضلَّ طريقه إلى الكتابة السياسية
* النخب السياسية السودانية انتقائية
* مقولة "الخرطوم تقرأ وبيروت تطبع والقاهرة تؤلف" من أكثر المقولات صدقاً وكذباً في آن
* الصادق المهدي غزير الإنتاج ولكنه قليل التطبيق.. ينسى كل شيء حالما يجلس على سدة السلطة
* بيتي وطن مصغر
* الترابي له نشاط وافر في الكتابة الفكرية لكن تفسدها الميكافيلية
* منصور خالد مفكر ضخم ولكنه لا يطبق ما يقول
* تقديراً لك والقراء الكرام أقول إنني أضع اللمسات الأخيرة لمؤلف جديد أتمنى أن يكون "رسالة غفران"
* أنا من المتابعين والمدمنين على الاستماع للشعراء الشباب بخاصة مجموعة "ريحة البن"
* إذا أردت معرفة الواقع السياسي السوداني فعليك بقراءته ثقافياً.. أما إذا أردت معرفة الواقع الثقافي فما عليك إلا أن تقرأ الفاتحة على روحه
حوار .. حسن محمد علي
* في المفتتح؛ أسأل أولاً عن فتحي الضو الغارق في الملفات السياسية والمهمل لدور المثقف؟
- أعتقد أن هذا استهلال جيد لهذا الحوار، وأشكرك عليه لأنه مستفز ويحرض المرء على الدفاع. لكنني لست بصدد الدفاع بقدر ما أريد إقرار حقائق واقعية. الحقيقة أنني ابتعدت في كتاباتي عن تناول الشأن الثقافي، ولكنني لم أبتعد عن المتابعة والقراءات الثقافية المختلفة. والواقع أنني عندما تمضي عليّ فترة زمنية وتصرفني فيها شواغل الدنيا عن القراءة الثقافية تنتابني موجة اكتئاب وأشعر بعسر هضم لكل ما حولي، ولا أستعيد توازني إلا باللجوء إلى قراءة شتى ضروب الأدب من شعر وقصة ورواية. فأنا أؤمن تماماً بأنك إذا أردت معرفة الواقع السياسي السوداني فعليك بقراءته ثقافياً، أما إذا أردت معرفة الواقع الثقافي السوداني نفسه، فما عليك إلا أن تقرأ الفاتحة على روحه.
* لماذا كل هذا الانحياز الصارخ للكتابة الجامدة ذات الحيثيات والأرقام والمستندات رغم أن الروائيين حققوا مجداً كاملاً بخيالاتهم وكتاباتهم الرفيعة؟
- نعم، لعل جمود الكتابة السياسية ناتج من اعتمادها على لغة الأرقام والمواثيق والوقائع المجردة. ثانياً على المستوى الشخصي، فأنا ولجت باب الكتابة السياسية أصلاً من باب الأدب، حيث كنت أقرض الشعر وأكتب القصة في بواكير حياتي، ومن هذه الزاوية يمكنك أن تقول عني إنني كاتب أدبي ضلَّ طريقه إلى الكتابة السياسية. وأقول ضلَّ لأن الكتابة السياسية ليست إبداعية كما تعلم. وليس تبرؤا مني ولا دفاعاً عن نفسي، بل لعلني أعبر بشكل واقعي عن كل الكُتّاب الذين يتناولون الشأن السياسي، وأقول إن ذلك قدر مفروض علينا. ما الذي تتوقعه من كُتَّاب بلد مضى على استقلاله نحو ستين عاماً بالتمام والكامل، استهلكت منها الأنظمة الديكتاتورية الثلاثة التي جثمت على صدره خمسين عاماً؟. أما عن الجزء الثاني من السؤال فيؤسفني أن أقول إننا نشكوا فقراً مدقعاً في الكُتَّاب الروائيين بدليل أن جائزة الطيب صالح التي ينظمها مركز عبد الكريم ميرغني لم تتلق سوى تسع روايات في مسابقة هذا العام، وبالتالي لا أعتقد أن مقاييس المجد التي ذكرتها تنطبق علينا!
* برأيك هل نحن شعب استهلكته السياسة لهذه الدرجة حتى لم يعد له وقت لخلافها حتى على مستوى المثقفين؟
- نعم. أتفق معك تماماً في أن الشأن السياسي استغرقنا كسودانيين. ما تحادث اثنان إلا وكانت السياسة ثالثهما. ذلك يعود في تقديري إلى أمرين، الأول هو ما ذكرت عن تسلط الأنظمة الديكتاتورية على رقابنا. أما الأمر الثاني فهو يعود إلى البيئة المجتمعية. فالسودانيون شعب منفتح على ثقافات الآخرين وهذا الانفتاح يحتم المتابعة الحثيثة لشؤونهم وفي صدارتها السياسة. لكن أعتقد أنها أصبحت حالة مرضية لن تجد لها علاجاً إلا بتنقيح المناهج الدراسية المختلفة وإصلاح التعليم بشكل عام والعالي بشكل خاص، والاهتمام بالثقافة والفنون، وإطلاق الحريات وأشياء أخرى لن تتوفر إلا في ظل نظام ديمقراطي. ولكن أي ديمقراطية نروم؟ هذا هو سؤال المليون كما يقولون.
* حركة الثقافة السودانية تراجعت بشكل تلقائي هل ذلك نتيجة لتقلبات سياسية أم عدم قدرة على العطاء في أجواء غير مواتية؟
- نعم بالطبع تراجعت والذي تراجع في السودان كثير. أنت تعلم أن الأنظمة الديكتاتورية بطبيعتها عدو للثقافة. ولعل مقولة جوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر والتي قال فيها (كلما سمعت كلمة ثقافة أتحسس مسدسي) تعبر تماماً عن نظرة الديكتاتورية للثقافة. لكن دعني أكون منصفاً إذ يمكننى أن أستثني الشعر الذي لم يتراجع بل ظلَّ في تقدم وتألق واضح. وأعتقد أن أمة حداتها أزهري محمد علي ومحمد الحسن حميد ومحمد طه القدال ومحجوب شريف وهاشم صديق وآخرون، لا يمكن أن نحكم على الشعر فيها بالتراجع. وواقع الأمر أنا من المتابعين والمدمنين على الاستماع للشعراء الشباب بخاصة مجموعة (ريحة البن)
* إفرازات الوضع السياسي وانعكاسه على الفعل الثقافي.. بتره أم كبته؟ خنقه أم إتاحة الفرصة أمامه؟
- بالطبع خنقه وهرسه وفطَّسه. دعني أقول لك حقيقة أرددها دائماً وهي أن هويتنا السودانوية ناتجة عن تحالف الجغرافيا والتاريخ. للأسف الشديد لم نستطع استثمار هذا التميز، بل على العكس فالتعدد الثقافي والإثني الذي تتوق له بلدان مثل أمريكا التي أعيش فيها، أصبح مصدر فرقة وشتات وتناحر واستعلاء وحروب في السودان. أعود وأقول إن تلك من أمهات الخطايا التي ارتكبتها الأنظمة الديكتاتورية في حق الشعوب السودانية.
* الحديث عن فشل النخبة السودانية مستمر وكذا إخفاقاتها ومواقفها واستقطابها.. هل انتهى جيل النخب؟
- نعم سيظل الفشل مستمراً طالما أنهم مسؤولون عن صناعة الديكتاتوريات، وطالما بقيت هذه الديكتاتوريات في السلطة بفضلهم. فالنخب السياسية السودانية انتقائية، تجدها دائماً تتمثل بالنماذج السالبة في التاريخ الإنساني. مثلاً أغلبهم لم ير في كل التجارب الإنسانية سوى مقولة المفكر الألماني كارل فون كلاوزوفينتر (الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى) لكنهم لو قرأوا تولستوي أو فيكتور هيجو أو مكسيم غوركي لعرفوا قيمة الحرية وفداحة الحرب. والحقيقة هذا اهتمام مشترك بين الأنظمة ومعارضيها. بدليل أن النظام الحالي ظلَّ يخصص جزءاً مقدراً من ميزانية البلاد للأمن والدفاع على مدى أكثر من ربع قرن. وحتى إن اختلفنا مع برنامجه الأيديولوجي، لو أنه خصص هذه النسبة للخدمات بصورة عامة لكان قد حقق أهدافه وأحدث تغييرا جذرياً في بنية المجتمع، لكن ذلك أشبه بمن يطلب من السماء أن تمطر ذهباً. على الجانب الآخر فالمعارضة دائما ما ترمي بثقلها على الكفة الحاملة للسلاح. حدث هذا مثلاً في تجربة الجبهة الوطنية في يوليو 1976 المفارقة أن النظام الحاكم كان أحد أضلاعها الثلاثة. وحدث هذا في تجربة التجمع الوطني الديمقراطي في أسمرا 1995 وكانت الحركة الشعبية سنده، ويحدث راهناً في تجربة الجبهة الثورية. والحقيقة تتكرر التجارب رغم أنه معروفة نتائجها التي يدفع ضريبتها الرازحون تحت وابل النيران، لكن النخبة لا تكف عن التجارب حتى لو كانت باهظة الثمن!
* في تقديرك أين يكمن الخلل، لماذا الفشل رغم أن هذه النخب مؤهلة أكاديمياً وثقافياً؟
- من أكثر المقولات صدقاً وكذباً في آن واحد، هي مقولة الخرطوم تقرأ وبيروت تطبع والقاهرة تؤلف. صحيح نحن شعب قارئ ولكننا نقرأ للمتعة الذهنية. السيد الصادق المهدي من أكثر السياسيين تأليفاً على المستويين السياسي والفكري، فهو غزير الإنتاج ولكنه قليل التطبيق، ينسى كل شيء حالما يجلس على سدة السلطة. الدكتور الترابي له نشاط وافر في الكتابة الفكرية، لكن تفسدها الميكافيلية التي يتصف بها، لأن الكتابة كما قال ابن خلدون في مقدمته الخالدة (تشذب الأفكار وتهذب النفوس) كذلك الدكتور منصور خالد فهو مفكر ضخم ولكنه لا يطبق ما يقول، فما جدواها إذن؟. أذكر ذات يوم في أسمرا خلال أنس مع الدكتور الراحل عمر نور الدائم، قال لي إن السيد الصادق يوفر عليه قراءة كتاب من 600 صفحة في ست دقائق. وقرأت في حوار مع الرئيس المخلوع جعفر نميري عام 1984 في مجلة التضامن قوله إنه يقرأ أربعة كتب في وقت واحد. وهذا شطط بالنسبة لرئيس جمهورية الذي بالكاد يتوفر له وقت، لكن حتى إن كانت تلك حقيقة فلسوف ينطبق عليه المثل السوداني السائد (القلم ما بزيل بلم)، والحقيقة ما كنت أعتقد أنني سأعيش حتى أعلم أن بعض النخب تطاولت سنواتهم في السلطة ولم يقرأوا حتى آرسين لوبين، وأعرف سياسيين كثرا لم تتعد قراءتهم الصحف والبيانات الحزبية. لذلك فتُطلق الألقاب جزافاً؛ إذ تسمع المفكر والأستاذ لمن لم يصدر مؤلفاً واحداً في حياته. ولذلك نحن كريمون في الألقاب، لم أستغرب في زمن الانحطاط المعرفي الذي نعيشه أن تصبح كلمة بروفيسور ودكتور تنافس كلمة (يا حاج) في ثقافتنا السودانية، وذلك على حد تعبير صديقنا حيدر إبراهيم علي وهو محق بالطبع!
* ماذا تتوقع أرفف المكتبة السودانية من إصدارات جديدة لفتحي الضو؟
- ما كنت أود الإفصاح عن هذا، ولكن تقديراً لك والقراء الكرام أقول إنني أضع اللمسات الأخيرة لمؤلف جديد أتمنى أن يكون (رسالة غفران) وشفيعاً لي في غيابي عن قراء المقالات الراتبة. وكما تعلم فأنا أساساً مهتم بالجانب التوثيقي، وإن سألتني لماذا؟ فسأقول لك لقد أرهقتني الذاكرة (الغربالية) إن جاز التعبير التي نتمتع بها، فالنسيان يعد إحدى صفاتنا السالبة، لهذا تتكرر تجاربنا البائسة.
* الذي يرى عنفوان شخصية فتحي الضو وهو يدخن السيجارة يراها الآن ذابلة.. الغربة أم هو الغبن أيهما تختار في الإجابة؟
- الحقيقة لست ذابلاً، ربما تراءى لك ذلك، فأنا أرى نفسي في قمة عنفوانها الوطني رغم تساقط السنين. فأنا ما زلت أحلم وأعتقد أن تلك مهمة صعبة في زمن وجدنا فيه القابض على وطنه كالقابض على الجمر. عشت في مهاجر ومناف متعددة على مدى ما يقارب الأربعة عقود زمنية، سلبتني الديكتاتوريات أكثر من نصفها، ولكنني رغم التنقل ظللت أحمل هذا الوطن بداخلي وهي المهمة الأصعب. اكتشفت أنه كلما تطاولت غربتي اقتربت أكثر منه. أما الغبينة فلست ممن يتعاملون بها لأنني أمتثل للمثل السوداني القائل (الفشَّ غبينته خرب مدينته).
* أنت من جيل لم يمش كثيراً على شوارع الخرطوم ويشهد تجلياتها الأخيرة بسبب سفرك وغربتك الطويلة.. ماذا تركت لأبنائك من ذكرى وطن؟
- الحقيقة بالمفهوم المعنوي أنا أجوب شوارع الخرطوم كل يوم، طيلة هذه السنوات وأنا أعيش هذا الوطن بكل دقائقه وتفاصيله كل يوم. لدي أربعة من البنين والبنات وجميعهم ولدوا في بلدان مختلفة، ومع ذلك يمكن القول إنني نجحت في تعريفهم بوطن لم يعيشوه ويتعفروا بترابه. لذلك سأكون منصفاً ولا أزعم أنهم يحبونه كما أحبه. فالوطن الذي نتحدث عنه لم يمنحهم شيئاً يذكرهم به، بل على العكس لا شيء يأتي منه يسعد بالنسبة لهم، لا سيِّما وقد ارتبطت الأوطان في أذهانهم بمنطق الحقوق والواجبات. أعتقد أنهم يشفقون عليّ أحياناً من هذا الاستغراق في حضرة من أهوى، ذلك الذي قال عنه الشاعر الراحل محمد الفيتوري (عشقي ينفي عشقي وفنائي استغراق).
* هل هم مدركون الآن لتشكل شخصية سودانية في عوالم بعيدة وأخرى؟.. هل يعرفون الكسرة وزحام المواصلات؟
- بالطبع هم أكثر إدراكاً مني نسبة لوسائل المعرفة التي تلقوها. بيتي وطن مصغر، أستطيع أن أقول إنني حافظت على بيت سوداني مائة في المائة، ليس بمنطق الانعزال عن مجتمع نعيش فيه، وإنما بمنطق أننا نضيف له ثقافة جديدة إلى ثقافاته المتعددة. هذه الثقافة تشمل كل جميل في عاداتنا وتقاليدنا وسلوكياتنا وغالباً ما يكون ذلك مصدر دهشة لمعارفنا من الأصدقاء الأمريكيين أو غيرهم. وللإنصاف فإن زوجتي الراحلة لعبت دوراً كبيراً في كل هذا.
* كيف وجدت الخرطوم في عودتك الأولى بعد غياب دام سبعة عشر عاماً؟
- سُئل الأديب جيمس جويس بعد عودته من منفاه الاختياري في فرنسا: كيف وجدت إيرلندا؟ فقال وهل غادرتها؟ هذه بالضبط نفس مشاعري في العودتين. الأولى التي ذكرتها كانت في العام 2006 بعد سبعة عشر عاماً، لم أشعر بالدهشة التي تتلبس الناس في مثل هذه المواقف، ذلك لأنني كنت مهموماً برؤية الإنسان وليس العمران. أما الزيارة الثانية فقد كانت في مناسبة غير سعيدة لا أذكر منها شيئاً علق بالذاكرة.
* ما الذي اختفى من الشخصية السودانية حتى الآن برأيك في تقلبات العولمة وظهور عوالم الرقمية والهواتف الذكية؟
- هذا سؤال كبير ومهم جداً. المجتمع السوداني ظلَّ في حالة تحولات جذرية، كلنا نعلم أنه في ظلّ الأنظمة الديكتاتورية تظهر المشاعر السالبة من حقد وحسد ومقت وكراهية ونفاق وأنانية واستعلاء وهلموا جرا. هذه التحولات لا تحتاج لمثقفين حتى يرصدوها وإنما تحتاج لمتخصصين في علم الاجتماع. سألت أصدقاء عن عدد الكليات الاجتماعية في الجامعات السودانية، ارتد إليّ سؤالي وهو حسير. عندما رفع النظام الحالي شعاراً نازياً ومستفزاً سماه (إعادة صياغة الإنسان السوداني) ارتعدت فرائص الدنيا كلها إلا نحن لم نول المسألة الاهتمام المطلوب، وكانت النتيجة المؤلمة أن النظام نجح في صياغة البعض وفق مفهومه الأيديولوجي، وهذا ما نرى محصلته في التغييرات العنيفة التي طرأت على المجتمع ويختصرها الناس بالقول المندهش (والله الناس اتغيروا..) من جهة أخرى، نعم الهواتف الذكية قربت المسافات، ولكنني منزعج جداً من سوء استخدام البعض لها، فما لمثل ما نراه صنعت هذه الوسائل.
* ألا تحن لجلسة في مدينة الشجرة تستعيد بها بعضا من أيام ماضية وزمن جميل؟
- الحنين – النوستولوجيا – هو جزء من مكونات الشخصية السودانية، لذلك تجدها رغم كثافة الهجرة وتطاول سنواتها لم تندمج بشكل كامل في المجتمعات التي تعيش فيها. أنا بالطبع لا أستثني نفسي من هذا الحنين الذي يجرفني ويغمرني ليل نهار. أنا ولدت في الحماداب التي يطلق عليها أيضاً الشجرة وأحن لتفاصيل الحياة فيها وهي رغم مدينيتها وقربها من الخرطوم إلا أنها ما زالت تتمسك بأخلاق القرية السودانية. وبالقدر نفسه أحن لنصفي الآخر وهو قرية ود عشيب في الجزيرة، وأظن أنني من خلال الاثنتين معاً توسلت حب هذا الوطن العظيم.
الحلقة الاولي من الحوار نشرت اليوم في صحيفة اليوم التالي
- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.